غوردن لـ «الشرق الأوسط»: الرياض تملك أوراقًا كثيرة ودعم بوتين للأسد أحرج موسكو مع السعودية

مساعد أوباما السابق ومنسق سياسة البيت الأبيض قال إن واشنطن لم تدر ظهرها للشرق الأوسط ولا تريد مواجهة عسكرية مع روسيا

غوردن لـ «الشرق الأوسط»: الرياض تملك أوراقًا كثيرة ودعم بوتين للأسد أحرج موسكو مع السعودية
TT

غوردن لـ «الشرق الأوسط»: الرياض تملك أوراقًا كثيرة ودعم بوتين للأسد أحرج موسكو مع السعودية

غوردن لـ «الشرق الأوسط»: الرياض تملك أوراقًا كثيرة ودعم بوتين للأسد أحرج موسكو مع السعودية

أكد الدكتور فيليب غوردن مساعد الرئيس الأميركي أوباما السابق ومنسق سياسة البيت الأبيض، أن السعودية تستطيع أن تلعب دورًا مهمًا جدًا، لما تملكه من أوراق كثيرة تجعلها تلفت روسيا إلى أهمية السياسة السعودية لا سيما فيما يتعلق بالإنتاج النفطي، وقال «إن هذا سينعكس سلبًا على روسيا إذا لم تعمل مع السعودية وآخرين على انتقال سياسي في سوريا من دون الأسد».
واعترف غوردن في الحوار الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» بأنه لا سجل جيدًا لأميركا، يربط النجاح في تدريب أي معارضة بالوصول إلى حكومة استقرار. وأعطى مثلاً تجربتي أفغانستان والعراق. وأضاف أن الصعوبة كانت في إيجاد معارضة سورية معتدلة وقوية لتحل مكان نظام بشار الأسد. لكنه اعترف أيضا، بأن برنامج وزارة الدفاع كان حسب تفويض الكونغرس محصورًا بتدريب من سيقاتل «داعش» وليس من يقاتل نظام الأسد.
ورأى أن احتمال أن يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يفكر في استراتيجية خروج، احتمال يستحق البحث، لتكون هنالك استراتيجية لتجنب بوتين توتير علاقاته مع السعودية وتركيا ودول أخرى، «لأن عليه العمل مع هذه الدول لإيجاد طريقة لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا وإبعاد الأسد».
وقال غوردن إن الرئيس الأميركي باراك أوباما غير مستعد لمواجهة عسكرية مع روسيا: «إدارة أوباما لا تريد أن تجد نفسها غارقة في حرب إقليمية جديدة معقدة»، وأضاف بقوله «لم يتوقع أحد أن تصبح إيران بعد الاتفاق شريكًا متعاونًا وليس من أحد ساذجًا والاتفاق النووي لم يكن موافقة أميركية على ما تقوم به إيران في سوريا والعراق واليمن».
وقال غوردن إن نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق أراد خروج الأميركيين من العراق، في حين أن الحكومة الأفغانية طالبت ببقائها، «لكن الولايات المتحدة لن تترك الشرق الأوسط، فهي باقية»، فإلى نص الحوار:
* ما الذي حدث وجعل الإدارة الأميركية ترتكب هذا الخطأ الكبير بالنسبة إلى تقييم الأزمة السورية إلى درجة أن استراتيجيتكم فشلت تمامًا؟
- صحيح أن الاستراتيجية لم تنجح. لن أربطها بمسألة أننا في البيت الأبيض أخطأنا. ربما الناس لم تقدر صعوبة إيجاد واختيار المعارضة المعتدلة التي تكون قوية إلى درجة الحلول مكان نظام الأسد وإعادة الاستقرار إلى سوريا.
* لكن برنامجكم حول ذلك، كلفكم 500 مليون دولار وأنتج حفنة قليلة من المقاتلين؟
- هذا صحيح، إننا ولفترة نحاول دعم المعارضة، لكن، كما قلت، لم نقدر صعوبة فعل ذلك في وجه نظام تدعمه قوى كبرى مثل روسيا وإيران. الحدث الأقرب لذلك هو أفغانستان عام 1980، كانت الولايات المتحدة ودول أخرى مصرة على الإطاحة بحكومة أفغانستان المدعومة من الاتحاد السوفياتي، وقد فعلنا هذا إنما بتكلفة باهظة عبر المجاهدين وصواريخ «ستينغر»، صحيح أدى ذلك إلى تغيير النظام إنما إلى الوضع المروع في أفغانستان الذي أوصل إلى طالبان و«القاعدة» وتفجيرات سبتمبر (أيلول) 2001، ليس هناك سجل جيد يربط النجاح في تدريب أي معارضة بالوصول إلى حكومة استقرار.
* تجربتكم في أفغانستان، مع استعمالكم استراتيجية مختلفة انتهت كما انتهت إليه استراتيجيتكم في سوريا، إذ هناك «النصرة» وهي تفريع لـ«القاعدة» و«داعش». لجأتم إلى الجهود والقوة في أفغانستان، ولم تلجأوا إلى أي منهما في سوريا، إنما النتيجة كانت واحدة.
- صحيح أن النتيجة مروعة. لكن من الخطأ الاعتقاد أنه مع بعض البدائل في الاستراتيجية كنا تجنبنا العنف ومآسي اللاجئين في سوريا. تذكري العراق. كان الوضع سيئًا مع الديكتاتور صدام حسين الذي كان يسيء معاملة شعبه ويشكل تهديدًا لجيرانه. هناك حاولنا المقاطعة، وإضافة مناطق آمنة، والعزلة، لكن لم تنجح أي من هذه الإجراءات في التخلص من النظام. عندها رأت الولايات المتحدة أن الطريقة الوحيدة تكون باستعمال القوة الهائلة - كما يطالب الكثيرون باستعمال القوة الهائلة في سوريا اليوم - لجأنا إليها وأطحنا بصدام حسين، لنقع في فوضى أكبر. كلفت تريليون دولار، انتشر العنف، قويت إيران. أنا أشك في أنه لو استعملنا القوة الهائلة في سوريا لكنا حصلنا على نتيجة أفضل.
* هل صحيح أن الكونغرس فوض البنتاغون بتدريب الثوار السوريين من أجل مقاتلة تنظيم داعش فقط وليس مقاتلة الأسد؟
- نعم، برنامج وزارة الدفاع وضع لتدريب الثوار لمقاتلة «داعش»، ولهذا السبب لم ينجح إلا في تجنيد عدد قليل من المعارضة السورية التي كانت تريد مقاتلة الأسد.
* لكن لماذا اخترتم مقاتلة «داعش» فقط وليس «داعش» والأسد معًا؟
- أعتقد، لأنه اخترنا مقاتلة الأشد خطرًا. على الصعيد الإقليمي كان «داعش» المناوئ الأول ومن الضروري أن نعيد التوازن إلى المعارضة بحيث إذا سقط الأسد، تكون هناك معارضة معتدلة في السلطة. وبقدر ما نود التخلص من الأسد، لكن إذا سقط، فإن «داعش» كان سيحل مكانه وليس هذا ما نأمله أو نتطلع إليه.
* هل تعتقد أن الروس هم في الطريق لبناء فقاعة فوق سوريا وتحدي التفوق الجوي الغربي؟
- لا أعتقد أن روسيا تستطيع تحدي التفوق الجوي الغربي عبر الغارات الجوية. لكن من دون شك، فإن الوجود الروسي يعقد الوضع أمام أميركا، ويقلص الخيارات بالنسبة إلى إقامة مناطق لا يسمح بالتحليق فوقها. الحقيقة الآن أن الروس يقومون بالغارات ولديهم دفاعهم الجوي الذي يجعل الأمور أكثر صعوبة أمام الولايات المتحدة.
* قلت إن العرب يمكنهم العمل مع الأسد في أمر واحد هو خروجه. هل يمكن أن تشرح هذه الخطة؟ وهل تعتقد أن الأسد يريد فعلاً تخفيف الصراع أو وقفه؟
- لا أعتقد أنه يريد ذلك. وأظن أن الطريقة الوحيدة لفرض ذلك عليه تكون بضغط من روسيا. فلأكن واضحًا، بالنسبة إلى خروج الأسد. من المؤكد أن النتيجة الأفضل، والوحيدة القابلة للتطبيق على المدى البعيد تكون بخروج الأسد، فهو نفر أغلبية شعبه، ولا يمكن إرضاء الشعب ما دام في السلطة، المشكلة مستمرة طالما الأسد هناك، وبالتالي لا يمكن حل الصراع. لذلك فإن من أولياتنا العمل مع كل الأطراف، بما فيها توجيه رسالة إلى الروس: إذا كنتم تريدون إنقاذ نظام الأسد، فحظًا سعيدًا، لأن العنف سيستمر وستكون هناك عمليات موجهة ضد الروس، وهذه مغامرة معقدة جدًا.
لذلك يجب أن يفهم الروس، أن عليهم تهميش الأسد ومن الممكن تجنب تأزيم الوضع أكثر، لأن هذه الحرب ستبدأ تكلفهم كثيرًا ومباشرة. وأعتقد أنه يجب أن نركز على أن ينضم الروس إلى عملية انتقال السلطة التي يجب العمل عليها.
* هل تعتقد بما يقوله الآن بعض المراقبين الروس من أن الرئيس فلاديمير بوتين قد يكون بصدد البحث عن استراتيجية للخروج بعد ثلاثة أسابيع من الغارات الجوية، لأنه لا يريد أن تتحول لمكاسب إلى مسؤولية يتحملها؟
- نعم، لكن لا أعتقد بوجود أي ضمانات.
* ضمانات لاستراتيجية الخروج أو بأن الأميركيين على استعداد للعمل معه؟
- لا أعتقد أننا يمكن التأكد من أن الروس يريدون مثل هذه الخطة. لكن هذه الخطة تستحق البحث. الآن مع الوجود الروسي في سوريا، من الناحية الأمنية تستطيع روسيا أن تساعد على منع الانهيار الحقيقي للنظام وهذا ما تخاف عليه، يمكنها أن تحيد الأسد، وتبقي النظام مكانه، إنما تدريجيًا تنهي العنف. وأعتقد أنه عندما تبدأ التكاليف بالارتفاع قد تدرك روسيا التكلفة المالية والانعكاسات على الاقتصاد الروسي الذي يعاني، والتكاليف الدبلوماسية من حيث زعزعة العلاقات الروسية مع العالم العربي، وعندما يبدأ سقوط الضحايا، يمكن عندها لروسيا أن تدرك أنه من مصلحتها العمل على فترة انتقالية لا تشمل الأسد.
* هل تعتقد أن وجود استراتيجية خروج قد يساعد بوتين على تجنب توتير علاقاته مع السعودية وتركيا ودول أخرى جعلت الإطاحة بالأسد من أبرز أولوياتها؟
- نعم، هذا احتمال، وكما قلت فإن دعم بوتين لنظام الأسد سيكلفه ماليًا واقتصاديا وأيضا سيحرج علاقات روسيا مع السعودية وتركيا ودول أخرى. أمامه الآن فرصة لتغيير كل تلك الاحتمالات، بأن يعمل مع هذه الدول لإيجاد طريق لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا وإبعاد الأسد، لا أعتقد أن بوتين سيفعل هذا فورًا، إنما مع الوقت سيصبح أكثر اهتمامًا بإيجاد استراتيجية خروج.
* هل تعتقد أن واشنطن مستعدة لمحادثات مفتوحة مع روسيا حول هذا الأمر، أم أن الإدارة الأميركية الحالية لا تريد أن تظهر أنها على مساواة مع روسيا؟
- أولاً بالنسبة إلى محادثات على مستوى عال مع روسيا حول هذه المسألة، فإن البنتاغون نشط، بالنسبة إلى الإدارة فما زال أمامها أكثر من سنة في السلطة، ولا أعتقد أن الشعب السوري يمكنه أن ينتظر. وكان الرئيس باراك أوباما واضحًا في الأمم المتحدة عندما قال إن إدارته على استعداد للحديث مع أي دولة بما فيها روسيا أو إيران من أجل محاولة إنهاء الصراع. أظن أن هذا من أولويات الإدارة والمسألة لا تتعلق بالمساواة، إنما المسألة تتعلق بتحقيق أهدافنا.
* لكن الرئيس أوباما رفض اقتراحًا تقدم به الرئيس الروسي لإرسال وفد برئاسة رئيس الوزراء الروسي دمتري ميدفيديف إلى الولايات المتحدة لإجراء محادثات موسعة حول سوريا؟
- أعتقد أن الولايات المتحدة قادرة على أن تتحدث مع روسيا بجدية إذا كانت الأخيرة على استعداد أن تتحدث هي الأخرى بجدية، وأن يجد الطرفان الآلية المناسبة لذلك، إنما الأولوية تكون بوضع نهاية للصراع.
* أيضا، تلوم واشنطن موسكو بأنها تقصف المعارضة السورية المعتدلة. لكن تقول روسيا إنها عندما سألت عن الأهداف التي يجب على طائراتها ألا تقصفها، رفضت واشنطن تسمية تلك الأهداف؟
- أولاً ليس صحيحًا أن روسيا تتجنب استهداف المعارضة المعتدلة، هي تعتبر كل معارضة للنظام السوري إرهابًا. هي لا تستهدف في قصفها «داعش» كثيرًا، بل تقصف كل المجموعات الأخرى المعارضة للنظام. وصار واضحًا للجميع أن روسيا تدخلت لإنقاذ النظام والأسد وليس لقتال «داعش».
* نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول إيراني قوله إن الآلاف من الجنود الإيرانيين صاروا في سوريا للمشاركة في معركة حلب. والآن (الجمعة بعد الظهر) جاء نبأ أن اللواء قاسم سليماني (قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني) صار في حلب. لم نسمع أي اعتراض أو قلق من الولايات المتحدة؟
- أظن أن الولايات المتحدة كانت واضحة جدًا في معارضتها لكل الأطراف التي تقاتل في سوريا من أجل دعم النظام بما فيها إيران وحزب الله. أنا متأكد من أن الولايات المتحدة واعية للخطر الإيراني.
* لكن ماذا تفعل الإدارة الأميركية لمنع هذا الخطر؟
- ما تفعله هو الاستمرار في دعم المعارضة، وأن كل من يقف إلى جانب الأسد يدفع الثمن. الواقع أن النظام السوري يتلقى مساعدة كبيرة عبر دعم روسيا وإيران، ونجد أنه من الصعب أن ندرب ونسلح معارضة قادرة ليس فقط لقلب نظام ما زال يتلقى بعضًا من الدعم المحلي بل أيضا دعم إيران وروسيا.
ما لن تفعله الولايات المتحدة الأميركية في ظل إدارة الرئيس أوباما هو أن تتدخل مباشرة في الحرب هناك حيث قوات إيرانية وروسية، وتجد نفسها غارقة في حرب إقليمية معقدة جديدة.
* لكن مستشار الأمن القومي السابق زبينغيو بريجنسكي كتب أخيرًا في صحيفة «الفايننشال تايمز» اللندنية مقالاً يحث على «استراتيجية جريئة»، وكأنه يدعو إلى مواجهة روسيا في سوريا. وأنت تقول الآن إن الرئيس أوباما لن يفكر بهذه الطريقة؟
- أعتقد أن هذا صحيح. لا أظن أن الرئيس أوباما مستعد لمواجهة عسكرية مع روسيا في سوريا، إذا كان هذا ما يتحدث عنه بريجنسكي. إذا كان الأمر محصورًا في مواجهة عسكرية مع روسيا، لا أعتقد أننا يجب أن نتجنب ذلك، لكن، لا أظن أن مواجهة روسيا ستؤدي إلى نتيجة أفضل. يمكننا أن نسقط طائرة روسية ونستهدف البحرية الروسية، لكن ماذا ستكون النتيجة؟ إذا أدى ذلك إلى سقوط النظام ولا توجد خطة متماسكة لتخلفه، سنصل إلى فوضى أكبر، وتشرد أبعد، ومآس أكثر.
* هل كان يستحق استرضاء إيران للتوقيع على اتفاقية غير أكيدة، التخلي عن سوريا والحلفاء الآخرين في الشرق الأوسط؟
- لا أتفق مع تهمة التخلي عن سوريا والحلفاء الآخرين في الشرق الأوسط. الاتفاق النووي لم يكن لتحسين العلاقات مع إيران، ولم يكن موافقة أميركية على كل ما تقوم به إيران في سوريا، والعراق واليمن وأي مكان آخر، أو اعترافًا بذلك. الطريقة الوحيدة التي كانت أمامنا كانت فرض عقوبات دولية على إيران، وهي العقوبات الوحيدة التي أثرت. العقوبات الدولية دفعت الإيرانيين إلى الموافقة. لقد جلبنا معنا حول الطاولة روسيا والصين، ومجلس الأمن لحمل النظام الإيراني على تقديم تنازلات في برنامجه النووي.
أدخلنا في سياستنا، أننا أردنا العقوبات على إيران ليس فقط بسبب برنامجها النووي، إنما للتوقف عن التدخل في سوريا، والبحرين واليمن.
أفهم، لماذا الناس كانوا يريدون أن يشمل الاتفاق النووي المسألة السورية. لكن كان ضروريًا أن نصل إلى الاتفاق النووي من دون أن نمزجه بأهداف أخرى فننتهي إلى لا شيء.
* لكن كيف تقرأ تجربة إيران لصاروخ باليستي جديد بعد التوقيع على الاتفاق؟
- إيران منذ سنوات تطور برامجها الصاروخية. إنما لم نكن نريد لهذا البرنامج أن يقف في وجه الاتفاق النووي.
* لكن ما رد فعل الإدارة الأميركية على المدينة الإيرانية تحت الأرض بكل أنفاقها التي تحوي صواريخ باليستية وبطاريات صواريخ متحركة. هل تعتقد أن إيران تتحول إلى كوريا الشمالية للشرق الأوسط؟
- آمل ألا يكون هذا، لكن هذا ما يجب أن نبقيه في عقولنا بالنسبة للاتفاق النووي مع إيران. بعض منتقدي الإدارة بالنسبة لهذا الاتفاق دعوا إلى التعامل مع إيران مثل التعامل مع كوريا الشمالية. الإبقاء على العقوبات، عدم التوصل إلى حل وسط، عزلها وعدم إقامة علاقات دبلوماسية.
لكن، هذا النوع من التعامل مع كوريا الشمالية أدى إلى امتلاكها الأسلحة النووية. هي الآن دولة معزولة لكن خطيرة.
نحن نشارك كل مخاوف المنتقدين للاتفاق مع إيران. لا أحد على سذاجة في نظرته إلى إيران، لكن لا تصدقي أن الإبقاء على المقاطعة والعزلة يمكن أن يؤدي إلى أي نتيجة سوى إيران بأسلحة نووية.
* لكن هذا الاتفاق لم يوقف إيران عن الاستمرار بتدخلها في الشؤون الداخلية للدول العربية، كما ذكرت الآن؟
- لم يتوقع أحد أن تصبح إيران بعد الاتفاق شريكًا متعاونًا. الولايات المتحدة تحاول أن تضمن دفاعًا وردعًا قويين لحلفائنا في المنطقة. مع مظلة صواريخ حامية وتدريبات وتسليح للحماية من أي خطر تهدد به إيران.
* بعد الاتفاق قال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، إنه لن تكون هناك إسرائيل بعد 20 عامًا. هل يطلق هذا جرس إنذار بالخطر؟
- بالطبع. سياسة إيران تجاه إسرائيل كانت دائمًا مشكلة للولايات المتحدة. ولأن إيران تشكل تهديدًا لإسرائيل كان هدف عدم تمكينها من الحصول على السلاح النووي. ولهذا العلاقات مع إسرائيل قوية والشراكة العسكرية أيضا. ليس من أحد ساذجا بالنسبة لخطر إيران على إسرائيل. ومن هنا كانت أهمية منع إيران من الحصول على النووي.
* لكن الصواريخ تشكل خطرًا؟
- بالطبع أنها كذلك. لكن من خلال الشراكة مع إسرائيل، واتفاقيات الدفاع المشترك بين الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. لا أحد يعتقد أن إيران لا تشكل مشكلة، من هنا كان الإصرار على الاتفاق، هناك تعبير في الإنجليزية: يجب على المثالي ألا يلغي الجيد. وهذه نظرتنا إلى الاتفاق.
* العام الماضي وبعد الحرب في غزة والإحباط الذي كانت تشعر به الإدارة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قلت أنت: كيف لإسرائيل أن تحقق السلام إذا كانت غير راغبة في ترسيم الحدود، وتنهي الاحتلال وتسمح للفلسطينيين بالسيادة، والأمن والكرامة. هل ما زلت على هذا الموقف بعد المشاكل الأخيرة، وهل سيحمل وزير الخارجية جون كيري هذا الموقف خلال لقائه مع نتنياهو الأسبوع المقبل في برلين، كوصفة للسلام؟
- لا أعتقد أن الإدارة تغير موقفها. إن الدعم الأميركي لإسرائيل لم يتراجع، والولايات المتحدة تؤمن بشدة بحق إسرائيل في الأمن والسلام. والسؤال الذي سألته لا يزال باقيا: غياب عملية سلام تؤخر لإسرائيل السلام والديمقراطية، لهذا فإن الولايات المتحدة من أشد الداعمين لدولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل. من دون ذلك، فإن النتيجة ستبقى عنفًا يتفجر باستمرار.
* هل ما زال هناك أمل في حل إقامة الدولتين؟
- ذلك الأمل يتلاشى. لهذا بُذلت الجهود العام الماضي لإنقاذه. الوزير كيري قام بمحاولات حثيثة لشعوره بأن الوقت يضيق بسبب الوضع الديموغرافي. الفلسطينيون يفقدون الأمل بسبب المستوطنات الإسرائيلية التي تعقد الوضع. الرئيس الفلسطيني محمود عباس على استعداد أن يعترف بإسرائيل، وأقام علاقات أمنية للسيطرة على العنف، ويحترم الاتفاقيات الموقعة سابقًا. هو لن يبقى إلى الأبد. الآن الأوضاع تزداد صعوبة، وصار الإسرائيليون يتساءلون علنًا عن النتائج المتوقعة.
الولايات المتحدة لا ترى بديلاً عن حل الدولتين. البديل الوحيد هو دولة واحدة، لكن هل ستضمن إسرائيل أنها ستبقى ديمقراطية في ظل دولة واحدة؟
* ألا ترى أن العمليات الروسية كشفت أكثر وأكثر التقسيم الواقعي لسوريا الذي بدأه الأسد شخصيًا؟
- كلما طال وقت الحرب سيصعب أكثر رؤية سوريا موحدة. وأتخوف من أن الحد الأدنى المطلوب الآن هو تداول السلطة، لم يعد ممكنا تركيز السلطات في دمشق، المطلوب الآن سلطات محلية، أو مناطقية، قبل الوصول إلى سلطة موحدة في سوريا.
* وهل ترى، ولو على المدى الطويل، سوريا موحدة مرة أخرى؟
- من الصعب جدًا ترميمها وإعادة وحدتها. الأفضلية الآن لتوفير السلام وإنهاء العنف، أما الوحدة السياسية السورية فقد تبقى للمدى البعيد. أما للمدى القصير فالمطلوب سلطات محلية.
* هل تستطيع أن تشرح ما قصده المبعوث الأميركي الخاص لسوريا مايكل راتني عندما قال إن الروس ما كانوا ليساعدوا الأسد لو لم نضعفه، وإن التدخل الروسي هو دليل على نجاح السياسة الأميركية في سوريا؟
- أظن أن ما قصده أن التدخل الروسي يكشف أنه ليس كل شيء على ما يرام في دمشق، وأن جهودنا لتقوية المعارضة لها تأثير، وأن هذا دفع روسيا لتدرك أن عليها إضعاف المعارضة. لا أحد يمكنه أن يتوقع النتيجة في سوريا. حتى روسيا تعترف أن الوضع الراهن للنظام لن يدوم. آمل أن يدركوا ذلك قريبًا وألا يتورطوا أكثر.
* هل تعتقد أنه إذا جرت اتصالات ناجحة ما بين الكرملين والرياض، قد تساعد على إعادة المحادثات المتوقفة حول سوريا؟
- أعتقد أن السعودية تستطيع أن تلعب دورًا مهمًا جدًا بالنسبة إلى روسيا. لديها أوراق كثيرة تجعلها تلفت روسيا إلى أهمية السياسة السعودية فيما يتعلق بالإنتاج النفطي، وأن هذا سينعكس سلبًا على روسيا إذا لم تعمل مع السعودية وآخرين حول الانتقال السياسي في سوريا.
وتستطيع السعودية أن توضح للكرملين، أن هذا لا يعني أن النفوذ الروسي سيلغى في سوريا، وأن هذا لا يعني فكفكة كل النظام السوري، بل يعني أن انتقالاً سياسيا في سوريا من دون الأسد ستكون له مفاعيل إيجابية على الجميع.
* هل ترى مصالح واقعية ومنطقية لإيران في سوريا. ما مصالحها في سوريا التي يستطيع العرب أن يقبلوا بها؟
- الإيرانيون يعتقدون أن لهم مصالح رئيسية في سوريا، لكن هذا لا يعني أنها مصالح شرعية بنظر العرب، أو حتى بنظر الولايات المتحدة، الكل يفضل ألا تكون إيران متورطة إطلاقًا في سوريا. هي تدعي أنها تحمي العلويين المرتبطين بالنظام، لكن يجب حماية كل الأقليات أينما كانوا. إيران هدفها في سوريا هو الاستمرار بدعم حزب الله كذراع شرعي لها على الحدود مع إسرائيل.
* كنت أيضا مسؤولاً عن الأمن في العراق. كم تحقق من ذلك الأمن، وكيف يمكن للحكومة العراقية «الصديقة» أن تسمح للطائرات والصواريخ الروسية بعبور أجوائها؟
- الحقيقة القائمة في العراق هي النفوذ الإيراني هناك. الحكومة هناك تعمل مع إيران. بالنسبة إلى الأمن الذي حققناه في العراق فالصورة مختلطة. حققنا بعض التقدم مع مجيء رئيس الوزراء الجديد حيدر العبادي، لأن نوري المالكي أبعد سنة العراق، لذلك انضم قسم كبير منهم إلى تنظيمات إسلامية متطرفة تحديًا لسلطة بغداد. وبعض المحليين السنة كانوا مصرين على إيذاء الحكومة العراقية لسياستها ضدهم. ورأينا كيف سيطر «داعش» على المناطق العراقية.
الأمر الجيد أن العراقيين اختاروا السيد عبادي الذي وعد بجعل السنة والأكراد جزءًا أساسيا من العراق، نظريًا هو يحاول العمل على ذلك، لكن للأسف لن تتحسن الأمور في العراق إلا إذا نجحت الحكومة العراقية في إعادة لم شمل ما فرقه المالكي.
* هل أنت قلق على تركيا؟
- نعم. كنت هناك قبل أسبوعين والبلاد صارت أكثر انقسامًا عما كانت عليه. كانت تركيا تشهد استقرارًا اقتصاديا، وكانت هناك مشاركة للأحزاب السياسية وكانت شريكة قوية للولايات المتحدة.
الوضع الآن يشهد انقساما بشكل خطير. وهي مقبلة على انتخابات جديدة. بعد عدم فوزه المطلق في الانتخابات السابقة، يريد الرئيس رجب طيب إردوغان المحاولة مرة جديدة.
* هل تعتقد أن الرئيس إردوغان يتحول إلى نوري المالكي التركي؟
- لا أريد أن أجري تشبيهًا. لكن الشعور لدى كثير من الأتراك أنه تحول إلى رئيس متسلط، خصوصًا بعد خسارته الجولة الأولى من الانتخابات. وأظن أن الأتراك من ناحيتهم يريدون أن يمنعوا إردوغان من الوصول إلى السلطة المطلقة، يريدون تنوعًا وتعددية. لا يريدون حاكمًا يتمتع بهكذا صلاحيات.
* هل تعتقد أن الرئيس أوباما تعلم الدرس العراقي، فأصدر أمرا للقوات الأميركية بالبقاء في أفغانستان؟
- أنا متأكد أن الحكومة الأفغانية لن تكون بمفردها قادرة على الوقوف في وجه طالبان. الفرق الأساسي أن الحكومة الأفغانية هي من طلب من الولايات المتحدة البقاء في أفغانستان، بينما في العراق فإن الحكومة العراقية هي من أصرت على مغادرة القوات الأميركية. للأسف، فإن حكومة نوري المالكي أرادت خروج الأميركيين.
* هل هذه طريقة أخرى للإثبات أن الرئيس أوباما يدير ظهره للشرق الأوسط، إذ أعلن مسؤولون أميركيون أنه خلال أيام، سيقوم الجيش الأميركي بدوريات بحرية في بحر جنوب الصين ضمن عملية «حرية الملاحة» لتحدي ادعاءات الصين بسيطرتها هناك، ثم ماذا إذا ردت الصين؟
- أولاً، لا أعتقد أن الرئيس أوباما يدير ظهره للشرق الأوسط، هناك شراكة كاملة مع المنطقة، هناك مصالح أميركية كثيرة عسكرية واقتصادية، إضافة إلى محاربة الإرهاب. لا يمكننا أن نترك الشرق الأوسط ولن نتركه. ما هو صحيح، أن الرئيس أوباما غير مقتنع بأن تدخل الولايات المتحدة يمكن أن يرسم النتائج في الشرق الأوسط، خصوصًا إذا استعمل القوة العسكرية الأميركية، هو يشكك في أن يكون لهذا النوع من التدخل نتائج إيجابية.
بالنسبة إلى المسألة الصينية، فإن الصين تتحدى العالم وما تريده أميركا هو إظهار أن هناك قوة ردع لهذا التحدي.
* هل تريد إضافة شيء؟
- نعم، إن رسالتي هي أن الولايات المتحدة لن تترك الشرق الأوسط وستبذل أقصى جهدها للدفاع عن ذلك، لكن الأمر يعود إلى شعوب المنطقة لمواجهة التحديات واتخاذ القرارات.



مصر وليبيريا تتفقان على تنسيق الأولويات الأفريقية في «مجلس الأمن»

لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

مصر وليبيريا تتفقان على تنسيق الأولويات الأفريقية في «مجلس الأمن»

لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

اتفقت مصر وليبيريا على «تنسيق أولويات القارة الأفريقية في مجلس الأمن الدولي». وبحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع وزيرة خارجية جمهورية ليبيريا سارة نيانتي خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مستجدات الأوضاع الإقليمية في القارة الأفريقية.

وتبادل الوزيران الرؤى بشأن الجهود الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار وتسوية الأزمات بالوسائل السلمية، لا سيما في ضوء عضوية ليبيريا غير الدائمة بـ«مجلس الأمن» وبما يسهم في دعم أولويات القارة الأفريقية والدفاع عن مصالحها داخل المجلس، وكذا التنسيق إزاء تطورات الأوضاع في أفريقيا.

كما ناقش الاتصال سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين. وأكد الوزيران «الحرص على مواصلة الارتقاء بمسارات التعاون الثنائي في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصادية والتجارية والتنموية وبناء القدرات، بما يعكس متانة العلاقات السياسية بين البلدين، ويحقق المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين».

وتحدث وزيرا خارجية البلدين، الجمعة، عن أهمية مواصلة التشاور بين الجانبين واستكشاف آفاق جديدة للتعاون، والاستفادة من الخبرات والقدرات المصرية في دعم جهود التنمية في ليبيريا.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أكد عبد العاطي خلال لقاء نيانتي على هامش فعاليات «قمة الاتحاد الأفريقي» عمق العلاقات التاريخية التي تجمع بين مصر وليبيريا، مشيراً إلى أن «مصر كانت من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع ليبيريا عام 1957».

وأشار حينها إلى حرص بلاده على تعزيز العلاقات مع ليبيريا في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والأمنية، مؤكداً «أهمية تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب ودعم دول منطقة الساحل».

وشهد اللقاء وقتها توقيع الوزيرين على مذكرة تفاهم بين «معهد الدراسات الدبلوماسية» التابع لوزارة الخارجية في مصر و«معهد الخدمة الخارجية» الليبيري لتعزيز التعاون في مجال بناء القدرات الدبلوماسية، وتبادل الخبرات في مجالات التدريب الدبلوماسي، وتأهيل الكوادر، وتنظيم برامج تدريبية مشتركة.

كما أعربت وزيرة خارجية ليبيريا حينها عن تقديرها للدور المصري الداعم لبلادها، مؤكدة تطلعها لتعزيز التعاون مع مصر في مختلف المجالات بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة ودعم جهود التنمية والاستقرار في القارة الأفريقية.


جرحى الحوثيين يستنزفون قدرات المستشفيات في صنعاء

الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
TT

جرحى الحوثيين يستنزفون قدرات المستشفيات في صنعاء

الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)

تتسع تداعيات التصعيد العسكري الذي تقوده الجماعة الحوثية في اليمن لتطال القطاع الصحي والسكان في مناطق سيطرتها، بالتزامن مع تصاعد انتقادات من داخل البيئة المحسوبة عليها، على خلفية ما يصفه ناشطون ومقاتلون سابقون بـ«استغلال الفقر لتجنيد الشباب، والمتاجرة بدماء المقاتلين، وتوجيه الموارد لخدمة الحرب على حساب الاحتياجات المدنية».

وفي العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر طبية «الشرق الأوسط» بأن ما تُسمى وزارة الصحة التابعة للحوثيين أصدرت خلال الأيام الماضية توجيهات بالحدِّ من استقبال الحالات المرضية الحرجة في عدد من المستشفيات الحكومية، مع تخصيص وحدات العناية المركزة وأقسام الطوارئ وأقسام طبية أخرى لاستقبال جرحى الجماعة القادمين من جبهات القتال.

وقالت المصادر إن الإجراءات شملت مستشفيات الثورة، والجمهوري، والشرطة، والمستشفى العسكري، والقدس، و48، والكويت، وهي من أبرز المنشآت الطبية في العاصمة؛ ما أدى إلى تقليص قدرتها على التعامل مع الحالات المدنية، خصوصاً المرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات عاجلة أو رعاية في وحدات العناية المركزة.

مستشفى الكويت في صنعاء يكتظ بالجثامين... والحوثيون يضعونها في حاويات تبريد (إكس)

وتزامنت هذه الإجراءات مع وصول أعداد كبيرة من القتلى والجرحى الحوثيين إلى صنعاء، عقب المعارك في عدد من الجبهات اليمنية.

ووفق العاملين في القطاع الصحي، باتت المنشآت المشمولة بالإجراءات تستقبل أعداداً متزايدة من المصابين، مع تخصيص أسرَّة وأجهزة وأقسام طبية للحالات القادمة من مناطق القتال، بما فيها الإصابات التي تتطلب عمليات جراحية أو عناية مركزة.

ضغط على المستشفيات

تفرض الجماعة الحوثية إجراءات أمنية مشدَّدة حول عدد من المنشآت الطبية، مع منع وسائل الإعلام من الوصول إليها، وسط تكتم على بيانات المصابين القادمين من الجبهات وهوياتهم. ويقول عاملون في القطاع الصحي إن تدفق الجرحى أدى إلى زيادة الضغط على الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، وتقليص المساحة المتاحة أمام المرضى المدنيين.

وقال أحمد، وهو قريب أحد المرضى في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسرته واجهت صعوبة في الحصول على الرعاية الطبية اللازمة في المستشفى الجمهوري، واضطرت إلى البحث عن بديل خارج المستشفى؛ بسبب عدم توفر الإمكانات المطلوبة للتعامل مع حالة قريبه.

واتهم أحمد الحوثيين بتوجيه الموارد الطبية المتاحة لخدمة المجهود الحربي، محذراً من أن ذلك يضع المدنيين، خصوصاً الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة والحالات الطارئة، أمام مخاطر إضافية.

قتلى وجرحى حوثيون خلال وصولهم إلى بوابة أحد المستشفيات في صنعاء (فيسبوك)

وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه النظام الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين من تداعيات سنوات الحرب، وتراجع التمويل ونقص الأدوية والمستلزمات والكوادر الطبية، إلى جانب تضرر منشآت صحية وخروج بعضها عن الخدمة.

ولا يقتصر تأثير الضغط على مستشفيات صنعاء على سكان العاصمة وحدهم؛ إذ تستقبل المنشآت الطبية الرئيسية فيها عادةً حالات محولة من محافظات ومناطق أخرى، ما يجعل تراجع قدرتها الاستيعابية مؤثراً على نطاق أوسع من السكان الخاضعين لسيطرة الجماعة.

انتقادات داخلية

بالتوازي مع الضغط الذي يفرضه التصعيد الحوثي على القطاع الصحي، برزت انتقادات متزايدة من شخصيات وناشطين محسوبين على الجماعة، ركزت على التكلفة البشرية للحرب، وأوضاع المقاتلين وأسر القتلى والجرحى، فضلاً عن طرق التجنيد واستغلال الظروف الاقتصادية.

وفي أحدث هذه الانتقادات، شنَّ الناشط والمقاتل السابق في صفوف الجماعة، عبد الله شرف المهدي، هجوماً على قيادات ومشرفي الحوثيين، متهماً إياهم بالمتاجرة بدماء المقاتلين، وتهميش أسر القتلى والجرحى لتحقيق مصالح شخصية.

طفل جنَّدته الجماعة الحوثية يحرس إحدى فعالياتها في صنعاء (غيتي)

وقال المهدي إن المقاتلين وأسرهم يتحملون تكلفة الحرب، بينما يحصل المسؤولون والمشرفون، وفق روايته، على امتيازات تشمل العقارات والاعتمادات المالية، عادّاً أن المعركة تحولت إلى وسيلة لخدمة مصالح مجموعات داخل الجماعة.

وأعلن المهدي ندمه على السنوات التي قضاها في صفوف الحوثيين، رافضاً تقديم الدعم للجماعة مستقبلاً، في موقف يعكس انتقال بعض الانتقادات من الاعتراض على السياسات إلى التشكيك في دوافع استمرار الحرب نفسها.

ولم تقتصر الانتقادات على مقاتلين سابقين؛ إذ اتهم عضو البرلمان الخاضع للجماعة في صنعاء، عبده بشر، الحوثيين بتجاهل معاناة اليمنيين والاستمرار فيما وصفها بالحروب «العبثية»، داعياً إلى تحييد الملفَين الاقتصادي والإنساني عن الصراع.

وطالب بشر بصرف المرتبات وإطلاق المعتقلين وفتح المطارات، محذراً من أن استمرار ما وصفه بـ«التلذذ بسفك الدماء» سيؤدي إلى تعميق الكارثة الإنسانية، وداعياً الجماعة إلى اتخاذ خطوات تخفف معاناة السكان أو «الانصراف عن المشهد».

أسيران من عناصر الحوثيين في قبضة الجيش اليمني (الجيش اليمني)

في السياق نفسه، انتقد الناشط والكاتب الحوثي، زيد الكبسي، أساليب الجماعة في استقطاب الشباب واليافعين، قائلاً إن الحوثيين يستفيدون من الفقر وتدهور الظروف الاقتصادية لدفع مزيد من الشباب إلى جبهات القتال.

واتهم الكبسي الجماعة باستخدام الخطاب الديني والطائفي وشعارات «الجهاد والاستشهاد» في عمليات التجنيد، في وقت تعاني فيه أسر كثيرة من تدهور قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية.

وبحسب روايته، يعتمد بعض المجندين على مبالغ محدودة يحصلون عليها من الجماعة لإعالة أسرهم، بينما يواجهون مخاطر القتل والإصابة في الجبهات. وقال إن كثيراً من هؤلاء من الشباب اليافعين الذين لم تتح لهم فرصة بناء حياتهم وتكوين أسرهم، لتتحمل عائلاتهم لاحقاً تبعات فقدانهم أو إصابتهم.


اليمن يكثف تحركه الدولي لحماية باب المندب

المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)
المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)
TT

اليمن يكثف تحركه الدولي لحماية باب المندب

المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)
المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)

كثفت الحكومة اليمنية تحركها الدبلوماسي على المستويين الدولي والإقليمي، في محاولة لوضع التهديد الحوثي للملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب في صدارة الاهتمام الدولي، بالتزامن مع تصعيد عسكري واسع امتد إلى الساحل الغربي ومناطق أخرى من البلاد، وتحذيرات أممية وغربية من أن تداعيات المواجهة لم تعد محصورة داخل اليمن.

وتزامن هذا التحرك مع جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي خُصصت لبحث التصعيد الحوثي، شهدت مواقف أميركية وبريطانية وفرنسية حازمة حيال الهجمات التي تستهدف اليمن والسعودية والملاحة البحرية، في حين حذر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، من أن عودة الحرب باتت واقعاً، وأن تداعياتها يمكن أن تتجاوز الحدود اليمنية إلى مواجهة إقليمية أوسع.

وخلال جلسة مجلس الأمن، جددت الولايات المتحدة دعمها للحكومة اليمنية في جهودها لإنهاء ما وصفته بإرهاب الحوثيين المدعومين من إيران وإحلال الاستقرار والسلام، كما أكدت وقوفها إلى جانب السعودية وحقها في الدفاع عن أراضيها ومواطنيها.

مسلحون حوثيون في صنعاء خلال فعالية للحشد والتعبئة (أ.ب)

وقالت المندوبة الأميركية إن هجمات الحوثيين تمثل جزءاً من أساليب ترهيب اليمنيين، مشيرة إلى قصف المدن وما نجم عنه من نزوح آلاف الأسر وسقوط مدنيين، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بميناء المخا وبنيته التحتية الحيوية. وعدّت هذه الهجمات تهديداً مباشراً لأمن الطاقة الإقليمي والعالمي.

وربطت واشنطن بصورة مباشرة بين التصعيد الحوثي والدعم الإيراني، معتبرة أن الجماعة تسعى إلى تعطيل الممرات البحرية الحيوية، ومنها مضيق باب المندب، وتهديد حرية الملاحة وحركة التجارة العالمية. كما أشارت إلى هجمات نفذها الحوثيون في 5 سبتمبر (أيلول) ضد 4 مدن سعودية، وأسفرت عن إصابة مدنيين، بينهم نساء وأطفال، فضلاً عن هجمات سابقة على منشآت مدنية وسفن في البحر.

ودعت الولايات المتحدة، مجلس الأمن، إلى تشديد تنفيذ القرارات الصادرة عنه، وحرمان الحوثيين من الموارد التي تمكنهم من تنفيذ هجماتهم، مؤكدة ضرورة أن يتحدث المجلس بصوت واحد تجاه التصعيد، وأن يتحمل الداعمون له مسؤولية تبعاته.

تحذيرات غربية وأممية

من جهتها، أكدت فرنسا تمسكها بوحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، ودعمها للحكومة اليمنية بوصفها الجهة المخولة ممارسة سلطة الدولة. وقال رئيس مجلس الأمن، المندوب الفرنسي جيروم بونافون، إن الشعب اليمني وحده صاحب الحق في تقرير مستقبله، ولا ينبغي أن يظل رهينة للسياسة الإيرانية المزعزعة للاستقرار.

وأدانت باريس بشدة الهجمات الحوثية في اليمن والسعودية، مؤكدة أن استهداف المدنيين لا يمكن تبريره، وأن التصعيد الراهن يمثل أخطر أزمة يشهدها اليمن منذ هدنة 2022.

وفي الشق البحري، قالت فرنسا إن هجمات الحوثيين تهدد الملاحة في البحر الأحمر، مؤكدة ضرورة الحفاظ على الأمن البحري وحرية الملاحة، ومشيرة إلى استمرار التزامها بهذا المسار عبر العملية الأوروبية «أسبيدس» ذات الطابع الدفاعي، وبالتنسيق مع الشركاء الأوروبيين والدوليين.

الحوثيون دفعوا بعشرات الآلاف من المقاتلين لخوض المعارك في الساحل الغربي اليمني (أ.ف.ب)

أما بريطانيا فأدانت استئناف الحوثيين الحرب في اليمن واستمرار هجماتهم على السعودية، مؤكدة حق البلدين في الدفاع عن أمنهما وسيادتهما، وفق القانون الدولي. وحذرت لندن من أن استئناف الحرب يعرض اليمنيين الأكثر ضعفاً لمزيد من المخاطر ويعمق الأزمة الإنسانية، مشيرة إلى أن أكثر من 22 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينما يواجه أكثر من 18 مليوناً انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.

وربطت بريطانيا كذلك بين التصعيد وتهديد حرية الملاحة وطرق التجارة الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب، مؤكدة أهمية التنفيذ الكامل لقراري مجلس الأمن 2140 و2216، بما في ذلك منع نقل الأسلحة والدعم العسكري والمكونات ذات الاستخدام المزدوج التي تمكن الحوثيين من تنفيذ هجماتهم.

وجاءت إحاطة غروندبرغ أمام مجلس الأمن لتضيف بعداً أممياً إلى التحذيرات الغربية؛ فقد قال إن تحذيره السابق من أن اليمن بات أقرب من أي وقت مضى منذ هدنة 2022 إلى العودة لنزاع واسع النطاق تحول إلى واقع، مع اشتداد القتال على جبهات عدة، خصوصاً الساحل الغربي.

وقال غروندبرغ إن هذا التطور يمنح الجماعة الحوثية وجوداً مباشراً على الممرات المؤدية إلى أحد أهم المضائق البحرية في العالم، مع استمرار القتال وإمكان تغير الوضع الميداني.

وحذّر غروندبرغ من أن عودة الحرب لا تعني فقط احتمال انزلاق اليمن إلى صراع طويل، وإنما تنطوي أيضاً على خطر جر البلاد إلى مواجهة إقليمية أوسع، بما قد تكون له تداعيات عالمية.

تحرك يمني متعدد المسارات

في موازاة التحرك داخل مجلس الأمن، وسعت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين أفراح الزوبة، اتصالاتها مع القوى الدولية، في مسار يبدو أنه يستهدف بناء موقف دولي أكثر وضوحاً تجاه البعد البحري للتصعيد الحوثي.

وخلال اتصال مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ستيفن دوتي، أكدت الزوبة أهمية الدور البريطاني بوصف المملكة المتحدة حاملة القلم في مجلس الأمن بشأن الملف اليمني، ودعت إلى حشد موقف دولي واضح تجاه التهديدات التي تطال المدنيين ودول الجوار والبحر الأحمر وباب المندب.

وزيرة الخارجية في الحكومة اليمنية أفراح الزوبة (أ.ب)

وقالت إن التهديد الحوثي تجاوز الداخل اليمني إلى الأمن الإقليمي والممرات البحرية، وإن معالجة مصادره تتطلب تعزيز قدرة الدولة اليمنية على حماية سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية، إلى جانب الحد من تدفق السلاح والتكنولوجيا والتمويل إلى الحوثيين.

وفي لقاء مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن وسفراء الدول الأعضاء، ركزت الوزيرة على محاولات الحوثيين التمدد باتجاه باب المندب، معتبرة أن حماية الدولة لسواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية ليست قضية يمنية داخلية فحسب، وإنما ركيزة لأمن المنطقة والممرات البحرية الدولية.

كما طرحت أمام الجانب الأوروبي الحاجة إلى تعزيز قدرات القوات البحرية وخفر السواحل وتأمين الموانئ ومكافحة شبكات تهريب السلاح والتمويل، بحيث يبقى باب المندب ممراً آمناً للتجارة الدولية، ولا يتحول إلى ورقة ضغط بيد جماعة مسلحة خارج مؤسسات الدولة.

وفي اتصالها مع القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن نيل هوب، دفعت الزوبة بالطرح ذاته، مؤكدة أن حماية السفن بعد وصول التهديد إلى الممرات البحرية تظل إجراءً ضرورياً، لكن المعالجة الأكثر استدامة تبدأ من تمكين الدولة اليمنية من حماية سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية.

كما بحثت الوزيرة مع السفير الروسي يفغيني كودروف، أهمية الحفاظ على موقف دولي متماسك تجاه اليمن، مستفيدة من عضوية موسكو الدائمة في مجلس الأمن، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى حشد التأييد لتنفيذ القرارات الدولية، ومنع فرض وقائع جديدة بالقوة.

وتوجت الحكومة اليمنية هذا المسار برسالة وجهتها الزوبة إلى رئيس مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة بشأن التطورات العسكرية في تعز والحديدة، ومخاطر التحركات الحوثية باتجاه الساحل الغربي وباب المندب.

وأكدت الرسالة أن التحركات الحوثية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تحركاً عسكرياً محلياً معزولاً، وإنما في سياق مسعى أوسع لفرض واقع عسكري جديد يمكن أن يعزز قدرة الجماعة وداعميها الإيرانيين على تهديد الملاحة الدولية والتحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وطالبت الحكومة اليمنية مجلس الأمن بموقف واضح وحازم تجاه التصعيد، وإدانة استهداف المدنيين ومخيمات النازحين والأعيان المدنية، إلى جانب اتخاذ تدابير لوقف تدفق الأسلحة والتكنولوجيا والخبرات والتمويل إلى الحوثيين.