الباكستاني محسن حامد يقدم دليلاً روائيا لثراء الشباب

رواياته تُرجمت إلى أكثر من 30 لغة لكنه لا يزال شبه مجهول في البلدان العربية

محسن حامد
محسن حامد
TT

الباكستاني محسن حامد يقدم دليلاً روائيا لثراء الشباب

محسن حامد
محسن حامد

«كيف تصبح ثريًا فاحشًا في آسيا الصاعدة»، التي ستصدر ترجمتها للعربية قريبًا، رواية مغايرة تمامًا لكل مقاييس الرواية، لأسباب متعددة منها أن الكاتب يستخدم ضمير المخاطب «أنت» ليجعل منها الشخصية المحورية دون أن تحمل اسمًا معينًا.
لم تصدر للروائي الباكستاني محسن حامد، الذي يكتب بالإنجليزية، سوى رواية يتيمة باللغة العربية هي «الأصولي المتردد» التي صدرت ترجمتها العربية عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر - بيروت 2007، بينما ظلت روايته الأولى «عث الدخان» في عام 2000 غير مترجمة حتى الآن. رواياته الثلاث تُرجمت إلى أكثر من 30 لغة، واعتبرت من أفضل المبيعات في العالم، لكنه لا يزال عندنا شبه مجهول شأنه شأن كثير من الروائيين.
نشر محسن حامد معظم قصصه القصيرة في مجلات: «نيويوركر» و«غرانتا» و«باريس ريفيو»، أما مقالاته فيواصل نشرها في صحف: «داون» و«غارديان» و«نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«فاينانشال تايمز».
نتعرف على سيرته التي تؤكد على أنه ولد في 1971 في لاهور. وقد أمضى سنوات طفولته الأولى في كاليفورنيا، حيث هاجر إليها والداه من باكستان، ودرس في كل في جامعتي برنستون وهارفرد، وكتب روايته الأولى والثانية أيام كان على مقاعد الدراسة. وبعد تخرجه، عمل مستشارًا إداريًا في نيويورك ولندن. فازت روايته الأولى بعدد من الجوائز، وكذلك روايته الثانية «الأصولي المتردد»، ورُشحت لجائزة «بوكر مان» للرواية، وأصبحت ضمن الروايات الأكثر مبيعًا في العالم.
روايته الثالثة التي نحن بصددها وقدمنا ترجمة لها «كيف تصبح ثريًا فاحشًا في آسيا الصاعدة» مغايرة تمامًا لكل مقاييس الرواية، لأسباب متعددة منها أن الكاتب يستخدم ضمير المخاطب «أنت» ليجعل منها الشخصية المحورية دون أن تحمل اسمًا معينًا. والرواية بأكملها عبارة عن رحلة شاب من الأوساط الريفية الفقيرة ينتقل إلى المدينة، ليجرّب حظه في الثراء، فيعتمد على كتب دليل التعلم الذاتي التي ينكب على قراءتها الشباب من أرجاء العالم من أجل تحقيق طموحاتهم في الحصول على وظيفة مرموقة أو تأسيس شركة تجارية، وخصوصا في آسيا الصاعدة التي تنبت فيها الشركات كما ينبت الفطر في البراري.
يعتمد الكاتب على هذا النوع من الكتب في التعّلم الذاتي، ولكنه يطلق عنان خياله في اثنا عشر فصلاً مبتكرًا، إذ يمكن قراءة الرواية على مستويين مختلفين: الأول على أنها رواية عميقة ومؤثرة لحكاية حب وطموح، والثاني على أنها كتاب استعاري ومجازي في نظرته إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية الحاصلة في آسيا الصاعدة. يختزل الكاتب في روايته ما يريد تحقيقه الشباب الطموح في العصر الحاضر.
تدور أحداث الرواية في بلد لا يحمل اسمًا لكنه قريب الشبه ببلده باكستان. يحلم هذا الشاب الريفي، المنحدر من أصول فقيرة بالثروة والحب، فينتقل إلى المدينة ويؤسس بمدخراته شركة تعبئة المياه المعدنية لكنه يلاقي الفشل، ثم يلتقي بالفتاة التي يعرفها منذ أيام المراهقة، ويطلق عليها في الرواية الفتاة الفاتنة أو الجميلة دون أن تحمل اسمًا أيضًا. لكنها أكثر تحررًا من البطل، وهو ينظر إليها بوصفها امرأة مثالية، رغم أنها تمضي الليلة السابقة مع رجل آخر قطع لها وعدًا بالعثور لها على وظيفة عارضة أزياء. يتميز الروائي بفطنة وذكاء متميزين في استخدام جميع مفردات العصر وأساطيره اليومية في تجسيد حالة ضياع الشباب وطموحاتهم في اعتلاء عرش المال، إنها أسطورة العالم الجديد الذي تنعدم فيه القيم الإنسانية ويصبح المال هو السيد المطلق والإله الموحد لبني البشر. استطاع الكاتب الباكستاني بمهارة كبيرة أن يجعلنا في جو روائي مفعم ببرودة العصر والتشيؤ الذي يضرب في أجزاء جسده. نحن أمام غول المال الذي يسحق جميع القيم ويجعلنا نتوحد في هذه الرؤية بل نشترك فيها. لغة الروائي كثيفة، وكلماته محيّرة، وكل كلمة لها مدلولات متعددة، لكنها لغة شباب العصر، التي قد لا يفهما الجيل السابق لأنها عبارة عن أيقونات جديدة في عصرنا.
أشاد معظم النقاد والكتّاب بهذه الرواية، بل اعتبروها في مصاف الروايات المتميزة في العالم. الناقد ميشيكو كاكوتاني من «نيويورك تايمز» يشبّه محسن حامد بالروائي الأميركي هوراشيو ألجر الابن (1832 - 1899)، الذي اشتهر بكونه مؤلفًا لقصص الأطفال، حيث لاقت رواياته رواجًا كبيرًا في زمانه، تدور أحداثها حول قصص أطفال فقراء تمكنوا من الخروج من ربقة الفقر والبؤس، وسعوا إلى تحسين أوضاعهم المعيشية عبر المثابرة والعمل الجاد مع الحفاظ على الفضيلة والحظ، محققين ما بات يُعرف اليوم باسم الحلم الأميركي. تمثل رواية محسن حامد رغبات ومكبوتات ملايين الشباب في آسيا الصاعدة، هؤلاء الضائعون بين عجلات الاقتصاد الرأسمالي الذي لا يرحم. وعلى الرغم من أن البطل لا يحمل اسمًا فإن القراء سرعان ما يجدون روحه النابضة، وقوته العاطفية، وأفقه المفتوح. يقول الناقد ألن شوس، إن «بطل محسن حامد ينقل إلى الأذهان نسخة معولمة لرواية سكوت فيتزجرالد (غاتسبي العظيم)». ويؤكد الناقد رون شارلس من «واشنطن بوست» أن محسن حامد يتخذ الشكل الأكثر أميركية في الأدب، وهي كتب دليل التعّلم الذاتي، وله قدرة فائقة في تحويلها إلى مادة للحكي في قصة مؤثرة. ويرى الناقد بارول سيهغال أن الكاتب الباكستاني يزاوج بين نمطين من الصعب مقارنتهما، وهما الرواية الملحمية القديمة وكتب دليل التعّلم الذاتي. ويرى الناقد ماريون وينيك أن سرد هذه الرواية يجمع بين الزمن اللانهائي وبين الأحداث المعاصرة، وهو يؤرخ لمرحلة ما بعد الحداثة في حكي شهرزاد. وذهب بعض النقاد إلى مقارنته بالكاتب الروسي الكبير ليون تولستوي. وآخرون قالوا إن «أهم ما يميّز رواية محسن حامد روح الفكاهة التي يروي بها الأحداث»، ففي مائتي صفحة استطاع أن يعبّر عما أنجزه جيمس جويس في روايته الضخمة «يوليسيس» التي قاربت الألف.
يبقى أن نقول: رواية «كيف تصبح ثريًا فاحشًا في آسيا الصاعدة» هي رواية رومانسية دون أن تكون عاطفية، وسياسية دون أن تكون مباشرة، وروحية دون أن تكون دينية. جسّدها المؤلف بلغة إنجليزية متمردة، معقدة في فصاحتها وبلاغتها، ومدلولاتها اللغوية والمعرفية، ما جعل ترجمتها تستغرق وقتًا طويلاً رغم قصرها؛ لأنها حققت المعادلة التي ناشد فيها الكاتب التشيكي الشهير ميلان كونديرا «الحذف والتكثيف». يكفي أنها رواية إنسانية، تعالج الواقع الصاخب الذي تتحكم فيه رؤوس الأموال والشركات العملاقة. وفي نهاية المطاف، يؤكد الكاتب الباكستاني محسن حامد من خلال روايته الثالثة، مكانته كونه واحدا من أبناء جيله الأكثر إبداعًا وابتكارًا في عالم الرواية.

* مقطع من الفصل الأول من الرواية: الانتقال إلى المدينة
* انظر، إذا لم تكن أنت مؤلف كتاب، فإن كتب التعّلم الذاتي تحتوي على شيئين متناقضين. أنت تقرأ كتابًا في التعلم الذاتي، حيث لا تستطيع أن تساعد نفسك، لكنّ هناك شخصا قادرا على ذلك هو مؤلف هذا الكتاب. هذه الحقيقة تنطبق على جميع أنماط كُتب التعّلم الذاتي. وينطبق على كتب التعلم على سبيل المثال وعلى كتب تحسين الأداء الذاتي، وقد يقول البعض: تنطبق على كتب الدين. ولكن قد يقول قائل: من يصرحون بذلك يستحقون أن يطرحوا أرضا ويتركوا لينزفوا حتى ينفد دمهم بوضع سكين على رقابهم وذبحهم ببطء. من الحكمة وببساطة أن نلاحظ اختلافات وجهات النظر بشأن تلك الفئة الفرعية ثم ننتقل بعد ذلك بسرعة.
لا شيء مما ذُكر آنفا يعني أن كتب التعلم الذاتي لا فائدة منها. بل على العكس، قد تكون مفيدة للغاية. لكن يعني ذلك أن فكرة الذات مراوغة في مجال التعّلم الذاتي. قد تكون المراوغة جيدة، وقد تكون مبهجة، وقد تزودك بمنفذ إلى ما يمكن أن يثير الغضب إذا داهمك بجفاف.
هذا كتاب من كتب التعّلم الذاتي هدفه، كما يشير غلافه الأخير، أن يريك كيف تكون ثريًا فاحشًا في آسيا الصاعدة. ولكي تفعل ذلك يجب أن يجد هذا الكتاب طريقه إليك، أن تتداوله، وتقرأه، وأنت ترتعش تحت غطاء أمك ذات صباح بارد وندي على الأرض المرصوصة. عذابك يشبه عذاب طفل رُميت قطعته من الشوكولاته جانبًا، أو نفدت بطارية «ريموت» لعبته، أو انكسرت دراجته، أو سرق منه حذاؤه الرياضي الجديد. وهي أكثر الأشياء تميّزًا، طالما لم ترها في حياتك أبدًا.
بياض عينيك أصبح أصفر، نتيجة ارتفاع نسبة المادة الصفراء في دمك. الفيروس الذي أصابك يُدعى مرض الكبد الوبائي «إي». طريقته النموذجية في العدوى تتم عن طريق الفم أو البراز. يا سلام! يقتل بمعدل واحد في كل خمسين شخصًا، لذلك ربما ستشفى من هذا المرض. لكنك الآن تشعر كمن يوشك على الموت.
على أية حال، واجهت أمك هذا الظرف مرات كثيرة، أو مثل هذه الظروف. لذا فهي قد لا تفكر بأنك ستموت. ومرة أخرى، قد تفكر بموتك. مصير كل شخص الموت، وعندما تكون أم من طراز أمك، ترى وليدها الثالث الألم الذي يجعلك تئن تحت غطاء أمك، بالطريقة التي تفعلها، قد تشعر بموتك يتأجل إلى عقود قليلة، تنزع غطاء رأسها المغبّر، والحالك اللون، وتجلس بألفة منفوشة الشعر، وتبتسم ابتسامة مثيرة لهذا المشهد، وهي تشارك السكن مع أولادها الأحياء في غرفة منفردة، ذات جدران طينية. وتقول: لا تتركنا هنا.
سمع أباك هذا الطلب منها من قبل. على أية حال، لا يجعل ذلك الطلب منه متبّلد الأحاسيس إزاء ذلك تمامًا. إنه رجل ذو شهية جنسية نهمة، وغالبًا ما يفكر بصدرها الثقيل والصلب، وفخذيها الواسعتين، عندما يكون بعيدًا عن أمك، ولا يزال يتشوّق إلى إقحام نفسه في أحضانها ليلاً وليس ثلاث أو أربع زيارات في السنة. وهو يتمتع بحس الفكاهة الفظ وغير المألوف أيضًا لديها، ويحب برفقتها أحيانا. ورغم عدم إظهاره لأحاسيسه تجاه صغاره، فهو يرغب في مراقبتك أثناء نموك وأخوتك. كان أبوه يجد متعة كبيرة في رؤية المحاصيل وهي تكبر في الحقول يوميًا، وفي هذا، يتشابه الرجلان قدر تعلق الأمر بتشابه نمو المحاصيل مع الأطفال.
إنه يقول:
- لا أستطيع أن أستقدمكم إلى المدينة.
- يمكننا البقاء معكم في الأحياء. ترد أمك.
- نستطيع أن نبقى معك في الأحياء.
- يشاركني السكن في غرفتي سائق سيارة.
- أنت تكسب عشرة آلاف الآن. لست برجل فقير.
- عشرة آلاف في المدينة تجعل منك رجلاً فقيرًا.
ينهض ويذهب للتجول في الخارج. عيناك تتابعانه، ونعله الجلدي يُخلع من قائمتيه الخلفيتين، وسيره يصطفق بتراخٍ، وكعباه المتصدعان متصلبان وغليظان، كأنهما مكسوتان بقشرة يابسة. يخطو من البوابة إلى الباحة المفتوحة على السماء التي تقع وسط المجمّع السكني لعائلتك الكبيرة. ومن غير المحتمل، أن يتريث هناك في تأمل الشجرة الفريدة، الوارفة الظلال، ويجد السلوى والعزاء في فصل الصيف، ولكن الآن، في الربيع، لا يزال كل شيء وعر وخشن. من الممكن، أن يخرج من المجمّع السكني، شاقًا طريقه إلى التلة الخلفية، حيث يقضي حاجته، وهو يجلس القرفصاء متخفيا عن الأنظار، ويعصر نفسه بقوة ليفرغ فضلات قولونه. قد يكون وحيدًا أو لا يكون.
يوجد بجوار التلة أخدود لحمي اللون، عميق بطول قامة رجل، وفي قعره يتقطّر الماء بضآلة. في هذا الموسم الاثنان متناقضان، سجين نحيل في معسكر الاعتقال، يلبس رداء طباخ معجنات بدين. ولفترة وجيزة، أثناء الرياح الموسمية، يمتلئ الأخدود بطاقته القصوى، ويكون ذلك حادثة أقل انتظامًا مما كان عليه الحال في الماضي، وذلك اعتمادا على التقلبات المتزايدة في تيارات الهواء والمناخ.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».