دانييلا رحمة لـ«الشرق الأوسط»: سأظلُّ أتعلّم طوال عمري

تغيب عن رمضان وتطلّ بمسلسل عبر «نتفليكس»

تحيط دانييلا رحمة نفسها بمُلهمين يدفعون بها نحو الذروات (صور الفنانة)
تحيط دانييلا رحمة نفسها بمُلهمين يدفعون بها نحو الذروات (صور الفنانة)
TT

دانييلا رحمة لـ«الشرق الأوسط»: سأظلُّ أتعلّم طوال عمري

تحيط دانييلا رحمة نفسها بمُلهمين يدفعون بها نحو الذروات (صور الفنانة)
تحيط دانييلا رحمة نفسها بمُلهمين يدفعون بها نحو الذروات (صور الفنانة)

الردُّ على سؤال «كيفَ تعلّمتِ العربية بهذا الشكل، وكيف برعتِ؟»، المُوجَّه إلى دانييلا رحمة من كثيرين يقابلونها، تختصره هذه البساطة: «بالتعب المكثّف لصقل نفسي». كانت صغيرة، خائفة، تفتقد الثقة الداخلية بالقدرات والمستقبل، حين ظنّت أنّ أحداً لن يعرض عليها دوراً، وإنْ درست لسنوات في معهد التمثيل. إيمانُها بنفسها حقَّق القفزة المُنتَظرة وجعلها ترى كنوز الأعماق.

إنه التعلُّم، لا تخجل الممثلة اللبنانية من إعلان ممارسته «حتى آخر عمري». من أجله، تسأل وتستشير، وتطلب النصيحة. لا تكترث لأصوات تقول: «أنتِ نجمة، ألم تكتفِ بعد من مدرّب التمثيل؟»، وتُخبر «الشرق الأوسط» عن أهمية أن يحيط المرء نفسه بمُلهمين يدفعون به نحو الذروات.

بالتعب المكثّف صقلت دانييلا رحمة نفسها (صور الفنانة)

يرافق كل شخصية مَن يصقلها لظهورٍ أفضل: «من هؤلاء أتعلّم؛ مدرّب التمثيل، المخرج، وكل محرّض على النجاح. على الممثل امتلاك ثقافة عامة، وليس ضمن مهنته فقط، فيتمكن من التقلُّب بين الشخصيات. حتى اليوم، أجتهد في صناعة نفسي».

لا بد من سؤالها عن «ريم»، شخصيتها البديعة في «للموت» الرمضاني. لمواسم، انتُظرت على أوسع نطاق، وجذبت بالأداء المُتقن الأنظار. ماذا يبقى من شخصيات تصبح بعضاً من أصحابها؟ كيف تتعامل دانييلا رحمة مع الرواسب، وما يعلَق، لئلا يعوق التدفُّق الآتي؟ تتحدّث عن اختبار مرحلة «التخلُّص من الدور»، وإخضاع الشخصية للمغادرة: «اضطررتُ إلى وداعها. تطلّب الأمر جلسات مع مدرّب التمثيل. تعلّقتُ بها ووجدتُ فيها ما يشبهني لناحية الحب. لستُ أحبّذ التشابه مع الشخصيات. أحبُّ إبقاءها على مسافة. خطرٌ وصول الممثل إلى مرحلة التشبُّه التام بالشخصية. لم يكن وداع (ريم) سهلاً. هي اليوم في الذاكرة».

إيمان دانييلا رحمة بنفسها حقَّق القفزة المُنتَظرة (صور الفنانة)

صنّاعُ الدروس مَن يأتون ويرحلون، ومَن يتيحون الثقة وآخرون يعمّقون الخذلان: «حتى الشخصيات تُعلّمني. أراقبُ أخطاءها وأتعلّم». لكنها تفضّل أن تُخطئ. الأثر هنا أكبر. تشاء ارتكاب الهفوة مرة واثنتين. في الثالثة لا بدّ أن تتعلّم. تسمّيها «تذوُّق الخطأ»، فيبقى طعمه، وتصيبها نكهته بعِبرة الحياة.

في المنزل، وبين العائلة، تشعر أنها تمنح كلَّها لدفء المُحبّين والوقت الحلو. وعلى السجادة الحمراء، يصبح هذا الكُلّ مُلكاً للناس. تقول: «أشاء الامتنان لتقديرهم الكبير. حين تلقّيتُ جائزة في العراق، لم أتوقّع احتضاناً حقيقياً من خارج بلدي ولهجتي. فوجئت بمحبة العراقيين. أرادوني بينهم رغم ارتباطي بموقع التصوير. أصرّوا على التكريم الذي ملأني. ظلّلتُ أبتسم طوال الوقت، وأنا أتساءل، (حقاً؟ هل ثمة بالفعل أحبّة لي في العراق؟ وفي السعودية؟). كنتُ طفلة تحلم، وقلبها يخفق. يا لهذه المسؤولية!».

ترى دانييلا رحمة أنّ على الممثل امتلاك ثقافة عامة (صور الفنانة)

وفي مهرجان «البحر الأحمر السينمائي الدولي»، كان اللقاء بممثلين وكتّاب ومنتجين عالميين، منهم جوني ديب وويل سميث، لتُسجّل تجربة لا تُنسى: «التعرّف إلى ثقافات مختلفة يُغني الممثل. أحياناً، علينا النظر من زاوية مغايرة. أساليب العمل ليست واحدة، ومن المفيد معرفة ذلك». تُبقي التواصل قائماً مع أسماء كثيرة.

دانييلا رحمة وجوني ديب في السعودية (صور الفنانة)

تستريح حالياً، والاستراحة لا تعني إرجاء التفكير بالخطوة المقبلة. يؤرقها سؤال «What’s next?»، ويفرض الاجتهاد ورفض الاكتفاء بما تحقّق: «الغياب محرّك العودة. ما بعد كل نجاح يشغلني دائماً. أعلم أنّ المسألة ليست مرتبطة بي وحدي. هي أيضاً نصّ جيد ومخرج لامع وشركة إنتاج. لذا، أسعى نحو الخيار الصائب. مهنتنا مُخادِعة، فالحِمْل جماعي. علينا التكاتف من أجل النتيجة المرجوّة. أخاف التعثُّر، فالتمثيل بالنسبة إليّ حياة كاملة. لذا؛ لا أكفّ عن التعلُّم».

كانت في التاسعة عشرة حين غادرت أستراليا، موطن إقامة عائلتها، لمطاردة الشغف. تذكُر أنها رأت الدمع يتساقط على خدَي والدَيها وهما يودّعانها على الشرفة. رغم آلام الانسلاخ، سلّماها للأحلام. اليوم تقول: «إنني خليط من الموهبة والحظ. الأخير يأتي من الإحاطة والدعم والامتنان لله. أمكن أن أكتفي بأدوار ثانية وبتصنيفي ممثلةً عادية. ما أريده يتجاوز المحدود ويتخطّاه. أهدمُ الجدران وأنطلق. أنا فراشة مصيرها الطيران في الفضاء الرحب. الدنيا طافحة بالفرص، فأفردُ جناحيَّ لها».

لم تتوقّع دانييلا رحمة احتضاناً من خارج بلدها ولهجتها (صور الفنانة)

لطالما تخيّلت نفسها تؤدّي دوراً وهي تسير في الشوارع. تتحدّث عن «نار وُلدت داخلي»، هي الإلهام والشعلة، وما يُجمِّل المحاولات. ورغم مباغتة الحياة، وتسلُّل ما يُتعِب، تُبقيها مشتعلة. بهذه النار، منحت مسلسل «الضبع» (اسم أولي) أقصى ما تملك. العمل من 6 حلقات مرتقب عرضه هذا العام عبر «نتفليكس»، من إخراج المصري حسين البناوي، وإنتاج «إيغل فيلمز»، وبطولتها والممثل السوري محمد الأحمد، شريك نجاحات «للموت» بشخصية (هادي) العاشق الموجوع. تكشف أنّ تحضيره تطلّب عامين، وتفرّغت 6 أشهر لتُنجزه وفق المُشتهى. تعِد بدور جديد، يُظهر قدرات بدنية، جعلها تتخطّى مخاوف لم تظنّ أنها ستتخطاها.

تغيب عن رمضان بعد تعسُّر ولادة لقائها المنتَظر مع قصي خولي. تترقّب فرصة أخرى تتيح هذه الجَمعة، وتبحث دائماً عن العرض الأنسب.

مُنافِسة دانييلا رحمة الأولى هي نفسها، مع ذلك تقول: «تزدحم الساحة بالممثلات، وجميعنا نشاء أن نكون الأفضل. أغار على عملي، لكنني أيضاً أُسرّ لنجاحات الزميلات. المرأة التي تصل، تلهمني مزيداً من الوصول».


مقالات ذات صلة

«بنج كلي»... دراما قصيرة عن عالم المستشفيات المصرية تثير ضجة

يوميات الشرق تقدم سلمى أبو ضيف شخصية طبيبة التخدير (الشركة المنتجة)

«بنج كلي»... دراما قصيرة عن عالم المستشفيات المصرية تثير ضجة

أثار المسلسل المصري «بنج كلي» ضجة تمثلت في نقاشات وانتقادات من أطباء حول مدى واقعية بعض التفاصيل التي يقدمها العمل عن المستشفيات الحكومية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)

صانع قنابل... لغز رجل أطلقت سراحه ألمانيا وطارده شبح «لوكربي»

مروان خريسات... رحلة صانع قنابل «القيادة العامة» من حروب الظلِّ ودهاليز الاستخبارات، إلى لغز تفجير «لوكربي» الذي أعاده مسلسل «نتفليكس» الأخير للواجهة.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق الممثلة الأميركية هايدن بانتير (رويترز)

وفاة الممثلة الأميركية هايدن بانتير بطلة «هيروز» و«ناشفيل» عن 36 عاماً

توفيت الممثلة الأميركية الشهيرة، هايدن بانتير، التي شاركت في بطولة المسلسلين التلفزيونيين «هيروز» و«ناشفيل»، عن عمر يناهز 36 عاماً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي (الشرق الأوسط)

خاص محمد الدوخي يذهب عميقاً في الشخصيات... ولا يهجس بالبطولات

في حوار شامل مع «الشرق الأوسط»، يعود الممثل والمنتج السعودي محمد الدوخي إلى مسيرةٍ فنية اتّسمت بالتحوّلات؛ من الكوميديا، إلى الدراما، مروراً بالأكشن والجريمة.

كريستين حبيب (عمّان)
يوميات الشرق «حبّ ع ورق» فاجأها بحجم انتشاره (إنستغرام)

سارة ذوق: «حبّ ع ورق» منحني الانطلاقة التي انتظرتها

تُعدّ الممثلة اللبنانية سارة ذوق من الوجوه الجديدة التي جرى التعاون معها.

فيفيان حداد (بيروت)

حكم يقضي بسداد الأمير هاري وآخرين 13 مليون دولار بعد خسارة دعوى قضائية

الأمير هاري (رويترز)
الأمير هاري (رويترز)
TT

حكم يقضي بسداد الأمير هاري وآخرين 13 مليون دولار بعد خسارة دعوى قضائية

الأمير هاري (رويترز)
الأمير هاري (رويترز)

صدر أمر قضائي للأمير البريطاني هاري وستة أشخاص آخرين، من بينهم المغني إلتون جون، بسداد 9.5 مليون جنيه إسترليني (13 مليون دولار) للشركة القائمة على نشر صحيفة «ديلي ميل» بعد خسارة قضيتهم بشأن انتهاك الخصوصية، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس».

وقال القاضي ماثيو نيكلين في حُكم، اليوم الجمعة، إن سداد المبلغ من المقرر أن يتم في 28 أغسطس (آب).

وخسر المدعون قضية أمام محكمة عليا الشهر الماضي زعموا فيها أن شركة «أسوشييتد نيوزبيبرز» ارتكبت سلوكيات خاطئة مثل قرصنة الهواتف المحمولة.

وقالت الشركة القائمة على النشر إنها تكبدت أكثر من 34 مليون جنيه إسترليني خلال القضية. وسيتعين على المدعين تعويض بقية التكاليف في وقت لاحق، علماً بأنهم مؤمن عليهم بنحو نصف هذا المبلغ.

وكان الناشر قد نفى بشدة الادعاءات التي تم تقديمها خلال المحاكمة التي استمرت 11 أسبوعاً في لندن، وانتهت في السابع من يوليو (تموز)، عندما قال القاضي نيكلين إن الأدلة المتاحة لم تكن كافية لدعم هذه الادعاءات.

وخلص القاضي إلى وجود احتمال بأن التقارير الصحافية استندت إلى مصادر مشروعة.

وكان من بين الشخصيات البارزة الأخرى التي تقف وراء القضية دورين لورانس، الناشطة المناهضة للعنصرية التي قُتل ابنها ستيفن طعناً عام 1993 أثناء انتظاره حافلة، وديفيد فورنيش، زوج إلتون جون ومنتج الأفلام، والممثلتان سيدي فروست وليز هيرلي، والسياسي سايمون هيوز.


«بيت على القمر»... أسطورة قديمة تبحث عن إنسانها

استغرق المخرج السنغافوري وقتاً في تجربته الجديدة (الشركة المنتجة)
استغرق المخرج السنغافوري وقتاً في تجربته الجديدة (الشركة المنتجة)
TT

«بيت على القمر»... أسطورة قديمة تبحث عن إنسانها

استغرق المخرج السنغافوري وقتاً في تجربته الجديدة (الشركة المنتجة)
استغرق المخرج السنغافوري وقتاً في تجربته الجديدة (الشركة المنتجة)

في وقت تميل فيه معظم الأعمال المستوحاة من الأساطير إلى إعادة سرد الحكايات المعروفة، اختار المخرج السنغافوري نيلسون يو طريقاً مغايراً. ففي فيلمه الجديد «بيت على القمر» (The House on the Moon) لم يشغله إعادة تقديم أسطورة «تشانغ إر» كما تناقلتها الأجيال، بقدر ما شغله سؤال آخر: ماذا لو لم تنتهِ الحكاية عند النقطة التي حفظها الجميع؟ وماذا لو بدأت القصة الحقيقية بعد نهاية الأسطورة؟

من هذا السؤال انطلقت تجربة يو الجديدة، التي تُعيده إلى «مهرجان لوكارنو السينمائي» في سويسرا، بعد النجاح الذي حقّقه فيلمه السابق «الحلم والموت»، الفائز بجائزة «الفهد الذهبي» في مسابقة «صناع الحاضر» بالمهرجان نفسه قبل 3 أعوام. لكنه يعود هذه المرة بفيلم أكثر اتساعاً في عالمه البصري، وانشغالاً بالأسئلة الإنسانية الكامنة خلف الأسطورة.

ويقول نيلسون يو، في مقابلة عبر تطبيق «زووم» مع «الشرق الأوسط»، إن الابتعاد عن المألوف كان قراراً اتخذه منذ اللحظة الأولى. فأراد إدخال المُشاهد مباشرة إلى عالم لا يكشف عن نفسه بسهولة، ليتولّى اكتشاف الشخصيات وطبيعة العلاقات التي تربط بينها. ويشير إلى أنّ هذا الغموض لم يكن مجرّد أسلوب سردي، وإنما جزء من فكرة الفيلم، لأن استكشاف المجهول كان بالنسبة إليه أكثر إثارة من إعادة رواية أحداث يعرفها الجمهور مسبقاً.

وتدور الأحداث حول «تشانغ إر» التي تنطلق برفقة رائد فضاء من الأرض في رحلة إلى الجانب المظلم من القمر، بحثاً عن زوجها «هو يي»، بعد اختفائه خلال مهمّة لإنقاذ الشمس المحتضرة. وبينما تبدأ الرحلة على أنها مهمة إنقاذ، تتحوّل تدريجياً إلى رحلة لاكتشاف الذات ومواجهة أسئلة الهوية والقدر والاختيار.

مخرج الفيلم نيلسون يو يرى القمر مرآة لوحدة الإنسان (الشركة المنتجة)

ويؤكد المخرج السنغافوري أنّ الفيلم، رغم استناده إلى أسطورة صينية شهيرة، لا يتعامل مع شخصياتها على أنها آلهة أو رموز مقدّسة، وإنما شخصيات تعيش صراعات يمكن لأي إنسان التعاطف معها. ويلفت إلى أنّ أكثر ما شغله خلال الكتابة كان البحث عن الجانب الإنساني في تلك الشخصيات، لا الأسطوري.

ويشير يو إلى أن هذه الفكرة جعلته ينظر إلى الفيلم على هيئة رحلة لاكتشاف الذات أكثر من كونه مغامرة فانتازية، موضحاً أنّ البُعد العاطفي كان بالنسبة إليه أهم من أي بناء أسطوري أو حدث درامي. فالشخصيات كانت دائماً في مقدّمة اهتمامه، لذلك حاول منحها مشاعر متناقضة ونقاط ضعف وأسئلة وجودية، لتبدو أقرب إلى البشر منها إلى الشخصيات الخارقة التي اعتاد الجمهور رؤيتها في الحكايات القديمة.

ومن هنا جاءت فلسفته في كتابة الفيلم، التي يختصرها بعبارة «العاطفة تتفوّق على الحبكة»، لافتاً إلى أن هذا المبدأ لم يكن مجرّد شعار، وإنما قاعدة حكمت مراحل صناعة العمل. فالحبكة موجودة بطبيعة الحال، لكنها لا تقود الشخصيات، بل الشخصيات هي التي تقودها. لذلك حرص فريق العمل على الاقتراب منها طوال الوقت، حتى إنّ المشاهد يسمع أحياناً أفكارها الداخلية، لأنّ الهدف كان أن يشعُر بما تعيشه قبل أن ينشغل بما سيحدث لها.

ويعترف يو بأنّ الحفاظ على هذا التوازن لم يكن سهلاً، خصوصاً في فيلم يعتمد على عالم بصري واسع يجمع بين الخيال العلمي والفانتازيا، مؤكداً أن التحدّي الحقيقي كان ألا تتحوّل المشاهد الضخمة أو المؤثرات البصرية إلى عنصر يطغى على المشاعر. لذلك كان على كلّ قرار بصري في الفيلم أن يخدم الحالة النفسية للشخصيات.

راهن المخرج على استخدام تقنيات عدّة في العمل (الشركة المنتجة)

ويفسّر المخرج المزج بين الأنواع السينمائية بتأثّره الكبير بأفلام هونغ كونغ في تسعينات القرن الماضي، التي نشأ على مشاهدتها، موضحاً أنها كانت تنتقل بسلاسة بين أكثر من نوع سينمائي، من دون أن يشعر المُشاهد بالحاجة إلى وضعها في قالب محدّد.

ويضيف أنه لا يسعى إلى استعادة تلك المرحلة بدافع الحنين، وإنما إلى الحفاظ على روحها الحرّة التي تسمح للفيلم بالتحرّك بين أكثر من عالم، من دون أن يفقد هويته أو صدقه الإنساني. ويلفت إلى أنّ استلهام سينما هونغ كونغ لم يقتصر على المزج بين الأنواع السينمائية، بل امتد أيضاً إلى طريقة صناعة الفيلم نفسها.

ويقول إنه وفريقه تمسكوا بالأسلوب العملي في تنفيذ كثير من التفاصيل والمؤثّرات، حفاظاً على السحر الذي ميَّز تلك المرحلة، من دون أن يمنعهم ذلك من الاستفادة من التقنيات الحديثة. ويؤكد أنّ الهدف لم يكن إعادة إنتاج أفلام التسعينات، وإنما تقديم حكاية تبدو معاصرة وقريبة من جمهور اليوم، مع استخدام تقنيات الإنتاج الافتراضي لتوسيع العالم الذي تدور فيه الأحداث، خصوصاً أنّ رغبته كانت تصوير أكبر جزء ممكن من الفيلم داخل سنغافورة، وهو ما لم يكن ممكناً لولا هذه التكنولوجيا.

عاد المخرج بفيلمه الجديد إلى «مهرجان لوكارنو السينمائي» (الشركة المنتجة)

ومن الشخصيات التي شهدت أكبر تحوّل خلال الكتابة شخصية «بنغ منغ»، التي يصفها يو بأنها أصبحت، بشكل غير متوقَّع، الأكثر هشاشة على المستوى العاطفي. ويؤكد أنها ظهرت في المسودات الأولى بوصفها شريراً تقليدياً، لكنه وكاتبة السيناريو فيكي وجدا نفسيهما ينجذبان إليها تدريجياً، حتى أصبحت شخصية أكثر تعقيداً وإنسانية.

وعن صورة القمر، يوضح أنه لم ينظر إليه بوصفه وجهةً فضائيةً أو بيئةً علميةً، وإنما مساحة للمشاعر، لافتاً إلى أنّ أول صورة تخيّلها كانت «تشانغ إر» وهي تجلس وحيدة على سطحه، قبل أن يصل إليها رائد فضاء من الأرض.

ويرى أنّ الفراغ الهائل الذي يحيط بها يعكس وحدتها الداخلية؛ فالرحلة في الفيلم ليست رحلة في المكان بقدر ما هي رحلة داخل النفس. حتى إنه فكر في البداية في أن تدور البطلة حول القمر ثم تعود إلى النقطة نفسها، لتكتشف في النهاية أنّ المكان الذي غادرته لم يعد كما كان، في إشارة إلى أنّ التغيير الحقيقي حدث داخلها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


كنز طروادة المسلوب... تركيا وألمانيا تطالبان به وروسيا لا تنوي إعادته

مجسم يمثل حصان طروادة في مدينة حصارليك/ طروادة (غيتي)
مجسم يمثل حصان طروادة في مدينة حصارليك/ طروادة (غيتي)
TT

كنز طروادة المسلوب... تركيا وألمانيا تطالبان به وروسيا لا تنوي إعادته

مجسم يمثل حصان طروادة في مدينة حصارليك/ طروادة (غيتي)
مجسم يمثل حصان طروادة في مدينة حصارليك/ طروادة (غيتي)

خلال محاضرة في جامعة أنقرة بتركيا، وحين تطرقت الأستاذة زينب بوز إلى مصير ذهب مدينة طروادة القديمة الشهير، شعرت لأول مرة بوطأة الألم الناجم عن فقدان كنوز بلادها التي نُقلت إلى الخارج. تُعرف هذه المجموعة باسم «كنز بريام»، وتضم حُلياً وأواني وقطعاً ثمينة أخرى استخرجها رجل الأعمال وعالم الآثار الألماني الرائد هاينريش شليمان في سبعينيات القرن التاسع عشر من موقع المدينة التي وصفها الشاعر هوميروس. وبعد نقل الذهب إلى ألمانيا، استولت عليه القوات السوفياتية ونقلته سراً إلى موسكو في ختام الحرب العالمية الثانية. وقد روت بوز كيف سافرت إلى روسيا لرؤية ذلك الذهب لكنها عادت خائبة. تقول بوز، التي تتولى حالياً مهمة استعادة كنوز تركيا الأثرية بصفتها رئيسة قسم مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية في البلاد: «لقد مُنِعت من الوصول إلى تراثي الثقافي».

«كنز بريام» المكتشف في موقع حصارليك/ طروادة (غيتي)

نزاع دولي ثلاثي

لا تزال تلك القطع الأثرية، التي يعود تاريخها إلى 4500 عام، موجودة في موسكو داخل متحف «بوشكين» الحكومي للفنون الجميلة. وفي ظل المطالبات المتنافسة من روسيا وألمانيا وتركيا، تظل هذه القطع عالقة في نزاع دولي ثلاثي مرير، لا يبدو أن حله سيكون قريباً. وتأمل تركيا - بتفاؤل يفوق ما يبديه كثير من الخبراء - أن تكون رحلة عودة هذا الذهب بمثابة رحلة عكسية لـ«أوديسيوس»، البطل الذي روى هوميروس قصة رحلته الطويلة للعودة من طروادة في ملحمة «الأوديسة».

مدينة طروادة تحت نيران جيش أوديسيوس في فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة» (أ.ب)

على غرار «أوديسيوس» التائه، الذي يؤدي دوره الممثل مات ديمون في فيلم كريستوفر نولان الجديد، تنصبُّ جهود الحكومة التركية وتركيزها على رحلة العودة إلى الوطن؛ فهي تسعى للمّ شمل هذه الكنوز الأثرية بالمكان الذي انتُزعت منه، وربما إيداعها في المتحف الذي افتُتح بالقرب من الموقع الأثري عام 2018. تقول بوز: «تبدأ ملحمة الأوديسة من طروادة، وهي في جوهرها قصة عن الحنين إلى العودة للوطن. وسيكون من الملائم حقاً ألا تنتهي الرحلة الاستثنائية لهذه القطع الأثرية بمجرد انتقالٍ آخر بين حُراسٍ في أماكن نائية، بل بعودتها إلى المدينة التي تمنحها معناها الحقيقي».

حصارليك وطروادة

لقد ظل شليمان، وهو تاجر ثري وشخصية استعراضية مولعة بالظهور الإعلامي، يلاحق طويلاً أسطورة «طروادة». وقد تصدّر خبر إعلانه عن اكتشاف المدينة القديمة في شمال الأناضول - على ساحل بحر إيجة عند مدخل مضيق الدردنيل - عناوين الأخبار في جميع أنحاء العالم. في العصور القديمة، ارتبط هذا الموقع بمدينة طروادة المذكورة في ملاحم هوميروس، وكان مقصداً زاره كل من الإسكندر الأكبر ويوليوس قيصر. غير أن موقع المدينة تحوّل بمرور القرون إلى لغز غامض، بل وصل الأمر بالبعض إلى التشكيك في حقيقة وجودها من الأساس.

لم يكن شليمان أول من حدد تل حصارليك في تركيا الحالية كموقع محتمل لمدينة طروادة، ولم يكن أول من نقّب هناك. وقد استنكر علماء الآثار أساليبه المتسرعة والعشوائية. ومع ذلك، فقد أيّد الإجماع العلمي اللاحق تحديده للمدينة. وقالت راشيل كوسر، أستاذة الأدب الكلاسيكي وتاريخ الفن في جامعة مدينة نيويورك: «لقد كشف شليمان بسرعة كبيرة عن الكثير من المواد التي تشير إلى أنها كانت مدينة رئيسية من العصر البرونزي وموقعاً للعديد من المعارك، مما يؤكد على ما يبدو أن طروادة كانت مكاناً مهماً ألهم هوميروس على الأرجح».

جرة (أمفورا) من عمل «رسام بريام» 520-510 قبل الميلاد (غيتي)

حقيقة قصص هوميروس

أكدت الاكتشافات في طروادة أنها كانت أكثر بكثير من مجرد مكان أسطوري. فقد أشارت إلى أن قصص هوميروس عن الحرب بين الطرواديين والإغريق القدماء قد تكون متجذرة في أحداث تاريخية. قالت سوزان هيوك ألين، الباحثة الزائرة في قسم الدراسات الكلاسيكية بجامعة براون ومؤلفة كتاب «العثور على أسوار طروادة»: «لقد رسّخ هذا الأمر التاريخية لمدينة طروادة من خلال البقايا المادية لمدينة عظيمة». وأضافت: «لقد أظهروا للعالم وجود حضارات معاصرة مترابطة، خاضت حروباً، ودُمّرت، وقد روى هوميروس قصةً تُخلّد هذه الذكريات في شعره».

كما كشفت أرض الأناضول عن كنوز. فبعد حفر خندق كبير في قلب تل حصارليك، اكتشف شليمان قلائد ذهبية، وفؤوساً طقسية، ودروعاً، ودبابيس، وخواتم، وأساور، وغيرها. وأعلن أنها كنز بريام، نسبةً إلى الملك الأسطوري في ملحمة الإلياذة لهوميروس. (كان اختطاف هيلين على يد ابن الملك بداية الصراع الذي عُرف بحرب طروادة).

صوفي زوجة هاينريش شليمان وهي ترتدي الحلي الذهبية الخاصة بطروادة (غيتي)

تُعد هذه المجموعة واحدة من أكثر الاكتشافات إبهاراً في تاريخ علم الآثار؛ إذ تضمنت حُلياً ادعى شليمان - مستغلاً براعته في الترويج لنفسه - أنها ربما كانت تخص «هيلين الطروادية»؛ بل إنه في إحدى الصور الشهيرة، جعل زوجته «صوفيا» تتخذ وضعية «هيلين» وهي ترتدي بعضاً من تلك المجوهرات. وفي الواقع، كان شليمان قد حفر متجاوزاً طبقة «طروادة» التي ورد ذكرها في ملاحم هوميروس، ليصل إلى ذهب يعود لمستوطنة أقدم من العصر البرونزي، نحو عام 2450 قبل الميلاد، أي قبل أكثر من ألف عام من الأحداث الموصوفة في تلك الملاحم. وتؤكد تركيا أن هذه الكنوز استُخرجت من أراضٍ تقع حالياً ضمن حدودها، وأن شليمان قام بتهريبها إلى أثينا باليونان دون الحصول على إذن من السلطات العثمانية التي كانت تحكم المنطقة آنذاك. وقد رفع العثمانيون دعوى قضائية ضد شليمان أمام محكمة يونانية في ذلك الوقت، وانتهى الأمر بدفعه مبلغاً كبيراً كتعويض؛ غير أن تركيا تشدد الآن على أن هذا المبلغ لا يُعد بأي حال من الأحوال ثمناً لشراء الذهب أو تنازلاً عن ملكيته.

إناء صلصة بفوّهتَيْن ومقبضين ضمن مقتنيات متحف بوشكين الحكومي للفنون الجميلة في موسكو (غيتي)

كما تجادل تركيا بأن موقع طروادة هو المكان الوحيد القادر على عرض الذهب في سياقه التاريخي. يقول روستيم أصلان، الذي يشرف على عمليات التنقيب في طروادة نيابة عن وزارة الثقافة والسياحة التركية: «لا تقتصر المسألة ببساطة على الملكية أو القيمة المادية؛ بل تتعلق بحق الدولة والمجتمع المحلي في الحفاظ على التراث الثقافي الناشئ عن أراضيها ودراسته وعرضه».

غنيمة حرب روسية

في عام 1881، تبرع شليمان بكنز طروادة لألمانيا، لكنه اختفى من مخزن داخل حصن مضاد للطائرات في برلين خلال الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية. ساد اعتقاد لدى الكثيرين بأن «كنز بريام» قد دُمِّر. غير أن روسيا أقرت في تسعينيات القرن الماضي بأن القوات السوفياتية كانت قد استولت على الكنز كغنائم حرب. وقد أدى هذا الكشف، الذي تلاه إقامة معرض في متحف بوشكين، إلى تأجيج التوترات فوراً بشأن ملكية المجموعة.

وتصر روسيا على أن الذهب يمثل تعويضاً عادلاً عن ممارسات النازيين، مؤكدة أنها لا تنوي إعادته. وفي المقابل، تتمسك ألمانيا بمطالبتها بالملكية، لكنها تقر بأن المحادثات مع روسيا لا تحرز أي تقدم. تقول غيشه رينتلين، المتحدثة باسم «مؤسسة التراث الثقافي البروسي» التي تشرف على متاحف برلين: «منذ بدء حرب العدوان على أوكرانيا، توقفت تماماً جميع المناقشات المتعلقة بقضية الأعمال الفنية المنهوبة».

قطعة من كنز بريام ضمن مقتنيات متحف بوشكين الحكومي للفنون الجميلة في موسكو (غيتي)

تقول باتي جيرستن بليث، الخبيرة في قضايا التراث الثقافي والأستاذة الفخرية في كلية القانون بجامعة ديبول، إن تصرفات روسيا تنتهك القانون الدولي، لكن من غير المرجح أن تتنازل الحكومة الروسية عن هذه الكنوز. وتضيف قائلة: «ينبغي عليهم إعادتها إلى ألمانيا، وترك ألمانيا وتركيا تجلسان معاً للتوصل إلى حل». وتشير إلى أن موقف تركيا سيتطلب منها إثبات أنها بذلت جهوداً لاستعادة المجموعة من ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية، كما يتطلب الأمر فهماً واضحاً للأحداث المحيطة بعمليات التنقيب ونقل الآثار التي قام بها شليمان. وتقول جيرستن بليث: «من غير المرجح أن نعرف يقيناً ما حدث بالفعل». ويرى العديد من الخبراء أن حالة الجمود ستستمر رغم تطلعات تركيا؛ إذ يقول كوسر: «أشعر أنه ينبغي عليهم استعادتها، ولكن هل من المرجح أن ينجحوا في ذلك؟ لا».

* خدمة «نيويورك تايمز»