تحديات فرنسا لترميم نفوذها المتهالك في بلدان الساحل

الإخفاقات الفرنسية المتلاحقة في بلدان الساحل الأفريقي تفرض على باريس إعادة النظر بسياساتها

جنود فرنسيون يتأهبون لركوب طائرة عسكرية بعد انسحابهم من النيجر في 22 ديسمبر 2023 (رويترز)
جنود فرنسيون يتأهبون لركوب طائرة عسكرية بعد انسحابهم من النيجر في 22 ديسمبر 2023 (رويترز)
TT

تحديات فرنسا لترميم نفوذها المتهالك في بلدان الساحل

جنود فرنسيون يتأهبون لركوب طائرة عسكرية بعد انسحابهم من النيجر في 22 ديسمبر 2023 (رويترز)
جنود فرنسيون يتأهبون لركوب طائرة عسكرية بعد انسحابهم من النيجر في 22 ديسمبر 2023 (رويترز)

قبيل احتفالات عيد الميلاد، قرر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استبدال السفير برنار إيميه الذي كان يدير المديرية العامة للأمن الخارجي «المخابرات الفرنسية الخارجية» منذ عام 2017، وأتى بزميله نيكولا ليرنير الذي كان من جانبه يدير المخابرات الداخلية. وقيل الكثير في العمل المتميز الذي قام به إيميه على رأس المخابرات الخارجية، وآخرها جاء على لسان وزير الدفاع سيباستيان لوكورنو الذي نوّه بما قام به إيميه «من حماية الفرنسيين في الظل».

الرئيس الفرنسي يصافح رئيس الحكومة البرتغالية ورئيسة المفوضية الأوروبية في باريس الجمعة بمناسبة تكريم جاك تايلور الرئيس الأسبق للاتحاد الأوروبي في باحة قصر الأنفاليد (أ.ف.ب)

لكن ثمة من ربط بين إقصاء إيميه الذي يبلغ من العمر 65 عاماً والفشل الذي أصاب المخابرات الخارجية الفرنسية التي لم تنجح في اكتشاف واستباق وتدارك الانقلابات المتلاحقة التي شهدتها بلدان الساحل الثلاثة «مالي، بوركينا فاسو والنيجر» في الأعوام الأربعة المنصرمة والتي أفضت في نهاية المطاف إلى خروج فرنسا منها وإلى انحسار نفوذها في المنطقة. وستكون إحدى المهام المطلوبة من مدير المخابرات الخارجية الجديد أن يوفر للحكومة المعلومات والتحليلات التي تساعدها، بداية، على فهم ما حصل، والعمل بعد ذلك على استعادة بعض ما فقدته في منطقة بالغة الأهمية الاستراتيجية لباريس.

وزير الدفاع الفرنسي سيباستيان لوكورنو بصحبة قائد الجيش اللبناني في قاعدة القوة الفرنسية في «اليونيفيل» بجنوب لبنان في 1 يناير (أ.ف.ب)

وبالنظر إلى مجريات الأعوام الأخيرة، فإن أحد التحديات الرئيسية التي تواجه السياسة الفرنسية في 2024، في أفريقيا، تكمن في ترميم نفوذ باريس المفقود في منطقة كان معقوداً فيها اللواء لها رغم حصولها على الاستقلال في ستينات وسبعينات القرن الماضي. وما سيفاقم صعوباتها أنها ستجد بمواجهتها دولاً منافسة جديدة أخذت تثبت حضورها في بلدان الساحل وفي أفريقيا بشكل عام، ومنها على الأخص روسيا والصين وتركيا.

ولعل من أبرز علامات الإخفاق الفرنسي أن باريس التي نشرت، في أوج حضورها في منطقة الساحل، قوة «برخان» التي وصل عددها إلى 5500 رجل متمتعة بدعم لوجيستي وجوي ومخابراتي، ومنتشرة في الدول الثلاث المشار إليها، أرغمت تباعاً على الخروج من مالي ثم من بوركينا فاسو، وأخيراً من النيجر، حيث رحل آخر جندي فرنسي يوم 22 ديسمبر (كانون الأول) الماضي. كذلك، فإن باريس قررت إغلاق سفارتها في نيامي، وبررت الخارجية ذلك بالإشارة إلى «العقبات الخطيرة التي جعلت من المستحيل قيامها بمهامها مثل ضرب طوق حول مقر السفارة، وفرض قيود على تنقل الموظفين...».

متظاهرون في نيامي بالنيجر بمناسبة لقاء رؤساء حكومات النيجر وبوركينا فاسو ومالي في 29 ديسمبر الماضي (رويترز)

لم يتبق للقوة الفرنسية السابقة في الساحل من ملجأ سوى تشاد التي سحبت القيادة الفرنسية غالبية القوة التي كانت منتشرة في النيجر «1500 رجل مع أسلحتهم ومعداتهم» إلى قاعدتها الرئيسية في نجامينا القريبة من مطار العاصمة التشادية. والمشكلة الحقيقية لباريس التي غضت الطرف عن الشكل غير الدستوري لانتقال السلطة الذي جرى في نجامينا بعد مقتل الرئيس أدريس ديبي، وتسلم ابنه الكولونيل محمد الرئاسة، أنها تواجه هناك أيضاً معارضة شعبية، ومن الصعب استجلاء ما ستكون عليه هذه المعارضة في الأشهر المقبلة. وليس سراً أن سهام الانتقاد وجهت لفرنسا بقوة بسبب ما عدّ «ازدواجية المعايير» في التعاطي مع الحركات الانقلابية التي حدثت في بلدان الساحل، حيث رفضتها بقوة كما حدث في النيجر، بينما غضت الطرف عنها في مكان آخر كما في تشاد.

حقيقة الأمر، كما يقول دبلوماسي فرنسي سابق في أفريقيا، أن الخطاب الرسمي الفرنسي الذي يتحدث عن عهد جديد في العلاقة مع القارة السمراء بقي في الحيز الخطابي، ولم يُترجم إلى واقع ملموس؛ فالانقلابات التي جرت في البلدان الثلاثة ما كان لها أن تحدث لو لم تكن تعاني من مشكلات متداخلة وثلاثية الأبعاد: عسكرية وسياسية واقتصادية.

متظاهرون يرفعون علماً روسياً في نيامي 3 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

في السياق الأول، تجدر الإشارة إلى أن حصول الدول الأفريقية على استقلالها لم يترافق مع انعدام التدخل العسكري فيها؛ فالقوات الفرنسية تدخلت عسكرياً في كثير من البلدان الأفريقية ومنها موريتانيا وليبيا وتشاد وتوغو والكاميرون وجمهورية وسط أفريقيا وزائير ورواندا وجزر القمر... بالإضافة إلى البلدان الأربعة في منطقة الساحل المذكورة سابقاً.

وما يميز العمليات العسكرية التي جرت منذ 10 سنوات والتي انطلقت في مالي عام 2013، وامتدت في العام الذي تلاه إلى بوركينا فاسو والنيجر وتشاد، أنها كانت تركز على محاربة الإرهاب، بينما العمليات الأولى كان هدف غالبيتها مساعدة أنظمة صديقة لفرنسا والحيلولة دون سقوطها. والحال، أن عملية «سيرفال» في مالي عام 2013 «التي تحولت لاحقاً إلى (برخان)، وشملت دول الساحل الأربع» عُدت ناجحة؛ لأنها حمت العاصمة باماكو، وأجبرت المتمردين على الانكفاء إلى أقصى شمال البلاد. والدليل على ذلك أن الرئيس السابق فرنسوا هولند، الذي أمر بإرسال الجيش إلى مالي، استُقبل لاحقاً في العاصمة باماكو استقبال الأبطال المحررين.

جنود فرنسيون يغادرون نيامي في 22 ديسمبر (رويترز)

لكن بعد مرور 10 سنوات على إطلاق «سيرفال» ثم «برخان»، لا يبدو أن مهمة محاربة الإرهاب قد تُوجت بالنجاح، رغم أن القوة الفرنسية نجحت في القضاء على عدد من قادة التنظيمات الجهادية والإرهابية. فبعد شمال ووسط مالي، فإن هذه التنظيمات أخذت تهدد بوركينا فاسو والنيجر، بل إنها تمددت نحو بلدان خليج غينيا ومنها شاطئ كوت ديفوار وبنين وتوغو.

ويرى الباحث في العلاقات الدولية أيلي تينينبوم، في تفسير الفشل الفرنسي، أن «برخان» كان يُفترض بها «أن ترافق مساراً سياسياً، واجتماعياً واقتصادياً، وأن توفر المهلة الزمنية الكافية للسلطات المحلية حتى تسوي المشكلات التي تتغذى منها المنظمات الإرهابية والجهادية». والحال، أن هذا المسار إما لم ير النور مطلقاً، وإما أن مفاعيله كانت محدودة. وقد فتح ذلك الباب أمام الدعاية المعادية لفرنسا والتي ذهبت إلى حد اتهام باريس بـ«التواطؤ» مع هذه التنظيمات. أما السبب الآخر فهو عسكري محض أساسه أن عدد القوة الفرنسية الذي تأرجح ما بين 4 و5 آلاف عنصر لم يكن قط كافياً لتغطية 3 بلدان تبلغ مساحتها الإجمالية 2754 مليون كيلومتر مربع، لكن كثيراً من سكان الساحل كان يتساءل، وفق الباحث الأفريقي باب داكومو، كيف أن جيشاً مثل الجيش الفرنسي المجهز بأحدث الأسلحة، يعجز عن القضاء على مئات عدة من العناصر المتمردة.

بيد أن خروج القوة الفرنسية من البلدان الثلاثة المذكورة لم يعن أبداً تراجع الهجمات الإرهابية. ففي بوركينا فاسو، تتواصل الهجمات التي تقوم بها جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» ضد قواعد الجيش النيجري. وفي الأسبوع الماضي وحده، قُتل العشرات من أفراده في 4 هجمات متلاحقة قامت بها الجماعة المذكورة. ويتستر المجلس العسكري على الخسائر في صفوف قواته.

وما يحدث في واغادوغو يحدث مثله في النيجر. أما في مالي، فإن سلطاتها التي استدعت ميليشيا «فاغنر» لتحل محل القوة الفرنسية، فإنها تعاني بدورها من استمرار الهجمات الإرهابية. ويعبر الدبلوماسي المشار إليه سابقاً أن أنظمة الساحل «ليست قادرة بقدراتها الذاتية على وضع حد لتمدد الهجمات الإرهابية من غير مساعدة غربية متعددة الأشكال»، رغم أنها عمدت إلى «تشكيل تحالف» في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي بعنوان «تحالف بلدان الساحل» ذات الأنظمة العسكرية، وهدفه مكافحة الإرهاب والإيفاء بـ«واجب المساعدة والإغاثة» ضد أي اعتداء.

متظاهرون يرفعون علماً روسياً في نيامي 3 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

أما بالنسبة لـ مالي تحديداً، فإن انسحاب القوة الفرنسية «برخان» ترافق مع انسحاب قوة «الكوماندوز» الأوروبية المسماة «تاكوبا» وانسحاب جزء كبير من القوة الدولية التي كانت ترابط في مالي لتمكين الحكومة من بسط سلطاتها. ورغم أن خروج القوة الفرنسية من النيجر لم يستتبعه خروج قوة أكثر تواضعاً إيطالية ــ ألمانية، مع بقاء القوة الجوية الأميركية في قاعدتيها في النيجر، فإنه لا أحد يبدو في الأفق من الغربيين للحلول ميدانياً محل الفرنسيين في الساحل ما يترك الباب مفتوحاً لاستقواء نفوذ الدول المنافسة للغربيين. ومن الأدلة على ذلك أن موسكو سارعت إلى إعادة تنظيم صفوف «فاغنر» وإعطائها تسمية جديدة «أفريكا كوربس أو القوة الأفريقية»، ما يدل على رغبتها في الاستفادة من الفراغ الفرنسي في المنطقة وعزمها على تعزيز حضورها رغم غياب قائدها التاريخي يفغيني بريغوجين. ومنذ اليوم يبدو الحضور الروسي ظاهراً في مالي، وأيضاً في بوركينا فاسو.



مسلحون يقتلون 3 أشخاص ويخطفون قساً في شمال نيجيريا

سيارة تابعة للشرطة في ولاية كادونا بشمال نيجيريا (رويترز)
سيارة تابعة للشرطة في ولاية كادونا بشمال نيجيريا (رويترز)
TT

مسلحون يقتلون 3 أشخاص ويخطفون قساً في شمال نيجيريا

سيارة تابعة للشرطة في ولاية كادونا بشمال نيجيريا (رويترز)
سيارة تابعة للشرطة في ولاية كادونا بشمال نيجيريا (رويترز)

قالت مصادر كنسية وأخرى من الشرطة، الأحد، إن مسلحين قتلوا 3 أشخاص وخطفوا قساً كاثوليكياً وعدة أشخاص آخرين خلال هجوم شنوه في الصباح الباكر على منزل القس في ولاية كادونا بشمال نيجيريا، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويُسلّط الهجوم الذي وقع، أمس السبت، في منطقة كورو الضوء على استمرار انعدام الأمن في المنطقة، حيث وقع بعد أيام من إنقاذ الأجهزة الأمنية جميع المصلين البالغ عددهم 166 الذين خطفهم مسلحون خلال هجمات على كنيستين في منطقة أخرى في كادونا.

وذكر بيان صادر عن أبرشية كافانشان الكاثوليكية أن القس المخطوف هو ناثانيال أسواي من كنيسة هولي ترينتي (الثالوث المقدس) في كاركو.

وأثارت الهجمات في المنطقة اهتمام الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي اتهم الحكومة النيجيرية بالتقاعس عن حماية المسيحيين، وهو اتهام تنفيه أبوجا.

وشنّت القوات الأميركية هجوماً على ما وصفته بأهداف لإرهابيين في شمال غربي نيجيريا في 25 ديسمبر (كانون الأول).

وقالت منظمة العفو الدولية، في بيان الأحد، إن الأزمة الأمنية في نيجيريا «تخرج عن السيطرة بشكل متزايد». واتهمت الحكومة «بالتقصير الجسيم» وعدم القدرة على حماية المدنيين في الوقت الذي يقتل فيه مسلحون ويخطفون ويرهبون مواطنين في مناطق ريفية في عدة ولايات شمالية، بما في ذلك كادونا.

وقالت الأبرشية إن 10 أشخاص آخرين خطفوا مع القس، مضيفة أن 3 من السكان قتلوا خلال الهجوم الذي بدأ نحو الساعة 3:20 صباحاً (2:20 بتوقيت غرينتش).

وأكد متحدث باسم شرطة كادونا الواقعة، لكنه ذكر رقماً مختلفاً لعدد المخطوفين، وقال إن القتلى الثلاثة هم جنديان وشرطي.

وقال المتحدث: «ما حدث هو أن 5 أشخاص خطفوا، من بينهم القس». وأضاف أن الشرطة والجنود طاردوا المهاجمين، وطوّقوا المنطقة.

وتابع: «تبادل رجال الأمن إطلاق النار مع الخاطفين، وقتلوا بعضهم، ولسوء الحظ لقي جنديان وشرطي حتفهم في أثناء ذلك».


إثيوبيا تطالب إريتريا بـ«سحب قواتها فوراً» من أراضيها

نازحون داخل مخيّم خارج ميكيلي عاصمة تيغراي... 12 فبراير الماضي (أ.ب)
نازحون داخل مخيّم خارج ميكيلي عاصمة تيغراي... 12 فبراير الماضي (أ.ب)
TT

إثيوبيا تطالب إريتريا بـ«سحب قواتها فوراً» من أراضيها

نازحون داخل مخيّم خارج ميكيلي عاصمة تيغراي... 12 فبراير الماضي (أ.ب)
نازحون داخل مخيّم خارج ميكيلي عاصمة تيغراي... 12 فبراير الماضي (أ.ب)

حضت إثيوبيا جارتها إريتريا على «سحب قواتها فوراً» من أراضيها، منددة بـ«عمليات توغل» لقوات أسمرة وقيامها بـ«مناورات عسكرية مشتركة» مع متمردين يقاتلون الحكومة الفيدرالية، وسط مناخ يزداد توتراً بين البلدين الواقعين في القرن الأفريقي.

وقال وزير الخارجية الإثيوبي جدعون تيموثيوس في رسالة مؤرخة السبت إلى نظيره الإريتري إن «أحداث الأيام الأخيرة تعني أن حكومة إريتريا اختارت طريق التصعيد»، مطالباً «حكومة إريتريا بشكل رسمي بأن تسحب فوراً قواتها من الأراضي الإثيوبية، وتوقف كل أشكال التعاون مع المجموعات المتمردة». وأضاف أن هذه الأفعال ليست «مجرد استفزازات، بل بكل بساطة أعمال محض عدوانية». وتابع الوزير: «نعتقد أنه يمكن كسر هذه الحلقة من العنف وعدم الثقة عبر الحوار والالتزام الدبلوماسي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

والعلاقات بين إثيوبيا وإريتريا متوترة تاريخياً. وفي الأشهر الأخيرة اتهمت أديس أبابا جارتها بدعم متمردين على أراضيها، الأمر الذي نفته أسمرة. وإريتريا مستعمرة إيطالية سابقة ضمتها إثيوبيا في شكل تدريجي في خمسينات القرن الفائت قبل أن تنال استقلالها رسمياً عام 1993 بعد عقود من العمل المسلح ضد أديس أبابا.

واندلعت بعدها حرب بين البلدين المتجاورين بين 1998 و2000، وخصوصاً بسبب خلافات حدودية، مخلفة عشرات آلاف القتلى. وعلى الأثر، ساد فتور العلاقات الثنائية طوال 18 عاماً.

وطبّع البلدان علاقاتهما مع تولي أبيي احمد الحكم في إثيوبيا في 2018. وبفضل هذا التقارب، حاز الأخير جائزة نوبل للسلام في العام التالي. ومع بدء الحرب في إقليم تيغراي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، دعمت قوات إريتريا الجيش الفيدرالي الإثيوبي في مواجهة السلطات المتمردة في المنطقة. واتهم أبيي أحمد، الثلاثاء، إريتريا للمرة الأولى بارتكاب «مجازر» خلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022 عندما كان البلدان متحالفين.

وقدّر الاتحاد الأفريقي بنحو 600 ألف على الأقل عدد الذين لقوا حتفهم بين نوفمبر 2020 ونوفمبر 2022 خلال هذه الحرب بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية ومتمردي جبهة تحرير شعب تيغراي.


نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
TT

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

أعلن رئيس نيجيريا بولا أحمد تينيبو، مساء الخميس، أنه أمر بنشر كتيبة من الجيش في ولاية كوارا، غرب البلاد على الحدود مع دولة بنين، وذلك بعد هجوم إرهابي عنيف أودى بحياة أكثر من 75 شخصاً، حسب حصيلة رسمية، في حين تشير مصادر محلية إلى أن الحصيلة قد تتجاوز 170 قتيلاً.

وبحسب وسائل إعلام محلية، فإن مجموعة من مقاتلي «بوكو حرام»، بقيادة شخص يُدعى مالام صديقي، اجتاحوا قرية وورو في وقت متأخر من ليل الثلاثاء/ الأربعاء، وسيطروا عليها لعدة ساعات، وارتكبوا مجازر بحق السكان، قبل أن ينسحبوا نحو الغابات القريبة.

ويوصف الهجوم بأنه الأكثر دموية في نيجيريا منذ بداية العام (2026)، ويأتي في وقت تحاول نيجيريا رفع نسق الحرب على الإرهاب في شمال البلاد، وذلك بدعم وضغط داخلي وخارجي، وخاصة من طرف الولايات المتحدة.

قوات نيجيرية في ولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي على القرية المسلمة (أ.ف.ب)

تحرك الجيش

وقال الرئيس تينيبو في تغريدة على حسابه بمنصة «إكس»، مساء الخميس، إنه استقبل في القصر الرئاسي حاكم ولاية كوارا، عبد الرحمن عبد الرزاق، من أجل الاطلاع على تفاصيل الهجوم الإرهابي الأخير، مشيراً إلى أن سكان القرية «استُهدفوا بسبب رفضهم آيديولوجيا المتطرفين».

وقال تينيبو: «أدين بأشد العبارات هذا الهجوم الجبان والوحشي». وأضاف: «إن المسلحين بلا رحمة؛ لأنهم يختارون أهدافاً رخوة في حملتهم الإرهابية الفاشلة. أفعالهم تُهين إنسانيتنا وإيماننا وقيمنا المشتركة كأمة».

وقالت صحيفة «بريميوم تايمز» النيجيرية، إن الرئيس تينيبو أمر بنشر كتيبة من الجيش في الولاية التي وقع فيها الهجوم، وقال إن الكتيبة «ستقود عملية (درع السافانا) للقضاء على هؤلاء الإرهابيين المتوحشين وحماية السكان العزل».

نقل جثث ضحايا الهجوم الإرهابي (رويترز)

وأضاف الرئيس: «من الجدير الإشادة بأفراد المجتمع المسلمين؛ لأنهم رفضوا الانخراط قسراً في معتقد شاذ يروّج للعنف على حساب السلام والحوار». وأكد: «لن تسلّم نيجيريا شعبها أبداً للتطرف والإرهاب المتخفيين تحت ستار الدين». وخلص الرئيس إلى أنه أصدر تعليمات بتعزيز التنسيق بين الوكالات الاتحادية ووكالات الولاية لتقديم الدعم الفوري وإغاثة المتضررين من الهجوم الإرهابي، وأضاف أن الإرهابيين «سيطارَدون حتى آخر واحد منهم، ولن يفلتوا من العقاب».

غياب الأمن

بيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

ورغم تطمينات الرئيس فإن السكان المحليين يشتكون غياب الجيش عن المنطقة. وقال صالحُ عمر، وهو عمدة قرية وورو التي تعرضت للهجوم، إن الهجوم استمر لعدة ساعات من دون أي تدخل أمني، وأضاف العمدة في تصريحات صحافية أن اثنين من أبنائه قُتلا في الهجوم، في حين اختُطفت زوجته وبناته الثلاث.

وقال العمدة في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قتلوا اثنين من أبنائي أمام منزلي وخطفوا زوجتي الثانية وثلاثاً من بناتنا»، وأضاف الرجل البالغ من العمر 53 عاماً، وهو يمسك بسبحته: «في حدود الساعة الخامسة مساءً (الثلاثاء)، وصل المجرمون وبدأوا إطلاق النار. كانوا يبحثون عني، لكنهم لم يجدوني في المنزل؛ لأنني كنت خارجه. اختبأت في بيت آخر وسمعت صوت الرصاص».

وتابع عمدة وورو، وهي بلدة ريفية صغيرة ذات أغلبية مسلمة تقع على حدود ولاية النيجر قرب غابات يُعتقد أنها تؤوي إرهابيين وعصابات مسلحة: «أُحرِقَ أشخاص أحياء داخل منازلهم»، وخلص إلى القول: «مع بزوغ الفجر، كانت الجثث في كل مكان».

دفن جثث ضحايا الهجوم الإرهابي المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (رويترز)

أرض محروقة

لم تعد قرية وورو، التي كانت تضم بضعة آلاف من السكان، سوى ظلٍّ لما كانت عليه؛ فقد هجرها جميع سكانها، ولم يبقَ فيها سوى عدد قليل من الرجال الذين يواصلون البحث ودفن القتلى. وعلى جانبَي الشارع الرئيسي تنتشر دكاكين ومنازل مدمّرة ومحترقة.

ويقول محمد عبد الكريم، وهو متقاعد يبلغ 60 عاماً فقد 12 فرداً من عائلته في الهجوم الذي انتهى فجر الأربعاء: «كنت على جانب الطريق حين رأيت دراجة نارية عليها ثلاثة رجال يرتدون زياً عسكرياً ويحملون بنادق (كلاشنيكوف)... كانوا قطّاع طرق لا جنوداً، وبعد ثلاث ثوانٍ سمعت إطلاق النار».

أوبا ساني حاكم ولاية كادونا يصافح رعايا كنيسة اختُطفوا سابقاً من قِبل مجموعات مسلحة بعد عودتهم (أ.ب)

ويصف الرجل، الذي خُطف ابنه البالغ عامين ونصف العام على يد المهاجمين، ما جرى قائلاً: «كانوا يمسكون بالناس، يربطون أيديهم خلف ظهورهم، ثم يطلقون النار على رؤوسهم»، ويضيف: «بين أمس واليوم، دفنّا 178 جثة».

وبحسب أرقام نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» عن «الصليب الأحمر»، الأربعاء، فقد جرى إحصاء ما لا يقل عن 162 جثة، في حين أعلن حاكم ولاية كوارا حصيلة قدرها 75 قتيلاً، كما أفاد عبدول إبراهيم، وهو ممرض متقاعد من سكان وورو، بأن عدد القتلى «يزيد على 165». ووفقاً لسعيدو بابا أحمد، عضو الجمعية المحلية، فإن «38 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال، اختطفهم القتلة».

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

رفض التطرف

وفي تصريحات نقلتها صحف محلية، قال صالحُ عمر، عمدة القرية: «أرسلوا لنا رسالة يُبلّغوننا فيها بأنهم سيأتون لإلقاء موعظة» في القرية، لكن «المجتمع غير مستعد لقبول آيديولوجيتهم»، مشيراً إلى أنه كعمدة أبلغ أجهزة الأمن المحلية فور تلقي الرسالة. وأضاف العمدة: «أعتقد أن هذا ما أغضبهم ودفعهم للقدوم وقتل الناس».

ويزداد الوضع الأمني صعوبة في نيجيريا، خاصة في ظل وجود تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، وجماعة «بوكو حرام»، ودخول جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لتنظيم «القاعدة» على الخط؛ إذ شنت الجماعة هجوماً في نفس المنطقة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، إيذاناً ببداية نشاطها الإرهابي في نيجيريا.

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

ومع تصاعد العنف، أصبحت الجماعات الإرهابية في نيجيريا مصدر قلق للولايات المتحدة بعدما قال الرئيس دونالد ترمب إن مسيحيي نيجيريا «يتعرضون للاضطهاد»، وإنهم ضحايا «إبادة جماعية» ينفذها «إرهابيون». غير أن أبوجا ومعظم الخبراء نفوا هذه المزاعم بشدة، مؤكدين أن العنف يطال المسيحيين والمسلمين على حد سواء في البلاد.

وخلال الأسابيع الأخيرة، قرر البلدان تعزيز تعاونهما العسكري عقب ضغوط دبلوماسية مارستها واشنطن على أبوجا بشأن أعمال العنف التي ترتكبها جماعات إرهابية وغيرها من الجماعات المسلحة.