موسكو تطوي نهاية العام بأكبر هجوم جوي ضد أوكرانيا منذ بداية الحرب

تنديد دولي بضربات غير مسبوقة ضحيتها 16 قتيلاً و100 جريح... وكييف ترد برشقة صواريخ على بيغورود

عامل إنقاذ يقف في موقع مستودع تضرر بشدة خلال ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على كييف  (رويترز)
عامل إنقاذ يقف في موقع مستودع تضرر بشدة خلال ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز)
TT

موسكو تطوي نهاية العام بأكبر هجوم جوي ضد أوكرانيا منذ بداية الحرب

عامل إنقاذ يقف في موقع مستودع تضرر بشدة خلال ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على كييف  (رويترز)
عامل إنقاذ يقف في موقع مستودع تضرر بشدة خلال ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز)

تحاول موسكو طي صفحة عام 2023 بأكبر هجوم جوي ضد أوكرانيا منذ بداية الحرب ببوابل من 158 طائرة مسيّرة وصاروخاً خلال الليل، مستهدفة البنية التحتية الحيوية والمنشآت الصناعية والعسكرية، لكن مناطقها الحدودية تعرضت هي الأخرى لرشقة صاروخية، قالت إنها دمرت 3 «من طراز هارم الأميركية فوق أراضي منطقة بيلغورود».

رجال إطفاء يعملون في موقع مستودع تعرض لأضرار بالغة خلال ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز)

وأعلن الجيش الروسي، الجمعة، أنه أصاب جميع أهدافه في عشرات الهجمات التي شنها على أوكرانيا في الفترة من 23 إلى 29 ديسمبر (كانون الأول). وجاءت الضربات الليلة بعد أيام على استهداف أوكرانيا سفينة حربية روسية في مرفأ فيودوسيا بشبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا.

صواريخ لحظة إطلاقها من منصة في منطقة بيلغورود الروسية (أ.ف.ب)

وقال القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية فاليري زالوجني إن القوات الروسية نفذت «أكبر هجوم جوي» ضد أوكرانيا بعد منتصف ليل الخميس/الجمعة منذ بداية الحرب قبل نحو عامين. وقال زالوجني إن الدفاعات الجوية الأوكرانية اعترضت 70 في المائة من الهجمات.

وأصدرت السلطات الأوكرانية صافرات الإنذار من وقوع غارات جوية في أنحاء البلاد، إذ تعرضت خاركيف (شمال شرق) ولفيف (غرب) للضربات، حسبما أعلن رؤساء بلديات المدينتين والعاصمة كييف.

وسجلت وقوع أضرار في خاركيف ولفيف ودنيبرو. وفي خاركيف أبلغ رئيس بلدية المدينة إيغور تيريخوف عن وقوع «هجوم ضخم» مع «سماع 6 انفجارات على الأقل»، بينما في لفيف تحدث نظيره أندريه سادوفيي عن وقوع «ضربتين». وأفادت وسائل الإعلام بوقوع انفجارات في أوديسا وخملنيتسكي وزابوريجيا.

قال رئيس بلدية كييف إن سلسلة انفجارات ترددت في وقت مبكر في العاصمة الأوكرانية. وقال فيتالي كليتشكو عبر تطبيق «تلغرام»: «المزيد من الانفجارات في العاصمة. الدفاع الجوي يعمل بشكل مكثف»، بحسب رئيس البلدية فيتالي كليتشكو.

صورة من موقع مستودع تضرر بشدة خلال ضربة صاروخية روسية وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف (رويترز)

وقالت الإدارة العسكرية للعاصمة كييف إن 10 محاصرين تحت أنقاض مستودع تضرر من حطام متساقط. وقال حاكم محلي إن تلفيات لحقت بمستشفى للولادة في مدينة دنيبرو دون ورود تقارير عن إصابات هناك.

وأفاد مراسلو وكالة الصحافة الفرنسية بسماع دوي انفجارات قوية في ساعات مبكرة من الجمعة. واندلعت في منطقة بوديل الواقعة شمال العاصمة النيران في مستودع مساحته نحو 3000 متر مربع بينما انهمك رجال الإطفاء في إخماد النيران. ويُعتقد أن عشرات الأشخاص عالقون في الداخل، وفق رئيس الإدارة العسكرية للعاصمة سيرغي بوبكو. ولحقت أضرار بمحطة مترو تُستخدم ملجأ من الغارات الجوية.

وصف المتحدث باسم سلاح الجو في أوكرانيا يوري إيهانت للتلفزيون الأوكراني، الجمعة: «بشكل عملي، سقط كل شيء، باستثناء صواريخ كاليبر كروز».

واستخدمت روسيا أسلحة من بينها صواريخ «كينجال» التي تفوق سرعة الصوت، وصواريخ باليستية «إس – 300» وصواريخ «كروز» مختلفة ومسيرات إيرانية الصنع طويلة المدى. وأضاف إيهانت أنه جرى إرسال نحو 18 قاذفة استراتيجية، وقال: «لم يظهر على شاشات المراقبة لدينا هذا العدد الكبير من النقاط الحمراء الخاصة بالعدو منذ فترة طويلة».

عسكريون أوكرانيون يبكون زميلاً لهم خلال تشييعه في كييف منتصف ديسمبر (أ.ب)

وقال دميترو كوليبا، وزير الخارجية الأوكراني: «اليوم استيقظ ملايين الأوكرانيين على صوت الانفجارات المدوية. أتمنى لو أن العالم يمكنه سماع أصوات الانفجارات في أوكرانيا»، ودعا حلفاء بلاده لتكثيف جهود دعمها. وقالت وزارة الخارجية الأوكرانية إن الهجوم الصاروخي الروسي وهو أحد أكبر الهجمات منذ بداية الغزو الشامل، يثبت أنه لا مجال للحديث عن هدنة مع موسكو. وقالت الوزارة في بيان: «روسيا لا تدرس أي سيناريوهات أخرى سوى تدمير أوكرانيا بالكامل».

نددت موفدة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية إلى أوكرانيا دينيس براون بالهجمات الأخيرة وقالت: «بالنسبة للشعب الأوكراني فإن هذا مثال آخر غير مقبول على الواقع المروع الذي يواجهه الذي جعل 2023 عاماً آخر من المعاناة الهائلة». كما أدانت فرنسا بـ«أشد درجات الحزم استراتيجية الرعب»، بينما رأى رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك أن هذه الضربات تثبت أن الرئيس فلاديمير بوتين «لن يتراجع أمام شيء». وندّد وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل بالضربات الروسية «الجبانة».

قوات العمليات الخاصة الأوكرانية في مهمة ليلية بمنطقة خيرسون (أ.ب)

وقعت الهجمات على موجات عدة ومن اتجاهات مختلفة، بينما نشرت روسيا قاذفات استراتيجية لإطلاق الصواريخ، مستهدفة عدداً من المدن الأوكرانية من بينها العاصمة كييف، مستخدمة «عدداً غير مسبوق من الصواريخ»، ما أدى إلى مقتل 16 شخصاً على الأقل وجرح 97 آخرين، بحسب السلطات الأوكرانية.

وأعلنت بولندا، العضو في حلف شمال الأطلسي، الجمعة، أن جسماً غير محدّد دخل مجالها الجوي من أوكرانيا، بينما أشار سلاح الجو البولندي إلى أن الحادث قد يكون مرتبطاً بالهجوم الجوي الروسي الضخم على أوكرانيا.

جنود أوكرانيون يسيرون على شاطئ نهر دنيبرو بعد خروجهم من قارب على خط المواجهة بالقرب من خيرسون - أوكرانيا الأحد 15 أكتوبر 2023 (أ.ب)

وقال الناطق باسم قيادة العمليات للقوات المسلحة الكولونيل ياتسيك غوريسيفسكي لمحطة «تي في إن 24» الإخبارية، إن «الجسم وصل من الحدود الأوكرانية». وأضاف: «كان هناك قصف مكثف على الأراضي الأوكرانية ليلاً، لذلك قد يكون الحادث مرتبطاً بذلك». وأشار إلى أن الحادث وقع قرب مدينة زاموسك الحدودية. وقالت قيادة العمليات إنه تم تعقب «الجسم غير المحدد» برادار «من لحظة عبوره الحدود إلى النقطة التي اختفت فيها الإشارة».

وذكر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن روسيا أطلقت نحو 110 صواريخ، على أوكرانيا، الليلة الماضية. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي: «اليوم، استخدمت روسيا كل أنواع الأسلحة تقريباً في ترسانتها. تم إطلاق نحو 110 صواريخ ضد أوكرانيا، وتم إسقاط معظمها». وأضاف أن عدداً من الأشخاص سقطوا ما بين قتيل وجريح في الهجمات، التي ضربت مدناً بمختلف أنحاء أوكرانيا، لكن لم يقدم تفاصيل محددة. وقال زيلينسكي إن جناح الولادة والمرافق التعليمية ومركز تسوق وعدداً من المباني السكنية متعددة الطوابق، كانت من بين المواقع، التي تم قصفها.

جنود أوكرانيون مع مدفع «هاوتزر» من طراز «إم 777» الأميركي الصنع في شرق أوكرانيا (أ.ب)

وقال المتحدث باسم سلاح الجو يوري إيهانت لوكالة الصحافة الفرنسية إن «هذا أكبر هجوم صاروخي بصورة عامة»، مضيفاً أن التعداد يستثني الأيام الأولى من الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) العام الماضي، وشهدت ضربات «مستمرة وبلا انقطاع».

يأتي الهجوم الجوي الضخم في نهاية العام في ظل غموض يكتنف نطاق وقوة الدعم المالي والعسكري الغربي لأوكرانيا في المستقبل مع استمرار الحرب مع روسيا منذ ما يقرب من عامين.

وأعلن مساعد الرئيس الأوكراني أندريه يرماك على «تلغرام»: «نبذل كل ما بوسعنا لتعزيز درعنا الجوي. لكن على العالم أن يرى أننا بحاجة إلى المزيد من الدعم والقوة لوقف هذا الإرهاب». والأربعاء، أفرجت واشنطن عن الحزمة الأخيرة من المساعدات العسكرية التي أقرها الكونغرس لكييف.

وعقب الضربات، كتبت السفيرة الأميركية لدى كييف بريدجيت برينك على موقع «إكس»: «تحتاج أوكرانيا إلى التمويل الآن لمواصلة النضال للتحرر من هذا الرعب في 2024».

وأكد مسؤول كبير في الجيش الألماني، في مقابلة نُشرت الجمعة، أنّ روسيا تكبّدت خسائر «فادحة» في الرجال والعتاد في حربها في أوكرانيا، مضيفاً أنّ جيشها سيخرج «أضعف» من الصراع. وقال الجنرال كريستيان فرودينغ، الذي يشرف على دعم كييف داخل الجيش الألماني، لصحيفة «سودويتشه تسايتونغ» الألمانية: «أنتم تعلمون، وفقاً لأرقام أجهزة الاستخبارات الغربية، أنّ 300 ألف جندي روسي قتلوا أو أصيبوا بجروح خطيرة، لدرجة أنّه لم يعد بإمكانهم المشاركة في الحرب».

وأكد الجنرال، الذي يعدّ أيضاً أحد المستشارين الرئيسيين لوزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريس، تقييماً لأجهزة الاستخبارات الأميركية سُرّب في 12 ديسمبر، يفيد بأنّ 315 ألف جندي روسي أصيبوا أو قُتلوا منذ بداية غزو أوكرانيا في فبراير 2022. ورأى في الوقت نفسه أن روسيا أظهرت «قدرة على المقاومة» أكبر مما قدّرت الدول الغربية في بداية الحرب. وقال: «ربما لم نرَ، أو لم نرغب في أن نرى أنّهم قادرون على الاستمرار في الحصول على الإمدادات من حلفاء».


مقالات ذات صلة

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

أوروبا بعض من السفراء الأجانب الجدد (أ.ف.ب)

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

عرض الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، رؤية بلاده للوضع السياسي العالمي؛ خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب) play-circle

الكرملين منفتح على حوار مع واشنطن حول التسوية ويتهم زيلينسكي بعرقلتها

أكد الكرملين انفتاح موسكو على مواصلة النقاشات مع الإدارة الأميركية لدفع عملية السلام في أوكرانيا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)

بوتين: يجب التوصل إلى تسوية سلمية بأوكرانيا في أقرب وقت

دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، للتوصُّل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا «بأسرع وقت ممكن»، لكنه شدَّد على أن روسيا ستواصل السعي لتحقيق أهدافها.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا سيارات تسير في ساحة الاستقلال خلال انقطاع التيار الكهربائي في كييف في 14 يناير 2026 وسط الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

زيلينسكي لإعلان حالة الطوارئ بقطاع الطاقة جراء الضربات الروسية

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء، إنه سيتم إعلان «حالة الطوارئ» في قطاع الطاقة، بعد الهجمات الروسية المتواصلة على إمدادات التدفئة والكهرباء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيسان ترمب وبوتين خلال «قمة ألاسكا» في 15 أغسطس (أ.ف.ب) play-circle

ويتكوف وكوشنر للقاء بوتين قريباً... وكييف ترغب بحسم ملف الضمانات الأمنية

ويتكوف وكوشنر للقاء بوتين قريباً، وكييف ترغب في حسم ملف الضمانات الأمنية، وزيلينسكي يرى «الوضع صعباً في كل مكان»، وخطة أوروبية لدعم أوكرانيا بـ90 مليار يورو.

رائد جبر (موسكو)

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)
بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)
TT

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)
بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)

عرض الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، رؤية بلاده للوضع السياسي العالمي، وقال خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب، الخميس، إن العالم ينزلق نحو مزيد من التصعيد. وأوضح أنه إلى جانب الأزمات القديمة المستفحلة، تظهر بؤر توتر جديدة؛ بسبب ميل أطراف، وصفها بأنها «الأقوى»، إلى التصرفات الأحادية وسياسات الإملاء والهيمنة.

وأكد الرئيس الروسي انفتاح بلاده على الحوار مع البلدان الغربية، التي قال إن العلاقات بها وصلت إلى أدنى مستوياتها، واقترح إحياء الحوار مع البلدان الأوروبية بشأن مبادئ الأمن المشترك التي اقترحتها روسيا في وقت سابق، عادّاً أن هذا المدخل يشكل عنصراً مهماً لدفع التسوية في أوكرانيا.

وتسلم بوتين خلال المراسم أوراق اعتماد 32 سفيراً جديداً؛ بينهم ممثلون لـ11 دولة مصنفة لدى روسيا ضمن الدول «غير الصديقة»، منها فرنسا وإيطاليا والنرويج والسويد، بالإضافة إلى سفراء بلدان قال بوتين إنها «حليفة وشريكة لروسيا منذ سنوات طويلة»، مثل أفغانستان وكوبا وسريلانكا وبيرو. ومن المنطقة العربية تسلم بوتين أوراق اعتماد سفراء المملكة العربية السعودية ومصر ولبنان والجزائر.

بوتين يخاطب السفراء الأجانب الجدد (رويترز)

واستهل بوتين المراسم بخطاب سياسي تضمن قراءة لعلاقات بلاده مع البلدان التي حضر ممثلوها، بالإضافة إلى رؤيتها مسار العلاقات الدولية بشكل عام. وقال الرئيس الروسي إن الأزمة الأوكرانية خلقت تهديداً مباشراً لبلاده، مؤكداً انفتاح موسكو على التوصل إلى تسوية في أسرع وقت ممكن. وقال إن موسكو تدعو إلى سلام طويل الأمد، لكنه أعرب عن أسفه؛ لأنه «ليس الجميع يرغب في إحلال السلام، بما في ذلك كييف والعواصم الداعمة لها... لا تبدو مستعدة لذلك، لكننا نأمل أن يأتي الاعتراف بهذه الحاجة عاجلاً أم آجلاً. وحتى ذلك الحين، فستواصل روسيا السعي بثبات لتحقيق أهدافها».

وتحدث عن العلاقة بالبلدان الغربية، وقال إنها «تمر بأسوأ مراحلها، رغم أن الأطراف كانت بَنَت في أوقات سابقة علاقات تعاون مثمرة». وأعرب عن أمله في أن «تعود العلاقات بالبلدان الأوروبية إلى مسارها الصحيح»، واقترح العودة لمناقشة مقترحات بلاده التي قُدمت نهاية عام 2021 لبناء هيكل أمني عادل وشامل في أوروبا، ورأى أن هذا من شأنه أن يساعد بحل النزاع في أوكرانيا.

وقال بوتين: «ليس من قبيل الصدفة أن يُقال: السلام لا يأتي من تلقاء نفسه، بل يُبنى، ويستمر كل يوم. السلام يتطلب جهداً ومسؤولية واختياراً واعياً.» وزاد أنه «لا يمكن ضمان أمن الدول على حساب دول أخرى؛ فالأزمة الأوكرانية ناجمة عن تجاهل المصالح المشروعة لروسيا». ورأى بوتين أن العلاقات الدولية تنزلق نحو الأسوأ... و«يتدهور الوضع على الساحة الدولية بشكل متصاعد. تعاني عشرات الدول من الفوضى وانعدام القانون، وتفتقر إلى الموارد اللازمة للدفاع عن نفسها». ومن دون أن يشير إلى الولايات المتحدة مباشرة، زاد: «تتضاءل الدبلوماسية والسعي إلى التوافق والحلول التوافقية، لمصلحة أعمال أحادية الجانب وخطيرة. وبدلاً من الحوار بين الدول، نسمع مونولوغ (حوار ذاتي) أولئك الذين، بحكم قوتهم، يرون أنه من حقهم فرض إرادتهم، وتلقين الآخرين أساليب العيش، وإصدار الأوامر». وقال إن موسكو ملتزمة «الحفاظ على علاقاتها بالراغبين في التعاون، وتدعو إلى تعزيز دور الأمم المتحدة في الشؤون العالمية». وأكد: «ستواصل روسيا اتباع نهج سياسي متوازن والدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب».

عدد من السفراء الأجانب خلال تقديمهم أوراق اعتمادهم لموسكو (رويترز)

وفي سياق متصل، أمرت السلطات الروسية، الخميس، دبلوماسياً بريطانياً بمغادرة البلاد بناء على مزاعم بالتجسس، وهي الاتهامات التي وصفتها المملكة المتحدة بأنها «دون أساس». وقال «جهاز الأمن الاتحادي (إف إس بي)» الروسي إن عضو طاقم السفارة عمل لمصلحة الاستخبارات البريطانية. وأعلنت وزارة الخارجية الروسية أن اعتماد الدبلوماسي قد أُلغي، وأنه يجب الآن أن يغادر البلاد خلال أسبوعين. واستُدعيت القائمة بالأعمال في السفارة البريطانية لدى روسيا، داناي دولاكيا، إلى مقر الوزارة بموسكو لتسلم الإخطار.

من جهتها، قالت وزارة الخارجية البريطانية إنها «تدرس بعناية» الرد على طرد روسيا دبلوماسياً بريطانياً، مضيفة أن هذه ليست أول مرة يوجه فيها الكرملين اتهامات «كيدية ودون أساس» ضد الموظفين.


الكرملين منفتح على حوار مع واشنطن حول التسوية ويتهم زيلينسكي بعرقلتها

شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب)
شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب)
TT

الكرملين منفتح على حوار مع واشنطن حول التسوية ويتهم زيلينسكي بعرقلتها

شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب)
شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب)

أكد الكرملين انفتاح موسكو على مواصلة النقاشات مع الإدارة الأميركية لدفع عملية السلام في أوكرانيا. وتمسك الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف بمواقف بلاده تجاه أسس التسوية السياسية، لكنه شدد على حرص موسكو على إبلاغ واشنطن بوجهات نظرها تجاه المحادثات الجارية حول أوكرانيا، محذراً أوكرانيا الخميس من أن نافذة التفاوض مع روسيا بشأن إنهاء الحرب المتواصلة منذ نحو أربعة أعوام تضيق، داعياً الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى حسم موقفه بشأن الجهود التي تقودها الولايات المتحدة.

وقال الناطق، الخميس، في أول إفادة صحافية شاملة حول ملف المفاوضات في العام الجديد، إن بلاده منفتحة على حوار مع واشنطن، وتترقب وصول المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر إلى العاصمة الروسية قريباً. ولم يحدد بيسكوف موعد الزيارة المرتقبة، لكنه لمّح إلى ترتيبات جارية لإنجاحها، وقال إن الكرملين سوف يعلن عن تفاصيلها لاحقاً.

الفريق الأميركي الذي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مبعوثي الرئيس دونالد ترمب (أ.ب)

وقال بيسكوف: «أجرى الأميركيون كثيراً من المحادثات مع الأوكرانيين والأوروبيين على حد سواء. ومن المهم أن يُبلغ الجانب الروسي أيضاً بوجهة نظره بشأن المحادثات الجارية». في إشارة مباشرة إلى أن بوتين يستعد لإبلاغ الجانب الأميركي بمواقفه تجاه التعديلات التي طرأت على خطة السلام الأميركية والأفكار التي نوقشت في اجتماعات باريس أخيراً، بما في ذلك الأفكار المتعلقة بإحلال قوات أجنبية تابعة لبلدان أوروبية في أوكرانيا في مرحلة ما بعد إبرام اتفاق سلام.

في الوقت ذاته، جدد بيسكوف موقف بلاده تجاه الرئيس زيلينسكي الذي تتهمه موسكو بعرقلة جهود السلام. وأعلن الناطق أن الكرملين يتفق في هذا الشأن مع تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي كان قد قال، الخميس، إن موسكو ترغب في إبرام اتفاق سلام، بينما يواصل زيلينسكي عرقلة التقدم في المفاوضات. وقال بيسكوف للصحافيين، رداً على تصريح ترمب: «يمكننا الاتفاق على هذا. هذا هو الواقع».

وقال الناطق باسم الرئاسة الروسية إنّ «الوضع يتدهور يوماً بعد يوم بالنسبة إلى نظام كييف، والنافذة المتاحة لاتخاذ قراراته تضيق»، مضيفاً: «حان الوقت لأن يتحمل زيلينسكي مسؤولياته، ويتخذ القرار المناسب». وأوضح: «يتدهور الوضع يوماً بعد يوم بالنسبة لنظام كييف. لقد تحدثنا عن هذا الأمر. ونطاق صنع القرار في نظام كييف يضيق. وقد قلنا العام الماضي إنه قد حان الوقت لكي يتحمل زيلينسكي المسؤولية ويتخذ القرار المناسب. وحتى الآن لم تفعل كييف ذلك».

الرئيسان ترمب وبوتين خلال «قمة ألاسكا» في 15 أغسطس (أ.ف.ب)

ولم يؤكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية، صحة تقارير أفادت بأن روسيا قد توافق على نشر قوات أجنبية في أوكرانيا، شريطة مشاركة الصين ودول الجنوب العالمي.

وعندما سئل عما إذا كان بوتين مستعداً فعلاً لإبلاغ الجانب الأميركي بموافقته على نشر قوات أجنبية يتم الاتفاق على هويتها بين الطرفين، قال بيسكوف: «لا أستطيع تأكيد ذلك».

وكان بيسكوف قد صرح سابقاً بأن موقف روسيا من وجود وحدات عسكرية أجنبية في أوكرانيا معروف جيداً، ومتسق تماماً، وواضح. وشدّدت وزارة الخارجية الروسية على أن أي سيناريو يتضمن نشر قوات تابعة لحلف «الناتو» في أوكرانيا غير مقبول بتاتاً بالنسبة لروسيا، وينطوي على خطر تصعيد حاد. ووصفت الوزارة سابقاً التصريحات الصادرة في المملكة المتحدة ودول أوروبية أخرى بشأن إمكانية نشر قوات من دول «الناتو» في أوكرانيا بأنها تحرّض على استمرار الأعمال العدائية. لكن رغم ذلك كله، برزت تقارير تشير إلى أن الكرملين قد يوافق في النهاية على نشر قوات من بلدان لم تشارك في العمليات العسكرية ودعم أوكرانيا، مثل الصين وبيلاروسيا وبعض البلدان الأخرى.

ويقول خبراء مقربون من الكرملين إن هذا قد يشكل استجابة مشروطة من جانب موسكو لمتطلبات الضمانات الأمنية التي تطالب بها كييف وعواصم أوروبية.

رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية فاليري غيراسيموف (ا.ب)

وفي وقت سابق، ذكرت وكالة «بلومبرغ» نقلاً عن مصادر، أن ويتكوف وكوشنر يرغبان في مناقشة الضمانات الأمنية لأوكرانيا، وعرض مسودات خطط التسوية في اجتماع محتمل قبل نهاية الشهر الحالي مع بوتين. ووفقاً لمعطيات، فإن أجندة الوفد الأميركي تشتمل إلى جانب ملف الضمانات الأمنية التي ستقدمها الولايات المتحدة وأوروبا لأوكرانيا لضمان التزامها بأي اتفاق سلام، مسائل إعادة إعمار البلاد بعد الحرب.

انقطاع التيار الكهربائي عن مبانٍ سكنية في كييف بعد الهجمات الروسية (رويترز)

​وميدانياً قال رئيس هيئة أركان الجيش الروسي فاليري غيراسيموف، ‌الخميس، ⁠إن ​القوات ‌الروسية سيطرت على أكثر من 300 كيلومتر مربع ⁠من الأراضي ‌الأوكرانية خلال ‍النصف الأول من يناير (كانون الثاني). وقالت روسيا إنها ​سيطرت على 6640 كيلومتراً ⁠مربعاً من الأراضي في أوكرانيا العام الماضي.

بدوره، أعلن سلاح الجو الأوكراني، في بيان عبر تطبيق «تلغرام»، الخميس، أن قوات الدفاع الجوي الأوكراني أسقطت 61 من أصل 82 طائرة مسيّرة، أطلقتها روسيا خلال هجوم جوي على أوكرانيا خلال الليل.

وأقر زيلينسكي بأن الوضع في أوكرانيا يزداد تفاقماً بعد ما يقرب من أربع سنوات من الحرب، سواء على الجبهات أو بالنسبة للمدنيين في أنحاء البلاد، مع استمرار موجة البرد الشديد.

على صعيد آخر، أعلن بيسكوف أن بلاده ما زالت تنتظر رداً من الولايات المتحدة على مبادرة تمديد معاهدة «ستارت الجديدة» التي اقترحها الرئيس الروسي قبل أشهر. وزاد أن هذا الموضوع بات حيوياً للغاية، علماً بأن المعاهدة ينتهي العمل بها بعد نحو أسبوعين.

وكان بوتين اقترح في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي تمديداً مؤقتاً لمدة عام للاتفاقية، على أن يعمل الطرفان الروسي والأميركي على إطلاق مفاوضات لإبرام اتفاقية جديدة أكثر شمولية.

سيارات بساحة الاستقلال خلال انقطاع التيار الكهربائي في كييف 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وأكد بوتين أن بلاده سوف تلتزم بشكل أحادي ببنود الاتفاقية لمدة عام، وتتطلع لأن يقوم الجانب الأميركي بالتزام مماثل، لكن موسكو لم تتلق منذ ذلك الحين رداً على اقتراحها، رغم أن الرئيس الأميركي وصف مبادرة بوتين بأنها «جيدة».

وقال بيسكوف الخميس: «نحن بانتظار ردٍّ على مبادرة بوتين. نعد هذا الموضوع بالغ الأهمية. ونعتقد، بالطبع، أن وثيقةً ومعاهدةً أكثر ملاءمةً ستكون ضروريةً للجميع. لكن التوصل إلى مثل هذه المعاهدة عمليةٌ معقدةٌ للغاية، وتستغرق وقتاً طويلاً».

وتضع «ستارت 2» قيوداً متبادلة على نشر الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، وتحدد سقفاً لإنتاج الرؤوس النووية ووسائل حملها، لكنّ الجانبين الروسي والأميركي تحدثا عن ضرورة تحديث تلك المعاهدة. وتشترط واشنطن ضم الصين إلى أي معاهدة جديدة، بينما ترفض بكين ذلك، بينما تشترط موسكو توسيع المعاهدة الجديدة لتشمل الرقابة على ترسانتي فرنسا وبريطانيا النوويتين. وقال بيسكوف، رداً على سؤال في هذا الشأن: «موقف الصين من معاهدة ستارت الجديدة معروف جيداً، وروسيا تحترمه».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال خطابه السنوي مع نهاية العام في موسكو (أ.ف.ب)

مضيفاً في المقابل أن «الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صرّح في وقت سابق بأنه من المستحيل مناقشة قضايا الاستقرار الاستراتيجي دون الأخذ في الاعتبار قدرات فرنسا وبريطانيا»، مؤكداً أن العمل على إبرام معاهدة جديدة أكثر اتساعاً وملاءمةً للواقع الجديد سوف يمر بتعقيدات كبيرة، ويحتاج إلى فترة طويلة، ما يعزز التوجه الروسي لإعلان تمديد مؤقت للمعاهدة الحالية بالتوافق بين موسكو وواشنطن.


بوتين: يجب التوصل إلى تسوية سلمية بأوكرانيا في أقرب وقت

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

بوتين: يجب التوصل إلى تسوية سلمية بأوكرانيا في أقرب وقت

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)

دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، للتوصُّل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا «بأسرع وقت ممكن»، لكنه شدَّد على أن روسيا ستواصل السعي لتحقيق أهدافها حتى تبدي كييف استعدادها للتوصُّل إلى تسوية.

ونقلت وكالة «سبوتنيك» الروسية للأنباء عن بوتين قوله، في أثناء لقائه السفراء المعتمدين لدى بلاده في بداية العام الجديد، إن تقدّم حلف شمال الأطلسي (ناتو) نحو حدود روسيا يخالف الوعود التي قطعها الحلف.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وأكد بوتين أن تجاهل المصالح «المشروعة» لروسيا هو ما أدى إلى نشوب الأزمة الأوكرانية، لافتاً إلى أن الأجيال القديمة التي تلت الحرب العالمية الثانية كانت قادرةً على الاتفاق على مبادئ التواصل الدولي.

كان تلفزيون «آر تي» الروسي قد نقل عن المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف قوله، في وقت سابق من يوم الخميس، إن بوتين لا يزال منفتحاً بشأن التسوية مع أوكرانيا.

وقال بيسكوف إن موسكو توافق على ما ذكره الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تصريحه بأن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي «يبطئ» عملية التسوية مع روسيا.

في الوقت نفسه، نقلت وكالة «سبوتنيك» عن الكرملين، قوله، إن روسيا تعدّ استمرار الحوار مع الولايات المتحدة أمراً ضرورياً ومهماً.

وقال المتحدث باسم الكرملين، إن الوضع في كييف «يتدهور يوماً بعد يوم، وقد حان الوقت لكي يتخذ زيلينسكي قراراً»، دون أن يفصح عمّا يعنيه بهذا القرار.