كيف أثرت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر على التجارة العالمية؟

عنصر من الحوثيين على سطح سفينة شحن أثناء الاستيلاء عليها في نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)
عنصر من الحوثيين على سطح سفينة شحن أثناء الاستيلاء عليها في نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)
TT

كيف أثرت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر على التجارة العالمية؟

عنصر من الحوثيين على سطح سفينة شحن أثناء الاستيلاء عليها في نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)
عنصر من الحوثيين على سطح سفينة شحن أثناء الاستيلاء عليها في نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)

​تصاعدت التوترات مؤخراً في البحر الأحمر (أحد أهم طرق الشحن في العالم) عقب تعرض كثير من السفن لهجمات الحوثيين الذين قالوا إنهم يسعون إلى قطع روابط الشحن مع إسرائيل، لإجبارها على إنهاء حربها على غزة.

ونتيجة لذلك، تتجنب مئات السفن قناة السويس التي تقع في الطرف الشمالي الغربي للبحر الأحمر، وتبحر مسافة 4000 ميل إضافية حول أفريقيا، لتستهلك مزيداً من الوقود، وتضيف 10 أيام من السفر أو أكثر إلى رحلتها.

ووفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، فقد تم استهداف السفن المرتبطة بأكثر من 12 دولة، وقال متحدث باسم الحوثيين هذا الأسبوع إنهم يعدون «جميع السفن الأميركية والبريطانية أهدافاً للعدو».

ومرت نحو 150 سفينة عبر قناة السويس خلال الأسبوعين الأولين من شهر يناير (كانون الثاني) الجاري مقارنة ب400 سفينة كانت قد مرت من المنطقة في الوقت نفسه من العام الماضي، وفقاً لشركة «مارين ترافيك» لتتبع السفن.

وقامت شركات الشحن بمضاعفة الأسعار التي تفرضها لنقل حاوية من آسيا إلى أوروبا 3 مرات، وذلك جزئياً لتغطية التكلفة الإضافية للإبحار حول أفريقيا. ويواجه أصحاب السفن الذين ما زالوا يستخدمون البحر الأحمر، وخصوصاً أصحاب الناقلات، ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب.

وعلى الرغم من أن أسعار الحاويات لم ترتفع بعد بالقدر نفسه الذي ارتفعت به خلال جائحة «كورونا»، فإن تجار التجزئة، مثل «أيكيا»، حذروا من أن تجنب قناة السويس قد يؤخر وصول البضائع إلى المتاجر. واضطرت بعض مصانع السيارات في أوروبا إلى تعليق عملياتها لفترة وجيزة أثناء انتظار وصول قطع الغيار من آسيا.

حاوية نقل أثناء مرورها في البحر الأحمر (إ.ب.أ)

ويمكن أن تؤدي هذه التوترات إلى تفاقم التضخم العالمي. وقدر بنك «جيه بي مورغان تشيس» يوم الخميس أن أسعار الاستهلاك العالمية للسلع سترتفع بنسبة 0.7 في المائة إضافية في النصف الأول من هذا العام، إذا استمرت اضطرابات الشحن.

وأعطت «نيويورك تايمز» مثالاً على تأثير هذه الاضطرابات على التجارة العالمية؛ حيث لفتت إلى أن هناك سفينة حاويات انطلقت من سنغافورة إلى سلوفينيا في 15 نوفمبر (تشرين الثاني)، وقد وصلت هذه السفينة إلى ميناء بورسعيد في مصر بعد 12 يوماً فقط، بعد أن مرت عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

وفي طريق عودتها إلى سنغافورة، وصلت السفينة إلى بورسعيد مرة أخرى في 17 ديسمبر (كانون الأول)، ولكن مع تكثيف الحوثيين لهجماتهم، حولت السفينة مسارها وأبحرت أميالاً إضافية حول أفريقيا بدلاً من المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس، ونتيجة لذلك، استغرقت رحلتها شهراً كاملاً؛ حيث إنها لم تعد إلى سنغافورة إلا يوم الجمعة الماضي.

وزادت أهمية البحر الأحمر وقناة السويس في العامين الماضيين، ليس فقط بالنسبة للسفن التي تنقل البضائع بين آسيا وأوروبا، ولكن أيضاً لشحنات النفط والغاز الطبيعي المسال.

قوارب لمسلحين حوثيين بالقرب من سفينة تم الاستيلاء عليها في البحر الأحمر (إ.ب.أ)

وحاولت الدول الأوروبية التوقف عن شراء الوقود من روسيا بعد غزوها لأوكرانيا في عام 2022، لذلك زادت روسيا بشكل حاد من النفط الذي تشحنه عبر قناة السويس، ومعظمه إلى الهند، في حين كثفت أوروبا مشترياتها من الغاز الطبيعي من الشرق الأوسط، عبر قناة السويس أيضاً. ويمر نحو 12 في المائة من النفط الذي تنقله الناقلات في جميع أنحاء العالم، وتقريباً القدر نفسه من الغاز الطبيعي المسال، عبر البحر الأحمر، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وأسقطت البحرية الأميركية كثيراً من الطائرات المُسيَّرة والصواريخ قبل أن تتمكن من الوصول إلى أهدافها، ما حال دون إلحاق أضرار جسيمة بالسفن التجارية. لكن اعتراض المُسيَّرات والصواريخ الرخيصة بطائرات مقاتلة متقدمة هو أمر مكلف بالنسبة لأميركا وحلفائها.

والأسبوع الماضي، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إعادة تصنيف جماعة الحوثي «جماعة إرهابية عالمية».

وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إن هجمات الحوثيين ضد عمليات الشحن الدولية أدت إلى تعطيل التدفق الحر للتجارة وتعريض البحارة للخطر، واصفاً تصنيف الحوثيين «جماعة إرهابية» بأنه يهدف إلى مساءلة الجماعة عن أنشطتها المسلحة.


مقالات ذات صلة

«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

العالم العربي عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)

«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

تضغط القوات الحكومية اليمنية لاستكمال السيطرة على مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية، وتثبيت مواقعها في المرتفعات المطلة على الممر الملاحي الدولي.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)

الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

توسّع الجماعة الحوثية حملات التبرع بالدم في خمس محافظات يمنية، وسط مؤشرات محلية على تزايد أعداد الجرحى وضغوط متصاعدة على المستشفيات وبنوك الدم في مناطق سيطرتها.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي آلاف الأسر اليمنية باتت بلا مأوى بعد الفرار من الهجمات الحوثية (أ.ب)

التصعيد الحوثي يستنزف الخدمات الصحية ويفاقم النزوح

تتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع تجاوز الضحايا خمسة آلاف منذ أغسطس الماضي، ونزوح نحو 200 ألف شخص، بالتزامن مع الضغط على الخدمات الصحية وتفشي الأوبئة.

محمد ناصر (عدن)
الخليج لحظة تدمير منصة إطلاق صواريخ للميليشيا الحوثية (التحالف) p-circle 00:34

التحالف: تدمير 3 منصات إطلاق صواريخ حوثية

أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن تدمير 3 منصات إطلاق للصواريخ تستخدمها الميليشيا الحوثية لتهديد الأمن الإقليمي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج المتحدث ستيفان دوجاريك (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة تدين استمرار اعتداءات الحوثيين على السعودية

أدانت الأمم المتحدة بشدة استمرار الاعتداءات الحوثية على السعودية، بما فيها استهداف مطارَي «الملك خالد» في الرياض و«أبها» الدوليين، الذي أسفر عن ضحايا ومصابين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

ضرائب الصين تضاعف أزمة العلامات الفاخرة عالمياً

مشاة أمام متجر «لوي فيتون» للسلع الفاخرة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)
مشاة أمام متجر «لوي فيتون» للسلع الفاخرة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)
TT

ضرائب الصين تضاعف أزمة العلامات الفاخرة عالمياً

مشاة أمام متجر «لوي فيتون» للسلع الفاخرة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)
مشاة أمام متجر «لوي فيتون» للسلع الفاخرة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)

تواجه صناعة السلع الفاخرة العالمية ضغوطاً متزايدة مع تشديد الصين إجراءاتها الضريبية على الأثرياء، بالتزامن مع ظهور مؤشرات على ضعف الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة، ما يهدد بتعميق أزمة قطاع تبلغ قيمته نحو 350 مليار دولار، ويعاني تباطؤاً مستمراً منذ 3 سنوات.

وتترقب الأسواق نتائج أعمال كبرى المجموعات الأوروبية خلال الأيام المقبلة، وسط مخاوف من أن تؤدي الضرائب الصينية الجديدة، وتداعيات الحرب على إيران، وتراجع ثقة المستهلك الأميركي، إلى تأخير التعافي الذي كانت الشركات والمستثمرون يأملون في تحقيقه خلال النصف الثاني من العام.

وتستهدف الإجراءات الصينية الجديدة الأثرياء الذين استخدموا صناديق ائتمانية خارج البلاد لحماية أصولهم، إذ ألزمتهم السلطات بالإفصاح عن التزاماتهم الضريبية، وتسديد ضرائب متراكمة عن سنوات سابقة بحلول 22 أكتوبر (تشرين الأول).

ويرى محللون أن الضريبة البالغة 20 في المائة قد تضغط على إنفاق شريحة الأثرياء جداً، التي ظلت أكثر قدرة على شراء المنتجات الفاخرة مقارنة بالطبقة المتوسطة المتضررة من أزمة العقارات الصينية.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة؛ لأن المستهلكين الصينيين يمثلون نحو خُمس المشتريات العالمية للسلع الفاخرة، بعدما كانوا لسنوات المحرك الرئيسي لنمو العلامات الأوروبية الكبرى.

ضغوط على كبار المشترين

قال أليكسيس بونهوم، رئيس شركة «ترينيتي آسيا» للاستشارات المتخصصة في السلع الفاخرة ومقرها شنغهاي، إن الإجراءات الضريبية بدأت تؤثر على قرارات الإنفاق لدى أصحاب الثروات الكبيرة.

وأوضح أن بعض الأثرياء قد يواجهون ضغوطاً مؤقتة على السيولة قبل الموعد النهائي لتسوية الضرائب، ما يدفعهم إلى تأجيل مشتريات مرتفعة القيمة. وأضاف أن هذا لا يعني توقفهم نهائياً عن شراء السلع الفاخرة، لكن المزاج الاستهلاكي الحالي لا يشجع على الإنفاق.

وتأتي هذه الضغوط بعد سنوات من تراجع الطلب الصيني منذ جائحة «كوفيد-19»، نتيجة تباطؤ الاقتصاد وتراجع الثقة المرتبط باستمرار أزمة القطاع العقاري.

وأظهرت بيانات مراكز التسوق في البر الرئيسي الصيني خلال الصيف تباطؤاً حادّاً في نمو المبيعات، وفق مذكرة لمحللي «برنشتاين».

ونقلت «رويترز» عن مصدرين مطلعين على أداء مراكز التسوق خلال الربع الثالث أن ظروف السوق ظلت ضعيفة إجمالاً، مع تباين كبير بين العلامات التجارية، فقد حققت العلامات التي تركز على الفخامة الهادئة، مثل «برونيلو كوتشينيلي» المتخصصة في الكشمير و«لورو بيانا» التابعة لمجموعة «إل في إم إتش»، أداءً أفضل من العلامات الأكثر بروزاً في إظهار شعاراتها، مثل «لويس فويتون» و«غوتشي».

ويعكس هذا التحول تغيراً في تفضيلات بعض المشترين الأثرياء الذين باتوا يميلون إلى المنتجات الأقل لفتاً للأنظار، بدلاً من المظاهر التقليدية للترف.

خسائر حادة للأسهم الأوروبية

انعكس ضعف الطلب على أداء أسهم الشركات الكبرى، إذ فقد سهما «إل في إم إتش» و«هيرميس»، المصنعة لحقائب «بيركين»، نحو 40 في المائة من قيمتهما منذ بداية العام، ليتداولا قرب أدنى مستوياتهما منذ سنوات.

كما تراجع سهم مجموعة «كيرينغ»، المالكة لعلامة «غوتشي»، بنسبة 29 في المائة، وسط تصاعد المخاوف بشأن قدرتها على استعادة النمو.

وتواجه «غوتشي» تحديات خاصة، بعدما حذرت «كيرينغ» المحللين من توقع انكماش إضافي في مبيعات العلامة، ما دفع عدداً من المؤسسات المالية إلى خفض الأسعار المستهدفة لسهم المجموعة. وتشير هذه التطورات إلى أن الضغوط لم تعد تقتصر على ضعف المبيعات في الصين، بل امتدت إلى تقييمات الشركات الأوروبية وتوقعات أرباحها المستقبلية.

السوق الأميركية تفقد زخمها

وتزداد صعوبة المشهد مع ظهور مؤشرات على تباطؤ الطلب في الولايات المتحدة، أكبر سوق للسلع الفاخرة في العالم، والتي شكَّلت حتى وقت قريب أحد أبرز مصادر الدعم للقطاع.

وكانت مكاسب الأسهم الأميركية، خصوصاً شركات التكنولوجيا، قد عززت ثروات المستهلكين ودعمت مشتريات المنتجات الفاخرة.

لكن بيانات الإنفاق باستخدام بطاقات الائتمان، التي يتتبعها «سيتي»، أظهرت تراجع مشتريات السلع الفاخرة للشهر الثالث على التوالي خلال أغسطس (آب). وتزامن ذلك مع استطلاعات تشير إلى تنامي القلق بشأن آفاق الاقتصاد الأميركي قبل انتخابات التجديد النصفي، ما يُهدد بإضعاف الإنفاق التقديري حتى بين المستهلكين الأعلى دخلاً.

وتزيد تداعيات الحرب على إيران من حالة عدم اليقين، في ظل تأثيرها على أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي، ما يجعل استعادة الطلب أكثر صعوبة بالنسبة إلى الشركات التي تعتمد على ثقة المستهلكين الأثرياء.

المجوهرات تستفيد من البحث عن القيمة

وسط هذه الضغوط، برزت المجوهرات الراقية بوصفها من المجالات القليلة التي حافظت على أداء أفضل نسبياً. واستفادت علامات مثل «كارتييه»، التابعة لمجموعة «ريتشمونت»، من تزايد اهتمام المستهلكين الأثرياء بالذهب والمعادن النفيسة، التي ينظر إليها بوصفها منتجات تحتفظ بقيمتها بصورة أفضل على المدى الطويل.

ويشير هذا الاتجاه إلى تحول في سلوك المشترين من الإنفاق على المنتجات المرتبطة بالموضة والشعارات التجارية إلى اقتناء قطع تجمع بين الاستخدام الشخصي والقيمة المادية المستمرة.

وفي بكين، قال دنغ تشي، البالغ 51 عاماً، ويعمل في تصدير مكونات البناء الخزفية، إنه يتوقع خفض إنفاقه على السلع الفاخرة بنسبة 20 في المائة مقارنة بالسنوات السابقة. وأوضح أن الإجراءات الضريبية لا تعني بالضرورة أن الأثرياء الخاضعين لها سيتوقفون عن شراء المنتجات الفاخرة، لأن المبالغ التي ينفقونها على هذه المشتريات ليست كبيرة قياساً إلى ثرواتهم.

لكنه عدّ أن المشكلة الأهم تتمثل في التأثير الأوسع لهذه الإجراءات على الثقة، إذ قد يخشى أصحاب الدخول والثروات الأقل نسبياً أن تمتد إليهم تدابير مماثلة مستقبلاً.

نتائج الشركات تختبر آفاق التعافي

سيحصل المستثمرون على أول مؤشر رئيسي بشأن أداء القطاع عندما تعلن «إل في إم إتش» نتائج أعمالها الاثنين المقبل. ويتوقع المحللون أن تسجل المجموعة مبيعات فصلية تبلغ 18.5 مليار يورو (20.7 مليار دولار)، بزيادة واحد في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

ومن المقرر أن تعلن «كيرينغ» و«هيرميس» نتائجهما في 22 أكتوبر، بالتزامن مع الموعد النهائي المحدد في الصين لتسوية الالتزامات الضريبية المستحقة على الأصول المحتفظ بها عبر الصناديق الخارجية.

وستركز الأسواق على أداء المبيعات في الصين والولايات المتحدة، إلى جانب مؤشرات تحسن الطلب لدى العملاء الأثرياء وقدرة الشركات على الحفاظ على هوامش أرباحها.

وتواجه صناعة الرفاهية بذلك اختباراً مزدوجاً؛ يتمثل الأول في استعادة ثقة المستهلك الصيني وسط تشديد الرقابة الضريبية وتباطؤ الاقتصاد، في حين يتعلق الثاني بقدرتها على تجاوز ضعف الإنفاق الأميركي.

ومع استمرار التباين بين العلامات التجارية، قد تتجه الشركات إلى إعادة تقييم استراتيجيات التسعير والتوسع والتسويق، والتركيز بصورة أكبر على المنتجات التي تجمع بين الجودة والقيمة طويلة الأجل. لكن النتائج الفصلية المقبلة ستحدد ما إذا كانت الضغوط الحالية تمثل مرحلة مؤقتة من التراجع، أم بداية فترة أطول من النمو الضعيف في صناعة اعتادت الاعتماد على الإنفاق القوي للأثرياء في أكبر اقتصادين في العالم.


الذكاء الاصطناعي يقود السوق الصاعدة للأسهم الأميركية إلى عامها الرابع

كلمات «الذكاء الاصطناعي» ومجسّم روبوت صغير وعلم الولايات المتحدة في رسم توضيحي (رويترز)
كلمات «الذكاء الاصطناعي» ومجسّم روبوت صغير وعلم الولايات المتحدة في رسم توضيحي (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي يقود السوق الصاعدة للأسهم الأميركية إلى عامها الرابع

كلمات «الذكاء الاصطناعي» ومجسّم روبوت صغير وعلم الولايات المتحدة في رسم توضيحي (رويترز)
كلمات «الذكاء الاصطناعي» ومجسّم روبوت صغير وعلم الولايات المتحدة في رسم توضيحي (رويترز)

تواصل السوق الصاعدة للأسهم الأميركية مسيرتها القوية مع اقتراب الذكرى السنوية الرابعة لانطلاقها، مدفوعة بمحرك الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، الذي يعزز أرباح الشركات والنمو الاقتصادي.

ويتداول مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» قرب مستويات قياسية، قبيل 12 أكتوبر (تشرين الأول)، الذي يصادف مرور أربع سنوات على إغلاق المؤشر القياسي عند أدنى مستوى له في الدورة الحالية، في إشارة إلى بداية أحدث موجة صعود في السوق، وفق «رويترز».

وساهم النمو القوي للغاية في أرباح الشركات، المدعوم بالإنفاق على التوسع في الذكاء الاصطناعي وبمتانة الأوضاع الاقتصادية، في دفع المرحلة الأخيرة من ارتفاع السوق، كما يشكل سبباً رئيسياً لتفاؤل المستثمرين بشأن الأرباع المقبلة.

لكن المخاطر لا تزال تلوح في الأفق رغم استمرار المؤشر في الارتفاع، إذ يشكل رفع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة والارتفاع الحاد في عوائد سندات الخزانة الأميركية عاملين قد يحدّان من زخم الأسهم. كما قد تشهد الأسواق تقلبات مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة الشهر المقبل. كما يشكل اعتماد السوق على الذكاء الاصطناعي مصدر قلق، إذ قد تقابل الأسواق أي مؤشرات على ضعف هذا الاتجاه بعقوبات قاسية.

وقال أنتوني ساغليمبيني، كبير استراتيجيي السوق في شركة «أميريبرايز»: «إن الذكاء الاصطناعي هو السمة المحددة لهذه السوق الصاعدة. وأعتقد أن ما نشهده بعد مرور أربع سنوات على انطلاق السوق الصاعدة هو أن المكاسب السهلة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تحققت... ومع تقدم هذه السوق الصاعدة، ستتعرض الشركات، ولا سيما شركات التكنولوجيا، لضغوط متزايدة لإثبات أن الإنفاق الذي تقوم به اليوم سيترجم فعلياً إلى أرباح».

الموجة الصاعدة الحالية تحتل مرتبة متوسطة

من حيث عمر الأسواق الصاعدة، يمكن تصنيف الموجة الحالية على أنها في منتصف عمرها. ويحتل الصعود الأخير لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» المرتبة الثامنة من حيث المدة بين الأسواق الصاعدة منذ الحرب العالمية الثانية، وفقاً لريان ديتريك، كبير استراتيجيي السوق في مجموعة «كارسن».

وعلى الرغم من اختلاف خبراء الأسهم بشأن تعريف السوق الصاعدة، فإن التعريف الشائع لها هو ارتفاع السوق بنسبة لا تقل عن 20 في المائة، بعد تراجعها بنسبة 20 في المائة على الأقل من ذروة سابقة.

وحققت الموجة الصاعدة الحالية مكاسب بلغت 117 في المائة، لتكون سادس أفضل سوق صاعدة أداءً منذ الحرب العالمية الثانية.

وقال مارك هاكيت، كبير استراتيجيي السوق في شركة «ناشون وايد»: «إن مرور أربع سنوات ليس، بأي حال من الأحوال، أمراً يدعو إلى القلق بشأن سوق صاعدة. فالأسواق الصاعدة لا تنتهي لمجرد تقدمها في العمر، بل تنتهي بسبب اعتلالها».

متداول يعمل في قاعة بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في قلب الموجة الصاعدة

هيمن الذكاء الاصطناعي على أحدث موجة صعود في السوق، إذ جاء إطلاق «تشات جي بي تي» بعد نحو شهر من بدايتها. وتسجل الشركات الأميركية نمواً هائلاً في الأرباح، مع توقعات بارتفاع أرباح شركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بأكثر من 35 في المائة هذا العام، مدفوعة بالإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا العملاقة، المعروفة باسم «هايبرسكيلرز»، لبناء مراكز البيانات.

وتقدّر مؤسسة «أوكسفورد إيكونوميكس» أن نحو ثلث النمو الاقتصادي الأميركي المسجل مؤخراً يعود إلى الذكاء الاصطناعي، بما يشمل الأثر الصافي للاستثمارات المباشرة الداعمة لتوسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فضلاً عن مساهمة ارتفاع ثروات المستثمرين نتيجة مكاسب سوق الأسهم في تعزيز الإنفاق الاستهلاكي.

وقال ساغليمبيني: «إننا نشهد انعكاس تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد وأرباح الشركات».

ومن بين القطاعات الأحد عشر المدرجة في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، لم يحقق مكاسب تفوق مكاسب المؤشر نفسه خلال الموجة الصاعدة سوى قطاعي التكنولوجيا وخدمات الاتصالات، الذي يضم شركتي «ألفابت» و«ميتا بلاتفورمز» العملاقتين في مجال الذكاء الاصطناعي.

وقفزت القيمة السوقية لشركة «إنفيديا»، التي جعلت رقائقها المخصصة للذكاء الاصطناعي منها رمزاً بارزاً لهذه الحقبة التكنولوجية، إلى 5.8 تريليون دولار، مقارنة بـ286 مليار دولار في 12 أكتوبر 2022. وأصبحت الشركة الأكبر في العالم من حيث القيمة السوقية. وتضم الولايات المتحدة 13 شركة تبلغ القيمة السوقية لكل منها تريليون دولار على الأقل، وجميعها باستثناء شركتين تنتمي إلى قطاع التكنولوجيا أو لديها انكشاف كبير على الذكاء الاصطناعي.

مخاطر التركّز تتزايد مع هيمنة التكنولوجيا

تمنح المكاسب التي تحققها أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة والذكاء الاصطناعي هذه الأسهم تأثيراً أكبر على مؤشرات الأسهم الرئيسية، لكنها تجعل السوق أيضاً أكثر تركّزاً في عدد محدود من الشركات. وارتفعت حصة أكبر عشر شركات في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» إلى نحو 40 في المائة، مقارنة بنحو 28 في المائة في أكتوبر 2022، وفقاً لشركة «جي بي مورغان لإدارة الأصول».

وقال أنجيلو كوركافاس، كبير استراتيجيي الاستثمار العالمي في شركة «إدوارد جونز»: «يعكس ذلك قوة الأساسيات الاقتصادية والتفوق في نمو الأرباح، لكنه ينطوي أيضاً على بعض المخاطر. وتكمن مخاطر التركّز في أنه إذا فقد الاتجاه السائد جاذبيته، فقد تتأثر المحافظ الاستثمارية بدرجة أكبر من المعتاد».

ويتمثل خطر آخر في التحول الأخير لـ«الاحتياطي الفيدرالي» نحو رفع أسعار الفائدة، في إطار مساعي البنك المركزي الأميركي لخفض التضخم المرتفع. وقد تؤدي السياسة النقدية الأكثر تشدداً إلى إبطاء الاقتصاد، وربما بصورة حادة. والواقع أن السوق الهابطة الأخيرة، التي أدت إلى بلوغ السوق أدنى مستوياتها في أكتوبر 2022، تزامنت مع دورة حادة من رفع أسعار الفائدة.

كما تسهم زيادات الفائدة في الارتفاع الكبير في عوائد سندات الخزانة. وكان العائد على السندات القياسية لأجل عشر سنوات يحوم حول 5.2 في المائة، بعدما بلغ مؤخراً أعلى مستوى له في 24 عاماً.

وتشكل العوائد المرتفعة عائقاً أمام الأسهم، بما في ذلك من خلال زيادة جاذبية السندات بوصفها استثماراً منافساً للأسهم.

وقال كوركافاس إن شركة «إدوارد جونز» لا تزال ترجّح زيادة الوزن النسبي للأسهم في المحافظ الاستثمارية، لكن توصيتها أصبحت أقل اندفاعاً مما كانت عليه سابقاً، مشيراً إلى تزايد جاذبية أدوات الدخل الثابت.

وأضاف: «ما زلنا نعتقد أن السوق الصاعدة ليست على وشك الانتهاء... لكننا نرى أن من المنطقي تقليص بعض المخاطر في المحافظ الاستثمارية».


العقود الآجلة للأسهم الأميركية ترتفع قليلاً مع تراجع النفط

متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

العقود الآجلة للأسهم الأميركية ترتفع قليلاً مع تراجع النفط

متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ب)

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية قليلاً، يوم الجمعة، مع تراجع أسعار النفط بفعل انحسار المخاوف بشأن الإمدادات في الشرق الأوسط، في حين ظلت أسهم شركات الاتصالات تحت الضغط بعدما أثارت صفقة استحواذ «سبايس إكس» على نطاق ترددي مخاوف بشأن المنافسة في القطاع.

وانخفضت أسعار النفط بعدما صرَّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن بلاده لن تهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة الشهر المقبل، مما خفَّف المخاوف من أن يؤدي الصراع إلى مزيد من الاضطرابات في إمدادات الطاقة العالمية، وفق «رويترز».

وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 1.2 في المائة، لكنها ظلت فوق مستوى 100 دولار للبرميل، الذي يُعدُّ عتبة نفسية مهمة في الأسواق.

وفي سوق السندات، اتسمت عوائد سندات الخزانة الأميركية بالاستقرار النسبي، إذ استقرَّ العائد على السندات القياسية لأجل 10 سنوات عند 5.25 في المائة، ليظل قريباً من أعلى مستوى له في 24 عاماً، والبالغ 5.364 في المائة، والمُسجَّل يوم الأربعاء.

واتجه مؤشرا «ستاندرد آند بورز 500»، و«ناسداك» الذي تغلب عليه أسهم شركات التكنولوجيا، نحو تحقيق مكاسب أسبوعية، رغم تراجعهما خلال الجلستين السابقتين، مدعومَين بالتفاؤل المحيط بموسم إعلان نتائج الرُّبع الثالث، لا سيما في ظلِّ الزخم الذي يقوده قطاع الذكاء الاصطناعي، والذي دفع المؤشرَين إلى تسجيل مستويات قياسية في وقت سابق من الأسبوع.

كما كان مؤشر «داو جونز» للشركات الكبرى يتجه نحو تحقيق مكاسب أسبوعية طفيفة.

وسجَّلت أسهم شركات النمو الكبرى ارتفاعات عامة في تعاملات ما قبل افتتاح السوق؛ إذ صعد سهم «إنفيديا» بنسبة 1.6 في المائة، بينما ارتفع سهما «تسلا» و«أمازون» بنحو 1 في المائة لكل منهما.

وارتفع سهم «سبايس إكس» بنسبة 3.7 في المائة، بعدما أبرمت الشركة المتخصصة في تصنيع الصواريخ والأقمار الاصطناعية صفقة للاستحواذ على محفظة من نطاقات الطيف الترددي منخفضة النطاق تغطي أنحاء الولايات المتحدة، في خطوة تمثل تحدياً مباشراً، عبر الفضاء، لشركات الاتصالات اللاسلكية التقليدية الكبرى في البلاد.

في المقابل، تعرَّضت أسهم شركات الاتصالات لضغوط حادة؛ إذ تراجع سهما «تي موبايل يو إس» و«إيه تي آند تي» أكثر من 6 في المائة لكل منهما، بينما انخفض سهم «فيريزون» بنسبة 5.3 في المائة.

وبحلول الساعة 5:54 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، ارتفعت العقود الآجلة المصغرة لمؤشر «داو جونز» بمقدار 86 نقطة، أو 0.17 في المائة، كما صعدت العقود الآجلة المصغرة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 31.5 نقطة، أو 0.4 في المائة. وارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بمقدار 251 نقطة، أو 0.81 في المائة.

ومن المقرر أن يتسارع موسم إعلان النتائج الفصلية للشركات الأسبوع المقبل، مع استعداد كبرى المصارف للكشف عن نتائجها. وقد أسهمت التوقعات بتحقيق أرباح قوية في دعم الأسهم الأميركية خلال الفترة الأخيرة، رغم التقلبات الجيوسياسية والمخاوف بشأن ارتفاع أسعار الفائدة.

ومن بين الأسهم التي سجَّلت مكاسب مبكرة، ارتفع سهم شركة «هيومانا» بنسبة 14.5 في المائة، بعدما أظهرت بيانات حكومية أميركية أن 95 في المائة من أعضاء الشركة المشتركين في خطط «ميديكير أدفانتغ» للتأمين الصحي لعام 2027 مسجلون في خطط حاصلة على تصنيف 4 نجوم أو أكثر.

في المقابل، انخفض سهم «أبل» بنسبة 1.8 في المائة، عقب تقارير إعلامية أفادت بأن الشركة المُصنِّعة لهواتف «آيفون» طلبت من بعض مورديها خفض إنتاج مكونات هاتفَي «آيفون 18 برو» و«آيفون 18 برو ماكس»، في ظلِّ ارتفاع تكاليف رقائق الذاكرة وزيادة الأسعار، الأمر الذي أدى إلى تراجع طلب المستهلكين.