الجيش السوداني يقصف نيالا بالبراميل المتفجرة ويقتل العشرات

والي ولاية نهر النيل يمهل المعارضة المدنية 72 للمغادرة

مخزن طبي مدمَّر في نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور بسبب القتال (أ.ف.ب)
مخزن طبي مدمَّر في نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور بسبب القتال (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني يقصف نيالا بالبراميل المتفجرة ويقتل العشرات

مخزن طبي مدمَّر في نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور بسبب القتال (أ.ف.ب)
مخزن طبي مدمَّر في نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور بسبب القتال (أ.ف.ب)

أوقع الطيران الحربي السوداني أكثر من 100 من المدنيين بين قتيل وجريح في مدينة نيالا، حاضرة ولاية جنوب دارفور، التي تسيطر عليها قوات «الدعم السريع». وفي سابقة تعد الأولى في الممارسة السياسية في السودان، أمهل والي ولاية نهر النيل، المعارضة السياسية المتمثلة في «قوى الحرية والتغيير»، ومن سماهم «الخونة والطابور الخامس»، 72 ساعة لمغادرة ولايته.

وقال شهود عيان إن الطيران الحربي التابع للجيش السوداني قصف الجمعة أحياء الرياض، المصانع، المستقبل، السلام، خرطوم بالليل، الدروة، ووسط المدينة، ومقر الفرقة 16 في مدينة نيالا، وألحق بها خسائر فادحة في الأرواح. ولم تصدر إحصائيات بأعداد القتلى والجرحى، بيد أن قوات «الدعم السريع» ذكرت أن العدد تجاوز 118 بين قتيل وجريح. وأحكمت قوات «الدعم السريع» سيطرتها على مدينة نيالا في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعد سقوط «الفرقة 16» التابعة للجيش السوداني في ولاية جنوب دارفور، ثم سيطرت على ولايات غرب ووسط وشرق دارفور، لتتحكم في الإقليم الشاسع، ما عدا ولاية شمال دارفور وحاضرتها الفاشر.

جنود من الجيش السوداني خلال دورية في ولاية القضارف بشرق البلاد (أ.ف.ب)

وتداول ناشطون في وسائط التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو وصوراً لأشلاء نساء وأطفال ورجال، قالوا إنهم قتلوا ضمن الغارات الجوية المكثفة التي شنها طيران الجيش على المدينة، إلى جانب دمار كبير للمنازل التي استهدفها القصف. ووصف شهود القصف الذي استهدف مدينة نيالا بأنه كان مكثفاً وعنيفاً، استخدمت فيه طائرات «أنتونوف» ألقت عشرات البراميل المتفجرة على أحياء المدينة، في واحدة من أكبر عمليات القصف الجوي التي نفذها الجيش السوداني منذ سقوط المدينة في يد «الدعم السريع» في 26 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

تحشيد قبلي ودعوة المعارضة للمغادرة

من جهة أخرى، تزايدت حدة التحشيد القبلي والجهوي الذي تقوم به جماعات «الإخوان المسلمين» في الولايات الشمالية من البلاد على وجه الخصوص. ونقلت وسائط التواصل الاجتماعي فيديوهات لمئات الرجال المدنيين وهم يرفعون الأسلحة استعداداً لمساندة الجيش في إطار ما أطلقوا عليه اسم «الهيئة الشعبية لدعم وإسناد القوات المسلحة» السودانية.

وفي خطاب حماسي أمام حشد شعبي مسلح، اليوم الجمعة، في مقر «الفرقة الثالثة مشاة» بمدينة شندي (شمال)، أمهل والي ولاية نهر النيل (شمال) المكلف، محمد البدوي، المعارضة، مدة 72 ساعة، لمغادرة الولاية، بقوله: «أرسل رسالة لأي خائن، أي عميل، أي طابور خامس، أو متعاون مع المتمرد، أو مجرم، أو (قحاتي)، أحسن (له أن) يغادر قبل نهاية الثلاثة أيام. أي (قحاتي) مندس في هذه البلد ويسمع كلامي هذا، عليه تجهيز شنطته والخروج من الولاية فوراً».

الاشتباكات في ولاية الجزيرة أجبرت آلاف السودانيين على الفرار من ود مدني (أ.ف.ب)

و«قحاتي» مصطلح يستخدمه أنصار نظام البشير للإشارة إلى «قوى الحرية والتغيير»، وهو ستكون من الأحرف الأولى لهذا التجمع، وهو التحالف الذي قاد الثورة الشعبية التي أطاحت حكم الإسلاميين في السودان بقيادة الرئيس السابق عمر البشير، بثورة شعبية في ديسمبر (كانون الأول) 2018، ويمثل المعارضة السياسية والمدنية للحرب ويدعو لإيقافها. وقال البدوي في كلمته إن أهل ولاية نهر النيل «جاهزون لتحرير البلاد من دنس العدو» (يقصد الدعم السريع)، وأضاف: «ولاية نهر النيل خط أحمر وعصية على المتمردين»، ودعا لرفع ما سماه «الحس الأمني» بمواجهة ما سماه «الاستهداف الكبير للوطن».

حملات اعتقال للناشطين المدنيين

في هذا الوقت، شنت الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش السوداني حملات دهم واعتقال، ألقت خلالها القبض على عدد من نشطاء المجتمع المدني، والعاملين في المجال الإنساني، وكوادر الأحزاب السياسية، وغرف الطوارئ والصحافيين الفاعلين والرافضين لاستمرار الحرب، في عدد من مدن البلاد، وعلى وجه الخصوص في ولايات النيل الأزرق وسنار ونهر النيل وكسلا والشمالية.

ودرج أنصار نظام البشير على ترويج أن تحالف «قوى الحرية والتغيير» (قحت) يساند قوات «الدعم السريع»، وإنه يمثل «المرجعية السياسية» لها، في الوقت الذي كان التحالف قد وقع اتفاقية إطارية مع كل من قائد الجيش وقائد قوات «الدعم السريع»، نصت على عودة الحكم المدني، ودمج «الدعم السريع» في الجيش، وهو الاتفاق الذي عارضه بشدة الإسلاميون، وهددوا بإسقاطه بأي ثمن.

قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان توعد بمواصلة القتال (أ.ف.ب)

ومنذ استيلاء قوات «الدعم السريع» على مدينة ود مدني وولاية الجزيرة، وانسحاب الفرقة التابعة للجيش منها، حاول أنصار نظام البشير تحشيد المجتمعات الأهلية والقبلية لمواجهة قوات «الدعم السريع»، وحملت الحملة صبغة «جهوية وقبائلية» أثارت مخاوف المواطنين من تحول الحرب من حرب بين الجيش و«الدعم السريع» إلى حرب أهلية تضع البلاد على حافة التشظي.

ويقول معارضون للحرب إن ما أعلنه والي نهر النيل اليوم «تأكيد للمؤكد»، وإن الحرب التي أشعل فتيلها الإسلاميون، لا تستهدف قوات «الدعم السريع»، بل تستهدف القضاء على «ثورة ديسمبر المجيدة» و«قوى الثورة»، وإن إمهال والي نهر النيل لقوى الثورة و«الحرية والتغيير» ثلاثة أيام لمغادرة البلاد ما هو إلاّ كشف للمخطط الأصلي.


مقالات ذات صلة

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

شمال افريقيا طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات تحييد الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم وسط تحديات التمويل، وتكثيف التوعية لحماية المدنيين.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الدمار الذي أصاب العاصمة السودانية الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

ردود فعل متباينة على دعوة رئيس الوزراء السوداني لحوار شامل

أطلق رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، دعوة لحوار وطني شامل بحلول نهاية مايو (أيار) المقبل، دون «أجندة محددة» وآليات مشتركة للحوار والتشاور

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز) p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقباله في القاهرة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية والوفد المرافق له (الخارجية المصرية - فيسبوك)

مصر: نرفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع في السودان

أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، رفض أي تدخلات خارجية من شأنها تأجيج الصراع أو تقويض فرص التسوية السياسية في السودان


وفاة محتجز بشرق ليبيا تعيد أزمة توقيف صوفيين إلى الواجهة

صوفيون في «زاوية إبراهيم المحجوب» بمصراتة الليبية (الصفحة الرسمية للزاوية)
صوفيون في «زاوية إبراهيم المحجوب» بمصراتة الليبية (الصفحة الرسمية للزاوية)
TT

وفاة محتجز بشرق ليبيا تعيد أزمة توقيف صوفيين إلى الواجهة

صوفيون في «زاوية إبراهيم المحجوب» بمصراتة الليبية (الصفحة الرسمية للزاوية)
صوفيون في «زاوية إبراهيم المحجوب» بمصراتة الليبية (الصفحة الرسمية للزاوية)

عادت أزمة توقيف أتباع الطرق الصوفية إلى الواجهة في ليبيا، السبت، عقب وفاة محتجز من عناصرها داخل أحد السجون في شرق البلاد، في واقعة أثارت انتقادات حقوقية.

ولم تُصدر السلطات في شرق ليبيا تعليقاً رسمياً حول الحادثة، إلا أن عضوة اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجناء والسجون، الدكتورة جازية شعيتير، أوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن مهام اللجنة «تقتصر على المتابعة الإدارية ولا تشمل التحقيق في الوقائع الجنائية»، مؤكدةً أن «الاختصاص في مثل هذه الملفات يعود إلى النيابة العامة، بوصفها الجهة القضائية المختصة».

سجناء بشرق ليبيا لحظة الإفراج عنهم في مارس الماضي (المنظمة الليبية لحقوق الإنسان)

وحسب بلاغات حقوقية، توفي جمعة محمد الشريف (65 عاماً) داخل سجن الكويفية في مدينة بنغازي، بعد تدهور حالته الصحية نتيجة ما وُصف بـ«الإهمال الطبي»، و«حرمانه من العلاج اللازم»، إضافةً إلى اتهامات بـ«تعرضه للتعذيب خلال فترة احتجازه، التي بدأت في سبتمبر (أيلول) 2024»، ضمن حملة أوسع طالت عشرات من أتباع الطرق الصوفية.

وتحدثت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا» عن تلقيها بلاغاً يفيد بأن الشريف كان محتجزاً دون محاكمة، وأن «حالته الصحية تدهورت بشكل خطير، وصولاً إلى إصابته بشلل نصفي قبل وفاته». ورأت المؤسسة أن ما حدث يمثل «انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان».

يشار إلى أن الوفاة الأخيرة تُعد الحالة الثامنة المسجلة ضمن وفيات لمحتجزين تابعين للطرق الصوفية، يُشتبه بـ«تعرضهم للتعذيب، أو الإهمال الطبي داخل أماكن احتجاز مختلفة»، وفق المنظمة الحقوقية.

وسبق أن طالب حقوقيون في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، النائب العام الصديق الصور، بفتح تحقيق عاجل في احتجاز عشرات الأشخاص، يُقدَّر عددهم بنحو 70 شخصاً من الصوفيين، دون عرضهم على القضاء أو النيابة العامة.

وقفة احتجاجية إثر تفجير «زاوية المدني» في مصراتة مارس الماضي (متداولة)

كما سبق أن وثَّق التقرير السنوي لمنظمة «رصد الجرائم في ليبيا»، المعنية بحقوق الإنسان، استمرار استهداف أتباع الطرق الصوفية، ضمن سياق أوسع من التضييق على حرية الدين والمعتقد خلال العام الماضي، في ظل ما وصفه بـ«تصاعد الاعتقالات والانتهاكات داخل مراكز احتجاز رسمية وغير رسمية».

وجدد مصدر في المجلس الأعلى للتصوف الإسلامي في ليبيا، تحفظ على ذكر اسمه، الدعوة إلى وقف ما وصفها بأنها «انتهاكات خطيرة ومتكررة» بحق أتباع الطرق الصوفية، مطالباً بالإفراج الفوري عن المحتجزين، وإحالتهم إلى القضاء.

كانت المبعوثة الأممية في ليبيا، هانا تيتيه، قد حذرت في إحاطتها أمام مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، من استمرار الاعتداءات على أتباع الطرق الصوفية وأضرحتهم، معتبرةً أن ذلك يشكل «مؤشراً على مخاطر تهدد حرية الدين والمعتقد والتماسك الاجتماعي».

وتعود جذور التوترات التي تطول الطرق الصوفية في ليبيا إلى ما بعد عام 2011، فإلى جانب الاعتقالات والملاحقات، وثَّقت تقارير حقوقية «تعرُّض أضرحة وزوايا صوفية لاعتداءات في مدن عدة، بينها طرابلس ومصراتة وزليتن ودرنة وبنغازي، في ظل انقسام سياسي وأمني مستمر».


أزمة الجزائر مع مثقفيها الفرنكفونيين تعود إلى الواجهة

صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)
صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)
TT

أزمة الجزائر مع مثقفيها الفرنكفونيين تعود إلى الواجهة

صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)
صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)

يجد الكاتب الفرنسي - الجزائري، بوعلام صنصال، نفسه وسط عاصفة جديدة من الجدل، بعد أن هدَّد بـ«قطع روابطه كافة مع فرنسا» في تصريح لافت، أطلقه اليوم (السبت)، عشية انضمامه إلى «الأكاديمية الملكية للغة الفرنسية وآدابها في بلجيكا»، علماً بأنَّ الكاتب أعلن في وقت سابق متابعة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي حمَّله مسؤولية سجنه بين 2024 و2025.

تصريح الكاتب صنصال الذي أعلن فيه مغادرة فرنسا (لوفيغارو)

وقال بوعلام صنصال إن فرنسا «انتهت بالنسبة له»، مبرزاً أنَّه «أنهى كل صلة تربطه بها»، ومؤكداً في حديثه لـ«وكالة الأنباء الفرنسية» أنه «لا يريد أن تربطه أي علاقة مستقبلاً ببلد» يرى أنه «تعرَّض للخيانة من قبله»، وبرَّر هذا الموقف الحاد بشعوره بـ«الخذلان» من قبل السلطات الفرنسية، التي رفضت دعم مساعيه لمقاضاة المسؤولين الجزائريين عقب فترة سجنه لمدة عام.

وفي تصريحات أخرى نقلتها وسائل إعلام فرنسية، قال صنصال: «لماذا أبقى في فرنسا مع كل هذه الهجمات التي أتعرَّض لها صباحاً ومساءً؟ أنا معتاد على النقد، لكننا هنا تجاوزنا مرحلة الإهانة. يتم تصويري مجرماً، يجب أن أهرب. هذا أسوأ من الديكتاتورية في الجزائر».

«ضيق أفق» فرنسا

عدَّ الروائي الثمانيني أنَّ باريس فضَّلت الحسابات السياسية والدبلوماسية مع الجزائر على قضيته الشخصية، كما هاجم بشدة ما وصفها بـ«المحاكمة الأخلاقية»، التي تعرَّض لها من قبل بعض المثقفين والسياسيين الفرنسيين إثر انتقاله إلى دار نشر تابعة إلى مجموعة بولوريه، وهو رجل أعمال مقرب من اليمين الفرنسي المتطرف، واصفاً فرنسا في الوقت الحالي بأنها «أصبحت بلداً ضيق الأفق، ومنشغلاً بإعطاء الدروس»، بينما يفتقر لحرية التعبير التي وجدها في بلجيكا.

فنسنت بولوريه رجل الأعمال الفرنسي مالك دار النشر «غراسيه» (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

ومن المقرَّر أن يصدر كتاب صنصال الجديد بعنوان «الأسطورة» في الثاني من يونيو (حزيران) المقبل، والذي يتناول فيه فترة سجنه.

ويأتي هذا الموقف التصعيدي انعكاساً لحالة من الاستياء العميق، التي يبديها صنصال تجاه عدد كبير من السياسيين والمثقفين، الذين هاجموه بشدة إثر مغادرته دار النشر العريقة «غاليمار»، التي ساندته بقوة وشنَّت حملةً عالميةً لإطلاق سراحه، إثر اعتقاله في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بمطار الجزائر العاصمة، عندما كان عائداً من باريس. كما حشدت لصالحه عدداً كبيراً من الروائيين والمثقفين ووسائل الإعلام في العالم الغربي، إلى أن تم الإفراج عنه في 12 نوفمبر 2025، بموجب عفو أصدره الرئيس الجزائري، وبناء على طلب رسمي من الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، الذي اتصل بتبون، ملتمساً «شفاعة إنسانية» للروائي بحجة أنه «رجل مسن ومريض».

الكاتب بوعلام صنصال في أول ظهور له بعد إطلاق سراحه نهاية 2025 (ناشطون جزائريون)

وحوكم صنصال وتمَّت إدانته بالسجن 5 سنوات مع التنفيذ، بناءً على تهمة «المس بالوحدة الوطنية».، وجاء ذلك بسبب تصريحاته لمنصة «فرونتيير» القريبة من اليمين المتشدد في فرنسا، زعم فيها أنَّ ولايات من الغرب الجزائري «تابعة تاريخياً للمغرب»، وأنَّ فرنسا «اجتزأتها من المغرب خلال فترة احتلالها للبلدين».

وحدثت هذه التطورات المتسارعة في وقت تزداد فيه تعقيدات «حالة» صنصال، بعد قرار السلطات الجزائرية تعطيل جواز سفره، تزامناً مع تصريحاته الأخيرة التي أثارت استنكاراً واسعاً، حين أعلن دعم والده الرافض لاستقلال الجزائر عن فرنسا، وهو موقف تبناه صراحة لدى استضافته في قناة تلفزيونية فرنسية.

مواجهة مزدوجة مع القانون والسياسة

تفاعل الروائي الفرنسي - الجزائري كمال داود، المرفوض هو أيضاً من طرف الأوساط الحاكمة في الجزائر، مع الأزمة التي يواجهها مواطنه وصديقه صنصال، مؤكداً في حوار لـ«راديو فرانس»، أمس (الجمعة)، أنَّه دعمه عندما كان في السجن، «وهذا مبدأ بالنسبة لي؛ وإذا عاد إلى السجن فسأفعل ذلك مجدداً، فليس مكان الكاتب السجن. أما الآن، فأنا لست متفقاً مع الطريقة التي تمَّ بها الانفصال عن (غاليمار)؛ فهي دار نشر عريقة جداً وأنا فخور بالانتماء إليها، وقد ساعدت بوعلام صنصال كثيراً، وكنت أتمنى لو تمَّ الأمر في هدوء وصمت. ومن جهة أخرى، وانطلاقاً من حبي لفرنسا، أقول: احذروا من محاكمة الكُتاب بسبب أفكارهم، لأننا سنصل يوماً ما إلى مرحلة حرق الكتب؛ وما أود قوله هو أنَّ بوعلام صنصال إذا لم يكن محبوباً فلا يُقرأ له، لكنه في فرنسا، وبإمكانه قول ما يشاء».

الروائي الفرنسي - الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

ومع ذلك، يرى كمال داود أن «التقاربات السياسية والآيديولوجية مع مهنتَي الكتابة والنشر أمر خطير». ويضيف: «أتفهم وجود وسائل إعلام تنتمي لتيارات سياسية معينة، وأعتقد أن هذا أمر طبيعي، لكنني أجد أنَّ الروابط المشبوهة بين دور النشر والقناعات السياسية الخاصة هي أمر كارثي بالنسبة للكُتاب، ولمهنة الناشر على حد سواء؛ فعلى الناشر أن يتجاوز ذلك ويسمو عليه ليؤدي مهنته. نحن لسنا هنا، وأكرِّرها مرة أخرى، لممارسة السياسة».

ويواجه داود مشكلات كبيرة من السلطات الجزائرية، حيث صدر ضده، الأربعاء الماضي، حكم غيابي بالسجن 3 سنوات نافذة، من طرف محكمة بوهران غرب الجزائر، وذلك على خلفية نشره في فرنسا رواية «حوريات» (2024)، التي تتناول صدمات «العشرية السوداء» في الجزائر (1992 – 2002)، وهو ما أوقعه تحت طائلة «قانون المصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرِّم الكتابة عن «المأساة الوطنية».

ويصف كمال داود في حواره مع «راديو فرانس»، فرنسا والجزائر بأنهما «بلدان غارقان في التاريخ إلى حد الإشباع، حيث تُتَّهم الرواية دوماً بأنَّها خطاب سياسي غير مباشر». ومن الصعب في نظره أن «يؤكد المرء فيهما هويته بوصفه كاتباً، وليس ممثلاً سياسياً، أو مؤرخاً أو مانحاً لشهادات التقدير، أو مجرد صوت عربي في خدمة آيديولوجية معينة. كما يصعب فيهما تجسيد الحق في الاختلاف والنزوع نحو العالمية، والقدرة على تبني لغة التعدد والتركيب».

ويرى داود أنَّ السياسيين «يدعون امتلاك الإجابات، بينما يتمثل دور الأدب في ابتكار الأسئلة، وتعميق الحيرة والكتابة عن الهشاشة الإنسانية، ورصد ثنائية الخير والشر، فنحن نقرأ لنستعيد الغموض الذي يسكننا. فلسنا أبطالاً في رواية نهائية، ولا ينقسم العالم ببساطة إلى أخيار وأشرار».


هيئة بحرية: اختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل الصومال

قراصنة يبحرون في خليج عدن قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
قراصنة يبحرون في خليج عدن قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
TT

هيئة بحرية: اختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل الصومال

قراصنة يبحرون في خليج عدن قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)
قراصنة يبحرون في خليج عدن قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو)، السبت، أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء، قبالة سواحل الصومال.

ويُعرف الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي بتاريخ طويل من القرصنة.

وبعدما بلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، انخفضت بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية، وهو إقليم متمرد يحظى بحكم شبه ذاتي في الصومال، وتعيين حراس مسلحين على متن السفن التجارية.

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وذكرت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أنه جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال.

وقالت: «أفادت السلطات العسكرية بأن أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

ولم تُعلق السلطات الصومالية بعد على الحادثة.

والخميس، أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أيضاً باختطاف «11 مسلحاً» سفينة صيد ترفع العلم الصومالي.

ولفتت إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تمكّن مهاجمون من الصعود على متن ناقلة نفط كانت على بُعد نحو ألف كيلومتر قبالة السواحل الصومالية.

وأُبلغ عن حادثتين مماثلتين في الأشهر السابقة.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، تعد دولة الصومال غير مستقرة، إذ تواجه تمرداً تقوده حركة «الشباب» المتشددة منذ أكثر من 15 عاماً.

وتقع البلاد عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.