«عرابة بيروت»... التاريخ دوامة مصائر

السرّ الهشّ عوَّضه الأداء وجمَّلته الصورة

نساء المسلسل من الصنف المُنغَّصة حياته (البوستر الرسمي)
نساء المسلسل من الصنف المُنغَّصة حياته (البوستر الرسمي)
TT

«عرابة بيروت»... التاريخ دوامة مصائر

نساء المسلسل من الصنف المُنغَّصة حياته (البوستر الرسمي)
نساء المسلسل من الصنف المُنغَّصة حياته (البوستر الرسمي)

تُحقّق الحلقات العشر من مسلسل «عرابة بيروت» متعة المُشاهدة. ليس النصّ الذي كتبه مازن طه ونور شيشكلي، مُحرّكَها الأول؛ بل تسبقه الصورة بقيادة فيليب أسمر وبعض الأداء المتفوّق، الغالبة عليه لمسات الأنوثة. رهانُ الحبكة على التشويق مدَّها بالاشتعال حتى النهاية. تتّخذ الشخصيات المُتلبّسة أدوارها مساحةً مُحتَسبة، تتيح لها التبارز، بما يرفع المستوى ويُجمِّل الانتظار.

دُعِّم العمل («شاهد»، إنتاج يليق لـ«إيغل فيلمز») برسائل مُصوّبة نحو المرأة، للتأكيد على امتداد عذاباتها طوال العصور. نساء المسلسل من الصنف المُنغَّصة حياته. لسبب أو لآخر؛ تستتر التعاسة خلف المكياج البرّاق والفستان الساحر. وفي حالة «جولييت» (أداء ممتع لجوليا قصار)، يقيم الأسى تحت عرش القوة. لكل امرأة نصيب من مرارة الحكايات: الأمومة المعرَّضة للنهب والمشرّعة على الابتزاز، والجسد المُنتَهك، والطموح القاتل، والعار المُخيَّط على قياس واحد. يأتي السرّ ليكتمل طرفا اللعب. فالحلقات العشر قوامها تهديد «جولييت» بسلخها عن امبراطوريتها، بالاستناد إلى هشاشة الحجّة وسذاجة ما (خُفيَ).

الأسى يقيم تحت عرش القوة (لقطة لجوليا قصار في المسلسل)

تسكن الهشاشة قصةً تجافي المنطق: ادّعاء أُمٍ دفنَ ابنتها، لتُبقيها لأعوام حبيسة المنزل، بذريعة حمايتها. فهذه الأم النافذة لها أعداؤها، وقد تطيح تصفية الحسابات الابنة البريئة. لا تعود القصة عامل الإبهار الأكبر، لتحلّيها بشيء من المبالغة. الأجمل هي الخطوط الموازية. مثل ثلاثية نادين الراسي، وجيسي عبدو، ورلى بقسماتي. النساء الثلاث بشخصيات محرّكة. هنا التصديق يشتدّ، والتفاعل يتضاعف. فالكراكتيرات هذه منسية بقدر ما هي تحت الضوء. الأولى بدور «مي»، أُمٌ في زواج معلّق وقبضة ذكورية مُحكَمة. يُبيّن العمل العائدة أحداثه إلى ستينات القرن الماضي أنّ شيئاً لم يتغيّر. متى لم تُوفَّق الأم بزواج أثمر أولاداً، هدَّدها رجُلها بقوانين تصطفّ إلى جانبه، تتعلّق بالحضانة وتُكرّس التسلُّط. تؤدّي الراسي دوراً عاطفياً مقنعاً، لعلّ فيه بعضاً من آلامها، تمتهن مفاتيحه وتُنجزه بواقعية. أمومتها طاغية.

تستتر التعاسة خلف المكياج البرّاق (حساب جيسي عبدو)

على الجانب الآخر، جيسي عبدو بدور «زينة» المُصابة بلعنة الماضي. هذه ابنةُ اغتصاب، جرَّها القهر إلى مآلات مبكية. بأداء متقن، تصوّر معنى أن تحفر الوصمة في الروح وتبتلعها شيئاً فشيئاً. ميَّز الجمال إطلالة نساء المسلسل، فشكّلن مرايا للمرأة اللبنانية في الستينات، بالسحر والإغواء والأزياء، إنما خلف الصورة تشظٍّ وانكسارات، ووراء ما يلمع، يكمن الانطفاء.

الدور الذي احترفته رلى بقسماتي، له تأثيره في السياق. يُقال الكثير عن نساء هاربات من أقدارهن، وعن الأثمان المدفوعة. ولما لاحت فرصة الحب، انقضّ ما يدفنه حياً. فالفرص اتّخذت شكلاً آخر، والعلاقة بالبشر أُصيبت بالطعنة الكبرى. ثلاثية الراسي - عبدو - بقسماتي، على مستوى الأنوثة الشابة، تُضاف إليها الأنوثة الأنضج، جوليا قصار وكارول عبود (ملكة دورها)، مع رندا كعدي؛ اكتمال الحلاوة.

رلى بقسماتي بدور مؤثر في السياق (لقطة من المسلسل)

تنضمّ ريان حركة بشخصية الصبية المُصادَرة حياتها، إلى الإتقان الأدائي، وهو رصيد المسلسل ونقطة قوته. فالشابة بتحرّكها ضمن الدور الضيّق، أثبتت أنها مالكة مساحتها، كأنها ملعب واسع يتيح التألّق. اختزالها الارتجاف والخوف والأنفاس الميتة، يؤكد مزيداً من الخطوات نحو إثبات الموهبة. تشكّل مع كارول عبود ثنائية عذبة بعد لقائهما الراسخ في «للموت».

الأداء يشمل أسماء عزَّزت بحضورها السياق وأحداثه، مثل غبريال يمّين، ورودني الحداد، وعمار شلق، مع إيلي متري، والمَشاهد العابرة لمجدي مشموشي رغم حُسن الأداء.

مهيار خضور بدور مرَّ عادياً، لم يتخلله إبهار، ومثله دور بديع أبو شقرا، بقصة الحب غير المتّقد التي جمعته بـ«كاميليا» (نور الغندور). افتُقدت الكيمياء وقلَّ الوهج. وعلى عكس إفساح المسلسل المجال لتميّز فناناته، تعثّر تميُّز الغندور في الدور. المشهد الأخير، بتسريحة الشَعر الجديدة، والنظرة الأكثر مراوغة، عوَّض بعض الشيء مروراً لم يُحسَب.

نور الغندور وبديع أبو شقرا... حبٌ فقد وهجه (لقطة من المسلسل)

عالم السهر في بيروت الستينات، أمام كاميرا فيليب أسمر الفنانة. المشهد حميمي، بمناخه وأضوائه وأغنياته ومزاج اللغة الفرنسية المسيطر على الثقافة اللبنانية. هذا العالم مجبول بالخفايا ومُعمَّد بالنار. فروّاد الملهى الليلي «أولد بيروت»، مسرح الأحداث، شخصياتُ الطبقة المخملية، المُمسكة عالمَي السياسة والمال. التورّط كبير، والتجاوُز أكبر. وما بين الواقع والرغبات، تُفبرك ملفات وتُصفّى حسابات. في النهاية، تُرتكب الجريمة بعد الحشر في الزاوية والزجّ في الموقف الحرج. هنا؛ لا خطوط حمراء، ثمة الانتقام والتشفّي.

لكل امرأة نصيب من مرارة الحكايات (لقطة لنادين الراسي في المسلسل)

يفتقد النصّ بناء حبكته على ما هو أشدّ صلابة من السرّ المبني على الدفن المُلفَّق لطفلة. سرُّه نقطة ضعفه. تعوّض الخطوط الموازية، ونُبل عِبرتها ما بدا ناقصاً: دعونا لا نحكم على ما يظهر. فالدواخل محيطات فيها المسكوت عنه، وما لا يتخيّله الآخر موجوداً.

تحمل المُشاهدة الترقّب، لكنّ الأثر ككل ليس من الصنف الذي يُعلِّم. التفاصيل تغلب عموم الأحداث، فما يُبهج هو التأمّل في أزياء الستينات وتسريحات الشَعر البديعة، مع نظّارات تلك الأيام وسياراتها، والهاتف الذي يُدوَّر قُرصه، قبل زمن الأجهزة المحمولة (الجوالة)، وكل ما أصبح من الماضي.

يُلمِح المسلسل عمداً إلى أزمة «بنك إنترا»، في إسقاط على النهب التراجيدي الذي طال ودائع اللبنانيين. يشاء القول إنّ التاريخ يعيد نفسه، في أقدار النساء والمصير الجمعي. ما لا يتكرّر هو بيروت. كانت مشعَّة، يسمّونها منارة الشرق. اليوم، تُعاند للنهوض.


مقالات ذات صلة

آسر ياسين: «اتنين غيرنا» عالج التناقضات الإنسانية والقلق المزمن

يوميات الشرق آسر ياسين (إنستغرام)

آسر ياسين: «اتنين غيرنا» عالج التناقضات الإنسانية والقلق المزمن

قال الفنان المصري آسر ياسين إنه لم يكن ينوي تقديم مسلسلات درامية خلال موسم دراما رمضان 2026، حتى عُرض عليه سيناريو مسلسل «اتنين غيرنا».

محمود إبراهيم (القاهرة )
يوميات الشرق عصام عمر في زيارة لمقبرة والدته ضمن أحداث الحلقة الأخيرة من «عين سحرية» (الشركة المنتجة)

نهايات مسلسلات النصف الأول لرمضان تخطف الاهتمام في مصر

خطفت نهايات مسلسلات النصف الأول لشهر رمضان الاهتمام في مصر، وهي المسلسلات ذات الحلقات القصيرة (15) التي انتهى عرضها الأربعاء.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق الدراما الجزائرية اجتذبت فنانين مصريين (الشركة المنتجة)

فنانون مصريون يسجلون حضورهم في مسلسلات خليجية وجزائرية برمضان

لفت عدد من الفنانين المصريين الأنظار بمشاركاتهم في أعمال فنية عربية تعرض خلال موسم الدراما الرمضاني الحالي عبر قنوات ومنصات مختلفة.

داليا ماهر (القاهرة )
المشرق العربي وزير الداخلية أنس خطاب استقبل الثلاثاء وفد لجنة التحقيق الدولية المستقلة برئاسة كلٍّ من المفوَّضة منية عمار والمفوَّضة فيونوالاني (الداخلية السورية)

دمشق تناقش تحديات تواجه مسار العدالة الانتقالية مع مسؤولين أمميين

بحث رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف مع وفد لجنة التحقيق الدولية المستقلة سبل تعزيز التعاون وتسريع خطوات العدالة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مي وحازم إيهاب في أحد مشاهد «الست موناليزا» (إم بي سي مصر)

لماذا حقق مسلسل «الست موناليزا» مشاهدات لافتة بموسم رمضان؟

 تصدر المسلسل المصري «الست موناليزا» المركز الأول في نسب المشاهدة بين المسلسلات المعروضة عبر منصة شاهد خلال النصف الأول من شهر رمضان.

انتصار دردير (القاهرة )

«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
TT

«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الخلود المسروق» جاء الفيلم الوثائقي المصري الذي شارك فيه عدد من خبراء الآثار والمسؤولين السابقين، ليرصد تاريخ تهريب الآثار المصرية، والقوانين التي نظَّمت هذه التجارة في السابق، حتى صدور قانون حماية الآثار 117 لسنة 1983.

الفيلم الذي أصدرته مؤسسة «الدستور»، ويتناول قصة نهب الآثار المصرية، أعدَّته هايدي حمدي، وشارك فيه خبراء ومتخصصون بشهادات متعددة أشارت إلى العدد الكبير من القطع الأثرية التي خرجت من مصر عبر العصور، ربما منذ عصر الرومان، والاتفاقات والقوانين التي كانت تنظِّم عملية تقاسم الآثار بين الحكومة المصرية والبعثات الاستكشافية.

وشارك في الفيلم الدكتور محمد عبد المقصود الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، والدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، والدكتور أحمد مصطفى عثمان مدير إدارة الآثار المستردة سابقاً، والخبير الآثاري أحمد عامر مفتش آثار في المجلس الأعلى للآثار.

ويؤكد مشاركون في الفيلم، ومن بينهم أحمد عامر، أن عدد القطع الأثرية التي خرجت من مصر يصل إلى مليون قطعة أثرية، خصوصاً أن هذه المسألة كانت مقننة، وكان مَن يشتري قطعةً أثريةً يذهب للمتحف المصري ويحصل على صك ملكية للقطعة ويسافر بها للخارج، وفق القانون الذي صدر في عهد الملك فاروق عام 1951. ومن أشهر القطع الأثرية التي أشار لها الفيلم والموجودة في المتاحف الخارجية، تمثال رأس نفرتيتي الموجود في ألمانيا، وحجر رشيد الموجود في المتحف البريطاني، ولوحة زودياك معبد دندرة الموجودة في متحف اللوفر بباريس.

ويلفت المشاركون في الفيلم إلى التاريخ الطويل الذي تعرَّضت فيه الآثار المصرية للسرقة والنهب والتهريب، بطرق قانونية وأخرى غير قانونية مع التركيز على الحقب الاستعمارية، خصوصاً الحملة الفرنسية التي أخرجت كثيراً من القطع الأثرية من مصر، سواء إلى باريس أو إلى لندن بعد هزيمة الفرنسيين أمام البريطانيين في الإسكندرية في بدايات القرن الـ19.

رأس نفرتيتي من الآثار المصرية في الخارج (أ.ف.ب)

وخلال عام 2007 تمَّ تشكيل «اللجنة القومية لاسترداد القطع الأثرية»، وأعلن مسؤولون مصريون استرداد نحو 30 ألف قطعة أثرية من الخارج منذ عام 2014 وحتى العام الماضي، ومن بين القطع التي تم استردادها في أغسطس (آب) عام 2025 عدد 13 قطعة أثرية كانت قد وصلت من المملكة المتحدة وألمانيا، بالتنسيق مع وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج.

من جانبه، لفت خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، وأحد المشاركين في الفيلم، إلى أسباب نهب الآثار المصرية عبر العصور، ومنها غياب الوعي بأهمية ما تحمله مصر من تاريخ وحضارة يتمثلان في الآثار المصرية بكل حقبها، وهوس الغرب بالآثار المصرية.

وأوضح ريحان أن المسؤولين عن حماية الآثار المصرية كانوا من الأجانب، خصوصاً الفرنسيين، فقد ظلت مصلحة الآثار لنحو 100 عام تقريباً تحت رئاسة علماء فرنسيين، وأصبحت مصلحة الآثار هيئةً حكوميةً مصريةً خالصةً في عام 1956، بعد جلاء قوات الاحتلال البريطاني نهائياً.

حجر رشيد في المتحف البريطاني (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

واقترح الخبير الآثاري بعض الحلول لوقف عمليات التهريب والعمل على إعادة الآثار المصرية التي تزيِّن متاحف وميادين أوروبا وأميركا، وهي تعديل بعض نصوص المواد التي تقف عقبةً أمام إعادة آثارنا من الخارج في قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 مثل المادة 8 ونصها «تعتبر جميع الآثار من الأموال العامة - عدا الأملاك الخاصة والأوقاف - حتى لو وُجدت خارج مصر وكان خروجها بطرق غير مشروعة»، والتي يجب تعديلها من خلال استبدال عبارة «وكان خروجها بطرق غير مشروعة » لتحل محلها «بصرف النظر عن طريقة خروجها» وبهذا تكون كل الآثار المصرية خارج مصر من الأموال العامة المصرية، وينطبق عليها ما ينطبق على الآثار المصرية.

وكانت أكثر من حملة أطلقها آثاريون من قبل لاسترداد الآثار المصرية المهربة، خصوصاً رأس نفرتيتي وحجر رشيد ولوحة زودياك، في حين تؤكد وزارة السياحة والآثار، في أكثر من بيان، على متابعة كثير من المزادات وقاعات العرض وتتبع القطع الأثرية في الخارج والعمل على استعادتها بالطرق القانونية والدبلوماسية.

ومن القطع المستردة في الفترة الأخيرة رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، وكان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، واستردته مصر من هولندا، بعد رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، كما استردت مصر 20 قطعة أثرية من أستراليا خلال الفترة الماضية.


«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
TT

«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)

ساعتان وربع الساعة غنت خلالها عبير نعمة في صالة «رويال ألبرت» بلندن، مساء الخميس الخامس من مارس (آذار)، فبكت مرات عدة على المسرح، وأبكت جمهورها معها، بينما كانت ضاحية بيروت تتعرض لواحدة من أقسى أشكال القصف المتواصل،

الحفل مخصص في الأصل للاحتفال باليوم العالمي للمرأة، عبر تكريم كبيرات الغناء العربي بصوت عبير نعمة الملائكي، لليلة واحدة استثنائية، لكنه لم يأتِ كما خطط له. فهذه الليلة، وبسبب الظروف المأساوية التي تمر بها المنطقة العربية جاءت مؤثرة، وجمعت حشداً غفيراً أحب أن يتنفس شيئاً من الأمل والرجاء بالفن والموسيقى.

غنت عبير نعمة ترافقها «أوركسترا لندن العربية» بقيادة المايسترو باسل صالح، و«أوركسترا الحفلات الملكية الفيلهارمونية»، وجوقة نسائية رائدة تضم 70 مغنية. كانت في كل مرة تطل عارضة الأزياء الأسترالية اللبنانية جيسيكا قهواتي على الجمهور لتحكي قصة واحدة من النجمات الغائبات، وكأنها شهرزاد طالعة من حكايات «ألف ليلة وليلة»، تصحب الحاضرين إلى عالم من الحلم مع أسطورة جديدة. ثم تأتي عبير نعمة لتؤدي أغنيات مختارة لهذه العظيمة الراحلة وتعيد الجمهور إلى زمن جميل ولّى.

فيروز، أم كلثوم، أسمهان، صباح، وردة، ليلى مراد، وغيرهن، كن نجمات الأمسية وبطلاتها. ولم تكن من أغنية لفيروز أهم من «لبيروت» في تلك الليلة الحزينة اختارتها عبير لتؤدي تحيتها إلى مدينتها الجريحة. وقبل أن تغنيها توجهت إلى الجمهور بالإنجليزية قائلةً: «أنا آتية من لبنان. أنا آتية من بيروت. مدينة عانت كثيراً، وسقطت مرات عديدة، وهي تواجه الليلة واحدة من أصعب محطاتها لكنها في كل مرة تعود وتنهض»، ثم أدت الأغنية وكأنما من قلب محترق.

توجهت عبير نعمة لجمهورها بالقول: «أنا آتية من لبنان» (الشرق الأوسط)

توقفت عبير أكثر من مرة عن الغناء خلال الحفل، وكانت تدير ظهرها للجمهور لتمسح دمعة غدرت بها، أو تترك للجمهور أن يكمل. ليلة صعبة، لكن الحضور كان يقظاً ومتحمساً، ومتفهماً، ومواكباً، يستبق مغنيته إلى الكلمات ولا يترك مكاناً لفراغ.

«ليلة مع الأساطير» بدأت متأخرة عن الوقت المحدد، وكادت تنتهي قبل أن تشفي عبير نعمة عطش جمهورها إلى أغنياتها التي اختتمت بها الحفل، فكانت الأغنية الأثيرة «بصراحة»، ومن بعدها غنت نعمة من دون موسيقى «بلا ما نحس» وسط تصفيق عارم، لتنهي هذه الأمسية الدامعة بـ«تحية لمن رحلوا» وهي تصدح: «كل ما تقلي إنك جايه بصير بشوف الوقت مراية». تلك الأغنية التي أدتها سابقاً في «جوي أوردز» في السعودية.


«دبلوماسية رمضان»… سفراء يتسابقون للظهور في «إفطار المطرية» بمصر

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
TT

«دبلوماسية رمضان»… سفراء يتسابقون للظهور في «إفطار المطرية» بمصر

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)

على موائد ممتدة بطول 20 شارعاً في مصر، قدم أهالي منطقة المطرية (شرق القاهرة) وجبات دسمة لعشرات الآلاف من الحاضرين في «إفطار المطرية» في نسخته الـ12، ومن بين هذه الوجبات «المحشي»، الذي شاركت في إعداده في اليوم السابق للإفطار سكرتيرة السفير الألماني في مصر، في لقطة دبلوماسية ذكية.

ونظم أهالي المطرية، الخميس، الحدث الرمضاني الأكبر في مصر، الذي يقام منتصف الشهر، منذ عام 2013، في تقليد نجح الأهالي في الحفاظ عليه، حتى تجاوز طابعه الشعبي والتكافلي، إلى طابع أشمل حيث يجتذب مسؤولين وسياسيين ودبلوماسيين.

واجتهدت السفارة الألمانية في مصر في استغلال الحدث بشكل أعمق من مجرد الحضور، إلى كونهم فاعلين في الحدث، لا متفرجين مثل غيرهم من الدبلوماسيين، فذهب فريق منهم الأربعاء إلى «عزبة حمادة» حيث يقام الإفطار، وشاركوا في التجهيزات.

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)

وأظهر مقطع فيديو بثته السفارة الألمانية في القاهرة على صفحتها الرسمية، الخميس، سكرتيرة السفير الألماني وهي تقوم بإعداد المحشي مع سيدات المنطقة، ممن يعلمونها كيف تعده بينما يثنين على عمل السيدة الألمانية، وعلقوا عليه «تفتكروا السفارة الألمانية كانت فين إمبارح؟». وبعد ساعات شاركت السفارة صورة للدبلوماسية الألمانية نفسها وهي تتناول المحشي مع مثل مصري طريف «عمايل إيديا وحياة عينيه»، وحضر معها الاحتفالية نائب السفير الألماني أندرياس فيدلر.

وشارك في الإفطار دبلوماسيون آخرون في مقدمتهم السفير الدنماركي لدى مصر لارس بومان، ونائبة رئيس وفد الاتحاد الأوروبي آن شو، ممن صرحوا بأنهم سمعوا كثيراً عن هذا الحدث، ورغبوا في مشاهدته بأنفسهم والمشاركة فيه، مثنين على الأجواء المميزة للاحتفالية.

كما شارك سياح ومؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي، من دول عدة في الفعالية، من السعودية والجزائر والسودان وماليزيا ودول أوروبية. ولأول مرة دوّن المنظمون عبارات ترحيبية بلغات روسية وإيطالية وفرنسية وإنجليزية وألمانية «حتى انتهت كل الحوائط في محيط الفعالية» حسب أحد شباب «15 رمضان»، علاء فريد، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنهم أرادوا أن يجد كل من يحضر الفعالية عبارات ترحب به بلغته.

سكرتيرة السفير الألماني لدى مصر خلال تناولها الإفطار في المطرية بعدما شاركت في إعداده (السفارة الألمانية في القاهرة)

وتضمن «إفطار المطرية» لأول مرة عروضاً فنية تابعة لوزارة الثقافة المصرية، من عروض أراجوز للأطفال، وإنشاد ديني وتنورة. وقالت وزارة الثقافة في بيان إن مشاركتها في الحدث لأول مرة يأتي «تنفيذاً لاستراتيجية وزارة الثقافة الهادفة إلى التوسع في نطاق الفعاليات الثقافية والفنية والوصول بها إلى مختلف المناطق والتجمعات الجماهيرية، ومشاركة المواطنين احتفالاتهم ومناسباتهم المختلفة».

وعلق فريد بأنهم أرادوا أن يجعلوا اليوم ترفيهياً بالكامل ومتنوعاً لمن يقصده، وألا يكون مقتصراً فقط على الإفطار.

وكانت وزيرة التضامن الاجتماعي، مايا مرسي، تفقدت الأربعاء التجهيزات لإعداد الإفطار السنوي، متوجة مجهودات أهالي المنطقة المتواصلة منذ سنوات في إخراج الحدث بإعلانها إشهار مؤسسة مجتمع مدني باسم «شباب 15 رمضان». واحتفى الأهالي بالوزيرة خلال زيارتها، والتف الأطفال حولها لالتقاط الصور التذكارية.

وشارك رئيس الهيئة القومية لسلامة الغذاء طارق الهوبي، في إفطار المطرية، متفقداً التجهيزات ومشيداً بـ«روح التعاون والمشاركة المجتمعية التي تجسدها هذه المبادرة السنوية»، وفق بيان للهيئة، مؤكداً أن «ضمان سلامة الغذاء يمثل عنصراً أساسياً في نجاح مثل هذه المبادرات المجتمعية الكبرى».

وكان إفطار المطرية بدأ بتجمع للأصدقاء من أهالي المنطقة في أحد شوارع عزبة حمادة، وتطور سنوياً بالتمدد إلى شوارع محيطة، ثم بدأ يجتذب ضيوفاً من خارج المنطقة، ثم سياسيين ودبلوماسيين، حتى أصبح من العلامات المميزة لرمضان في مصر.

عرض الأراجوز من فعاليات وزارة الثقافة في إفطار المطرية (وزارة الثقافة المصرية)

وتتزين الشوارع بالغرافيتي والعبارات المُرحبة بالقادمين، والمعبرة عن روح رمضان في مصر، مثل «السر في التفاصيل» و«اللمة الحلوة» و«في قلوب هنا عمرانة»، ويمتد المطبخ في شوارع عدة، حيث تشوى اللحوم والدواجن، ويعد الأرز في أوانٍ ضخمة.

وضاعف أهالي المطرية هذا العام أعداد الوجبات، مع استمرار الحيز الجغرافي نفسه الممتد بطول 20 شارعاً ما مثل «تحدياً كبيراً لنا» حسب فريد، مشيراً إلى أن عدد الوجبات وصل إلى 120 ألف وجبة، مشيداً بالجهود الرسمية لمساعدتهم في إنجاح الفعالية، سواء في تقديم مواد عينية لهم من صندوق «تحيا مصر»، أو من خلال تأمين الفعالية من وزارة الداخلية، وتسهيل كافة الإجراءات والتصاريح من محافظة القاهرة.

وبخلاف المطابخ المفتوحة، يسخر كل مطبخ في منزل بالمنطقة جهوده لدعم الفعالية، التي لا تقتصر على الشارع، إذ يفتح الأهالي منازلهم للضيوف من الصحافيين والمؤثرين ممن يصطفون في الشرفات لالتقاط الصور وتسجيل الحدث.

وأشاد محافظ القاهرة إبراهيم صابر بـ«حالة الدفء والكرم والبهجة الموجودة بين أبناء الحى فى الإفطار الذى شارك به آلاف من الشيوخ والشباب والأطفال، وحرص على حضوره عدد من الوزراء والسفراء والمواطنين من خارج الحي، ليكون نموذجاً حياً للتلاحم الاجتماعي والمجتمعي، الذى يقدم صورة لمصر المترابطة والآمنة»، مؤكداً على أن إفطار المطرية يجسد روح المحبة ويظهر الترابط بين المواطنين بمصر فى رمضان»، وفق بيان للمحافظة.

وتصدرت صور وفيديوهات «إفطار المطرية» منصات «السوشيال ميديا»، وسط تركيز على عنصر «الأمن» في مصر، الذي مكن الفاعلين من إخراج هذا الحدث.