الباكستاني محسن حامد يقدم دليلاً روائيا لثراء الشباب

رواياته تُرجمت إلى أكثر من 30 لغة لكنه لا يزال شبه مجهول في البلدان العربية

محسن حامد
محسن حامد
TT

الباكستاني محسن حامد يقدم دليلاً روائيا لثراء الشباب

محسن حامد
محسن حامد

«كيف تصبح ثريًا فاحشًا في آسيا الصاعدة»، التي ستصدر ترجمتها للعربية قريبًا، رواية مغايرة تمامًا لكل مقاييس الرواية، لأسباب متعددة منها أن الكاتب يستخدم ضمير المخاطب «أنت» ليجعل منها الشخصية المحورية دون أن تحمل اسمًا معينًا.
لم تصدر للروائي الباكستاني محسن حامد، الذي يكتب بالإنجليزية، سوى رواية يتيمة باللغة العربية هي «الأصولي المتردد» التي صدرت ترجمتها العربية عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر - بيروت 2007، بينما ظلت روايته الأولى «عث الدخان» في عام 2000 غير مترجمة حتى الآن. رواياته الثلاث تُرجمت إلى أكثر من 30 لغة، واعتبرت من أفضل المبيعات في العالم، لكنه لا يزال عندنا شبه مجهول شأنه شأن كثير من الروائيين.
نشر محسن حامد معظم قصصه القصيرة في مجلات: «نيويوركر» و«غرانتا» و«باريس ريفيو»، أما مقالاته فيواصل نشرها في صحف: «داون» و«غارديان» و«نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«فاينانشال تايمز».
نتعرف على سيرته التي تؤكد على أنه ولد في 1971 في لاهور. وقد أمضى سنوات طفولته الأولى في كاليفورنيا، حيث هاجر إليها والداه من باكستان، ودرس في كل في جامعتي برنستون وهارفرد، وكتب روايته الأولى والثانية أيام كان على مقاعد الدراسة. وبعد تخرجه، عمل مستشارًا إداريًا في نيويورك ولندن. فازت روايته الأولى بعدد من الجوائز، وكذلك روايته الثانية «الأصولي المتردد»، ورُشحت لجائزة «بوكر مان» للرواية، وأصبحت ضمن الروايات الأكثر مبيعًا في العالم.
روايته الثالثة التي نحن بصددها وقدمنا ترجمة لها «كيف تصبح ثريًا فاحشًا في آسيا الصاعدة» مغايرة تمامًا لكل مقاييس الرواية، لأسباب متعددة منها أن الكاتب يستخدم ضمير المخاطب «أنت» ليجعل منها الشخصية المحورية دون أن تحمل اسمًا معينًا. والرواية بأكملها عبارة عن رحلة شاب من الأوساط الريفية الفقيرة ينتقل إلى المدينة، ليجرّب حظه في الثراء، فيعتمد على كتب دليل التعلم الذاتي التي ينكب على قراءتها الشباب من أرجاء العالم من أجل تحقيق طموحاتهم في الحصول على وظيفة مرموقة أو تأسيس شركة تجارية، وخصوصا في آسيا الصاعدة التي تنبت فيها الشركات كما ينبت الفطر في البراري.
يعتمد الكاتب على هذا النوع من الكتب في التعّلم الذاتي، ولكنه يطلق عنان خياله في اثنا عشر فصلاً مبتكرًا، إذ يمكن قراءة الرواية على مستويين مختلفين: الأول على أنها رواية عميقة ومؤثرة لحكاية حب وطموح، والثاني على أنها كتاب استعاري ومجازي في نظرته إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية الحاصلة في آسيا الصاعدة. يختزل الكاتب في روايته ما يريد تحقيقه الشباب الطموح في العصر الحاضر.
تدور أحداث الرواية في بلد لا يحمل اسمًا لكنه قريب الشبه ببلده باكستان. يحلم هذا الشاب الريفي، المنحدر من أصول فقيرة بالثروة والحب، فينتقل إلى المدينة ويؤسس بمدخراته شركة تعبئة المياه المعدنية لكنه يلاقي الفشل، ثم يلتقي بالفتاة التي يعرفها منذ أيام المراهقة، ويطلق عليها في الرواية الفتاة الفاتنة أو الجميلة دون أن تحمل اسمًا أيضًا. لكنها أكثر تحررًا من البطل، وهو ينظر إليها بوصفها امرأة مثالية، رغم أنها تمضي الليلة السابقة مع رجل آخر قطع لها وعدًا بالعثور لها على وظيفة عارضة أزياء. يتميز الروائي بفطنة وذكاء متميزين في استخدام جميع مفردات العصر وأساطيره اليومية في تجسيد حالة ضياع الشباب وطموحاتهم في اعتلاء عرش المال، إنها أسطورة العالم الجديد الذي تنعدم فيه القيم الإنسانية ويصبح المال هو السيد المطلق والإله الموحد لبني البشر. استطاع الكاتب الباكستاني بمهارة كبيرة أن يجعلنا في جو روائي مفعم ببرودة العصر والتشيؤ الذي يضرب في أجزاء جسده. نحن أمام غول المال الذي يسحق جميع القيم ويجعلنا نتوحد في هذه الرؤية بل نشترك فيها. لغة الروائي كثيفة، وكلماته محيّرة، وكل كلمة لها مدلولات متعددة، لكنها لغة شباب العصر، التي قد لا يفهما الجيل السابق لأنها عبارة عن أيقونات جديدة في عصرنا.
أشاد معظم النقاد والكتّاب بهذه الرواية، بل اعتبروها في مصاف الروايات المتميزة في العالم. الناقد ميشيكو كاكوتاني من «نيويورك تايمز» يشبّه محسن حامد بالروائي الأميركي هوراشيو ألجر الابن (1832 - 1899)، الذي اشتهر بكونه مؤلفًا لقصص الأطفال، حيث لاقت رواياته رواجًا كبيرًا في زمانه، تدور أحداثها حول قصص أطفال فقراء تمكنوا من الخروج من ربقة الفقر والبؤس، وسعوا إلى تحسين أوضاعهم المعيشية عبر المثابرة والعمل الجاد مع الحفاظ على الفضيلة والحظ، محققين ما بات يُعرف اليوم باسم الحلم الأميركي. تمثل رواية محسن حامد رغبات ومكبوتات ملايين الشباب في آسيا الصاعدة، هؤلاء الضائعون بين عجلات الاقتصاد الرأسمالي الذي لا يرحم. وعلى الرغم من أن البطل لا يحمل اسمًا فإن القراء سرعان ما يجدون روحه النابضة، وقوته العاطفية، وأفقه المفتوح. يقول الناقد ألن شوس، إن «بطل محسن حامد ينقل إلى الأذهان نسخة معولمة لرواية سكوت فيتزجرالد (غاتسبي العظيم)». ويؤكد الناقد رون شارلس من «واشنطن بوست» أن محسن حامد يتخذ الشكل الأكثر أميركية في الأدب، وهي كتب دليل التعّلم الذاتي، وله قدرة فائقة في تحويلها إلى مادة للحكي في قصة مؤثرة. ويرى الناقد بارول سيهغال أن الكاتب الباكستاني يزاوج بين نمطين من الصعب مقارنتهما، وهما الرواية الملحمية القديمة وكتب دليل التعّلم الذاتي. ويرى الناقد ماريون وينيك أن سرد هذه الرواية يجمع بين الزمن اللانهائي وبين الأحداث المعاصرة، وهو يؤرخ لمرحلة ما بعد الحداثة في حكي شهرزاد. وذهب بعض النقاد إلى مقارنته بالكاتب الروسي الكبير ليون تولستوي. وآخرون قالوا إن «أهم ما يميّز رواية محسن حامد روح الفكاهة التي يروي بها الأحداث»، ففي مائتي صفحة استطاع أن يعبّر عما أنجزه جيمس جويس في روايته الضخمة «يوليسيس» التي قاربت الألف.
يبقى أن نقول: رواية «كيف تصبح ثريًا فاحشًا في آسيا الصاعدة» هي رواية رومانسية دون أن تكون عاطفية، وسياسية دون أن تكون مباشرة، وروحية دون أن تكون دينية. جسّدها المؤلف بلغة إنجليزية متمردة، معقدة في فصاحتها وبلاغتها، ومدلولاتها اللغوية والمعرفية، ما جعل ترجمتها تستغرق وقتًا طويلاً رغم قصرها؛ لأنها حققت المعادلة التي ناشد فيها الكاتب التشيكي الشهير ميلان كونديرا «الحذف والتكثيف». يكفي أنها رواية إنسانية، تعالج الواقع الصاخب الذي تتحكم فيه رؤوس الأموال والشركات العملاقة. وفي نهاية المطاف، يؤكد الكاتب الباكستاني محسن حامد من خلال روايته الثالثة، مكانته كونه واحدا من أبناء جيله الأكثر إبداعًا وابتكارًا في عالم الرواية.

* مقطع من الفصل الأول من الرواية: الانتقال إلى المدينة
* انظر، إذا لم تكن أنت مؤلف كتاب، فإن كتب التعّلم الذاتي تحتوي على شيئين متناقضين. أنت تقرأ كتابًا في التعلم الذاتي، حيث لا تستطيع أن تساعد نفسك، لكنّ هناك شخصا قادرا على ذلك هو مؤلف هذا الكتاب. هذه الحقيقة تنطبق على جميع أنماط كُتب التعّلم الذاتي. وينطبق على كتب التعلم على سبيل المثال وعلى كتب تحسين الأداء الذاتي، وقد يقول البعض: تنطبق على كتب الدين. ولكن قد يقول قائل: من يصرحون بذلك يستحقون أن يطرحوا أرضا ويتركوا لينزفوا حتى ينفد دمهم بوضع سكين على رقابهم وذبحهم ببطء. من الحكمة وببساطة أن نلاحظ اختلافات وجهات النظر بشأن تلك الفئة الفرعية ثم ننتقل بعد ذلك بسرعة.
لا شيء مما ذُكر آنفا يعني أن كتب التعلم الذاتي لا فائدة منها. بل على العكس، قد تكون مفيدة للغاية. لكن يعني ذلك أن فكرة الذات مراوغة في مجال التعّلم الذاتي. قد تكون المراوغة جيدة، وقد تكون مبهجة، وقد تزودك بمنفذ إلى ما يمكن أن يثير الغضب إذا داهمك بجفاف.
هذا كتاب من كتب التعّلم الذاتي هدفه، كما يشير غلافه الأخير، أن يريك كيف تكون ثريًا فاحشًا في آسيا الصاعدة. ولكي تفعل ذلك يجب أن يجد هذا الكتاب طريقه إليك، أن تتداوله، وتقرأه، وأنت ترتعش تحت غطاء أمك ذات صباح بارد وندي على الأرض المرصوصة. عذابك يشبه عذاب طفل رُميت قطعته من الشوكولاته جانبًا، أو نفدت بطارية «ريموت» لعبته، أو انكسرت دراجته، أو سرق منه حذاؤه الرياضي الجديد. وهي أكثر الأشياء تميّزًا، طالما لم ترها في حياتك أبدًا.
بياض عينيك أصبح أصفر، نتيجة ارتفاع نسبة المادة الصفراء في دمك. الفيروس الذي أصابك يُدعى مرض الكبد الوبائي «إي». طريقته النموذجية في العدوى تتم عن طريق الفم أو البراز. يا سلام! يقتل بمعدل واحد في كل خمسين شخصًا، لذلك ربما ستشفى من هذا المرض. لكنك الآن تشعر كمن يوشك على الموت.
على أية حال، واجهت أمك هذا الظرف مرات كثيرة، أو مثل هذه الظروف. لذا فهي قد لا تفكر بأنك ستموت. ومرة أخرى، قد تفكر بموتك. مصير كل شخص الموت، وعندما تكون أم من طراز أمك، ترى وليدها الثالث الألم الذي يجعلك تئن تحت غطاء أمك، بالطريقة التي تفعلها، قد تشعر بموتك يتأجل إلى عقود قليلة، تنزع غطاء رأسها المغبّر، والحالك اللون، وتجلس بألفة منفوشة الشعر، وتبتسم ابتسامة مثيرة لهذا المشهد، وهي تشارك السكن مع أولادها الأحياء في غرفة منفردة، ذات جدران طينية. وتقول: لا تتركنا هنا.
سمع أباك هذا الطلب منها من قبل. على أية حال، لا يجعل ذلك الطلب منه متبّلد الأحاسيس إزاء ذلك تمامًا. إنه رجل ذو شهية جنسية نهمة، وغالبًا ما يفكر بصدرها الثقيل والصلب، وفخذيها الواسعتين، عندما يكون بعيدًا عن أمك، ولا يزال يتشوّق إلى إقحام نفسه في أحضانها ليلاً وليس ثلاث أو أربع زيارات في السنة. وهو يتمتع بحس الفكاهة الفظ وغير المألوف أيضًا لديها، ويحب برفقتها أحيانا. ورغم عدم إظهاره لأحاسيسه تجاه صغاره، فهو يرغب في مراقبتك أثناء نموك وأخوتك. كان أبوه يجد متعة كبيرة في رؤية المحاصيل وهي تكبر في الحقول يوميًا، وفي هذا، يتشابه الرجلان قدر تعلق الأمر بتشابه نمو المحاصيل مع الأطفال.
إنه يقول:
- لا أستطيع أن أستقدمكم إلى المدينة.
- يمكننا البقاء معكم في الأحياء. ترد أمك.
- نستطيع أن نبقى معك في الأحياء.
- يشاركني السكن في غرفتي سائق سيارة.
- أنت تكسب عشرة آلاف الآن. لست برجل فقير.
- عشرة آلاف في المدينة تجعل منك رجلاً فقيرًا.
ينهض ويذهب للتجول في الخارج. عيناك تتابعانه، ونعله الجلدي يُخلع من قائمتيه الخلفيتين، وسيره يصطفق بتراخٍ، وكعباه المتصدعان متصلبان وغليظان، كأنهما مكسوتان بقشرة يابسة. يخطو من البوابة إلى الباحة المفتوحة على السماء التي تقع وسط المجمّع السكني لعائلتك الكبيرة. ومن غير المحتمل، أن يتريث هناك في تأمل الشجرة الفريدة، الوارفة الظلال، ويجد السلوى والعزاء في فصل الصيف، ولكن الآن، في الربيع، لا يزال كل شيء وعر وخشن. من الممكن، أن يخرج من المجمّع السكني، شاقًا طريقه إلى التلة الخلفية، حيث يقضي حاجته، وهو يجلس القرفصاء متخفيا عن الأنظار، ويعصر نفسه بقوة ليفرغ فضلات قولونه. قد يكون وحيدًا أو لا يكون.
يوجد بجوار التلة أخدود لحمي اللون، عميق بطول قامة رجل، وفي قعره يتقطّر الماء بضآلة. في هذا الموسم الاثنان متناقضان، سجين نحيل في معسكر الاعتقال، يلبس رداء طباخ معجنات بدين. ولفترة وجيزة، أثناء الرياح الموسمية، يمتلئ الأخدود بطاقته القصوى، ويكون ذلك حادثة أقل انتظامًا مما كان عليه الحال في الماضي، وذلك اعتمادا على التقلبات المتزايدة في تيارات الهواء والمناخ.



في استحالة «حي بن يقظان»

في استحالة «حي بن يقظان»
TT

في استحالة «حي بن يقظان»

في استحالة «حي بن يقظان»

قصَّة حي بن يقظان أحد أكثر النصوص الفلسفية العربية جرأةً في اختبار حدود العقل الإنساني وإمكاناته. تُنسب في صيغها المختلفة إلى ابن سينا، والسهروردي المقتول، وابن طفيل، وابن النفيس، غير أن الصياغة الأكثر شهرةً وتأثيراً هي التي قدّمها ابن طفيل الأندلسي في القرن السادس الهجري، فأصبحت، لاحقاً، أحد النصوص المؤسِّسة في تاريخ الفلسفة المقارنة، بعد أن تُرجمت إلى اللغة اللاتينية على يد إدوارد بوكوك، ونُشرت في أكسفورد سنة 1671م بعنوان: «الفيلسوف العصامي». ويصف أهمية هذه القصة الفيلسوف عبد الرحمن بدوي بقوله: «ومن الذين أُعجبوا بقصَّة حي بن يقظان ليبنتز الفيلسوف المشهور، فقد أطراها إطراءً بالغاً، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر والدراسات حولها في أوروبا تتوالى في غير انقطاع وبمختلف اللغات حتى الآن، حتى ليمكن أن نقرّر في اطمئنان أنَّ قصَّة حي بن يقظان كانت أوفر الكتب العربية حظاً من التقدير والعناية والتأثير في أوروبا في العصر الحديث».

وابن طفيل هو أبو بكر محمد بن عبد الملك القيسي الأندلسي (ت 581هـ/1185م). أصبح طبيباً للخليفة أبي يعقوب يوسف المنصور، ولم يصلنا من كتبه إلا قصَّته الفلسفية المشهورة حي بن يقظان.

يبدأ بناؤها السردي برضيع ينشأ في جزيرة نائية لا بشر فيها، تحت رعاية ظبية ترضعه وتغذيه، ثم يُترك بعد موتها ليواجه العالم بأدواته الإدراكية الأولية في مسار تصاعدي للمعرفة، فينتقل من الملاحظة الحسية إلى التجربة، ومن التجربة إلى التحليل، ثم إلى التجريد العقلي، وصولاً إلى بناء نسق ميتافيزيقي متكامل يفسر به العالم والوجود والعلية والغاية. ويكتشف بالحواس والتجربة قوانين العالم المادي ومراتب الوجود، ثم يهتدي إلى وجود فاعل كامل يقف وراء نظام العالم، فتتجه عنايته من معرفة الموجودات إلى معرفة موجدها. وعند الخامسة والثلاثين ينصرف إلى طلب الواجب الوجود، متخذاً الرياضة والزهد سبيلاً إلى ذلك، فلا يأخذ من الطعام والشراب إلا ما يقيم أَوَدَه، وفي الثلث الأخير من القصة تظهر شخصيتا أبسال وسلامان، وهما رفيقان يعيشان في جزيرة قريبة من الجزيرة التي نشأ فيها حيٌّ. فأما أبسال «فكان أشد غوصاً في الباطن، وأكثر عثوراً على المعاني الروحانية، وأطمع في التأويل، وأما سلامان فكان أميل إلى ظاهر الشريعة، وكلاهما مجدٌّ في الأعمال الظاهرة ومحاسبة النفس ومجاهدة الهوى».

يشكّل لقاء حيٍّ بأبسال نقطة التحوُّل الكبرى؛ فبعد أن نشأ حي معزولاً عن البشر وبلغ بعقله وتأمله معرفة الحقائق العليا، وصل أبسال إلى جزيرته طلباً للعزلة والعبادة. وعندما يلتقي بحي يعلّمه اللغة، فيطلع كل منهما على تجربة الآخر، ويدرك أبسال أنَّ المعارف التي بلغها حي بالعقل والمشاهدة تتوافق في جوهرها مع ما جاءت به الشريعة التي يدين بها، فيزداد يقيناً بصدق الدين. أما حي فيجد في الشريعة تمثيلاً رمزياً للحقائق التي أدركها بنفسه، لذلك يؤمن بالرسالة ويلتزم فرائضها. ثم ينتقلان إلى الجزيرة التي قدم منها أبسال لنقل هذه الحقائق إلى الناس، غير أن محاولتهما تخفق؛ إذ لا يمتلك الناس أدوات التأمل العقلي ولا تقنيات التجريد الفلسفي، فهم يدركون الحقيقة عبر العادة والظاهر لا البرهان، فيستقر في وعي حيٍّ أن التواصل بين المستوى الفلسفي العميق والوعي الجماعي العام محدود للغاية، فيعود مع صاحبه أبسال إلى جزيرته التي نشأ فيها مؤثراً العزلة والعبادة والتأمل الروحي.

يطرح ابن طفيل في هذه القصة تصوراً متكاملاً لتطور الإنسان معرفيّاً وروحيّاً وأخلاقيّاً، ويبني تسلسلاً هرميّاً لمراتب البشر: فأعلاها مرتبة الفيلسوف، أي حيّ بن يقظان، تليها مرتبة الصوفي، أي أبسال، ثم مرتبة الفقيه، أي سلامان، ثم العامة الذين يكتفون بالتقليد والانقياد للعادات دون بحث عقلي أو تأمل فلسفي.

اكتسبت هذه القصة عبر تاريخها الطويل قوةً برهانيةً؛ إذ بدت وكأنَّها تُظهر استقلال العقل الإنساني عن المجتمع والتقليد والوحي معاً. غير أن قوة هذا النموذج الفلسفي لا تخفي إشكاله العميق: هل يمكن أصلاً تصور عقل إنساني يعمل في فراغٍ اجتماعيٍّ كامل؟ وهل يمكن للغة والتجريد والتفكير المفهومي النشوء في عزلة مطلقة؟ هنا يمكن تفكيك الأساس الذي تقوم عليه هذه التجربة الفكرية، لا من حيث نتائجها، بل من حيث شرط إمكانها نفسه.

إن إعادة قراءة حي بن يقظان في ضوء اللسانيات البيولوجية، والأنثروبولوجيا المعرفية، والأنثروبولوجيا التأويلية تكشف عن مشكلة أعمق في نموذج (العقل ما قبل الاجتماعي) الذي تقدمه هذه القصة. فقد دلَّلت بحوث اكتساب اللغة أنَّ اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل إنها شرط أساسي لتطور القدرات الرمزية والمفاهيمية التي يقوم عليها التفكير المجرد. وفي هذا السياق قدّم إريك لينبرغ (Eric Lenneberg) في كتابه (Biological Foundations of Language) ما عُرف بـ(فرضية الفترة الحرجة) (Critical Period Hypothesis) لاكتساب اللغة، والتي تفيد بأنَّ القدرة على اكتساب اللغة الطبيعية ترتبط بمرحلة نمو عصبي مبكرة، وأنَّ الحرمان اللغوي في تلك المرحلة يؤدي إلى عجز دائم أو شبه دائم في اكتسابها لاحقاً. وقد استند إلى حالات الأطفال الذين نشأوا في عزلة شديدة عن التفاعل اللغوي الإنساني، فأدى الحرمان من البيئة الاجتماعية إلى ضعف في التواصل وإلى اختلالات أعمق في القدرة على بناء تراكيب نحوية ومعرفية معقَّدة. ومن ثم فإنَّ اللغة لا تبدو مهارة فردية تُكتسب تلقائيّاً، بل بنية اجتماعية - بيولوجية لا تتكوّن إلا داخل مجتمع لغوي.

وإذا انتقلنا من مستوى اللغة إلى مستوى بنية الإدراك الإنساني ذاته، فإنّ الصورة تتضح أكثر في دراسات الأنثروبولوجيا الثقافية، ففي أعمال مايكل توماسيلو، ولا سيما «الأصول الثقافية للإدراك البشري» (The Cultural Origins of Human Cognition) و«أصول التواصل البشري» (Origins of Human Communication)، يتبيّن لنا أنَّ ما يميز العقل الإنساني ليس قدرات فردية معزولة، بل القدرة على (المقصدية المشتركة) (shared intentionality)؛ أي القدرة على بناء معانٍ ومقاصد مشتركة داخل إطار اجتماعي. ووفق هذا التصور، فإنَّ العمليات الذهنية العليا، مثل الاستدلال السببي، وبناء المفاهيم المجردة، وتكوين المعايير الأخلاقية، بل حتى الوعي بالذات، لا تنشأ في عزلة فردية، بل تتشكَّل تدريجيّاً عبر التفاعل الاجتماعي، والتعلم الثقافي، والتواصل اللغوي. وبذلك يصبح العقل الإنساني نتاجاً تاريخيّاً - اجتماعيّاً، لا بنية طبيعية مكتفية بذاتها.

وتدفع الأنثروبولوجيا التأويلية هذا الاعتراض إلى مداه الأقصى، حين تقرّر في تحليلها عند كليفورد غيرتز (Clifford Geertz) في مقاله «أثر مفهوم الثقافة على مفهوم الإنسان» (The Impact of the Concept of Culture on the Concept of Man)، أن البشر حيوانات غير مكتملة، وأنَّ الثقافة هي التي تكمّلها داخل شبكات المعنى التي تنتجها الثقافة، فغياب الثقافة لا يعني وجود إنسان (ناقص الثقافة)، بل غياب شروط تشكّل الإنسان نفسه بالمعنى الذي نعرفه؛ لأن الإنسان لا يعيش إلا في عالم مشبع بالرموز والمعاني: اللغة، الدين، العادات، والتصورات الجماعية. وهذه البنى شروط أساسية لتكوُّن الخبرة الإنسانية نفسها. ومن هنا فإنَّ فصل الإنسان عن هذا الوسط الرمزي لا يعني تحرير العقل، بل يعني تفكيك شروط إمكانه.

وفي ضوء ذلك، يمكن إعادة النظر في إحدى أكثر قضايا علم الكلام الإسلامي مركزية، وهي مسألة (التحسين والتقبيح): أهي أحكام تُؤسَّس على دلالة الشرع كما ذهب الأشاعرة، أم على معطيات عقلية مستقلة كما قرّر المعتزلة؟

غياب الثقافة لا يعني وجود إنسان (ناقص الثقافة)، بل غياب شروط تشكّل الإنسان نفسه بالمعنى الذي نعرفه

ومن خلال إعادة قراءة نموذج «حي بن يقظان»، يمكن توسيع هذا الفهم ليشمل تكوّن (العقل الأخلاقي) نفسه بوصفه حصيلة سيرورة اجتماعية تنتظم داخل شبكة من العلاقات التي تؤطرها الخبرة الإنسانية في خضم المجال الثقافي واللغوي، وفي هذا السياق يغدو الحديث عن (التحسين والتقبيح) العقليين تعبيراً عن نمط من الوعي المعياري المشروط ثقافياً ولغوياً، لا عن حكم صادر عن عقل مستقل عن شروط إنتاجه.

أما الخطاب الشرعي، فعلى الرغم من طابعه المتعالي وكونه يتخذ صورة أحكام منزَّلة من خارج السيرورة التاريخية، فإنّه يبدو من حيث البنية والنتيجة مندمجاً في هذه السيرورة نفسها؛ إذ يُفهم بوصفه امتداداً لسلسلة من الرسالات والشرائع التي تراكمت عبر زمن ممتد من التفاعل والتداول، بما يتيح تشكّل المعايير الأخلاقية داخل شبكة من العلاقات والخبرات الإنسانية، ويمنحها دلالاتها عبر هذا الامتداد التاريخي المتصل، وبذلك يكتسب الخطاب الشرعي قدرة على تنظيم المجال المعياري للعقل الأخلاقي وإضفاء صيغته المستقرة داخل النسق الإنساني، بما يضبط تداول القيم الأخلاقية في إطار متماسك.

لقد نجح ابن طفيل في تصوير صعود العقل إلى أعلى مراتب التجريد، لكنّه فعل ذلك عبر افتراض واقع يستحيل تحققه: فكر بلا لغة، وعقل بلا مجتمع، وتجريد بلا شبكة ثقافية سابقة عليه! وبذلك تحوَّلت القصة، من حيث لم يرد، من برهان على استقلال العقل إلى شاهد على استحالة هذا الاستقلال.

إنَّ «حي بن يقظان» ممكن سرديّاً وتخيليّاً، لكنَّه مستحيل أنطولوجيّاً وتكوينيّاً.

* باحث سوري


كتاب في اللسانيات بالكردية

كتاب في اللسانيات بالكردية
TT

كتاب في اللسانيات بالكردية

كتاب في اللسانيات بالكردية

صدر حديثاً، عن «دار الزمان» في دمشق كتاب جديد بعنوان «علم اللغة: مستويات التحليل الألسني»، باللغة الكردية الكرمانجية من تأليف الباحث في اللسانيات الدكتور برزو محمود. ويتناول بإيجاز ستة مستويات رئيسية في تحليل اللغة: علم الأصوات، وعلم الفونولوجيا، وعلم الصرف، وعلم النحو، وعلم الدلالة والتداولية. ويعرض المؤلف مفاهيم ونظريات وأمثلة تطبيقية محددة من اللغة الكردية ومن اللغة الإنجليزية، ويشرح مكوناتها من الصوت إلى المعنى، ويعتمد على مراجع إنجليزية أساسية. ويهدف الكتاب إلى تعريف الطلاب والباحثين بأسس علم اللغة، وأن يكون مرجعاً علمياً لدراسة اللغة الكردية.

ورغم صعوبة الخوض في مجال اللغويات بسبب وجود كمية كبيرة من المصطلحات اللسانية التي تغطي المستويات الست، والتي تتطلب تقديم مصطلح كردي بصفته مقابلاً وبديلاً وصادقاً مع المفهوم والتعريف اللساني، إلا أن إلمام الكاتب باللهجتين الكرمانجية والسورانية وخبرته الطويلة في الكتابة بالكردية ساعداه في التغلب على الصعوبات الاصطلاحية. ومن الطبيعي القول إنه قد بذل جهوداً حثيثة ومضنية في سد الفجوة المصطلحية.

ويعتمد الكتاب التحليل اللغوي إطاراً هرمياً، فيُقسمه إلى وحدات أصغر مترابطة. بدءاً من أصغر الأصوات الفيزيائية وصولاً إلى المحادثات الاجتماعية الأوسع، تشمل مستويات التحليل الرئيسية:

المستوى الأول: علم الصوتيات أو الفونوتيك والفونولوجيا، وهما فرعان رئيسيان من فروع علم اللغة، يُعنى كل منهما بدراسة أصوات الكلام البشري. ورغم ترابطهما الوثيق، فإنهما يحللان الأصوات من منظورين مختلفين: المنظور الفيزيائي والمنظور الإدراكي. فالفونتيك يتناول الخصائص الفيزيائية الفعلية لأصوات الكلام، ويهتم بكيفية إنتاج الأصوات ونقلها وإدراكها، بغض النظر عما إذا كانت تُشكّل لغةً مُحددة أم لا. وينقسم إلى ثلاثة فروع رئيسية: علم الصوتيات النطقي: دراسة كيفية إنتاج الجهاز الصوتي (الشفتان واللسان والحلق والأحبال الصوتية) لأصوات الكلام، وعلم الصوتيات السمعي: دراسة الخصائص الفيزيائية للموجات الصوتية أثناء انتقالها عبر الهواء، وعلم الصوتيات السمعي: دراسة كيفية استقبال الأذن البشرية والدماغ لهذه الموجات الصوتية ومعالجتها.

أما المستوى الثاني، فيركز على التنظيم الذهني المجرَّد للأصوات داخل لغة مُحددة أو عبر لغات مُختلفة. ويدرس كيفية عمل الأصوات كنظام لنقل المعنى، وتكوين الكلمات، والتحكم في قواعد النطق.

ويتناول المستوى الثالث الصرف (المورفولوجيا) وهو دراسة كيفية تشكيل الكلمات معجمياً، وكيفية ارتباطها ببعضها بعضاً داخل اللغة نحوياً. تبحث معظم مناهج علم الصرف في بنية الكلمات من حيث المورفيمات، وهي أصغر الوحدات في اللغة ذات معنى مستقل أو وظيفة نحوية. تتضمن المورفيمات جذوراً يمكن أن توجد ككلمات بحد ذاتها، ولكنها تتضمن أيضاً فئات، مثل اللواحق التي يمكن أن تظهر فقط كجزء من كلمة أكبر. يحلل علم الصرف أيضاً كيفية تصرف الكلمات كأجزاء من الكلام، وكيف يمكن تصريفها للتعبير عن الفئات النحوية، مثل العدد والزمن والجانب. يتعلق علم الصرف أيضاً بالإنتاجية، أو كيفية إنشاء المتحدثين للكلمات في سياقات محددة.

أما المستوى الرابع، فهو «السينتاكس»، أو النحو، وهو مجموعة القواعد التي تحكم كيفية ترتيب الكلمات والعبارات لتكوين جمل سليمة وذات معنى في اللغة. وهو يحدد ترتيب الكلمات، وبنية الجملة، والعلاقات بين أجزاء الكلام المختلفة. وغير ذلك من فصول الكتاب.


كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة
TT

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

تبدو كرة القدم، في ظاهرها، لعبةً بسيطةً إلى حد الخداع: كرة، ملعب، فريقان، مرميان، وتسعون دقيقةً يتعلّق بها ملايين البشر كما لو أن مصائرهم الشخصية تُحسم مع كل هجمة ضائعة أو هدف في وقت قاتل. هذه البساطة الظاهرية هي تحديداً ما يمنح الساحرة المستديرة قوتها، فكلما حاولنا النظر إليها باعتبارها ترفيهاً عابراً، عادت لتكشف شيئاً أعمق عن المجتمعات التي تصنعها وتشاهدها وتعيشها. في المدرجات، والشاشات، وطوابير التذاكر، والهتافات، والعنف أحياناً، والدموع التي تسبق صافرة النهاية، تظهر كرة القدم كمرآة كثيفة لتناقضات العالم الحديث: الدافعية للانتماء، والخوف من الآخر المختلف، وقوة السوق، وهشاشة الجماعات، وصعود القوميات، وتوق الإنسان إلى لحظة يشعر فيها أنه جزء من شيء أكبر من عزلته اليومية.

لذلك؛ يصعب فهم كرة القدم بوصفها رياضة محض. لقد أصبحت ظاهرةً اجتماعيةً كاملة، يقرأ من خلالها علماء الاجتماع ومؤرخو الثقافة والفلاسفة أسئلة الهوية والطبقة، والسلطة، والعنف، والذاكرة. فالملعب ليس مساحةً محايدةً تماماً، ولا المدرج تجمعاً بريئاً كلية من السياسة. هناك، داخل المستطيل الأخضر وحوله، تتقاطع مصالح الشركات الكبرى، ورغبات الدول في القوة الناعمة، وأحلام الجماهير العادية، ومخاوفها، وحنينها إلى شكل من أشكال التضامن الإنساني الذي صار عملة نادرة في زمن الرأسمالية المتأخرة.

تشتغل الملاعب الحديثة، في جانب من جوانبها، كمعابد علمانية. يدخلها الناس بقمصان بألوان محددة، ويرددون أناشيد محفوظة، ويرفعون شعارات ورموزاً، ويعيشون لحظات من الانفعال الجماعي يصعب القبض عليها ضمن مناحي الحياة اليومية ليذوب الفرد، ولو لحظياً، داخل جسد أكبر: جمهور يهتف بصوت واحد، ويغضب بصوت واحد، وينفجر فرحاً في اللحظة نفسها كتجربة نادرة للانتماء الحسّي المباشر.

لكن الطاقة نفسها التي تصنع هذا التلاحم يمكن أن تنقلب شيئاً أكثر ظلمةً. فالمدرج الذي يمنح الإنسان شعوراً بالانتماء قد يتحول أيضاً مساحةً للإقصاء عندما يغدو الهتاف الذي يوحّد الجماعة أداةً للعنصرية أو الكراهية أو العداء القومي. هذه المفارقة تجعل كرة القدم شديدة الالتباس: إذ هي تصنع تضامناً حقيقياً، وتستطيع أيضاً صُنع قبيلة مغلقة على ذاتها. وفي بعض السياقات، قد تتحول الروابط المتطرفة من جماعات تشجيع إلى تشكيلات ثقافية خشنة، تستبعد النساء، والمهاجرين، والأقليات، وكل من لا يطابق صورتها الضيقة عن «المشجع الحقيقي». هكذا يظهر تناقض جدلي آخر للعبة: قدرة الجماعة على احتضان الفرد، وقدرتها في الوقت نفسه على سحق الاختلاف.

حاول عدد من المفكرين فهم هذه الطاقة العميقة في اللعب. رأى المؤرخ الثقافي يوهان هويزنجا، في كتابه «الإنسان اللاعب»، أن اللعب ليس إضافةً ثانويةً إلى الثقافة، بل واحد من جذورها الأولى. فالإنسان، قبل أن ينظّم السياسة والقانون والفن، كان يلعب، ويضع قواعد، ويقبل بالدخول إلى زمن خاص ومكان خاص، حيث يصبح الفعل رمزياً ومحدوداً ومشحوناً بالمعنى. بهذا المنظور، لا تبدو كرة القدم مجرد تسلية، بقدر ما هي تمظهر حديث لغريزة قديمة: رغبة الإنسان في تحويل الصراع طقساً، والعنف شكلاً منظماً مقبولاً اجتماعياً.

في الاتجاه نفسه، ذهب عالم الاجتماع نوربرت إلياس، ومعه إريك دونينغ، إلى أن الرياضات الحديثة جزء من «سيرورة التمدن»، أي العملية الطويلة التي تعلّم فيها البشر ضبط العنف وتأطيره. فالمباريات الشعبية القديمة كانت، في كثير من صيغها، أقرب إلى معارك مفتوحة، تختلط فيها المنافسة بالفوضى والإصابات الجسدية. ومع تطور القوانين، والحكام، وحدود الملعب، تحوّل العنف صراعاً رمزياً مضبوطاً بوقت محدد وقواعد معلنة. غير أن ضبط العنف لا يعني اختفاءه. إنه يعود في هيئة توتر، وحماسة، وهتافات، ورغبة متدفقة لتحقيق الانتصار، وإثارة مكثفة يفتقدها روتين الحياة الرتيبة. لذلك؛ يصبح الملعب مكاناً يسمح للإنسان الحديث بأن يلامس شيئاً من طاقته الغريزية، من دون أن يخرج تماماً على نظام المجتمع.

تدرك الأنظمة السياسية هذه الطاقة جيداً. ولهذا لم تكن كرة القدم بعيدةً عن مشاريع الهيمنة وصناعة الشرعية. فاستضافة البطولات الكبرى صارت وسيلةً لتجميل صورة الدول، واستعراض قدرتها التنظيمية وقوتها الناعمة، وإخفاء أزماتها الحقوقية أو الاجتماعية خلف مشهد عالمي منظم ومبهر. يقدم التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك: من استغلال موسوليني لكأس العالم عام 1934 في إيطاليا لتقديم الفاشية كقوةٍ حديثة ومنضبطة، إلى توظيف المجلس العسكري في الأرجنتين لبطولة كأس العالم 1978 لتلميع سلطةٍ ديدنها القمع والاختفاءات، وصولاً إلى زمننا الراهن، حيث تستخدم دول وشركات وكيانات كبرى الرياضة وسيلةً لغسل السمعة وشراء القبول الدولي.

لا تعمل المؤسسات الرياضية الدولية خارج هذا المنطق. فـ«فيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم)، مثل غيره من الهيئات الكبرى، يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة، لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال، والسياسة، والرعاية، والمصالح.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كرة القدم كأداة سلطوية. ففي بيئات مضطربة، يمكن للملعب أن يتحول أيضاً مساحةً بديلة للتعبير والمقاومة. تجربة نادي أتلتيك بيلباو الإسباني، خلال الحقبة الفرانكوية، تقدم مثالاً فصيحاً. إذ حاولت السلطة المركزية فرض هويةٍ إسبانية موحدة وتجريف الخصوصيات اللغوية والثقافية، ليغدو ملعب «سان ماميس» ببيلباو مكاناً يحافظ فيه الباسكيون على شعورهم المتفرد بلغتهم وذاكرتهم وتاريخهم. ولم تكن سياسة النادي الاعتماد على اللاعبين ذوي الأصول الباسكية مجرد اختيار رياضي، بل كانت إعلاناً رمزياً عن خصوصية ثقافية ترفض الذوبان الكامل في المركز.

تكشف دراسات سوسيولوجية بإيران عن شكلٍ آخر من هذه المقاومة اليومية. فحرمان النساء لسنوات طويلة من دخول الملاعب لم يلغِ حضورهن في الثقافة الكروية. لقد دفعهن إلى اختراع مساحات بديلة: مجتمعات افتراضية، تجمعات خاصة، نقاشات عامة، وطرق ملتوية للمشاركة في لعبة تحاول السلطة احتكار فضائها ذكورياً، لتصبح كرة القدم اختباراً لحق الظهور، وحق الجسد في المكان، وحق الجماعة المقموعة بأن تقول: نحن أيضاً جزء من هذه الحكاية.

ترتبط كرة القدم الحديثة، في أصلها الاجتماعي، بالطبقة العاملة البريطانية خلال القرن التاسع عشر. فقد نشأت في ظل المدن الصناعية القاسية، حيث كانت المصانع تلتهم الوقت والجسد، وكان العمال يبحثون عن مساحةٍ ينفلتون فيها من رتابة الآلة وضغط العمل. الأندية المحلية لم تكن في بداياتها علامات تجارية، بل كانت امتداداً للحي، وللعائلة، وللمصنع، وللشارع، وارتبطت بالكرامة الشعبية، وبالذاكرة المشتركة، وبشعور الناس بأن هناك شيئاً يخصهم مقابل عالم لا يملكون فيه الكثير.

لكن العولمة الرأسمالية أعادت تشكيل هذه العلاقة جذرياً. فمنذ تسعينات القرن الماضي، وخصوصاً مع تضخم حقوق البث التلفزيوني ودخول المستثمرين والشركات الكبرى، تحولت كرة القدم صناعةً عالمية باهظة: ارتفعت أسعار التذاكر، وتغير شكل الجمهور، وصارت الملاعب أكثر أناقة وأقل شعبية في كثير من الأحيان، وجلس الأثرياء في المقصورات، وابتعدت عائلات كثيرة عن مدرجاتها القديمة، في حين صار المشجع التقليدي يراقب فريقه عبر اشتراكات مدفوعة. وهكذا تكرّس شرخٌ واضح بين من يرى النادي ذاكرةً وانتماءً، ومن يراه أصلاً مالياً قابلاً للبيع والشراء.

انقسم الخطاب الفلسفي المعاصر في مقاربة المنظومة الكروية بين تيارين شديدي التطرف والتباين. يتبنى التيار الأول قراءة شاعرية وجدانية، يمثلها المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني، الذي رأى كرة القدم لغة جسدية متكاملة تمتلك نحواً وصرفاً خاصين بها، واعتبر لحظة إحراز الهدف خرقاً شعرياً صاعقاً لشيفرة الواقع البليد، وانعتاقاً إنسانياً مفعماً بالخلود البدائي والجمال الخالص، مؤكداً أن الشغف الكروي يمنح الفرد فرصة لاختبار قيم الوفاء والتضحية الجماعية والثقافة الحرة بعيداً عن جفاف التنظير العقلاني الصارم.

 

اتحاد «فيفا» يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة... لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال والسياسة

في القطب المقابل، يقف تيار نقد بنيوي ينظّر للعبة بوصفها أداة تدجين وتجهيل ممنهج للجماهير. يتبدى هذا الموقف الراديكالي في أطروحات السوسيولوجي الفرنسي مارك بيرلمان الذي وصف كرة القدم بـ«الطاعون العاطفي»، معتبراً إياها منظومة بربرية حديثة تُنمّط العقول، وتنشر البلادة الفكرية، وتُلهي الطبقات الشعبية عن قضاياها المصيرية وصراعها الطبقي الحقيقي. يتلاقى هذا التحليل البنيوي مع الموقف التهكمي الشهير للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس الذي ربط بوضوح بين اتساع شعبية اللعبة وصعود الغباء الجمعي، واصفاً إياها بلعبة المغفلين التي تطرد الفكر النقدي المستنير لتستبدل به إثارة غريزية جوفاء تحاكي معارك الرومان القدامى في الكولوسيوم.

لكن بين تقديس بازوليني وازدراء بيرلمان وسخرية بورخيس، تضيع الحقيقة الأكثر تركيباً. كرة القدم ليست شعراً خالصاً، ولا وباءً خالصاً. إنها المجال الذي يتجاور فيه الشعر والوباء، الجمال والتدجين، الحرية والامتثال، الجماعة والغوغاء. من يراها خلاصاً شعبياً كاملاً يتجاهل ما فيها من عنف وشوفينية وتجارة. ومن يراها خداعاً كاملاً يتجاهل ما تمنحه لملايين الناس من ذاكرة وانتماء وفرح حقيقي. لذلك؛ يحتاج تحليل كرة القدم إلى عينين مفتوحتين معاً: عين ترى السوق والسلطة، وعين ترى الإنسان العادي الذي لا يجد في أسبوعه القاسي سوى تسعين دقيقةً يشعر فيها بأن قلبه يتحرك مع قلوب الآخرين.

من هنا يتوقف الأفق الأخلاقي للعبة مستقبلاً على قدرة الجماهير الواعية، وروابط المشجعين، والحركات الاجتماعية، على مقاومة تحويل كرة القدم سوقاً مغلقة أو أداة آيديولوجية. فالمعركة ليست بين حب اللعبة ورفضها، بل بين أشكال مختلفة من امتلاك معناها.

وستبقى كرة القدم واحدةً من أوضح التمثلات لتناقضات الحداثة. فيراقب الجمهور اللاعبين، وتراقب الشاشات الجمهور، وتراقب الشركات الجميع. وفي هذه الدائرة العاكسة، تكشف اللعبة الساحرة عن الصيغ التي تصنع بها المجتمعات هوياتها، وتدير غضبها، وتخوض معاركها الرمزية في فضاء يتأرجح بين صخب المدرجات وعزلة الشاشات.