مصادر يمنية: «خلايا أمنية» إيرانية جندت صالح إلى جانب الحوثيين في «عصبة مذهبية»

قالت إن اليمن يمر بحرب طائفية أعادته عقودًا إلى الوراء

عنصر من المقاومة الشعبية الموالية للحكومة الشرعية على متن دبابة خلال اشتباكات مع مقاتلي الحوثي في تعز (رويترز)
عنصر من المقاومة الشعبية الموالية للحكومة الشرعية على متن دبابة خلال اشتباكات مع مقاتلي الحوثي في تعز (رويترز)
TT

مصادر يمنية: «خلايا أمنية» إيرانية جندت صالح إلى جانب الحوثيين في «عصبة مذهبية»

عنصر من المقاومة الشعبية الموالية للحكومة الشرعية على متن دبابة خلال اشتباكات مع مقاتلي الحوثي في تعز (رويترز)
عنصر من المقاومة الشعبية الموالية للحكومة الشرعية على متن دبابة خلال اشتباكات مع مقاتلي الحوثي في تعز (رويترز)

إلى ما قبل انقلاب الحوثيين على الشرعية اليمنية، العام الماضي، لم تكن الطائفية السياسية أو المذهبية قد برزت بالشكل الذي هي عليه اليوم، حيث يحمل خطاب عدد من الأطراف لغة طائفية ومناطقية ومذهبية، تغذيها تصرفات الحوثيين.
يقول مراقبون إن الزيديين، وهم أقلية، وسكان صنعاء وصعدة وبعض المحافظات المجاورة، والشوافع، وهم الأغلبية السكانية والمذهبية، كانوا يتعايشون بشكل طبيعي، وتجمعهم الأفراح والأتراح والأنساب والمصاهرة وشراكة العمل والسكن وغيرها من الأمور الحياتية اليومية.
وترى كثير من الأوساط اليمنية أن اليمن بات مهددًا بخطر الانقسام المذهبي والطائفي، جراء سلوك الحوثيين، الذي بدأ بتفضيل وتقديم من يصفونهم بـ«السادة» أو الهاشميين، ثم اتسع نطاق الأمر ليشمل سكان مناطق معينة من البلاد، وهي المناطق الزيدية، لكن هذه الأوساط تؤكد أن الحوثيين واصلوا منهج أسلافهم الذين رمت بهم الثورة اليمنية في 26 سبتمبر (أيلول) عام 1962، خارج الحكم، بالدخول إلى النظام الجمهوري، وفي الأدبيات السياسية والذاكرة المعرفية لكثير من اليمنيين، فإن هناك فئات اجتماعية يمنية ترى نفسها فوق مصاف البشر وأنها الأحق بالحكم وأن بقية المواطنين عبارة عن «رعية»، لا أكثر.
يقول سياسيون، في أحاديث متفرقة لـ«الشرق الأوسط»، إن التطورات التي شهدتها اليمن خلال عام مضى، بينت أن النية كانت مبيتة لمثل هذا الانقلاب للانقضاض على الحكم، منذ عقود، ولكن التحضيرات الحقيقية بدأت عقب الإطاحة بالرئيس المخلوع علي عبد الله صالح من الحكم في الثورة الشبابية الشعبية عام 2011، حيث يتحدث هؤلاء السياسيون عن أن صالح «الذي يجيد اللعب على المتناقضات، استخدم ورقة المذهبية وانتمائه للمذهب الزيدي لتخويف الزيود من أن الحكم سيخرج من أيديهم، وسيفقدون السيطرة والسلطة الكاملة التي يتمتعون بها في السلطة والاقتصاد والتجارة والجيش والأمن».
ويعتقد اللواء قاسم عبد الرب العفيف، القائد العسكري والدبلوماسي اليمني الجنوبي السابق، أنه «لم يكن هناك في أي وقت من الأوقات أي ظهور علني لانقسام طائفي في السابق بين طوائف اليمن المختلفة، على الرغم من تبني ذلك النمط في أحشاء دولة الأئمة السابقة، التي كان عمود سياستها ومنهجها مرتبط بالطائفة الزيدية، كان ذلك على مساحة اليمن التي كانت تحكم من قبلها، ومع ذلك كان هناك تعايش إلى حد ما مع أغلبية المواطنين من المذاهب الأخرى».
وأضاف العفيف: «في تلك الفترة كان الجنوبيين غير معنيين بذلك، لأنهم ليسوا من رعايا تلك الدولة، وكان هناك تجانس في المجتمع الجنوبي في إطار طائفة متوحدة وفي الوقت نفسه لم يلتفت إلى ذلك أحد».
ويرى العفيف أن الثورة اليمنية في شمال اليمن فشلت في القضاء على الانقسام الطائفي، بدليل «السيطرة الجهوية على كل مفاصل الدولة العسكرية والأمنية والمدنية وإقصاء الآخرين تحت مبررات مختلفة، أما الجنوب فلم يكن هناك أي شعور بذلك الانقسام بين مواطنيه بحكم التوجه السياسي ما قبل الوحدة الذي كان اتخذ شكلا يعتمد على أسس مدنية».
ويؤكد الدبلوماسي العفيف لـ«الشرق الأوسط» أن الأحداث التي وقعت خلال السنوات الماضية و«الصراع المحتدم بين أركان النظام على اقتسام الثروة والسلطة ومع مجيء ثورات الربيع العربي وما تلا ذلك في اليمن من انقسام كاد يؤدي إلى حرب أهلية، تمخض ذلك عن تسليم السلطة إلى سلطة انتقالية جرى فيها حوار شامل اشتركت فيها قوى سياسية اجتماعية تمخض عن مخرجات كادت تؤدي إلى حسم مسالة السلطة والثروة ومشاركة الجميع.
وتابع: «وفي الأخير أدى ذلك إلى بروز تحالف طائفي بين الرئيس السابق الذي ينتمي إلى الطائفة الزيدية مع مَن يعتقدون أنهم أصحاب الحق الإلهي في السلطة من الطائفة الزيدية، والهدف هو الانقلاب على مخرجات الحوار واستعادة السلطة إلى معقلها المركزي في الطائفة نفسها».
وأشار العفيف إلى أن ذلك تم بالتناغم مع قوى إقليمية وعالمية «اتفقت مع ذلك التوجه الطائفي لكي تضع أقدامها على مساحة الجمهورية اليمنية التي تتمتع بموقع استراتيجي مهم كان التحالف مع الخارج لهذه القوى الطائفية هو تأمين دعم سياسي لوجيستي يمكّن ذلك التحالف من الهيمنة على اليمن كاملا، وهذا يتجاوب مع إيران في التوسع والهيمنة، لهذا كان تدخل التحالف العربي مهمًا للغاية لإنقاذ اليمن من الحروب الداخلية، وأيضًا منع إيران من الوصول إلى السيطرة على اليمن بموقعه الاستراتيجي».
ويرى الباحث اليمني، نجيب غلاب، رئيس مركز الجزيرة والخليج أنه «أثناء وبعد الاحتجاجات في 2011 اهتزت بوصلة المخلوع صالح الوطنية وأصابها العمى وفقد القدرة على فهم ما يجري، ووجد نفسه محاصرًا وبلا أفق للخروج من تراكمات الأخطاء التي ولدها طول بقائه في الحكم، وتمكنت قوى عصبوية قبلية ومذهبية من إقناعه بأن الخيار الأسلم لحمايته وإعادة بناء السيطرة والهيمنة تحتاج إلى كتلة عصبية تجمع بين الجغرافيا والمذهب لذا لجأ إلى الحوثية كآيديولوجيا مقاتلة والمذهب كإطار جامع والجغرافيا كقبيلة، وعلى هذا الأساس بدأت مخططاته تتحرك حتى وصلنا إلى الانقلاب».
ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلية الأمنية الإيرانية تمكنت من توظيف صالح في بناء قوتها وأصبح مخلب قط قذرًا في معركة مدمرة للجمهورية وللمجتمع اليمني، وأصبح محاصر بين فكي التحالف وأصبح صالح مسجونا في مشنقته التي اعتقد انه ستعيد قوته وتمكنه من الحكم ولو من وراء الكواليس، لكن تطور الصراع حوله إلى موظف في معركة خاطئة، وما زال يبحث عن بطولة بعد أن فقد ذاكرته، ويبدو في خطابه وكأنه عضو حوثي مخلص، ويعمل بأقنعة متنوعة فقط لإخفاء كارثته وخدمته لمشروع الإمامة الزيدية التي أصبحت خمينية وولائها لجغرافيا الملالي في بلاد فارس».
وتشير تصرفات الحوثيين، الذين لا يخفون ارتباطهم المذهبي والفكري والمالي بإيران، إلى سعيهم لخلق صراع مذهبي في اليمن بين شافعي وزيدي، فخلاصة ما يقدمون عليه هو عملية الفرز، وعملية تعميق لهذا الاعتقاد، عبر الفعل المباشر، وذلك يتضح من خلال أن الحرب شنت على المناطق الشافعية (السنية)، الجنوب وتعز والحديدة وإب ومأرب وغيرها، وإن كل المشاركين في الحرب، على تلك المناطق، ينتمون لمناطق زيدية، وهم خليط من أبناء القبائل وأبناء الهاشميين والأشراف، كما يسمون في بعض المناطق.
ولعل اللافت للنظر، أن الحوثيين استعانوا بأشخاص وعائلات جذورها إما زيدية أو هاشمية، في المناطق الشافعية، وبرزت هذه العائلات، فجأة، في صف الحوثيين، وكأن التنسيق كان قائمًا بينهم منذ فترات طويلة، بل ويذهب البعض إلى الجزم أن مثل ذلك التنسيق كان قائمًا، من خلال دعم مادي وبفرض أشخاص من تلك العائلات في مناصب معينة على مدى عشرات السنين، ولم تتأثر تلك العائلات بالنظام الجمهوري، رغم أنها كانت جزءا من النظام الإمامي البائد.
ويرى نشطاء يمنيون أن الحوثيين لم يجاهروا، حتى اللحظة، بمنطق المذهبية والطائفية والمناطقية، ولكن تصرفاتهم تؤكد ما يبطنون، وقال أحد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، رفض الكشف عن هويته، إن الحوثيين «خلال حربهم الطائفية التي تجري حاليًا، قاموا بتغليف الحرب عبر وصم المستهدفين بالعدوان بأنهم من المنتمين لتنظيم القاعدة وتنظيم داعش».
وأضاف المصدر: «ولكن كيف يمكن للجنوب بكل محافظاته والمحافظات الأخرى، أن يتحول إلى متطرفين في عشية وضحاها؟!»، ويضيف أن الحوثيين «يكذبون كثيرا إلى درجة أنهم ينسون ما يقولون، فتجدهم تارة أخرى يقولون إنهم يحاربون عناصر حزب التجمع اليمني للإصلاح لأنه أيد الحرب»، ويجزم المصدر اليمني بأن «الحرب ذات طابع طائفي ومذهبي، بدليل أنها بدأت في 2013، بحصار منطقة دماج في محافظة صعدة، ثم الحرب عليها».
ودماج منطقة معظم سكانها وافدون ومن طلاب معهد الشيخ الراحل مقبل الوادعي، وهو داعية سني شهير في اليمن، كما يدلل المصدر اليمني على طائفية الحوثيين وحروبهم، باستهدافهم «يهود آل سالم في صعدة عام 2007، وتنظيفهم لصعدة من السلفيين واليهود وكل من يخالفهم الرأي والمذهب، والآن يسعون إلى إخضاع اليمن كله لهذه الفكرة الطائفية وحكم السيد الذي يتلقى أوامره من قم».



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم براك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي، الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يعرف بـ«محور المقاومة» في الفضاء العام في تقديم نصائح لرئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا له ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي كمخرج محتمل، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي ربما يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون منح صك مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي» حينها قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم براك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، فإن واشنطن ربما تكون قد ربحت شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد القيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.