"المعذبون في الأرض" ... كتاب طه حسين الأشد إيلاما

طبعة جديدة توثق لمراحل كتابته وأبعاده النفسية والتاريخية

"المعذبون في الأرض" ... كتاب طه حسين الأشد إيلاما
TT

"المعذبون في الأرض" ... كتاب طه حسين الأشد إيلاما

"المعذبون في الأرض" ... كتاب طه حسين الأشد إيلاما

أعادت هيئة الكتاب المصرية ضمن سلسلة "أدباء القرن العشرين" إصدار كتاب "المعذبون في الأرض" الذي نشره طه حسين في حلقات قبل 77 عاما بمجلة "الكاتب" التي كان يرأس تحريرها آنذاك . وفي مقدمته الضافية للكتاب، يشير الباحث والأكاديمي دكتور خير دومة إلى أنه يستعيد بمحتوياته ذكريات الواقع القاسي الذي كان يرزح تحت أعبائه المصريون زمن الحكم الملكي، وجاء كغيره من مؤلفات العميد دون تمييز كبير ما بين البحثي والإبداعي، أو بين الحديث المباشر بصوت المؤلف التاريخي طه حسين، أو بصوت راوِ متخيل، فضلا عن الحديث إلى قارئ مباشر في لحظة تاريخية محددة، أو عن أشخاص قصصه الخياليين وتكويناتهم النفسية وحبكات حياتهم. وقد ظلت كتبه جميعها في النهاية لونًا مما كان يسميه "الحديث" وهي الكلمة المركزية في خطابه الإبداعي والنقدي، يستوي في ذلك "في الشعر الجاهلي" و"حديث الأربعاء" و"الأيام" و"المعذبون في الأرض"، وغيرها من مؤلفاته الشهيرة.

بدأ طه حسين نشر ما سماه قصة تحمل عنوان "المعذبون في الأرض" في يناير 1946، وكانت المرة الأولى التي يرى فيها القراء ذلك العنوان الدال، في صدارة العدد الرابع من المجلة، وأهداها "للذين يحرقهم الشوق إلى العدل، ويؤرقهم الخوف من العدل". بعدها بشهرين، في عدد مارس 1946، طالع قراء المجلة نصا جديدا بالعنوان نفسه، أهداه طه حسين "للذين يجدون ما لا ينفقون، والذين لا يجدون ما ينفقون". ثم بعدها بأربعة عشر شهرًا، في عدد مايو/آيار 1947، صادف القراء نصا أخر يحمل العنوان السابق، لكنه هذه المرة بلا إهداء. وفي ديسمبر/كانون الأول عام 1947 نشر طه حسين نصًّا رابعًا، لكنه هذه المرة وضع تحته عنوانًا فرعيًّا هو "المعتزلة". وتكرر الأمر نفسه في فبراير عام 1948 بنص أخير بعنوان فرعي هو "صفاء". وهكذا ومنذ بداية 1946 وحتى نهاية عام 1948 كان طه حسين قد نشر في مجلته، وفي غيرها من دوريات ذلك الزمان، أحد عشر قصة من هذا النوع.

وحين شرع في طبعه واجه معارضة من السلطة المصرية، فاضطر لنشره في المطبعة العصرية بمدينة صيدا اللبنانية في سبتمبر/أيلول 1949 دون مقدمة، وأخذت النصوص الأولى عناوين بأسماء أبطالها "صالح" و"قاسم"، و"خديجة" ثم "المعتزلة" و"صفاء"، واحتفظت بقية النصوص بعناوينها "رفيق"، و"خطر"، و"تضامن"، و"ثقل الغنى"، و"سخاء"، وأخيرا "مصر المريضة"، وحين قامت ثورة يوليو أعاد العميد نشر كتابه في نوفمبر/ تشرين الثاني، ضمن مطبوعات دار المعارف، دون إضافة سوى مقدمة تحكي قصة الكتاب وما جرى من حجبه ومنعه في مصر، مستعيداً أجواء تلك الأيام "السود"، في العهد الذي ألِّفه فيه.

ويقول الدكتور خيري دومة في المقدمة أن معظم النصوص المنشورة في الكتاب، التي يغلب عليها الطابع القصصي؛ تعتمد على دراما الحكاية، وتجسد مآسي المعذبين القابعين في أدنى السلم الاجتماعي، وترسمها في أشد صورها وأكثرها إيلامًا. وقد جاء بعضها الآخر إما في صورة قصصية مستمدة من التاريخ الإسلامي، مثل نصي "تضامن" عن عمر بن الخطاب في عام الرمادة، و"ثقل الغنى" عن عبد الرحمن بن عوف وطبيعة علاقته بالغنى، أو في شكل مقالات مباشرة تحكي واقع مصر المرير في النصف الثاني من أربعينيات القرن العشرين، مثل نصي "سخاء" عن أغنياء مصر في الأربعينيات مقارنة بأغنياء المسلمين في الزمان القديم، و"مصر المريضة" الذي خصصه عن وباء الكوليرا الذي ضرب المجتمع المصري.

ويذكر دومة أن "ما يحكيه الراوي في الكتاب خيالٌ في خيال، شيءٌ من ابتداعه الكامل، ولكنه في الوقت نفسه يمثل الحقيقة والأمانة كاملة في نقل التاريخ الحرفي، حيث يلعب الراوي بطريقة ساخرة على هذا الخيط الرهيف الذي يقع بين الحقيقة والخيال".

ويعتبر الكتاب، في طريقة تأليفه ونشره، وفي طبيعة العلاقة بين نصوصه أو فصوله، نموذجًا خالصًا لما سمَّاه بعض الدارسين "حلقة القصص القصيرة"، وما أطلق عليه آخرون "المتتالية القصصية". وأوضح "دومة" أن فكرة "المعذبون في الأرض" ربما راودت طه حسين مرات متعددة خلال حياته كلها، وأطلت برأسها في بعض مؤلفاته القصصية الأقدم مثل "الأيام"، على الأقل في جزئها الأول 1929، كما ألحت عليه كثيرا في سنوات الأربعينيات وعبرت عن نفسها في مؤلفاته "شجرة البؤس" 1944 و"الوعد الحق" 1949 الذي يروي فيه سيرة المستضعفين في الأرض من عبيد مكة الذين أورثهم الله الأرض، وكذلك "مرآة الضمير الحديث" 1949.

يتجاوز العذاب في نصوص "المعذبون في الأرض" الإطار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وحتى الوطني ، ويكاد يلامس الحد الوجودي

ويشير دومة إلى أن مفردات مثل البؤس والفقر والشقاء والحرمان لازمت طه حسين منذ استعاد الجزء الأول من "أيامه" طفلا وصبيًّا، وقد ظهرت هذه المفردات بكثرة في رسالته لابنته التي ينتهي بها الجزء الأول من الأيام. أما مفردة العذاب فلم تكن مطروحة حتى أوائل الأربعينيات في معجمه على هذا النحو، لكن يبدو أن نتائج الحرب العالمية الثانية، مع فساد النظام السياسي والاقتصادي، أعاد الرجل إلى تجربته المؤلمة في الطفولة مع وباء الكوليرا، والتي صورها على نحو لا مثيل له في فصلين متواليين من كتاب الأيام.

إن من يقرأ كتب طه حسين ومقالاته في الأربعينيات يمكنه أن يستشعر درجة أعلى من الحدة التراجيدية في الخطاب، تنضح بألم عميق بعيد الجذور في تجربته. وهكذا فرضت مفردة "العذاب" بعد مفردة "البؤس" نفسها عليه. أما عنوان "المعذبون في الأرض" فقد كان مفتاحًا للكتاب كله، إذ توالت صور المعذبين في عقله حين قارب الستين من عمره، وبدا كأنه يستعيد عذاب طفولته مرة أخرى، فجاءت فصول الكتاب كأنها استكمال لفصول "الأيام" المؤلمة. فالفضاء الذي تدور فيه معظم فصوله هو صعيد مصر زمن طفولة طه حسين، فضاء واحد متشابه، تتكرر مفرداته ، في رفقة الكُتّاب وسيدنا، والدور والضيوف والطعام، والنهر والحقول والأذان والقطار، كما أن أبطال القصص الأساسيين أطفال وصبية في عمره حين كان طفلا، ربما كانوا من رفاقه، أو جاءوا من خياله المجروح، حيواتهم عذاب وفقر وهوان، وتكاد تكون نهاياتهم واحدة، دهسًا بالقطار، أو غرقا، أو انتحارا.

ويتجاوز العذاب في نصوص "المعذبون في الأرض" الإطار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وحتى الوطني المحدود، ويكاد يلامس الحد الوجودي؛ وربما لهذا كانت مفردة "الأرض" في العنوان دالة إلى أبعد حد، فالعذاب ليس في الصعيد وحده، ولا في مصر وحدها، بل في الأرض أو في الكون أو في الوجود الذي لا يملك البشر أن يخرجوا منه. ,

ويخلص أبو دومة أن الكتاب خرج من جو"الظلام المخيم" المعلق بظلام آخر في النفوس الصدور ، في لحظة يأس حاصرت طه حسين في أواخر الأربعينيات، عبر عنها صراحة في النص الأخير من كتابه الذي بدا من عنوانه "مصر المريضة" كأنه تكثيف مرهق لكل المشاعر التراجيدية اليائسة التي عبر عنها في الكتاب، ووصفها في مقدمة الطبعة المصرية بأنها "مزاج من الحزن على بلده الذي كان يراه خليقا بالسعادة، والحرية والأمن والاستقلال.


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).