مارسيا كوالي: كثفنا النشر للكُتاب الفلسطينيين في موقف ضد الإبادة الجماعية

مؤسسة مجلة «Arablit» تنتقد قصر نظرة الناشرين الغربيين للأعمال العربية

مارسيا لينكس كوالي
مارسيا لينكس كوالي
TT

مارسيا كوالي: كثفنا النشر للكُتاب الفلسطينيين في موقف ضد الإبادة الجماعية

مارسيا لينكس كوالي
مارسيا لينكس كوالي

 

تُولي الناقدة والمترجمة الأميركية مارسيا لينكس كوالي، اهتماماً واسعاً بالأدب العربي، منذ بدء دراستها اللغة العربية وآدابها في القاهرة منذ عام 2001، وإقامتها منذ ذلك الوقت بين القاهرة والعاصمة المغربية الرباط، وهي مؤسسة ومُحررة مجلة «Arablit» المُتخصصة في نشر وترجمة الأدب العربي للغة الإنجليزية، وتصدر عنها جائزة سنوية خاصة بترجمة القصص القصيرة من العربية إلى الإنجليزية، وفازت في دورتها الأخيرة، قبل أيام، المترجمة ديما المعلم عن ترجمتها قصة الكاتب الليبي إبراهيم الكوني «الصحراء حريصة أيضاً» للإنجليزية.

هنا حوار معها حول ترجمة الأعمال العربية، ومدى تعاطي الناشر الغربي معها، ورؤيتها لأثر المعايير الآيديولوجية على تطور فن الرواية.

> ما الذي جذبك في المقام الأول لدراسة الأدب العربي وترجمته؟

- كنت في البداية أدرس اللغة الروسية وآدابها، وكنت أخطط لأن أصبح مترجمة للأدب الروسي، ولكن كل شيء تغيّر بعدما وقعت في حب القاهرة، وانتقلت للإقامة بها في أغسطس (آب) عام 2001، وتطوّر عندي منذ ذلك الوقت الاهتمام بالأدب العربي ودراسة اللغة العربية.

> ما الذي استكشفته عن قضايا المترجمين والناشرين، من خلال إدارتك لموقع «Arablit» ومبادراته لدعم الأدب العربي؟

- أعتقد أنني تعلمت الكثير عن كيفية إدارة عملية الترجمة بطريقة عملية، حول كيفية اكتشاف الكتب، وكيفية انتقالها من المُترجمين إلى الناشرين، وكيف يتم تحرير الترجمات، وكيف يتم الترويج لها، أو العكس. لقد تعلمت أن الطريقة التي تعمل بها الأشياء مع الترجمة العربية تختلف عن الطريقة التي تعمل بها مع الألمانية أو الليتوانية أو التركية، على سبيل المثال.

الترجمة عملية مُكلفة، لذلك قد يفضل بعض الناشرين اقتناء رواية لبنانية مكتوبة باللغة الإنجليزية، على أن يقوم بترجمتها من العربية، وإذا كان الناشر مُتردداً بين رواية لبنانية مكتوبة باللغة الفرنسية وأخرى مكتوبة بالعربية، فستكون للرواية المكتوبة باللغة الفرنسية الأفضلية، لأن هناك منحاً كثيرة مُخصصة للترجمات من الفرنسية، في مقابل الترجمات من العربية.

> ماذا عن جائزة «آراب ليت» Arablit للقصة القصيرة؟

- هي جائزة أطلقناها في حب القصة القصيرة، وهذه هي السنة السادسة لها، وتهدف لتسليط الضوء على الابتكارات في شكل القصة القصيرة، التي لا تحظى بالتقدير عادة، كذلك تشجيع المترجمين الجدد. في كل عام يكون لدينا ثلاثة مُحكمين مستقلين يقرأون القصص المقدمة للمسابقة من جميع أنحاء العالم، بالنسبة لي فأنا لا يحق لي أن يكون لي رأي مُرجح لأي من القصص، أنا فقط أرتب اللقاءات بين الحُكام وأستمع إلى مناقشاتهم، ويظل من الممتع قراءة جميع القصص المقدمة كل عام والاحتفاء بالمؤلفين والمترجمين على حدٍ سواء.

> هل تعتقدين أن الجوائز الأدبية أصبح لها دور فعّال في النهوض بالمنافسة إلى الأفضل؟

- طالما لعبت الجوائز الأدبية دوراً كبيراً منذ آلاف السنين؛ فقد كان هناك جوائز للشعر في سوق «عكاظ» في القرنين السادس والسابع. أما في الوقت الحالي فإن الجوائز تساعد على أقل تقدير في فرز العديد من الكتاب والأعمال الأدبية الموجودة، بحثاً عن كتب مثيرة للاهتمام وجديدة وأصلية، كما أن باستطاعتها أيضاً المساعدة في دعم عمل أدبي مميز، قد لا يكون حقق نجاحاً في سوق المبيعات.

ومن المهم أن نسأل: من يمنح الجوائز، وما المعايير التي يستخدمونها؟ وكيف يتم الحُكم على الأعمال الأدبية؟ وما تأثير هذه الجوائز على المشهد الأدبي؟ إن أسوأ أنواع الجوائز الأدبية هي التي لا تشجع الكُتاب على التعبير والنقد.

> هل تعتقدين أن الأعمال العربية الفائزة بجوائز أدبية مرموقة تبدو جذابة للترجمة إلى الإنجليزية؟

- لا أعتقد أن الجوائز معيار رئيسي في خيارات الترجمة، معظم الناشرين باللغة الإنجليزية (والتركية والفرنسية والهندية وغيرها) لا يفهمون مشهد الجوائز الأدبية العربية، ولا يعرفون أياً منها يتمتع بسمعة طيبة وأيها ليس كذلك. من المؤكد أن الناشر الذي أخرج للنور كتاب «في أثر عنايات الزيات» لإيمان مرسال كان سعيداً بالحصول على دعم الترجمة من جائزة «الشيخ زايد للكتاب»، لكن في النهاية، لم يكن حصول الكتاب على تلك الجائزة هو العامل الحاسم، بل كان المهم هو الكتاب نفسه. الجائزة يمكنها أن تساعد في جذب اهتمام الناشر، ولكن كذلك هناك العديد من العوامل الأخرى.

> بماذا تصفين الاهتمام المُتزايد للأنواع الإبداعية غير الروائية في العالم العربي، مثل «في أثر عنايات الزيات» على سبيل المثال؟

- أعتقد أن كُتاباً مثل إيمان مرسال، وهيثم الورداني، وعمرو عزت، وشارل عقل على سبيل المثال يلعبون دوراً مهماً في هذا المشهد، وكذلك ناشرين مثل كرم يوسف، ومها مأمون، وعلاء يونس. فمع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، أصبحت الأنواع الأدبية خانقة للغاية، خاصة في اللغة الإنجليزية. كان هناك الكثير من القواعد للتوافق حول نوع أدبي معين: ما الذي يجعل الكتاب خيالاً أدبياً، أو رواية بوليسية، وعدد الكلمات المناسبة للتعبير عنها، وهكذا. أصبح هناك هاجس مُطلق حول قالب الكتاب. وأعتقد أن اللغة العربية لم تمر بمثل هذه القواعد الخانقة، على الرغم من أن الجوائز رسّخت بشكل كبير فكرة الشكل الأدبي للكتاب.

على أية حال، من الطبيعي أن يرفض الكُتاب المبدعون هذه القواعد، خاصة عندما يلجأ الكتّاب إلى التاريخ بحثاً عن الإلهام، مثل التناص واستلهام إيمان مرسال من عنايات الزيات على سبيل المثال، فدائماً هناك استفادة من اختلاط الأنواع الأدبية.

> هل يهتم القارئ الغربي الحديث بالاطلاع على الأعمال العربية المترجمة، وهل لا يزال يُنظر إليها من وجهة نظر نمطية آيديولوجية وثقافية؟

- إحصائياً، على الأقل باللغة الإنجليزية، يهتم الشباب بالروايات المترجمة أكثر بكثير من اهتمام القراء في منتصف العمر وكبار السن. أعتقد أن هؤلاء القراء الشباب مهتمون بالسفر حول العالم عبر الكتب واكتشاف أماكن جديدة وكتابات جديدة وأفكار جديدة. على الرغم من أن معظم دور النشر بالطبع لا يديرها الشباب، ولا يزال العديد من العاملين في مجال النشر يركزون على الصور النمطية الثابتة.

بالنسبة لي، الاتجاه الأكثر سوءاً هو عندما يبحث الناشرون الغربيون عن كتابات تؤكد للقارئ الأوروبي والأميركي أنهم متفوقون ثقافياً وحضارياً، فيهتمون على سبيل المثال بكتاب يحمل عنوان «إنقاذ المرأة المسلمة»!

> لديك عدة ترجمات من العربية إلى الإنجليزية، منهم رواية «رغوة سوداء» للإريتري حجي جابر، وكتاب للفلسطينية سونيا نمر، كيف يمكنك وصف تلك التجارب؟

- بالنسبة لرواية حجي جابر «رغوة سوداء»، فقد طلبت مني صديقتي المترجمة سواد حسين أن أنضم إليها في ترجمتها، وكانت عملية ممتعة للقيام بها معاً. لقد قمت بتحرير الكثير من المسودة الأولى، ثم قامت هي بصياغة مسودة ثانية، ثم قمت بصياغة مسودة ثالثة، ثم تبادلنا الرواية، ذهاباً وإياباً، وتبادلنا الأفكار والرؤى حولها.

بالنسبة لعمل سونيا نمر، فقد اقتنيت كتابها «رحلات عجيبة في البلاد الغريبة» في معرض للكتاب ووقعت في حبه بشدة، أعتقد أنه يشبه الطريقة التي وقعت بها في حب القاهرة عندما زرتها عام 2001. لقد ترجمته بسبب حبي لهذا العمل، ولأتمكن من قضاء المزيد من الوقت مع هذا الكتاب، وعندما أرسلته إلى الناشرين، قالوا إنهم أحبوه أيضاً، لكنه لا يتوافق مع قواعد أدب اليافعين باللغة الإنجليزية، لأن بطل «رحلة عجيبة» يكبر في النهاية. كان هذا محبطاً للغاية بالنسبة لي، لكنني ظللت أرسله حتى تمكن أخيراً من لفت انتباه ميشال مشبك؛ وهو ناشر فلسطيني في الولايات المتحدة.

> فقدنا هذا العام اسمين من أبرز الأدباء العرب المعاصرين، خالد خليفة وحمدي أبو جليل، اللذين ترجمت أعمالهما إلى اللغة الإنجليزية. كيف يمكنكِ وصف ما يميز أسلوبهم السردي؟

- إنهما مختلفان تماماً، لكنني أحببتهما كأشخاص وككتاب. بالإضافة إلى ذلك، كلاهما مات مبكراً جداً. كان لدى حمدي أبو جليل هذا الأسلوب الملحمي الجامح والمرح، الذي يدعمه فهمه العميق للسرد الشفاهي، أما خالد خليفة، فقد نهضت تلك الرحلات المذهلة لشخصياته بناءً على ارتباطه العميق بالتاريخ السوري. أعتقد أن كليهما كان لا يزال لديه الكثير ليقدمه، ويُحزنني التفكير في الروايات التي لم ينتهوا منها بعد.

> كيف تلقيتِ خبر إلغاء فعالية عدنية شبلي مؤخراً في «فرانكفورت» بعد الإشادة بها على روايتها «تفصيل ثانوي»، التي وصلت ترجمتها إلى القائمة الطويلة لجائزة «مان بوكر»؟

- ما زلت غاضبة من معرض فرانكفورت للكتاب بسبب إلغاء تكريم عدنية شبلي، ولا يزال المعرض مديناً لتلك الكاتبة الفلسطينية، وكل من يعمل في مجال النشر، باعتذار حقيقي. وهذا لم يقتصر فقط على ألمانيا، بل أيضاً في فرنسا وغيرها، لقد تم حذف كتاب وفنانين من الظهور على منصات، وإلغاء فعالياتهم لانتقاداتهم البسيطة لإسرائيل. ولا يسعني إلا أن أرجو أن يؤدي هذا إلى إثارة تفكير جاد حول علاقة الحكومات الأوروبية بالتعبير، والتمويل، والجوائز.

حاولنا من خلال موقع «Arablit» خلال الشهرين الأخيرين تكثيف النشر للكُتاب الفلسطينيين، كنوع من إعلان موقف ضد الإبادة الجماعية والعنف والمحو والإسكات، نحاول دائماً التفكير في لغة جديدة للتضامن، وطرق للعمل نحو مستقبل أكثر عدلاً.

> من القاهرة للرباط، كيف تصفين تجربة العيش في العاصمتين؟

- إنهما مختلفتان فعلاً... الرباط مدينة جميلة ومكان جيد للإنتاج، لكنني أفتقد مفاجآت الحياة في القاهرة.



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.