هل كان الإعلام الفرنسي منحازاً في تغطيته حرب غزة؟

انتقادات كثيرة تطال وسائله المكتوبة والسمعية والبصرية

منظر من حرب غزة (رويترز)
منظر من حرب غزة (رويترز)
TT

هل كان الإعلام الفرنسي منحازاً في تغطيته حرب غزة؟

منظر من حرب غزة (رويترز)
منظر من حرب غزة (رويترز)

يرى كثيرون أن تعامل الإعلام الفرنسي مع الحرب الدائرة في قطاع غزة، كشف أن «الشعارات شيء والممارسة شيء آخر»، وأن حرية الرأي والتعبير الجاري التفاخر بها في الديمقراطيات الغربية، كفرنسا، هي في الواقع فارغة من المضمون، ونسبية، وربما خاضعة لاعتبارات سياسية واقتصادية. وهذا ما سجله المنتقدون بعدما رأوه «انسياقاً» لوسائل إعلامه الكبيرة نحو ازدواجية المعايير واللامهنية في تغطية الأحداث.

ازدواجية المعايير

في عمود جماعي بصحيفة «لوموند» في 16 أكتوبر (تشرين الأول) تحت عنوان «للدفاع عن السلام، علينا الاعتراف بأن حياة البعض لها قيمة مثل حياة البعض الآخر...»، كتبت مجموعة من المثقفين والجامعيين: «بعد أيام من بدء الحرب وارتفاع عدد الموتى، لا يبدو أن لقيمة الضحايا موضع تقدير متكافئاً، فمن جهة يظهر الإسرائيليون كأشخاص لهم أسماء ووجوه وعائلات وتاريخ، بينما لا يُشار الى الفلسطينيين إلا بحصيلة من الوفيات مجهولة الهوية في مكان ما من قطاع غزة... لا أحد يهتم بها ولا يأبه لها ... ».

فابريس فريس (آ ف ب)

الشعور ذاته ورد أيضاً في حوار مع برتران بادي، الباحث في علم الاجتماع المعروف، الذي صرح لموقع «ميديا بارت» الإخباري، بأنه وجد «صعوبة كبيرة» في إيجاد صور أو شهادات تُمكّن المشاهدين من مشاطرة آلام الفلسطينيين. وأردف: «رأيت تحقيقات لا ترى معاناة الطرفين بطريقة متكافئة ولا تعطيهم الصّدى نفسه... هناك ميل نحو تجاهل الهويات، وحين يحدث تدمير في غزة فإن ما يصار إلى تصويره هو ركام من الحجارة بدلاً من تصوير آلام الناس ومعاناتهم ...». وهذا مثلاً ما فعلته يومية «لوبارزيان» في عدد يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني)، عندما اختارت أن تخصّص افتتاحية عددها لتقديم وجوه الأسرى الإسرائيليين واحداً بواحد من دون أي كلمة عن الأطفال والضحايا الفلسطينيين.

هذه الازدواجية في المعايير والتغطية الإعلامية المنحازة أصبحت تُثير استياء كثير من المشاهدين والقراء. وكانت شركة «نيتين»، المسؤولة عن المراقبة والإشراف على الصفحات المخصّصة لتعليقات القرّاء والمشاهدين التابعة لكبرى وسائل الإعلام الفرنسية على الشبكة، أول من دقّ ناقوس الخطر. إذ قالت: «هناك سيل جارف من التعليقات والانتقادات التي تكتسح مواقع وسائل الإعلام الفرنسية تعبيراً عن مشاعر استياء من تغطية إعلامية منحازة منذ بدء الأحداث في غزة يوم 7 أكتوبر الماضي». وأكّدت الشركة في بيانها للصحافة، أنها المرة الأولى التي تواجه فيها هذا الكم الهائل من التعليقات، الذي بلغ ضعف ما كان يصل إليها في السابق. وللعلم، معظم الشكاوى تشمل؛ ليس فقط الاعتراض على المصطلحات المستعملة لوصف أحداث النزاع ومصدر الصور والأشرطة التي تبثها القنوات الفرنسية، بل أيضاً شرعية المتدخّلين و«الخبراء» الذين تستضيفهم في برامجها الإخبارية وعلاقاتهم برسميين إسرائيليين، والوقت المخصّص بصفة غير متكافئة لتغطية الأحداث من الجانبين.

وهنا تنقل مجلة «لاروفو دي ميديا» في مقال بعنوان «الحرب بين إسرائيل وحماس: رسائل القرّاء تصل إلى الضعفين»، أن هيئة الوساطة التابعة لـ«فرنس تلفزيون» (التي تتلقى الشكاوى الموجهة لقنوات القطاع العام)، لم يسبق لها أن تلقت مثل هذا الكمّ الهائل من الشكاوى منذ الأزمة التي تسببت بها جائحة «كوفيد - 19». وأدرج المقال سؤال مشاهد اسمه كريستيان، يقول فيه: «أنا مندهش من الوقت الذي تخصّصونه لأوضاع الإسرائيليين وهو الذي يصل إلى عدة ساعات، بينما لا يتعدى دقائق قليلة حين يتعلق الأمر بالفلسطينيين... أعتقد أن على القطاع العام إظهار حياد تام في وضعية كهذه، أليس كذلك؟». إلا أن إجابة مسؤول التحرير كانت أن «المشكلة تعود لغياب مراسلين في غزة، لأن إسرائيل تمنع دخولهم لدواعٍ أمنية. ولذا فهم يعتمدون على متعاونين من هناك، لكنهم لا يعدّونهم صحافيين ....».

من جهة ثانية، فإن الشعور المتنامي بانعدام المصداقية لدى وسائل الإعلام الكبيرة حاضر بقوة في فرنسا منذ السنوات الأخيرة، ولكن بشكل ملفت للانتباه منذ «أحداث ذوي السترات الصفراء»، وأيضاً إبان أزمة «كوفيد - 19». وهذا الواقع أكّدته دراسة أخيرة ظهرت نتائجها على صفحات أسبوعية «لا كروا»، حين كشفت أن أكثر من 57 في المائة من الفرنسيين ما عادوا يثقون في إعلامهم المحلي حيال ما يتعلق بتغطية الأحداث الجارية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل شدد المصدر ذاته على أن هذا التوجه على صعيد تلاشي الثقة في ازدياد مستمر. وحقاً، يعدّ 59 في المائة من المواطنين المستجوبين أن الصحافيين ليسوا مستقلين «عن ضغوط السّاسة ومَن هم في السلطة»، كما يعتقد 56 في المائة أنه لا يمكنهم مقاومة «ضغوط المال».

باتريك دراهي (آ ف بي/غيتي)

حرب الكلمات

وفي تحقيق لموقع «ميديا بارت» المستقل بإمضاء الصحافيين يونس أبزوز ولوسي دولابورت، تحت عنوان «في قاعات التحرير: النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني يسخن العقول»، نقرأ ما يلي: «يسود قاعات التحرير جو مشحون بالتوتر والقلق إلى حد التسبب في انقسامات حقيقية تتبلور في الخوف من الاتهام بالتحيز». وفي قاعات تحرير «فرنس 24» و«تي في 5» و«إر إم سي» وغيرها، البعض يتكلّم عن «مطاردة ساحرات» تطال الصحافيين، لا سيما المتحدرين من أصول عربية.

المقال يستشهد بقضية الصحافي محمد قاسي من قناة «تي في 5» الفرنسية الذي قرّرت إدارة القناة توقيفه عن العمل، بعد سؤال أحرج فيه الناطق الرسمي للجيش الإسرائيلي أولفي رافوفيتش، حين توجّه إلى ضيفه بخصوص اقتحام مستشفى بغزة، سائلاً: «هل يمكن القول إن إسرائيل تتصرف كـ(حماس)؟».

لتبرير قرار الإبعاد تذرّعت القناة بحجّة «قلة احترام محمد قاسي للقواعد المطبقة في الحوارات الصحافية»، مع أنه التزم بكل أخلاقيات المهنة بشهادة الجميع. والأخطر - كما يكتب الصحافي المستّقل مراد غيشار - أنها المرة الأولى التي تقوم فيها قناة فرنسية بنشر بيان تتبرأ فيه من أحد صحافييها، بدلاً من أن تستدعيه وتحاول معالجة المشكلة داخلياً كما هو معتاد.

وعلى صعيد متصل، تناول مقال موقع «ميديا بارت» الإخباري النقاشات التي أصبحت أكثر حدّة داخل قاعات التحرير منذ بداية أحداث غزة، حيث كتب الصحافي يونس أبزوز، نقلاً عن مجموعة من الصحافيين الذين أدلوا بشهادتهم، أن بعض الكلمات مثل «احتلال» و«حرب» و«مستوطنات» كانت محظورة في التقارير الإخبارية. وهكذا يروي صحافي من قناة «بي إف إم تي في» الإخبارية لموقع «بلاست»، أن قسم التحرير أعّد تحقيقاً جيّداً حول رعاة فلسطينيين من الضفة الغربية اعتدى عليهم مستوطنون إسرائيليون، ولكن حين بُث التحقيق اكتشف الصحافيون أن كلمة «مستوطن» قد اختفت من عنوان التحقيق.

ونوّه الموقع الإخباري المستقل نفسه في تحقيق بعنوان «إسرائيل - فلسطين: كيف نفسر الكارثة الإعلامية؟»، بأنه كان من المتوقع جداً نشر إسرائيل ترسانتها الإعلامية لمحاولة تأطير الخطاب الإعلامي المُرافق لهذه الأحداث، لكن من المدهش السهولة التي تغلغلت فيها عناصر من لهجة الرسميين الإسرائيليين إلى خطاب الإعلاميين الفرنسيين، لا سيما العاملين في القنوات التلفزيونية. إذ تبنّى هؤلاء بسرعة مُذهلة مصطلح «الإرهاب»، مُتخلين عن مصطلح «مقاتلو حماس» الذي استعمل في بداية التغطية فقط، إلى غاية استخدام مصطلحات الرسميين الإسرائيليين نفسها. «اختيار الكلمات» المناسبة كان أيضاً وراء أزمة داخلية في وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، حيث لجأ بعض العاملين فيها إلى إصدار بيان من دون تواقيع، وتسريب أخبار لوسائل الإعلام عن أن إدارة الوكالة تمنع استخدام كلمة «إرهاب» لوصف العمليات المسلّحة لحركة «حماس»، وتخصّص تغطية مهمة لغزة، وهو ما جلب لها كثيراً من انتقادات الدوائر السياسية، حتى إنه طُلب من وزيرة الثقافة قطع التمويل الحكومي عن الوكالة الإخبارية مع تعرضها لمساءلة برلمانية.

فابريس فريس، الرئيس والمدير العام لوكالة الصحافة الفرنسية، شرح بشيء من الانفعال خلال جلسة الاستماع البرلمانية، أن الوكالة لم تمنع أياً من زبائنها (من وسائل الإعلام) من استعمال كلمة «إرهاب» إذا كان ذلك مناسباً لها، «إلا أن الوكالة، ولأن الجنوب الشامل لا يعترف بـ(حماس) منظمة إرهابية، ترى أنه من المهم مراعاة ذلك أيضاً... إذن ما العمل؟»، على حد قول المدير العام للوكالة، «نحن اخترنا أن نكتب (حماس) التي تعدّها المجموعة الأوروبية والولايات المتحدة منظمة إرهابية والتي لا تعترف بدورها بدولة إسرائيل بحدودها الحالية... إلخ... المشكلة فيما نقوله»، وأضاف: «لماذا تقوم علينا القيامة ويحاول البعض منذ أسابيع فبركة مشكلة من هذا الأمر، في حين أننا لم نغير شيئاً في خطنا التحريري منذ 20 سنة؟... لماذا الآن؟».

أما ليتيسيا بوكاي، الباحثة في علم الاجتماع والحضارات الشرقية، فلاحظت هذا الجو المشحون بالضغوط في الفضاء الإعلامي. وكتبت في مقال بمجلة «تيليراما» بعنوان «النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني في فرنسا... جدل ملغوم»، ما يلي: «هناك شيء أشبه بالصيغة الأمرية موجه لكل الموجودين على الساحة الإعلامية باختيار معسكره، فإما مع إسرائيل أو ضدها... ونظراً لماضي فرنسا الفيشية، فإنه من الضروري توخي الحذر مع المصطلحات التي نستخدمها، لأن كل محاولة لانتقاد إسرائيل تُقابل بتهم معاداة السامية وتُوازي قراراً بالإعدام على الساحة العامة».

«بي إف إم تي في»

من التغطيات الإعلامية التي أثارت كثيراً من الجدل تلك التي خصّصتها قناة «بي إف إم تي في» للحرب في غزة. أما السبب فيعود للعلاقة الوطيدة بينها وبين القناة الإخبارية الإسرائيلية «إ 24 نيوز». وللتذكير، فإن «بي إف إم» تعد رائدة القنوات الإخبارية في فرنسا بأكثر من 10 ملايين متفرج يومياً، وهي تابعة لمجموعة «ألتيس» التي يملكها رجل الأعمال الفرنسي الإسرائيلي باتريك دراهي. وهذا الأخير لم يخفِ أبداً قربه من الحكومة الإسرائيلية، ولا حرصه على الدفاع عن الدولة العبرية، وهو من كان وراء تأسيس القناة الإخبارية الإسرائيلية «إ 24 نيوز» عام 2013.

هذا التقارب تسبّب في جدل كبير وردود فعل من جمعية الصحافيين، التي لفتت انتباه الإدارة إلى أن تغطية القناة أعطت مكان الصدارة لإسرائيل وجيشها، ولم تترك إلا مكاناً ضئيلاً لغزة. وتابعت: «حين نبث 4 أو 5 تحقيقات حول المجتمع الإسرائيلي ولا شيء على غزة أو الضفة الغربية، فإننا أمام مشكلة»، كما جاء في بيان الجمعية.

الاتهامات بالانحياز واللامهنية بدأت حين جرى، بحجة نقص المراسلين في غزة، اللجوء إلى مراسلين من قناة «إ 24 نيوز». وبالفعل، غطى مراسل القناة الإسرائيلية مائييل بناليون - وهو يحمل ميكروفون «إ 24»، ومصحوباً برسميين من الجيش الإسرائيلي - تحقيقاً لقناة «بي إف إم تي في»، ما أثار كثيراً من مشاعر الارتباك في العلاقة بين القناتين. ثم إن تغطية القناة الإخبارية الفرنسية لقيت انتقاداً شديداً كذلك، حين لجأت في مداخلات كثيرة إلى شخصية جوليان بهلول، الذي قُدم للمشاهدين على أنه خبير فرنكو - إسرائيلي، ليتبيّن فيما بعد أنه ناطق سابق باسم الجيش الإسرائيلي ومدافع متحمس له على منصّة «إكس»، لدرجة أنه أسهم في نقل أخبار كاذبة بخصوص إحراق رضيع إسرائيلي من دون التأكد من صحة هذه الأخبار.



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».