تحديات فرنسا لترميم نفوذها المتهالك في بلدان الساحل

الإخفاقات الفرنسية المتلاحقة في بلدان الساحل الأفريقي تفرض على باريس إعادة النظر بسياساتها

جنود فرنسيون يتأهبون لركوب طائرة عسكرية بعد انسحابهم من النيجر في 22 ديسمبر 2023 (رويترز)
جنود فرنسيون يتأهبون لركوب طائرة عسكرية بعد انسحابهم من النيجر في 22 ديسمبر 2023 (رويترز)
TT

تحديات فرنسا لترميم نفوذها المتهالك في بلدان الساحل

جنود فرنسيون يتأهبون لركوب طائرة عسكرية بعد انسحابهم من النيجر في 22 ديسمبر 2023 (رويترز)
جنود فرنسيون يتأهبون لركوب طائرة عسكرية بعد انسحابهم من النيجر في 22 ديسمبر 2023 (رويترز)

قبيل احتفالات عيد الميلاد، قرر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استبدال السفير برنار إيميه الذي كان يدير المديرية العامة للأمن الخارجي «المخابرات الفرنسية الخارجية» منذ عام 2017، وأتى بزميله نيكولا ليرنير الذي كان من جانبه يدير المخابرات الداخلية. وقيل الكثير في العمل المتميز الذي قام به إيميه على رأس المخابرات الخارجية، وآخرها جاء على لسان وزير الدفاع سيباستيان لوكورنو الذي نوّه بما قام به إيميه «من حماية الفرنسيين في الظل».

الرئيس الفرنسي يصافح رئيس الحكومة البرتغالية ورئيسة المفوضية الأوروبية في باريس الجمعة بمناسبة تكريم جاك تايلور الرئيس الأسبق للاتحاد الأوروبي في باحة قصر الأنفاليد (أ.ف.ب)

لكن ثمة من ربط بين إقصاء إيميه الذي يبلغ من العمر 65 عاماً والفشل الذي أصاب المخابرات الخارجية الفرنسية التي لم تنجح في اكتشاف واستباق وتدارك الانقلابات المتلاحقة التي شهدتها بلدان الساحل الثلاثة «مالي، بوركينا فاسو والنيجر» في الأعوام الأربعة المنصرمة والتي أفضت في نهاية المطاف إلى خروج فرنسا منها وإلى انحسار نفوذها في المنطقة. وستكون إحدى المهام المطلوبة من مدير المخابرات الخارجية الجديد أن يوفر للحكومة المعلومات والتحليلات التي تساعدها، بداية، على فهم ما حصل، والعمل بعد ذلك على استعادة بعض ما فقدته في منطقة بالغة الأهمية الاستراتيجية لباريس.

وزير الدفاع الفرنسي سيباستيان لوكورنو بصحبة قائد الجيش اللبناني في قاعدة القوة الفرنسية في «اليونيفيل» بجنوب لبنان في 1 يناير (أ.ف.ب)

وبالنظر إلى مجريات الأعوام الأخيرة، فإن أحد التحديات الرئيسية التي تواجه السياسة الفرنسية في 2024، في أفريقيا، تكمن في ترميم نفوذ باريس المفقود في منطقة كان معقوداً فيها اللواء لها رغم حصولها على الاستقلال في ستينات وسبعينات القرن الماضي. وما سيفاقم صعوباتها أنها ستجد بمواجهتها دولاً منافسة جديدة أخذت تثبت حضورها في بلدان الساحل وفي أفريقيا بشكل عام، ومنها على الأخص روسيا والصين وتركيا.

ولعل من أبرز علامات الإخفاق الفرنسي أن باريس التي نشرت، في أوج حضورها في منطقة الساحل، قوة «برخان» التي وصل عددها إلى 5500 رجل متمتعة بدعم لوجيستي وجوي ومخابراتي، ومنتشرة في الدول الثلاث المشار إليها، أرغمت تباعاً على الخروج من مالي ثم من بوركينا فاسو، وأخيراً من النيجر، حيث رحل آخر جندي فرنسي يوم 22 ديسمبر (كانون الأول) الماضي. كذلك، فإن باريس قررت إغلاق سفارتها في نيامي، وبررت الخارجية ذلك بالإشارة إلى «العقبات الخطيرة التي جعلت من المستحيل قيامها بمهامها مثل ضرب طوق حول مقر السفارة، وفرض قيود على تنقل الموظفين...».

متظاهرون في نيامي بالنيجر بمناسبة لقاء رؤساء حكومات النيجر وبوركينا فاسو ومالي في 29 ديسمبر الماضي (رويترز)

لم يتبق للقوة الفرنسية السابقة في الساحل من ملجأ سوى تشاد التي سحبت القيادة الفرنسية غالبية القوة التي كانت منتشرة في النيجر «1500 رجل مع أسلحتهم ومعداتهم» إلى قاعدتها الرئيسية في نجامينا القريبة من مطار العاصمة التشادية. والمشكلة الحقيقية لباريس التي غضت الطرف عن الشكل غير الدستوري لانتقال السلطة الذي جرى في نجامينا بعد مقتل الرئيس أدريس ديبي، وتسلم ابنه الكولونيل محمد الرئاسة، أنها تواجه هناك أيضاً معارضة شعبية، ومن الصعب استجلاء ما ستكون عليه هذه المعارضة في الأشهر المقبلة. وليس سراً أن سهام الانتقاد وجهت لفرنسا بقوة بسبب ما عدّ «ازدواجية المعايير» في التعاطي مع الحركات الانقلابية التي حدثت في بلدان الساحل، حيث رفضتها بقوة كما حدث في النيجر، بينما غضت الطرف عنها في مكان آخر كما في تشاد.

حقيقة الأمر، كما يقول دبلوماسي فرنسي سابق في أفريقيا، أن الخطاب الرسمي الفرنسي الذي يتحدث عن عهد جديد في العلاقة مع القارة السمراء بقي في الحيز الخطابي، ولم يُترجم إلى واقع ملموس؛ فالانقلابات التي جرت في البلدان الثلاثة ما كان لها أن تحدث لو لم تكن تعاني من مشكلات متداخلة وثلاثية الأبعاد: عسكرية وسياسية واقتصادية.

متظاهرون يرفعون علماً روسياً في نيامي 3 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

في السياق الأول، تجدر الإشارة إلى أن حصول الدول الأفريقية على استقلالها لم يترافق مع انعدام التدخل العسكري فيها؛ فالقوات الفرنسية تدخلت عسكرياً في كثير من البلدان الأفريقية ومنها موريتانيا وليبيا وتشاد وتوغو والكاميرون وجمهورية وسط أفريقيا وزائير ورواندا وجزر القمر... بالإضافة إلى البلدان الأربعة في منطقة الساحل المذكورة سابقاً.

وما يميز العمليات العسكرية التي جرت منذ 10 سنوات والتي انطلقت في مالي عام 2013، وامتدت في العام الذي تلاه إلى بوركينا فاسو والنيجر وتشاد، أنها كانت تركز على محاربة الإرهاب، بينما العمليات الأولى كان هدف غالبيتها مساعدة أنظمة صديقة لفرنسا والحيلولة دون سقوطها. والحال، أن عملية «سيرفال» في مالي عام 2013 «التي تحولت لاحقاً إلى (برخان)، وشملت دول الساحل الأربع» عُدت ناجحة؛ لأنها حمت العاصمة باماكو، وأجبرت المتمردين على الانكفاء إلى أقصى شمال البلاد. والدليل على ذلك أن الرئيس السابق فرنسوا هولند، الذي أمر بإرسال الجيش إلى مالي، استُقبل لاحقاً في العاصمة باماكو استقبال الأبطال المحررين.

جنود فرنسيون يغادرون نيامي في 22 ديسمبر (رويترز)

لكن بعد مرور 10 سنوات على إطلاق «سيرفال» ثم «برخان»، لا يبدو أن مهمة محاربة الإرهاب قد تُوجت بالنجاح، رغم أن القوة الفرنسية نجحت في القضاء على عدد من قادة التنظيمات الجهادية والإرهابية. فبعد شمال ووسط مالي، فإن هذه التنظيمات أخذت تهدد بوركينا فاسو والنيجر، بل إنها تمددت نحو بلدان خليج غينيا ومنها شاطئ كوت ديفوار وبنين وتوغو.

ويرى الباحث في العلاقات الدولية أيلي تينينبوم، في تفسير الفشل الفرنسي، أن «برخان» كان يُفترض بها «أن ترافق مساراً سياسياً، واجتماعياً واقتصادياً، وأن توفر المهلة الزمنية الكافية للسلطات المحلية حتى تسوي المشكلات التي تتغذى منها المنظمات الإرهابية والجهادية». والحال، أن هذا المسار إما لم ير النور مطلقاً، وإما أن مفاعيله كانت محدودة. وقد فتح ذلك الباب أمام الدعاية المعادية لفرنسا والتي ذهبت إلى حد اتهام باريس بـ«التواطؤ» مع هذه التنظيمات. أما السبب الآخر فهو عسكري محض أساسه أن عدد القوة الفرنسية الذي تأرجح ما بين 4 و5 آلاف عنصر لم يكن قط كافياً لتغطية 3 بلدان تبلغ مساحتها الإجمالية 2754 مليون كيلومتر مربع، لكن كثيراً من سكان الساحل كان يتساءل، وفق الباحث الأفريقي باب داكومو، كيف أن جيشاً مثل الجيش الفرنسي المجهز بأحدث الأسلحة، يعجز عن القضاء على مئات عدة من العناصر المتمردة.

بيد أن خروج القوة الفرنسية من البلدان الثلاثة المذكورة لم يعن أبداً تراجع الهجمات الإرهابية. ففي بوركينا فاسو، تتواصل الهجمات التي تقوم بها جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» ضد قواعد الجيش النيجري. وفي الأسبوع الماضي وحده، قُتل العشرات من أفراده في 4 هجمات متلاحقة قامت بها الجماعة المذكورة. ويتستر المجلس العسكري على الخسائر في صفوف قواته.

وما يحدث في واغادوغو يحدث مثله في النيجر. أما في مالي، فإن سلطاتها التي استدعت ميليشيا «فاغنر» لتحل محل القوة الفرنسية، فإنها تعاني بدورها من استمرار الهجمات الإرهابية. ويعبر الدبلوماسي المشار إليه سابقاً أن أنظمة الساحل «ليست قادرة بقدراتها الذاتية على وضع حد لتمدد الهجمات الإرهابية من غير مساعدة غربية متعددة الأشكال»، رغم أنها عمدت إلى «تشكيل تحالف» في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي بعنوان «تحالف بلدان الساحل» ذات الأنظمة العسكرية، وهدفه مكافحة الإرهاب والإيفاء بـ«واجب المساعدة والإغاثة» ضد أي اعتداء.

متظاهرون يرفعون علماً روسياً في نيامي 3 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

أما بالنسبة لـ مالي تحديداً، فإن انسحاب القوة الفرنسية «برخان» ترافق مع انسحاب قوة «الكوماندوز» الأوروبية المسماة «تاكوبا» وانسحاب جزء كبير من القوة الدولية التي كانت ترابط في مالي لتمكين الحكومة من بسط سلطاتها. ورغم أن خروج القوة الفرنسية من النيجر لم يستتبعه خروج قوة أكثر تواضعاً إيطالية ــ ألمانية، مع بقاء القوة الجوية الأميركية في قاعدتيها في النيجر، فإنه لا أحد يبدو في الأفق من الغربيين للحلول ميدانياً محل الفرنسيين في الساحل ما يترك الباب مفتوحاً لاستقواء نفوذ الدول المنافسة للغربيين. ومن الأدلة على ذلك أن موسكو سارعت إلى إعادة تنظيم صفوف «فاغنر» وإعطائها تسمية جديدة «أفريكا كوربس أو القوة الأفريقية»، ما يدل على رغبتها في الاستفادة من الفراغ الفرنسي في المنطقة وعزمها على تعزيز حضورها رغم غياب قائدها التاريخي يفغيني بريغوجين. ومنذ اليوم يبدو الحضور الروسي ظاهراً في مالي، وأيضاً في بوركينا فاسو.



«ميناء عصب» يؤجّج مخاوف الحرب بين إثيوبيا وإريتريا

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)
TT

«ميناء عصب» يؤجّج مخاوف الحرب بين إثيوبيا وإريتريا

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية بأديس أبابا في يوليو 2018 (رويترز)

تشهد العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا تدهوراً حادّاً على وقع تجدد المواجهات في إقليم تيغراي. وتتّهم أديس أبابا أسمرة بدعم المتمردين، في حين تنفي الأخيرة أي تورّط لها في التصعيد الأخير، وتعتبر الزج بها في الصراع «محاولة للغزو والاستيلاء على ميناء عصب» والنفاذ للبحر الأحمر.

واستطلعت «الشرق الأوسط» رأي خبيرَين إريتري وإثيوبي، نقلا وجهتَي نظر متناقضتين حول سبب تصاعد التوتر بين البلدين؛ إذ اتّهم الخبير الإريتري أديس أبابا بمحاولة إقحام أسمرة في معركتها الدائرة مع «جبهة تحرير تيغراي» منذ 23 سبتمبر (أيلول) الماضي؛ لأنها «تطمع في ميناء عصب». في المقابل، يرى خبير إثيوبي أن رواية أسمرة بشأن تحركات أديس أبابا نحو ميناء عصب غير صحيحة، «وخاصة أنها بلا دليل، وتتناقض مع مساعي إثيوبيا للوصول للبحر عبر الحوار بشكل سلمي وعدم خوض حرب جديدة».

ويقع ميناء عصب في جنوب شرق إريتريا عند مدخل خليج عصب، ويتمتع بموقع قريب جداً من خطوط التجارة العالمية ومضيق باب المندب. ومع وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا في أبريل (نيسان) 2018، طرح ما أسماه «دبلوماسية الموانئ» لاستعادة المنفذ البحري بالحوار مجدداً، بعدما فقدت بلاده ميناء عصب في عام 1993 إثر استقلال إريتريا آنذاك، واتجاه بلاده للاعتماد بشكل رئيسي على موانئ جيبوتي.

تدويل الخلاف

طالبت إريتريا في رسالة، السبت، مجلس الأمن الدولي بإدانة «إعلان الحرب» عليها من جانب إثيوبيا، محذرة من أن ذلك سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة، بحسب ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح إن هذه الاتهامات جزء من «خطة إثيوبية لتبرير حرب عدوانية»، وحثّ الأمم المتحدة على التدخل استناداً إلى «الفصل السابع» من ميثاق الأمم المتحدة الذي يتيح اتخاذ إجراءات تتنوع بين فرض العقوبات والقيام بعمل عسكري، بحسب ما نقلته «رويترز» السبت.

دبابة عسكرية إريترية متضررة بالقرب من بلدة ويكرو شمال إثيوبيا (رويترز)

كما نفى وزير الإعلام الإريتري يماني جبري مسكل في منشور، الجمعة، على منصة «إكس»، صحة اتهام وزارة الخارجية الإثيوبية بأعمال عدوان، مؤكداً أن أديس أبابا تعمل على استغلال الصراع الحالي للاستيلاء على ميناء عصب في إريتريا بهدف توفير منفذ إلى البحر الأحمر. وأشار إلى تصريح لنائب رئيس هيئة الأركان الإثيوبية أبيباو تاديسي، في 27 سبتمبر الماضي، قال فيه إن «الهجوم الذي أُطلق في تيغراي لن يتوقف عند هذا الحد»، وإن «ميكيلي (عاصمة الإقليم) مجرد محطة عبور، ووجهتنا النهائية هي عصب، وهدفنا الرئيسي هو رفع علمنا على البحر الأحمر».

من جانبه، قال وزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس، الجمعة، إن القوات الإريترية توغّلت لمسافة تصل إلى 60 كيلومتراً داخل البلاد، بحسب «رويترز».

وذكرت وزارة الخارجية الإثيوبية، في رسالة إلى مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، الجمعة، أنها «لا تملك خياراً سوى الدفاع عن نفسها» ضد ما وصفته بأنه «غزو شامل» تشنه إريتريا.

وفي هذا الصدد، يرى عبد القادر محمد علي، الخبير الإريتري في الشؤون الأفريقية، أن «ميناء عصب بات في السنوات الأخيرة مطمعاً لإثيوبيا»، مشيراً إلى أنها «تحاول مع التصريحات المتكررة الأخيرة التمهيد للتدخل في أسمرة والاستيلاء على الميناء». ويلفت إلى أن «وسط هذا الضجيج الإثيوبي لم تقدم أديس أبابا وأي جهة دولية أدلة أو حججاً قانونية تثبت ادعاءات الوجود الإريتري في أراضيها، مما يجعلها مجرد مزاعم لا أساس قانونياً لها، ويؤكد أنها تسعى لتوتير الأجواء متعمدة لهدف لديها».

في المقابل، يعتقد الخبير الإثيوبي في الشؤون الأفريقية موسى شيخو أن «الاتهام الإريتري بأن إثيوبيا تختلق التوتر تمهيداً لغزو عصب يبقى في إطار رواية سياسية لا دليل قاطعاً عليها»، مؤكداً أن «سعي إثيوبيا لمنفذ بحري مستدام ليس إعلان حرب، بل قضية اقتصادية وأمنية مشروعة». ويقر شيخو أن «ميناء عصب صار رمزاً للخلاف والتوتر بين البلدين».

ويأتي هذا التوتر في حين تواصل قوات الحكومة الإثيوبية تحقيق مكاسب ميدانية في إقليم تيغراي خلال الأيام القليلة الماضية، بحسب «رويترز». وأعلنت الخطوط الجوية الإثيوبية استئناف رحلاتها إلى ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي في 11 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

فرص الحل الدبلوماسي

ووسط الاتهامات المتبادلة، يعتقد عبد القادر محمد أن «فرص منع الانزلاق نحو مواجهة عسكرية تظل قائمة بشرط وجود وساطة فاعلة لتهدئة الخطاب والحدود، وصولاً لمعالجة المشكلات الجوهرية العميقة بين البلدين، وإلا فستصل الأمور إلى صدام، وستكون إريتريا وقتها تدافع عن نفسها أمام مطامع إثيوبيا».

دورية للشرطة الإثيوبية الفيدرالية بعد تراجع متمرّدي «جبهة تحرير تيغراي» من ميكيلي يوم 9 أكتوبر (رويترز)

بدوره، يعتقد شيخو أن التصعيد العسكري يُهدّد استقرار وأمن البحر الأحمر والتجارة الإقليمية بأكملها، داعياً إلى ضرورة اعتماد مسار التفاوض المباشر بضمانات إقليمية، واحترام متبادل للسيادة، لتجنب الدخول في حلقة مفرغة من النزاعات. ويخلص إلى أن «إثيوبيا تحتاج إلى منفذ آمن ومستدام لا إلى حرب جديدة، وإريتريا بحاجة إلى ضمانات سيادية لا إلى مواجهة مفتوحة، وإلا فنذر الحرب ستتواصل».

ونالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية دامية بين عامَي 1998 و2000. وتحسّنت العلاقات مع وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، وقاتلت إريتريا إلى جانب إثيوبيا خلال الحرب الأهلية التي خاضتها بين عامَي 2020 و2022 ضد «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي». لكن العلاقات تدهورت بعد الحرب، وشهدت تصعيداً في سبتمبر الماضي بعد اتّهامات إثيوبية لإريتريا بدعم متمردي تيغراي، والتوغل عشرات الكيلومترات داخل الحدود.


إثيوبيا تستعيد السيطرة على مدينة حدودية بعد أنباء عن توغل إريتري

عناصر من الشرطة الفيدرالية في ميكيلي بعد انسحاب «جبهة تحرير شعب تيغراي» منها (رويترز)
عناصر من الشرطة الفيدرالية في ميكيلي بعد انسحاب «جبهة تحرير شعب تيغراي» منها (رويترز)
TT

إثيوبيا تستعيد السيطرة على مدينة حدودية بعد أنباء عن توغل إريتري

عناصر من الشرطة الفيدرالية في ميكيلي بعد انسحاب «جبهة تحرير شعب تيغراي» منها (رويترز)
عناصر من الشرطة الفيدرالية في ميكيلي بعد انسحاب «جبهة تحرير شعب تيغراي» منها (رويترز)

قال ثلاثة من سكان مدينة أديغرات القريبة من الحدود مع إريتريا، جارة إثيوبيا في منطقة القرن الأفريقي، إن قوات الحكومة الإثيوبية وميليشيات متحالفة معها دخلت المدينة، اليوم السبت، بعد أيام من دفع القوات الإريترية إلى التقهقر عن المدينة الاستراتيجية، وفق ما ذكرته «رويترز».

وتبادل البلدان الاتهامات بعدما أثارت تقارير عن توغل قوات إريترية - نفتها إريتريا ولم يتسن لـ«رويترز» التحقق منها بشكل مستقل - مخاوف من اندلاع حرب شاملة في المنطقة التي شهدت صراعات سابقة بين الدولتين. وتزايدت المخاطر هذه المرة بسبب الصراعات الدائرة في منطقة القرن الأفريقي والتوتر في البحر الأحمر.

وطالبت إريتريا، السبت، مجلس الأمن الدولي بإدانة «إعلان الحرب» عليها من جانب إثيوبيا، محذرةً من أن ذلك سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة.

وكانت إثيوبيا اتهمت، الجمعة، إريتريا بارتكاب «عدوان صارخ»، وقالت إنها مضطرة لـ«الدفاع المشروع عن النفس»، وفق رسالة وجّهتها السلطات إلى مجلس الأمن، وفق رسالة اطلعت عليها «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحثّت أسمرة في رسالتها إلى مجلس الأمن، على «اتخاذ الإجراءات الردعية المناسبة» بحق أديس أبابا.

عناصر من الشرطة الفيدرالية بعد استئنافها العمليات في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي (أ.ف.ب)

ونقلت «رويترز» عن ثلاثة من سكان أديغرات قولهم إنهم شاهدوا الجيش الإثيوبي وميليشيا متحالفة معه في المدينة صباح اليوم.

وقال أحدهم إنه رأى جنوداً في دوريات إلى جانب مركبات عسكرية.

ولم تتمكن «رويترز» من تأكيد ما إذا كان الجيش يسيطر على أديغرات، التي تقع على بعد 30 كيلومتراً من الحدود مع إريتريا. ولم يرد الجيش الإثيوبي على طلب للتعليق، ولم يتسن الاتصال بمسؤولي المدينة اليوم.

وقالت إثيوبيا في رسالة إلى أعضاء مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، هذا الأسبوع، إن القوات الإريترية توغلت لمسافة تصل إلى 60 كيلومتراً داخل تيغراي في الأيام القليلة الماضية، محذرة من أن وجود قوات أجنبية لا يترك لها خياراً سوى الدفاع عن نفسها.

وقالت إريتريا إن التقارير عن توغل إريتري غير صحيحة وتندرج في إطار خطة إثيوبية لتبرير شن حرب عليها.

ووردت تقارير عن انفجارات بالقرب من أديغرات يومي الأربعاء والخميس، في حين ذكرت منظمة مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (إيه سي إل إي دي)، ومقرها الولايات المتحدة، أن إثيوبيا استخدمت طائرات مسيرة في غارات على قوات إريترية انسحبت بعد ذلك من مواقع قرب المدينة.

عناصر من الحرس الجمهوري الإثيوبي خارج مطار ميكيلي بإقليم تيغراي (رويترز)

وقال أحد سكان أديغرات لـ«رويترز» إنه سمع دوي انفجارات متكررة خلال ليل الجمعة وحتى الصباح، قادمة من منطقة تبعد بضعة كيلومترات خارج البلدة.

ولم يرد متحدث باسم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، ولا وزير الإعلام الإريتري يماني جبري مسكل على طلب للتعليق.

وكان وزير الإعلام الإريتري قد قال، الجمعة، إن أسمرة تبدي ضبطاً للنفس منذ إعلان إثيوبيا في عام 2023 أنها ستسعى للحصول على منفذ سيادي إلى على البحر، ما يعد إعلاناً للحرب.

وصارت إثيوبيا دولة حبيسة عندما نالت إريتريا استقلالها عام 1993. وتعتبر أديس أبابا أن حصولها على منفذ بحري مسألة وجودية، لكنها أكدت أن ذلك سيتم عبر السلام والحوار.

وتتهم إثيوبيا إريتريا بدعم تحالف متمرد يقاتل قوات الحكومة منذ 23 سبتمبر (أيلول) في مناطق تيغراي وأمهرة وعفار الشمالية. وتنفي إريتريا ذلك.

وبعد حرب امتدت لسنوات، أبرمت إريتريا وإثيوبيا اتفاق سلام في 2018 منح آبي أحمد جائزة نوبل للسلام. وقاتلت إريتريا دعماً للحكومة الاتحادية الإثيوبية خلال الحرب الأهلية في تيغراي بين 2020 و2022، لكن العلاقات توترت مجدداً قرب نهاية ذلك الصراع.

ويمثل القتال الذي اندلع الشهر الماضي أكبر تصعيد للعنف منذ حرب تيغراي التي قتل فيها مئات الآلاف.


إريتريا وإثيوبيا تتبادلان اتهامات بـ «حرب عدوانية»


أفراد من الشرطة الإثيوبية يقومون بدورية في ميكيلي بعد تراجع متمرّدي «جبهة تحرير تيغراي» أمس (أ.ف.ب)
أفراد من الشرطة الإثيوبية يقومون بدورية في ميكيلي بعد تراجع متمرّدي «جبهة تحرير تيغراي» أمس (أ.ف.ب)
TT

إريتريا وإثيوبيا تتبادلان اتهامات بـ «حرب عدوانية»


أفراد من الشرطة الإثيوبية يقومون بدورية في ميكيلي بعد تراجع متمرّدي «جبهة تحرير تيغراي» أمس (أ.ف.ب)
أفراد من الشرطة الإثيوبية يقومون بدورية في ميكيلي بعد تراجع متمرّدي «جبهة تحرير تيغراي» أمس (أ.ف.ب)

تبادلت إثيوبيا وإريتريا، أمس، الاتهامات بشنّ «حرب عدوانية»، في وقت يهدّد النزاع المتصاعد بين الجيش الإثيوبي ومتمرّدي تيغراي بالتحوّل إلى حرب إقليمية.

وقالت إثيوبيا، في رسالة لأعضاء مجلس الأمن الدولي، إن إريتريا ترتكب «عدواناً صارخاً»، وإنها مضطرة إلى «الدفاع المشروع عن النفس»، وفق ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية». وندّد وزير الخارجية الإثيوبي غيديون تيموثيوس، في الرسالة إلى البعثة الفرنسية لدى الأمم المتحدة، بوجود قوات إريترية على عمق يتراوح بين 30 و60 كيلومتراً داخل تيغراي، معتبراً ذلك «عملاً عدوانياً صارخاً يبرّر ممارسة إثيوبيا حقها الأصيل في الدفاع المشروع عن النفس».

ولم يتأخّر وزير الإعلام الإريتري يماني جبري مسقل في الرد، فقال عبر منصة «إكس» إن بلاده تواجه «حرباً عدوانية غير مبرّرة» تشنّها إثيوبيا. وتنفي أسمرة جلّ الاتهامات الإثيوبية.