غوردن لـ «الشرق الأوسط»: الرياض تملك أوراقًا كثيرة ودعم بوتين للأسد أحرج موسكو مع السعودية

مساعد أوباما السابق ومنسق سياسة البيت الأبيض قال إن واشنطن لم تدر ظهرها للشرق الأوسط ولا تريد مواجهة عسكرية مع روسيا

غوردن لـ «الشرق الأوسط»: الرياض تملك أوراقًا كثيرة ودعم بوتين للأسد أحرج موسكو مع السعودية
TT

غوردن لـ «الشرق الأوسط»: الرياض تملك أوراقًا كثيرة ودعم بوتين للأسد أحرج موسكو مع السعودية

غوردن لـ «الشرق الأوسط»: الرياض تملك أوراقًا كثيرة ودعم بوتين للأسد أحرج موسكو مع السعودية

أكد الدكتور فيليب غوردن مساعد الرئيس الأميركي أوباما السابق ومنسق سياسة البيت الأبيض، أن السعودية تستطيع أن تلعب دورًا مهمًا جدًا، لما تملكه من أوراق كثيرة تجعلها تلفت روسيا إلى أهمية السياسة السعودية لا سيما فيما يتعلق بالإنتاج النفطي، وقال «إن هذا سينعكس سلبًا على روسيا إذا لم تعمل مع السعودية وآخرين على انتقال سياسي في سوريا من دون الأسد».
واعترف غوردن في الحوار الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» بأنه لا سجل جيدًا لأميركا، يربط النجاح في تدريب أي معارضة بالوصول إلى حكومة استقرار. وأعطى مثلاً تجربتي أفغانستان والعراق. وأضاف أن الصعوبة كانت في إيجاد معارضة سورية معتدلة وقوية لتحل مكان نظام بشار الأسد. لكنه اعترف أيضا، بأن برنامج وزارة الدفاع كان حسب تفويض الكونغرس محصورًا بتدريب من سيقاتل «داعش» وليس من يقاتل نظام الأسد.
ورأى أن احتمال أن يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يفكر في استراتيجية خروج، احتمال يستحق البحث، لتكون هنالك استراتيجية لتجنب بوتين توتير علاقاته مع السعودية وتركيا ودول أخرى، «لأن عليه العمل مع هذه الدول لإيجاد طريقة لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا وإبعاد الأسد».
وقال غوردن إن الرئيس الأميركي باراك أوباما غير مستعد لمواجهة عسكرية مع روسيا: «إدارة أوباما لا تريد أن تجد نفسها غارقة في حرب إقليمية جديدة معقدة»، وأضاف بقوله «لم يتوقع أحد أن تصبح إيران بعد الاتفاق شريكًا متعاونًا وليس من أحد ساذجًا والاتفاق النووي لم يكن موافقة أميركية على ما تقوم به إيران في سوريا والعراق واليمن».
وقال غوردن إن نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق أراد خروج الأميركيين من العراق، في حين أن الحكومة الأفغانية طالبت ببقائها، «لكن الولايات المتحدة لن تترك الشرق الأوسط، فهي باقية»، فإلى نص الحوار:
* ما الذي حدث وجعل الإدارة الأميركية ترتكب هذا الخطأ الكبير بالنسبة إلى تقييم الأزمة السورية إلى درجة أن استراتيجيتكم فشلت تمامًا؟
- صحيح أن الاستراتيجية لم تنجح. لن أربطها بمسألة أننا في البيت الأبيض أخطأنا. ربما الناس لم تقدر صعوبة إيجاد واختيار المعارضة المعتدلة التي تكون قوية إلى درجة الحلول مكان نظام الأسد وإعادة الاستقرار إلى سوريا.
* لكن برنامجكم حول ذلك، كلفكم 500 مليون دولار وأنتج حفنة قليلة من المقاتلين؟
- هذا صحيح، إننا ولفترة نحاول دعم المعارضة، لكن، كما قلت، لم نقدر صعوبة فعل ذلك في وجه نظام تدعمه قوى كبرى مثل روسيا وإيران. الحدث الأقرب لذلك هو أفغانستان عام 1980، كانت الولايات المتحدة ودول أخرى مصرة على الإطاحة بحكومة أفغانستان المدعومة من الاتحاد السوفياتي، وقد فعلنا هذا إنما بتكلفة باهظة عبر المجاهدين وصواريخ «ستينغر»، صحيح أدى ذلك إلى تغيير النظام إنما إلى الوضع المروع في أفغانستان الذي أوصل إلى طالبان و«القاعدة» وتفجيرات سبتمبر (أيلول) 2001، ليس هناك سجل جيد يربط النجاح في تدريب أي معارضة بالوصول إلى حكومة استقرار.
* تجربتكم في أفغانستان، مع استعمالكم استراتيجية مختلفة انتهت كما انتهت إليه استراتيجيتكم في سوريا، إذ هناك «النصرة» وهي تفريع لـ«القاعدة» و«داعش». لجأتم إلى الجهود والقوة في أفغانستان، ولم تلجأوا إلى أي منهما في سوريا، إنما النتيجة كانت واحدة.
- صحيح أن النتيجة مروعة. لكن من الخطأ الاعتقاد أنه مع بعض البدائل في الاستراتيجية كنا تجنبنا العنف ومآسي اللاجئين في سوريا. تذكري العراق. كان الوضع سيئًا مع الديكتاتور صدام حسين الذي كان يسيء معاملة شعبه ويشكل تهديدًا لجيرانه. هناك حاولنا المقاطعة، وإضافة مناطق آمنة، والعزلة، لكن لم تنجح أي من هذه الإجراءات في التخلص من النظام. عندها رأت الولايات المتحدة أن الطريقة الوحيدة تكون باستعمال القوة الهائلة - كما يطالب الكثيرون باستعمال القوة الهائلة في سوريا اليوم - لجأنا إليها وأطحنا بصدام حسين، لنقع في فوضى أكبر. كلفت تريليون دولار، انتشر العنف، قويت إيران. أنا أشك في أنه لو استعملنا القوة الهائلة في سوريا لكنا حصلنا على نتيجة أفضل.
* هل صحيح أن الكونغرس فوض البنتاغون بتدريب الثوار السوريين من أجل مقاتلة تنظيم داعش فقط وليس مقاتلة الأسد؟
- نعم، برنامج وزارة الدفاع وضع لتدريب الثوار لمقاتلة «داعش»، ولهذا السبب لم ينجح إلا في تجنيد عدد قليل من المعارضة السورية التي كانت تريد مقاتلة الأسد.
* لكن لماذا اخترتم مقاتلة «داعش» فقط وليس «داعش» والأسد معًا؟
- أعتقد، لأنه اخترنا مقاتلة الأشد خطرًا. على الصعيد الإقليمي كان «داعش» المناوئ الأول ومن الضروري أن نعيد التوازن إلى المعارضة بحيث إذا سقط الأسد، تكون هناك معارضة معتدلة في السلطة. وبقدر ما نود التخلص من الأسد، لكن إذا سقط، فإن «داعش» كان سيحل مكانه وليس هذا ما نأمله أو نتطلع إليه.
* هل تعتقد أن الروس هم في الطريق لبناء فقاعة فوق سوريا وتحدي التفوق الجوي الغربي؟
- لا أعتقد أن روسيا تستطيع تحدي التفوق الجوي الغربي عبر الغارات الجوية. لكن من دون شك، فإن الوجود الروسي يعقد الوضع أمام أميركا، ويقلص الخيارات بالنسبة إلى إقامة مناطق لا يسمح بالتحليق فوقها. الحقيقة الآن أن الروس يقومون بالغارات ولديهم دفاعهم الجوي الذي يجعل الأمور أكثر صعوبة أمام الولايات المتحدة.
* قلت إن العرب يمكنهم العمل مع الأسد في أمر واحد هو خروجه. هل يمكن أن تشرح هذه الخطة؟ وهل تعتقد أن الأسد يريد فعلاً تخفيف الصراع أو وقفه؟
- لا أعتقد أنه يريد ذلك. وأظن أن الطريقة الوحيدة لفرض ذلك عليه تكون بضغط من روسيا. فلأكن واضحًا، بالنسبة إلى خروج الأسد. من المؤكد أن النتيجة الأفضل، والوحيدة القابلة للتطبيق على المدى البعيد تكون بخروج الأسد، فهو نفر أغلبية شعبه، ولا يمكن إرضاء الشعب ما دام في السلطة، المشكلة مستمرة طالما الأسد هناك، وبالتالي لا يمكن حل الصراع. لذلك فإن من أولياتنا العمل مع كل الأطراف، بما فيها توجيه رسالة إلى الروس: إذا كنتم تريدون إنقاذ نظام الأسد، فحظًا سعيدًا، لأن العنف سيستمر وستكون هناك عمليات موجهة ضد الروس، وهذه مغامرة معقدة جدًا.
لذلك يجب أن يفهم الروس، أن عليهم تهميش الأسد ومن الممكن تجنب تأزيم الوضع أكثر، لأن هذه الحرب ستبدأ تكلفهم كثيرًا ومباشرة. وأعتقد أنه يجب أن نركز على أن ينضم الروس إلى عملية انتقال السلطة التي يجب العمل عليها.
* هل تعتقد بما يقوله الآن بعض المراقبين الروس من أن الرئيس فلاديمير بوتين قد يكون بصدد البحث عن استراتيجية للخروج بعد ثلاثة أسابيع من الغارات الجوية، لأنه لا يريد أن تتحول لمكاسب إلى مسؤولية يتحملها؟
- نعم، لكن لا أعتقد بوجود أي ضمانات.
* ضمانات لاستراتيجية الخروج أو بأن الأميركيين على استعداد للعمل معه؟
- لا أعتقد أننا يمكن التأكد من أن الروس يريدون مثل هذه الخطة. لكن هذه الخطة تستحق البحث. الآن مع الوجود الروسي في سوريا، من الناحية الأمنية تستطيع روسيا أن تساعد على منع الانهيار الحقيقي للنظام وهذا ما تخاف عليه، يمكنها أن تحيد الأسد، وتبقي النظام مكانه، إنما تدريجيًا تنهي العنف. وأعتقد أنه عندما تبدأ التكاليف بالارتفاع قد تدرك روسيا التكلفة المالية والانعكاسات على الاقتصاد الروسي الذي يعاني، والتكاليف الدبلوماسية من حيث زعزعة العلاقات الروسية مع العالم العربي، وعندما يبدأ سقوط الضحايا، يمكن عندها لروسيا أن تدرك أنه من مصلحتها العمل على فترة انتقالية لا تشمل الأسد.
* هل تعتقد أن وجود استراتيجية خروج قد يساعد بوتين على تجنب توتير علاقاته مع السعودية وتركيا ودول أخرى جعلت الإطاحة بالأسد من أبرز أولوياتها؟
- نعم، هذا احتمال، وكما قلت فإن دعم بوتين لنظام الأسد سيكلفه ماليًا واقتصاديا وأيضا سيحرج علاقات روسيا مع السعودية وتركيا ودول أخرى. أمامه الآن فرصة لتغيير كل تلك الاحتمالات، بأن يعمل مع هذه الدول لإيجاد طريق لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا وإبعاد الأسد، لا أعتقد أن بوتين سيفعل هذا فورًا، إنما مع الوقت سيصبح أكثر اهتمامًا بإيجاد استراتيجية خروج.
* هل تعتقد أن واشنطن مستعدة لمحادثات مفتوحة مع روسيا حول هذا الأمر، أم أن الإدارة الأميركية الحالية لا تريد أن تظهر أنها على مساواة مع روسيا؟
- أولاً بالنسبة إلى محادثات على مستوى عال مع روسيا حول هذه المسألة، فإن البنتاغون نشط، بالنسبة إلى الإدارة فما زال أمامها أكثر من سنة في السلطة، ولا أعتقد أن الشعب السوري يمكنه أن ينتظر. وكان الرئيس باراك أوباما واضحًا في الأمم المتحدة عندما قال إن إدارته على استعداد للحديث مع أي دولة بما فيها روسيا أو إيران من أجل محاولة إنهاء الصراع. أظن أن هذا من أولويات الإدارة والمسألة لا تتعلق بالمساواة، إنما المسألة تتعلق بتحقيق أهدافنا.
* لكن الرئيس أوباما رفض اقتراحًا تقدم به الرئيس الروسي لإرسال وفد برئاسة رئيس الوزراء الروسي دمتري ميدفيديف إلى الولايات المتحدة لإجراء محادثات موسعة حول سوريا؟
- أعتقد أن الولايات المتحدة قادرة على أن تتحدث مع روسيا بجدية إذا كانت الأخيرة على استعداد أن تتحدث هي الأخرى بجدية، وأن يجد الطرفان الآلية المناسبة لذلك، إنما الأولوية تكون بوضع نهاية للصراع.
* أيضا، تلوم واشنطن موسكو بأنها تقصف المعارضة السورية المعتدلة. لكن تقول روسيا إنها عندما سألت عن الأهداف التي يجب على طائراتها ألا تقصفها، رفضت واشنطن تسمية تلك الأهداف؟
- أولاً ليس صحيحًا أن روسيا تتجنب استهداف المعارضة المعتدلة، هي تعتبر كل معارضة للنظام السوري إرهابًا. هي لا تستهدف في قصفها «داعش» كثيرًا، بل تقصف كل المجموعات الأخرى المعارضة للنظام. وصار واضحًا للجميع أن روسيا تدخلت لإنقاذ النظام والأسد وليس لقتال «داعش».
* نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول إيراني قوله إن الآلاف من الجنود الإيرانيين صاروا في سوريا للمشاركة في معركة حلب. والآن (الجمعة بعد الظهر) جاء نبأ أن اللواء قاسم سليماني (قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني) صار في حلب. لم نسمع أي اعتراض أو قلق من الولايات المتحدة؟
- أظن أن الولايات المتحدة كانت واضحة جدًا في معارضتها لكل الأطراف التي تقاتل في سوريا من أجل دعم النظام بما فيها إيران وحزب الله. أنا متأكد من أن الولايات المتحدة واعية للخطر الإيراني.
* لكن ماذا تفعل الإدارة الأميركية لمنع هذا الخطر؟
- ما تفعله هو الاستمرار في دعم المعارضة، وأن كل من يقف إلى جانب الأسد يدفع الثمن. الواقع أن النظام السوري يتلقى مساعدة كبيرة عبر دعم روسيا وإيران، ونجد أنه من الصعب أن ندرب ونسلح معارضة قادرة ليس فقط لقلب نظام ما زال يتلقى بعضًا من الدعم المحلي بل أيضا دعم إيران وروسيا.
ما لن تفعله الولايات المتحدة الأميركية في ظل إدارة الرئيس أوباما هو أن تتدخل مباشرة في الحرب هناك حيث قوات إيرانية وروسية، وتجد نفسها غارقة في حرب إقليمية معقدة جديدة.
* لكن مستشار الأمن القومي السابق زبينغيو بريجنسكي كتب أخيرًا في صحيفة «الفايننشال تايمز» اللندنية مقالاً يحث على «استراتيجية جريئة»، وكأنه يدعو إلى مواجهة روسيا في سوريا. وأنت تقول الآن إن الرئيس أوباما لن يفكر بهذه الطريقة؟
- أعتقد أن هذا صحيح. لا أظن أن الرئيس أوباما مستعد لمواجهة عسكرية مع روسيا في سوريا، إذا كان هذا ما يتحدث عنه بريجنسكي. إذا كان الأمر محصورًا في مواجهة عسكرية مع روسيا، لا أعتقد أننا يجب أن نتجنب ذلك، لكن، لا أظن أن مواجهة روسيا ستؤدي إلى نتيجة أفضل. يمكننا أن نسقط طائرة روسية ونستهدف البحرية الروسية، لكن ماذا ستكون النتيجة؟ إذا أدى ذلك إلى سقوط النظام ولا توجد خطة متماسكة لتخلفه، سنصل إلى فوضى أكبر، وتشرد أبعد، ومآس أكثر.
* هل كان يستحق استرضاء إيران للتوقيع على اتفاقية غير أكيدة، التخلي عن سوريا والحلفاء الآخرين في الشرق الأوسط؟
- لا أتفق مع تهمة التخلي عن سوريا والحلفاء الآخرين في الشرق الأوسط. الاتفاق النووي لم يكن لتحسين العلاقات مع إيران، ولم يكن موافقة أميركية على كل ما تقوم به إيران في سوريا، والعراق واليمن وأي مكان آخر، أو اعترافًا بذلك. الطريقة الوحيدة التي كانت أمامنا كانت فرض عقوبات دولية على إيران، وهي العقوبات الوحيدة التي أثرت. العقوبات الدولية دفعت الإيرانيين إلى الموافقة. لقد جلبنا معنا حول الطاولة روسيا والصين، ومجلس الأمن لحمل النظام الإيراني على تقديم تنازلات في برنامجه النووي.
أدخلنا في سياستنا، أننا أردنا العقوبات على إيران ليس فقط بسبب برنامجها النووي، إنما للتوقف عن التدخل في سوريا، والبحرين واليمن.
أفهم، لماذا الناس كانوا يريدون أن يشمل الاتفاق النووي المسألة السورية. لكن كان ضروريًا أن نصل إلى الاتفاق النووي من دون أن نمزجه بأهداف أخرى فننتهي إلى لا شيء.
* لكن كيف تقرأ تجربة إيران لصاروخ باليستي جديد بعد التوقيع على الاتفاق؟
- إيران منذ سنوات تطور برامجها الصاروخية. إنما لم نكن نريد لهذا البرنامج أن يقف في وجه الاتفاق النووي.
* لكن ما رد فعل الإدارة الأميركية على المدينة الإيرانية تحت الأرض بكل أنفاقها التي تحوي صواريخ باليستية وبطاريات صواريخ متحركة. هل تعتقد أن إيران تتحول إلى كوريا الشمالية للشرق الأوسط؟
- آمل ألا يكون هذا، لكن هذا ما يجب أن نبقيه في عقولنا بالنسبة للاتفاق النووي مع إيران. بعض منتقدي الإدارة بالنسبة لهذا الاتفاق دعوا إلى التعامل مع إيران مثل التعامل مع كوريا الشمالية. الإبقاء على العقوبات، عدم التوصل إلى حل وسط، عزلها وعدم إقامة علاقات دبلوماسية.
لكن، هذا النوع من التعامل مع كوريا الشمالية أدى إلى امتلاكها الأسلحة النووية. هي الآن دولة معزولة لكن خطيرة.
نحن نشارك كل مخاوف المنتقدين للاتفاق مع إيران. لا أحد على سذاجة في نظرته إلى إيران، لكن لا تصدقي أن الإبقاء على المقاطعة والعزلة يمكن أن يؤدي إلى أي نتيجة سوى إيران بأسلحة نووية.
* لكن هذا الاتفاق لم يوقف إيران عن الاستمرار بتدخلها في الشؤون الداخلية للدول العربية، كما ذكرت الآن؟
- لم يتوقع أحد أن تصبح إيران بعد الاتفاق شريكًا متعاونًا. الولايات المتحدة تحاول أن تضمن دفاعًا وردعًا قويين لحلفائنا في المنطقة. مع مظلة صواريخ حامية وتدريبات وتسليح للحماية من أي خطر تهدد به إيران.
* بعد الاتفاق قال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، إنه لن تكون هناك إسرائيل بعد 20 عامًا. هل يطلق هذا جرس إنذار بالخطر؟
- بالطبع. سياسة إيران تجاه إسرائيل كانت دائمًا مشكلة للولايات المتحدة. ولأن إيران تشكل تهديدًا لإسرائيل كان هدف عدم تمكينها من الحصول على السلاح النووي. ولهذا العلاقات مع إسرائيل قوية والشراكة العسكرية أيضا. ليس من أحد ساذجا بالنسبة لخطر إيران على إسرائيل. ومن هنا كانت أهمية منع إيران من الحصول على النووي.
* لكن الصواريخ تشكل خطرًا؟
- بالطبع أنها كذلك. لكن من خلال الشراكة مع إسرائيل، واتفاقيات الدفاع المشترك بين الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. لا أحد يعتقد أن إيران لا تشكل مشكلة، من هنا كان الإصرار على الاتفاق، هناك تعبير في الإنجليزية: يجب على المثالي ألا يلغي الجيد. وهذه نظرتنا إلى الاتفاق.
* العام الماضي وبعد الحرب في غزة والإحباط الذي كانت تشعر به الإدارة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قلت أنت: كيف لإسرائيل أن تحقق السلام إذا كانت غير راغبة في ترسيم الحدود، وتنهي الاحتلال وتسمح للفلسطينيين بالسيادة، والأمن والكرامة. هل ما زلت على هذا الموقف بعد المشاكل الأخيرة، وهل سيحمل وزير الخارجية جون كيري هذا الموقف خلال لقائه مع نتنياهو الأسبوع المقبل في برلين، كوصفة للسلام؟
- لا أعتقد أن الإدارة تغير موقفها. إن الدعم الأميركي لإسرائيل لم يتراجع، والولايات المتحدة تؤمن بشدة بحق إسرائيل في الأمن والسلام. والسؤال الذي سألته لا يزال باقيا: غياب عملية سلام تؤخر لإسرائيل السلام والديمقراطية، لهذا فإن الولايات المتحدة من أشد الداعمين لدولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل. من دون ذلك، فإن النتيجة ستبقى عنفًا يتفجر باستمرار.
* هل ما زال هناك أمل في حل إقامة الدولتين؟
- ذلك الأمل يتلاشى. لهذا بُذلت الجهود العام الماضي لإنقاذه. الوزير كيري قام بمحاولات حثيثة لشعوره بأن الوقت يضيق بسبب الوضع الديموغرافي. الفلسطينيون يفقدون الأمل بسبب المستوطنات الإسرائيلية التي تعقد الوضع. الرئيس الفلسطيني محمود عباس على استعداد أن يعترف بإسرائيل، وأقام علاقات أمنية للسيطرة على العنف، ويحترم الاتفاقيات الموقعة سابقًا. هو لن يبقى إلى الأبد. الآن الأوضاع تزداد صعوبة، وصار الإسرائيليون يتساءلون علنًا عن النتائج المتوقعة.
الولايات المتحدة لا ترى بديلاً عن حل الدولتين. البديل الوحيد هو دولة واحدة، لكن هل ستضمن إسرائيل أنها ستبقى ديمقراطية في ظل دولة واحدة؟
* ألا ترى أن العمليات الروسية كشفت أكثر وأكثر التقسيم الواقعي لسوريا الذي بدأه الأسد شخصيًا؟
- كلما طال وقت الحرب سيصعب أكثر رؤية سوريا موحدة. وأتخوف من أن الحد الأدنى المطلوب الآن هو تداول السلطة، لم يعد ممكنا تركيز السلطات في دمشق، المطلوب الآن سلطات محلية، أو مناطقية، قبل الوصول إلى سلطة موحدة في سوريا.
* وهل ترى، ولو على المدى الطويل، سوريا موحدة مرة أخرى؟
- من الصعب جدًا ترميمها وإعادة وحدتها. الأفضلية الآن لتوفير السلام وإنهاء العنف، أما الوحدة السياسية السورية فقد تبقى للمدى البعيد. أما للمدى القصير فالمطلوب سلطات محلية.
* هل تستطيع أن تشرح ما قصده المبعوث الأميركي الخاص لسوريا مايكل راتني عندما قال إن الروس ما كانوا ليساعدوا الأسد لو لم نضعفه، وإن التدخل الروسي هو دليل على نجاح السياسة الأميركية في سوريا؟
- أظن أن ما قصده أن التدخل الروسي يكشف أنه ليس كل شيء على ما يرام في دمشق، وأن جهودنا لتقوية المعارضة لها تأثير، وأن هذا دفع روسيا لتدرك أن عليها إضعاف المعارضة. لا أحد يمكنه أن يتوقع النتيجة في سوريا. حتى روسيا تعترف أن الوضع الراهن للنظام لن يدوم. آمل أن يدركوا ذلك قريبًا وألا يتورطوا أكثر.
* هل تعتقد أنه إذا جرت اتصالات ناجحة ما بين الكرملين والرياض، قد تساعد على إعادة المحادثات المتوقفة حول سوريا؟
- أعتقد أن السعودية تستطيع أن تلعب دورًا مهمًا جدًا بالنسبة إلى روسيا. لديها أوراق كثيرة تجعلها تلفت روسيا إلى أهمية السياسة السعودية فيما يتعلق بالإنتاج النفطي، وأن هذا سينعكس سلبًا على روسيا إذا لم تعمل مع السعودية وآخرين حول الانتقال السياسي في سوريا.
وتستطيع السعودية أن توضح للكرملين، أن هذا لا يعني أن النفوذ الروسي سيلغى في سوريا، وأن هذا لا يعني فكفكة كل النظام السوري، بل يعني أن انتقالاً سياسيا في سوريا من دون الأسد ستكون له مفاعيل إيجابية على الجميع.
* هل ترى مصالح واقعية ومنطقية لإيران في سوريا. ما مصالحها في سوريا التي يستطيع العرب أن يقبلوا بها؟
- الإيرانيون يعتقدون أن لهم مصالح رئيسية في سوريا، لكن هذا لا يعني أنها مصالح شرعية بنظر العرب، أو حتى بنظر الولايات المتحدة، الكل يفضل ألا تكون إيران متورطة إطلاقًا في سوريا. هي تدعي أنها تحمي العلويين المرتبطين بالنظام، لكن يجب حماية كل الأقليات أينما كانوا. إيران هدفها في سوريا هو الاستمرار بدعم حزب الله كذراع شرعي لها على الحدود مع إسرائيل.
* كنت أيضا مسؤولاً عن الأمن في العراق. كم تحقق من ذلك الأمن، وكيف يمكن للحكومة العراقية «الصديقة» أن تسمح للطائرات والصواريخ الروسية بعبور أجوائها؟
- الحقيقة القائمة في العراق هي النفوذ الإيراني هناك. الحكومة هناك تعمل مع إيران. بالنسبة إلى الأمن الذي حققناه في العراق فالصورة مختلطة. حققنا بعض التقدم مع مجيء رئيس الوزراء الجديد حيدر العبادي، لأن نوري المالكي أبعد سنة العراق، لذلك انضم قسم كبير منهم إلى تنظيمات إسلامية متطرفة تحديًا لسلطة بغداد. وبعض المحليين السنة كانوا مصرين على إيذاء الحكومة العراقية لسياستها ضدهم. ورأينا كيف سيطر «داعش» على المناطق العراقية.
الأمر الجيد أن العراقيين اختاروا السيد عبادي الذي وعد بجعل السنة والأكراد جزءًا أساسيا من العراق، نظريًا هو يحاول العمل على ذلك، لكن للأسف لن تتحسن الأمور في العراق إلا إذا نجحت الحكومة العراقية في إعادة لم شمل ما فرقه المالكي.
* هل أنت قلق على تركيا؟
- نعم. كنت هناك قبل أسبوعين والبلاد صارت أكثر انقسامًا عما كانت عليه. كانت تركيا تشهد استقرارًا اقتصاديا، وكانت هناك مشاركة للأحزاب السياسية وكانت شريكة قوية للولايات المتحدة.
الوضع الآن يشهد انقساما بشكل خطير. وهي مقبلة على انتخابات جديدة. بعد عدم فوزه المطلق في الانتخابات السابقة، يريد الرئيس رجب طيب إردوغان المحاولة مرة جديدة.
* هل تعتقد أن الرئيس إردوغان يتحول إلى نوري المالكي التركي؟
- لا أريد أن أجري تشبيهًا. لكن الشعور لدى كثير من الأتراك أنه تحول إلى رئيس متسلط، خصوصًا بعد خسارته الجولة الأولى من الانتخابات. وأظن أن الأتراك من ناحيتهم يريدون أن يمنعوا إردوغان من الوصول إلى السلطة المطلقة، يريدون تنوعًا وتعددية. لا يريدون حاكمًا يتمتع بهكذا صلاحيات.
* هل تعتقد أن الرئيس أوباما تعلم الدرس العراقي، فأصدر أمرا للقوات الأميركية بالبقاء في أفغانستان؟
- أنا متأكد أن الحكومة الأفغانية لن تكون بمفردها قادرة على الوقوف في وجه طالبان. الفرق الأساسي أن الحكومة الأفغانية هي من طلب من الولايات المتحدة البقاء في أفغانستان، بينما في العراق فإن الحكومة العراقية هي من أصرت على مغادرة القوات الأميركية. للأسف، فإن حكومة نوري المالكي أرادت خروج الأميركيين.
* هل هذه طريقة أخرى للإثبات أن الرئيس أوباما يدير ظهره للشرق الأوسط، إذ أعلن مسؤولون أميركيون أنه خلال أيام، سيقوم الجيش الأميركي بدوريات بحرية في بحر جنوب الصين ضمن عملية «حرية الملاحة» لتحدي ادعاءات الصين بسيطرتها هناك، ثم ماذا إذا ردت الصين؟
- أولاً، لا أعتقد أن الرئيس أوباما يدير ظهره للشرق الأوسط، هناك شراكة كاملة مع المنطقة، هناك مصالح أميركية كثيرة عسكرية واقتصادية، إضافة إلى محاربة الإرهاب. لا يمكننا أن نترك الشرق الأوسط ولن نتركه. ما هو صحيح، أن الرئيس أوباما غير مقتنع بأن تدخل الولايات المتحدة يمكن أن يرسم النتائج في الشرق الأوسط، خصوصًا إذا استعمل القوة العسكرية الأميركية، هو يشكك في أن يكون لهذا النوع من التدخل نتائج إيجابية.
بالنسبة إلى المسألة الصينية، فإن الصين تتحدى العالم وما تريده أميركا هو إظهار أن هناك قوة ردع لهذا التحدي.
* هل تريد إضافة شيء؟
- نعم، إن رسالتي هي أن الولايات المتحدة لن تترك الشرق الأوسط وستبذل أقصى جهدها للدفاع عن ذلك، لكن الأمر يعود إلى شعوب المنطقة لمواجهة التحديات واتخاذ القرارات.



النفي المصري لـ«الإساءة» للوافدين السودانيين لم ينهِ مناوشات وسائل التواصل

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
TT

النفي المصري لـ«الإساءة» للوافدين السودانيين لم ينهِ مناوشات وسائل التواصل

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)
لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

لا تزال «مناوشات» تدور على وسائل التواصل الاجتماعي بين مصريين وسودانيين إثر شائعات، نُسبت إحداها إلى وزير التموين المصري شريف فاروق، تتهم السودانيين في مصر بتخزين السلع المدعمة لإعادة بيعها؛ وهي إشاعة تم نفي صحتها رسمياً، في حين حذر مراقبون من «حملة ممنهجة للوقيعة بين الشعبين».

وأصدرت وزارة التموين هذا الأسبوع بياناً قالت فيه: «ما تم تداوله عبر بعض صفحات مواقع التواصل الاجتماعي من تصريحات منسوبة إلى الدكتور شريف فاروق بشأن الأشقاء السودانيين المقيمين في مصر، هو ادعاء كاذب وافتراء لا يستند إلى أي تصريحات أو وقائع رسمية».

ونسبت الإشاعة إلى فاروق قوله أمام لجنة الاقتصاد في مجلس النواب إن «السلع التي طرحتها الحكومة بأسعار مدعمة قبل حلول شهر رمضان نفدت لتهافت السودانيين عليها لتخزينها وإعادة بيعها فيما بينهم أو تهريبها».

وجاء في البيان الذي أصدرته الوزارة مساء الثلاثاء: «الوزير لم يدلِ بأي تصريحات نهائياً في هذا الشأن، وما جرى تداوله مختلق تماماً ولا أساس له من الصحة»، مشيرة إلى أن صورة الوزير المتداولة والحديث المصاحب لها يتعلقان بعرض قدمه أمام مجلس النواب، بتاريخ 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، مؤكدة أنه لم يتطرق فيه «من قريب أو بعيد إلى الموضوع المشار إليه، كما لم تتضمنه مضبطة المجلس على الإطلاق».

وشددت الوزارة على «التقدير والاحترام للأشقاء السودانيين الموجودين على أرض مصر».

غير أن تداول الإشاعة عبر صفحات وغروبات التواصل لم يتوقف، مع مطالب بترحيل السودانيين.

«حملات ممنهجة»

وحذرت الكاتبة المصرية المتخصصة في الشأن الأفريقي، أسماء الحسيني، من «حملات ممنهجة» للوقيعة بين الشعبين المصري والسوداني، وشحن السودانيين نفسياً سلبياً تجاه مصر، والإساءة لدورها في دعم السودانيين الذي تنتهجه بشكل رسمي منذ ثلاثة أعوام.

وطالبت الكاتبة الحكومة باتخاذ ما هو أكثر من نفي صحة الإشاعات، وبتعقب الحسابات التي تقف خلف هذه الحملات ومحاسبتها أو إعلان حقيقتها.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها تعقبت بعض هذه الحسابات ووجدتها حسابات «مشبوهة» و«مغلقة»؛ ما يعزز فرضية أنها ضمن لجان إلكترونية للوقيعة بين الشعبين، مؤكدة أن «المصريين في الشارع مرحبون بالسودانيين»، ولافتة إلى أنهم «مصدر للعملة الصعبة من خلال التحويلات التي تصل للعائلات السودانية من ذويهم في الخارج».

واتفق الباحث السوداني محمد تورشين مع الكاتبة المصرية في اعتقاده أن هذه «حملات ممنهجة» للوقيعة بين الشعبين، متهماً «قوات الدعم السريع» بالوقوف خلفها.

وقال تورشين لـ«الشرق الأوسط»: «قد يكون بعض المصريين مستائين من الوجود السوداني الكبير على أراضيهم، في ظل ضغط هذا الوجود سواء للسودانيين أو غيرهم على البنية التحتية، من مواصلات واتصالات وخدمات مياه وكهرباء وما إلى ذلك؛ لكن ذلك لا ينفي وجود حملات ممنهجة وليست عفوية وتستهدف الوقيعة بين الشعبين».

سودانيون في محطة رمسيس لاستقلال القطار الخامس للعودة الطواعية (رئاسة مجلس الوزراء)

وتجاوزت أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بواقع 834 ألفاً و201 طلب.

«وأد المناوشات»

تتنوع المناوشات على وسائل التواصل بين منشورات على ألسنة مصريين يطالبون بترحيل السودانيين أو ينتقدون وجودهم في بلادهم، وأخرى لسودانيين ينتقدون التعامل المصري مع الوافدين، بل ويختلقون وقائع لم تحدث، مثل تلك الواقعة التي نفت وزارة الداخلية المصرية صحتها حول وفاة مسن سوداني في أحد السجون المصرية.

كما نفت صفحة «الجالية السودانية في مصر»، الأربعاء، «شائعة» جرى تداولها بشكل واسع على الغروبات السودانية حول وفاة طفلتين جوعاً في شقة بمصر بعد القبض على والدتهما وترحيلها.

وقالت الصفحة التي يتابعها مئات الآلاف، ويقوم عليها صحافيون سودانيون: «قمنا عبر فريق ميداني بالبحث في محاولة الوصول لأي (طرف) خيط حقيقي لهذه الرواية، (...) ولم نصل لشيء على الإطلاق؛ ما يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنها قصص مختلقة من وحي خيال مريض يهدف لإثارة الفزع وزعزعة الاستقرار النفسي للسودانيين».

منشور يدحض إشاعة عن وفاة طفلتين سودانيتين بمصر جوعاً (صفحة الجالية السودانية في مصر)

من جانبه، حذر خبير الإعلام الرقمي والسوشيال ميديا، معتز نادي، من خطورة الإشاعات التي تستهدف ضرب العلاقات بين مصر وضيوفها، مشدداً على ضرورة «وأدها من البداية بنشر المعلومات الدقيقة ورصد كل ما هو غير صحيح وتوضيحه».

وأضاف نادي لـ«الشرق الأوسط»: «مصر بلد كبير ويتعامل مع اللاجئين على مدار السنوات الماضية بوصفهم ضيوفاً، وبالتالي في حال وجود إشاعات تنال من دورها في هذا الملف فهو أمر يستلزم دائماً وجود تدخل رسمي وسريع يوضح الحقائق من خلال الحكومة ووزاراتها، لاستجلاء الأمور بدقة لمنع أي تراشق على منصات التواصل الاجتماعي».

غير أن الكاتبة أسماء الحسيني طالبت بما هو أكبر، وذلك من خلال «توضيح الموقف المصري الرسمي من وجود السودانيين على أراضيها، واستثنائهم من حملات تدقيق الإقامات لحين انتهاء الحرب في السودان وعودتهم طوعياً، لسد الباب على أي إشاعات أو محاولات للوقيعة».

في المقابل، أبدى الباحث السوداني تورشين تفهمه لهذه الحملات قائلاً: «شروط الإقامة واضحة في أي بلد، وأي شخص وافد ينبغي أن يحترم شروط الإقامة في البلد المعني».

وكانت السفارة السودانية في القاهرة قد شددت هذا الأسبوع على ضرورة التزام السودانيين المقيمين في مصر بحمل الأوراق الثبوتية، والتأكد من سريانها، مشفوعة ببطاقة الإقامة الصادرة من جهات الاختصاص.

في هذا الصدد، قال تورشين: «بعض الخارجين على القانون غادروا السجون في الخرطوم وغيرها من الولايات مع هجمات (الدعم السريع)؛ لذا فإن عدم التدقيق في هويات المتواجدين مهدد أمني حقيقي لمصر. لكن الأمر غير المتفهم، إن تأكد، أن هنالك أشخاصاً لديهم إقامات سارية المفعول أو لديهم طلبات لجوء لدى المفوضية وتم ترحيلهم».

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتُقدِّر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.


التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا... استعادة النفوذ عبر تغيير موازين القوى

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)
TT

التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا... استعادة النفوذ عبر تغيير موازين القوى

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة الأربعاء (الرئاسة المصرية)

تمضي القاهرة وأنقرة قُدماً في زيادة أشكال التعاون العسكري والدفاعي، وكان ذلك ملفاً بارزاً في زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى مصر، الأربعاء، وهو أمر يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه يهدف لاستعادة النفوذ المصري - التركي عبر التأثير وتغيير موازين القوى بالمنطقة في مواجهة النفوذ الإسرائيلي الذي أخذ يهدد مصالح البلدين بشكل كبير.

وكان أحدث أشكال التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا، «اتفاقية تعاون عسكري»، تم توقيعها الأربعاء في القاهرة، بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره إردوغان. ووقّع الاتفاقية من الجانب المصري وزير الدفاع الفريق أول عبد المجيد صقر، وعن الجانب التركي وزير الدفاع يشار غولر.

«بحر الصداقة»

وشهد التعاون العسكري بين مصر وتركيا تطوراً ملحوظاً منذ 2023 مع عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة وتبادل الزيارات الرئاسية، مما انعكس على مجال الصناعات الدفاعية، حيث استأنف البلدان التدريبات المشتركة «بحر الصداقة» أخيراً، واتفقا على التعاون في التصنيع المشترك للطائرات المسيّرة، وكذلك انضمت القاهرة لبرنامج طائرات الجيل الخامس الشبحية التركية «KAAN».

اتفاقية إطارية للتعاون العسكري بين مصر وتركيا بحضور رئيسي البلدين (الرئاسة المصرية)

الأكاديمي والباحث المصري في العلاقات الدولية، بشير عبد الفتاح، يرى أن «تطوير التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا يشمل عدة أبعاد؛ أولها، المناورات العسكرية المشتركة بين الجانبين بحرياً وجوياً وبرياً بشكل منتظم لرفع مستوى الكفاءة القتالية لجيشي البلدين وتبادل الخبرات».

والثاني يرتبط، وفق ما أكده عبد الفتاح لـ«الشرق الأوسط»، بالتصنيع العسكري والدفاعي، حيث دخل البلدان في مشاريع مشتركة لتصنيع منظومات دفاعية متطورة تضم أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والذخائر والمسيّرات والطائرات المقاتلة أيضاً، مثل المقاتلة الشبحية التركية من طراز «KAAN»، مشيراً إلى أن هذا البُعد «يهدف بجانب تسليح جيشي البلدين، إلى العمل على تسويق المنتج العسكري التركي والمصري في أفريقيا والدول العربية، والاعتماد بشكل أكبر على الخبرة المصرية في التسويق بالمنطقة».

ووفق ما أضاف عبد الفتاح، فإن «البُعد الثالث يتمثل في التعاون الأمني والاستخباراتي عبر تبادل المعلومات في مكافحة الإرهاب والقرصنة بالبحر المتوسط، والتعاون في ليبيا والسودان، وهناك مساع حالياً لأن يكون هناك تنسيق عسكري دائم بين البلدين للتعامل مع التحديات المختلفة، كما أن هناك أحاديث عن أنه يمكن أن يصل الأمر لتوقيع اتفاقية للدفاع المشترك، ولكن كون تركيا دولة عضو في (حلف الناتو)، فقد يصعب توقيع مثل هذه الاتفاقية والاكتفاء بمسألة التنسيق العسكري، والتبادل المعلوماتي الاستخباراتي».

تعزيز التقارب

خبير الأمن القومي المصري اللواء محمد عبد الواحد، قال إن «مصر وتركيا تحرصان على تعزيز التقارب بينهما من منطلق أن التحديات لكلا البلدين واحدة، وهناك تغيير لموازين القوى الإقليمية، وظهور قوى جديدة في المنطقة، وكل هذا يؤدي إلى ضرورة عودة النفوذ المصري والتركي في مواجهة نفوذ إسرائيل، ومن ثم نجد حرصاً من القاهرة وأنقرة على بناء قدرات دفاعية مشتركة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك تعاوناً بين البلدين في المجالات الدفاعية على مستوى تبادل المعلومات العسكرية والاستخباراتية والمناورات المشتركة، وهناك خطة لحصول مصر على المسيّرة التركية (بيرقدار 2 )، فضلاً عن سيارات مدرعة مسيّرة، والتعاون في تطويرها، وتسعى القاهرة ليس فقط إلى الحصول على هذه التكنولوجيا العسكرية التركية بل وتوطينها أيضاً».

وتابع: «تعمل تركيا على تقديم تسهيلات في مسألة نقل التكنولوجيا، ولا تربطها بشروط سياسية قوية مثلما يفعل الاتحاد الأوروبي أو الدول الغربية والولايات المتحدة الأميركية، وهناك بالفعل شركة تركية تم تأسيسها في القاهرة، وستتعاون مع الهيئة العربية للتصنيع بمصر في هذا المجال».

أصدرت القاهرة وأنقرة بياناً مشتركاً لتفعيل مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين (الرئاسة المصرية)

وقد عُرضت نماذج لطائرات بيرقدار (Bayraktar) المسيّرة خلال معرض الصناعات الدفاعية، «إيديكس 2025» في القاهرة، وظهرت الطائرات والذخائر وهي تحمل العلم المصري.

كما وقّعت مصر وتركيا، في أغسطس (آب) الماضي، اتفاقاً للتصنيع المشترك للطائرات المسيّرة ذات الإقلاع والهبوط العمودي. كما بدأ إنتاج المركبات الأرضية المسيّرة بناء على شراكة بين شركة «هافيلسان» التركية ومصنع «قادر» المصري.

ونوه عبد الواحد بأن «مصر ستستفيد جداً من نقل التكنولوجيا العسكرية التركية، وستعمل فيما بعد على تصديرها، فضلاً عن كون مصر لديها صناعة المسيّرات الخاصة بها، مما يجعلها فيما بعد تصل لصناعة مسيرات مصرية 100 في المائة، فضلاً عن مشروع الطائرة الشبحية التركية المقاتلة (KAAN)، الذي رفضت أنقرة أن تكون محركاتها من أميركا وأوروبا حتى لا تظل تحت وصايتهم، ومن ثم التعاون مع مصر قد يؤدي إلى صناعة محرك خاص لتلك الطائرة بتكنولوجيا مصرية تركية، وتستفيد البلدان بشدة من وراء ذلك التعاون».

فصل جديد

وكانت شركة «أسيلسان» التركية، إحدى أبرز شركات الصناعات الدفاعية في العالم، أعلنت أخيراً افتتاح مكتب تمثيلي إقليمي لها في مصر تحت اسم «Aselsan Egyptk» لـ«تعزيز التعاون المشترك مع مصر»، حسبما قال المدير العام للشركة، أحمد أكيول، بعد مشاركة شركة الصناعات الدفاعية في معرض الدفاع المصري «إيديكس 2025» في القاهرة خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الذي شارك فيه نحو 80 شركة تركية؛ إذ وصف الخطوة بأنها «فصل جديد» في خدمة الشركاء المصريين مباشرة، مع وجود فيزيائي دائم في البلاد.

ووفق أكيول، يهدف «المكتب» إلى «تسهيل تقديم الخدمات والدعم الفني للقوات المسلحة المصرية والعملاء المحليين، مع التركيز على تطوير وإنتاج أنظمة دفاعية مشتركة تستفيد من خبرات (أسيلسان) في الإلكترونيات العسكرية والقدرات التصنيعية المصرية المتقدمة».

وأكد أكيول أن «التعاون يشمل توقيع اتفاقيات أولية مع ثلاث شركات مصرية، بهدف تحولها إلى إنتاج مشترك وأنشطة تعاونية طويلة الأمد، مع الإعلان الرسمي عن المنتجات الدفاعية المشتركة خلال النسخة المقبلة من معرض (إيديكس 2027)».

وحسب بيان للشركة أخيراً، فإن «(أسيلسان) تسعى إلى الانتقال من التصدير إلى الإنتاج المشترك، مستفيدة من القدرات التصنيعية المصرية المتقدمة في (الهيئة العربية للتصنيع) وغيرها».


خطر المجاعة يتوسع في دارفور بغرب السودان

مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور (أرشيفية-أ.ب)
مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور (أرشيفية-أ.ب)
TT

خطر المجاعة يتوسع في دارفور بغرب السودان

مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور (أرشيفية-أ.ب)
مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور (أرشيفية-أ.ب)

حذّر خبراء مدعومون من «الأمم المتحدة»، الخميس، من توسع خطر المجاعة إلى مدينتيْ كرنوي وأم برو في شمال دارفور بغرب السودان، بسبب موجات النزوح الضخمة عقب سقوط مدينة الفاشر عاصمة الولاية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أكد خبراء التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أنه «جرى تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما كرنوي وأم برو»، بالقرب من الحدود مع تشاد.

وأحكمت قوات «الدعم السريع»، التي تخوض حرباً ضد الجيش منذ أبريل (نيسان) 2023، سيطرتها على الفاشر، بنهاية العام الماضي، ليصبح إقليم دارفور بالكامل في قبضتها، باستثناء مناطق صغيرة تسيطر عليها قوى محلية محايدة.

ومنذ سقوط الفاشر، نزح منها أكثر من 120 ألف شخص، وفقاً للأمم المتحدة، توجَّه كثيرون منهم إلى مدن أخرى في شمال دارفور تعاني بالفعل قلة الموارد وتكدس النازحين.

وأوضح الخبراء، في تقريرهم، الخميس، أن موجات النزوح من الفاشر أدت إلى «استنزاف موارد وقدرات المجتمعات المحلية وزيادة انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية الحاد».

وأشار التقرير إلى أن تحذير الخميس لا يعني إعلان المجاعة بتلك المناطق، «بل يوجّه الانتباه العاجل إلى أزمات الأمن الغذائي والتغذية، استناداً إلى أحدث الأدلة المتاحة».

ويصعب التحقق من البيانات في معظم مناطق غرب السودان بسبب قطع الطرق والاتصالات.

وحذّر التقرير من أن سوء التغذية الحاد مستمر في التفاقم خلال عام 2026 «ومن المتوقع أن يؤدي النزوح المطوَّل والصراع وتآكل نظم الرعاية الصحية والماء والغذاء إلى زيادة سوء التغذية الحاد وانعدام الأمن الغذائي».

وأدت الحرب في السودان، التي تقترب من عامها الثالث، إلى مقتل عشرات الآلاف، ونزوح أكثر من 11 مليوناً داخل البلاد وخارجها، يعيش كثيرون منهم في قرى أو مراكز إيواء مكتظة تفتقر إلى الحاجات الأساسية في أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وفقاً للأمم المتحدة.