مارسيا كوالي: كثفنا النشر للكُتاب الفلسطينيين في موقف ضد الإبادة الجماعية

مؤسسة مجلة «Arablit» تنتقد قصر نظرة الناشرين الغربيين للأعمال العربية

مارسيا لينكس كوالي
مارسيا لينكس كوالي
TT

مارسيا كوالي: كثفنا النشر للكُتاب الفلسطينيين في موقف ضد الإبادة الجماعية

مارسيا لينكس كوالي
مارسيا لينكس كوالي

 

تُولي الناقدة والمترجمة الأميركية مارسيا لينكس كوالي، اهتماماً واسعاً بالأدب العربي، منذ بدء دراستها اللغة العربية وآدابها في القاهرة منذ عام 2001، وإقامتها منذ ذلك الوقت بين القاهرة والعاصمة المغربية الرباط، وهي مؤسسة ومُحررة مجلة «Arablit» المُتخصصة في نشر وترجمة الأدب العربي للغة الإنجليزية، وتصدر عنها جائزة سنوية خاصة بترجمة القصص القصيرة من العربية إلى الإنجليزية، وفازت في دورتها الأخيرة، قبل أيام، المترجمة ديما المعلم عن ترجمتها قصة الكاتب الليبي إبراهيم الكوني «الصحراء حريصة أيضاً» للإنجليزية.

هنا حوار معها حول ترجمة الأعمال العربية، ومدى تعاطي الناشر الغربي معها، ورؤيتها لأثر المعايير الآيديولوجية على تطور فن الرواية.

> ما الذي جذبك في المقام الأول لدراسة الأدب العربي وترجمته؟

- كنت في البداية أدرس اللغة الروسية وآدابها، وكنت أخطط لأن أصبح مترجمة للأدب الروسي، ولكن كل شيء تغيّر بعدما وقعت في حب القاهرة، وانتقلت للإقامة بها في أغسطس (آب) عام 2001، وتطوّر عندي منذ ذلك الوقت الاهتمام بالأدب العربي ودراسة اللغة العربية.

> ما الذي استكشفته عن قضايا المترجمين والناشرين، من خلال إدارتك لموقع «Arablit» ومبادراته لدعم الأدب العربي؟

- أعتقد أنني تعلمت الكثير عن كيفية إدارة عملية الترجمة بطريقة عملية، حول كيفية اكتشاف الكتب، وكيفية انتقالها من المُترجمين إلى الناشرين، وكيف يتم تحرير الترجمات، وكيف يتم الترويج لها، أو العكس. لقد تعلمت أن الطريقة التي تعمل بها الأشياء مع الترجمة العربية تختلف عن الطريقة التي تعمل بها مع الألمانية أو الليتوانية أو التركية، على سبيل المثال.

الترجمة عملية مُكلفة، لذلك قد يفضل بعض الناشرين اقتناء رواية لبنانية مكتوبة باللغة الإنجليزية، على أن يقوم بترجمتها من العربية، وإذا كان الناشر مُتردداً بين رواية لبنانية مكتوبة باللغة الفرنسية وأخرى مكتوبة بالعربية، فستكون للرواية المكتوبة باللغة الفرنسية الأفضلية، لأن هناك منحاً كثيرة مُخصصة للترجمات من الفرنسية، في مقابل الترجمات من العربية.

> ماذا عن جائزة «آراب ليت» Arablit للقصة القصيرة؟

- هي جائزة أطلقناها في حب القصة القصيرة، وهذه هي السنة السادسة لها، وتهدف لتسليط الضوء على الابتكارات في شكل القصة القصيرة، التي لا تحظى بالتقدير عادة، كذلك تشجيع المترجمين الجدد. في كل عام يكون لدينا ثلاثة مُحكمين مستقلين يقرأون القصص المقدمة للمسابقة من جميع أنحاء العالم، بالنسبة لي فأنا لا يحق لي أن يكون لي رأي مُرجح لأي من القصص، أنا فقط أرتب اللقاءات بين الحُكام وأستمع إلى مناقشاتهم، ويظل من الممتع قراءة جميع القصص المقدمة كل عام والاحتفاء بالمؤلفين والمترجمين على حدٍ سواء.

> هل تعتقدين أن الجوائز الأدبية أصبح لها دور فعّال في النهوض بالمنافسة إلى الأفضل؟

- طالما لعبت الجوائز الأدبية دوراً كبيراً منذ آلاف السنين؛ فقد كان هناك جوائز للشعر في سوق «عكاظ» في القرنين السادس والسابع. أما في الوقت الحالي فإن الجوائز تساعد على أقل تقدير في فرز العديد من الكتاب والأعمال الأدبية الموجودة، بحثاً عن كتب مثيرة للاهتمام وجديدة وأصلية، كما أن باستطاعتها أيضاً المساعدة في دعم عمل أدبي مميز، قد لا يكون حقق نجاحاً في سوق المبيعات.

ومن المهم أن نسأل: من يمنح الجوائز، وما المعايير التي يستخدمونها؟ وكيف يتم الحُكم على الأعمال الأدبية؟ وما تأثير هذه الجوائز على المشهد الأدبي؟ إن أسوأ أنواع الجوائز الأدبية هي التي لا تشجع الكُتاب على التعبير والنقد.

> هل تعتقدين أن الأعمال العربية الفائزة بجوائز أدبية مرموقة تبدو جذابة للترجمة إلى الإنجليزية؟

- لا أعتقد أن الجوائز معيار رئيسي في خيارات الترجمة، معظم الناشرين باللغة الإنجليزية (والتركية والفرنسية والهندية وغيرها) لا يفهمون مشهد الجوائز الأدبية العربية، ولا يعرفون أياً منها يتمتع بسمعة طيبة وأيها ليس كذلك. من المؤكد أن الناشر الذي أخرج للنور كتاب «في أثر عنايات الزيات» لإيمان مرسال كان سعيداً بالحصول على دعم الترجمة من جائزة «الشيخ زايد للكتاب»، لكن في النهاية، لم يكن حصول الكتاب على تلك الجائزة هو العامل الحاسم، بل كان المهم هو الكتاب نفسه. الجائزة يمكنها أن تساعد في جذب اهتمام الناشر، ولكن كذلك هناك العديد من العوامل الأخرى.

> بماذا تصفين الاهتمام المُتزايد للأنواع الإبداعية غير الروائية في العالم العربي، مثل «في أثر عنايات الزيات» على سبيل المثال؟

- أعتقد أن كُتاباً مثل إيمان مرسال، وهيثم الورداني، وعمرو عزت، وشارل عقل على سبيل المثال يلعبون دوراً مهماً في هذا المشهد، وكذلك ناشرين مثل كرم يوسف، ومها مأمون، وعلاء يونس. فمع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، أصبحت الأنواع الأدبية خانقة للغاية، خاصة في اللغة الإنجليزية. كان هناك الكثير من القواعد للتوافق حول نوع أدبي معين: ما الذي يجعل الكتاب خيالاً أدبياً، أو رواية بوليسية، وعدد الكلمات المناسبة للتعبير عنها، وهكذا. أصبح هناك هاجس مُطلق حول قالب الكتاب. وأعتقد أن اللغة العربية لم تمر بمثل هذه القواعد الخانقة، على الرغم من أن الجوائز رسّخت بشكل كبير فكرة الشكل الأدبي للكتاب.

على أية حال، من الطبيعي أن يرفض الكُتاب المبدعون هذه القواعد، خاصة عندما يلجأ الكتّاب إلى التاريخ بحثاً عن الإلهام، مثل التناص واستلهام إيمان مرسال من عنايات الزيات على سبيل المثال، فدائماً هناك استفادة من اختلاط الأنواع الأدبية.

> هل يهتم القارئ الغربي الحديث بالاطلاع على الأعمال العربية المترجمة، وهل لا يزال يُنظر إليها من وجهة نظر نمطية آيديولوجية وثقافية؟

- إحصائياً، على الأقل باللغة الإنجليزية، يهتم الشباب بالروايات المترجمة أكثر بكثير من اهتمام القراء في منتصف العمر وكبار السن. أعتقد أن هؤلاء القراء الشباب مهتمون بالسفر حول العالم عبر الكتب واكتشاف أماكن جديدة وكتابات جديدة وأفكار جديدة. على الرغم من أن معظم دور النشر بالطبع لا يديرها الشباب، ولا يزال العديد من العاملين في مجال النشر يركزون على الصور النمطية الثابتة.

بالنسبة لي، الاتجاه الأكثر سوءاً هو عندما يبحث الناشرون الغربيون عن كتابات تؤكد للقارئ الأوروبي والأميركي أنهم متفوقون ثقافياً وحضارياً، فيهتمون على سبيل المثال بكتاب يحمل عنوان «إنقاذ المرأة المسلمة»!

> لديك عدة ترجمات من العربية إلى الإنجليزية، منهم رواية «رغوة سوداء» للإريتري حجي جابر، وكتاب للفلسطينية سونيا نمر، كيف يمكنك وصف تلك التجارب؟

- بالنسبة لرواية حجي جابر «رغوة سوداء»، فقد طلبت مني صديقتي المترجمة سواد حسين أن أنضم إليها في ترجمتها، وكانت عملية ممتعة للقيام بها معاً. لقد قمت بتحرير الكثير من المسودة الأولى، ثم قامت هي بصياغة مسودة ثانية، ثم قمت بصياغة مسودة ثالثة، ثم تبادلنا الرواية، ذهاباً وإياباً، وتبادلنا الأفكار والرؤى حولها.

بالنسبة لعمل سونيا نمر، فقد اقتنيت كتابها «رحلات عجيبة في البلاد الغريبة» في معرض للكتاب ووقعت في حبه بشدة، أعتقد أنه يشبه الطريقة التي وقعت بها في حب القاهرة عندما زرتها عام 2001. لقد ترجمته بسبب حبي لهذا العمل، ولأتمكن من قضاء المزيد من الوقت مع هذا الكتاب، وعندما أرسلته إلى الناشرين، قالوا إنهم أحبوه أيضاً، لكنه لا يتوافق مع قواعد أدب اليافعين باللغة الإنجليزية، لأن بطل «رحلة عجيبة» يكبر في النهاية. كان هذا محبطاً للغاية بالنسبة لي، لكنني ظللت أرسله حتى تمكن أخيراً من لفت انتباه ميشال مشبك؛ وهو ناشر فلسطيني في الولايات المتحدة.

> فقدنا هذا العام اسمين من أبرز الأدباء العرب المعاصرين، خالد خليفة وحمدي أبو جليل، اللذين ترجمت أعمالهما إلى اللغة الإنجليزية. كيف يمكنكِ وصف ما يميز أسلوبهم السردي؟

- إنهما مختلفان تماماً، لكنني أحببتهما كأشخاص وككتاب. بالإضافة إلى ذلك، كلاهما مات مبكراً جداً. كان لدى حمدي أبو جليل هذا الأسلوب الملحمي الجامح والمرح، الذي يدعمه فهمه العميق للسرد الشفاهي، أما خالد خليفة، فقد نهضت تلك الرحلات المذهلة لشخصياته بناءً على ارتباطه العميق بالتاريخ السوري. أعتقد أن كليهما كان لا يزال لديه الكثير ليقدمه، ويُحزنني التفكير في الروايات التي لم ينتهوا منها بعد.

> كيف تلقيتِ خبر إلغاء فعالية عدنية شبلي مؤخراً في «فرانكفورت» بعد الإشادة بها على روايتها «تفصيل ثانوي»، التي وصلت ترجمتها إلى القائمة الطويلة لجائزة «مان بوكر»؟

- ما زلت غاضبة من معرض فرانكفورت للكتاب بسبب إلغاء تكريم عدنية شبلي، ولا يزال المعرض مديناً لتلك الكاتبة الفلسطينية، وكل من يعمل في مجال النشر، باعتذار حقيقي. وهذا لم يقتصر فقط على ألمانيا، بل أيضاً في فرنسا وغيرها، لقد تم حذف كتاب وفنانين من الظهور على منصات، وإلغاء فعالياتهم لانتقاداتهم البسيطة لإسرائيل. ولا يسعني إلا أن أرجو أن يؤدي هذا إلى إثارة تفكير جاد حول علاقة الحكومات الأوروبية بالتعبير، والتمويل، والجوائز.

حاولنا من خلال موقع «Arablit» خلال الشهرين الأخيرين تكثيف النشر للكُتاب الفلسطينيين، كنوع من إعلان موقف ضد الإبادة الجماعية والعنف والمحو والإسكات، نحاول دائماً التفكير في لغة جديدة للتضامن، وطرق للعمل نحو مستقبل أكثر عدلاً.

> من القاهرة للرباط، كيف تصفين تجربة العيش في العاصمتين؟

- إنهما مختلفتان فعلاً... الرباط مدينة جميلة ومكان جيد للإنتاج، لكنني أفتقد مفاجآت الحياة في القاهرة.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».