أزمة التعليم في المغرب... حلول غير نهائية وإضرابات الأساتذة متواصلة

عدُّوا أن الاتفاق مع الحكومة «لا يحل المشكلة... بل يؤجلها فقط»

جانب من الإضراب الذي نظمه الأساتذة أمام مقر البرلمان للمطالبة بحقوقهم (الشرق الأوسط)
جانب من الإضراب الذي نظمه الأساتذة أمام مقر البرلمان للمطالبة بحقوقهم (الشرق الأوسط)
TT

أزمة التعليم في المغرب... حلول غير نهائية وإضرابات الأساتذة متواصلة

جانب من الإضراب الذي نظمه الأساتذة أمام مقر البرلمان للمطالبة بحقوقهم (الشرق الأوسط)
جانب من الإضراب الذي نظمه الأساتذة أمام مقر البرلمان للمطالبة بحقوقهم (الشرق الأوسط)

رغم توقيع اتفاق بين الحكومة المغربية والنقابات التعليمية هذا الأسبوع من أجل إنهاء أزمة أساتذة التعليم في المدارس العامة، يواصل الأساتذة إضرابهم عن العمل الذي بدأ يوم الثلاثاء ويمتد إلى الجمعة، بعدما عدُّوا أن الاتفاق المبرم «غير كافٍ ولا يحل المشكلة، بل يؤجلها فقط». ولجأ أساتذة التعليم الابتدائي والثانوي في المغرب للإضراب منذ بداية العام الدراسي؛ بسبب رفضهم نظاماً جديداً أقرّته الحكومة المغربية لتوظيف ومواصلة مهام أساتذة التعليم العام (الحكومي)، يقوم على عدم إدماج الأساتذة بشكل رسمي في الكادر الوظيفي التعليمي، وإضافة مهام جديدة لهم وفرض عقوبات عليهم. وفي الأسبوع الماضي، عرفت شوارع الرباط مسيرة حاشدة للأساتذة المضربين، الذين قُدّر عددهم بالآلاف، جاءوا من مختلف جهات المغرب رافعين شعار «الموت ولا المذلة»، وشعارات أخرى مناوئة للحكومة، في خطوة تصعيدية بين الحكومة والمضربين. وتفجرت الأزمة عام 2016 عندما أقرّ المغرب في نهاية ولاية رئيس الحكومة السابق عبد الإله ابن كيران، زعيم حزب العدالة والتنمية الإسلامي، «نظام التعاقد» لأساتذة التعليم، الذي يقضي بعدم إدماجهم مباشرة في الوظيفة العمومية، بل عن طريق توظيفهم بواسطة عقد عمل حر. وأضيف إلى هذا النظام، ما توجهت إليه الحكومة المغربية من «إصلاح نظام التعليم» بتوجيهات من البنك الدولي، أطلقت عليه «النظام الأساسي»، الذي يضع الأستاذ المغربي في قلب الخصخصة، ويمنع إدماجه في الوظيفة العمومية. لكن الحكومة أعلنت يوم الثلاثاء توقيع اتفاق مبدئي مع النقابات التعليمية، ينص على مراجعة «النظام الأساسي الجديد»، وإيقاف الاقتطاعات من أجور الأساتذة المضربين عن العمل، وتحسين دخل كل الموظفين والموظفات العاملين بقطاع التعليم، ومعالجة مشكلات فئات رجال التعليم في المغرب حسب القطاعات، وكذلك زيادة مبلغ 500 درهم لأساتذة التعليم الثانوي، دون نظرائهم من أساتذة الابتدائي والإعدادي. لكن على عكس التوقعات، لم تهدأ الأمور بسبب عدم اقتناع التكتلات الجديدة، التي تشكلت بفعل الأزمة لتمثيل الأساتذة في المفاوضات الرسمية بديلة عن النقابات، بمضمون الاتفاق. وقال مصطفى الكهمة، عضو لجنة إعلام التنسيقية الوطنية للأساتذة وأُطر الدعم الذين فُرض عليهم التعاقد، لوكالة «رويترز» للأنباء: «هي نتائج غير مُرضية لكل نساء التعليم ورجاله؛ لأنها لم تستجب لمطالبهم، وكمثال على ذلك فالأساتذة الذين فُرض عليهم التعاقد لم يتم إدماجهم في الوظيفة العمومية، ولم يتم رصد مناصب مالية لهم في إطار قانون المالية 2024». وأضاف الكهمة موضحاً: «كان مبرر الحكومة هو أن البنك الدولي لا يسمح للمغرب برصد مناصب مالية، وهذا يعني مع كامل الأسف أنه تم رهن مستقبل البلاد بيد المؤسسات المانحة الدولية، التي أصبحت تتحكم في القطاعات الاجتماعية في البلاد». كما رأى مصطفى، وهو أستاذ تعليم ثانوي، أن زيادة مبلغ 500 درهم لفئتهم دون غيرها، أي لأساتذة التعليم الثانوي، أمر «مجحف في حق أساتذة التعليم الابتدائي والإعدادي؛ لأنني أعرف ظروف اشتغالهم، ومنحنا 500 درهم هو للتفرقة بيننا». مضيفاً أن ما تم «هو تعديل النظام الأساسي وليس سحبه».

جهات ممثلة للأساتذة

رأى عدد من الأساتذة أن هذه الزيادة «مجرد مناورة»؛ لأن مطلبهم الأساسي «إسقاط نظام التعاقد». وفي هذا السياق، قالت الأستاذة ميلودة بنعزوزي، عضوة لجنة الإعلام في التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فُرض عليهم التعاقد: «مطلبنا بالأساس هو إسقاط نظام التعاقد، والإدماج في الوظيفة العمومية وليس الزيادة في الأجور». مشيرة إلى أن الاتفاق «لا يمثلنا والنقابات التي تذهب إلى الحوار لا تمثلنا، مَن تمثلنا هي التنسيقية الوطنية للأساتذة، الذين فُرض عليهم التعاقد، لكن لم يتم استدعاؤها للحوار، ومطالبنا لم تتم حتى مناقشتها... مطالب الأساتذة الأساسية هي إسقاط نظام التعاقد، والإدماج في الوظيفة العمومية».

ممثلو الحكومة والنقابات لدى توقيعهم اتفاقاً جديداً مع الحكومة لتحسين ظروف عمل الأساتذة (الشرق الأوسط)

في المقابل، قال عثمان باقة، من الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، التي تحاور الحكومة في ملف الأساتذة، لوكالة «رويترز»: إن التمثيل «مرتبط بالآليات الانتخابية، والانتخابات هي من أفرزت النقابات التي لها تمثيل... ولا يمكن لأحد أن يطعن في مصداقيتنا». وتابع موضحاً: «لسنا ضد التنسيقيات إطلاقاً في أن تتحاور مع الحكومة، فهذا حراك تعليمي ونحن نمثل الشغيلة التعليمية». من جهته، أبدى سعد عبيل، عضو اللجنة الإدارية الوطنية في «الجامعة الوطنية للتعليم»، التي شاركت في الحوار الحكومي مؤخراً، بعض الرضا عن نتائج الحوار، الذي أعلنت عنه الحكومة يوم الثلاثاء بقوله: «بالنسبة لي الحكومة قدمت أقصى ما يمكن أن تقدمه، وهي تقول إنها لا تستطيع تجاوز منصب 20 ألف موظف سنوياً كما أوصى بذلك البنك الدولي». مضيفاً أنه «ربما تكون هناك بعض المكتسبات في جولة أخرى من الحوار في مارس (آذار) المقبل، الحكومة وعدتنا خيراً». ومن بين هذه الوعود، تعميم مبلغ 500 درهم على باقي فئات رجال التعليم الأخرى. وأضاف عبيل موضحاً، أن مطالبهم تتمثل بالأساس في «العدالة الأجرية وليس الزيادة في الأجور؛ لأن هناك موظفين في الترتيب الإداري نفسه يتقاضون أكثر من المعلمين والأساتذة، والأمر أصبح أسوأ مع موجة الغلاء الشديدة التي يعرفها المغرب».

مصير الطلاب

انقسم أولياء أمور طلاب المدارس ما بين مناصر للأساتذة، ورأى أن ظروف اشتغالهم في المدارس العامة مجحفة لدرجة أن بعض المظاهرات في البداية شهدت انضمام أهالي الطلاب، وبين من يندب حظه وحظ أبنائه ويتخوف من سنة دراسية بيضاء. تقول زهرة بلماحي (41 عاماً)، وهي ربة منزل: إن مصير ابنها الذي يدرس في الصف التاسع (الإعدادي التوجيهي) من المفترض أن يتحدد هذا العام، إما بالالتحاق بالقسم العلمي أو الأدبي، لكنها تخشى من تأثير الأزمة الجارية على مستقبله. وأضافت: «على الرغم من حرصي على أن يراجع دروسه، فإنني أظن أن مستواه التعليمي في تدهور مستمر». من جانبه، قال إبراهيم كرطيط، الذي يعمل كهربائياً: «لا يهمني من تسبب في المشكل: هل الأساتذة أم الحكومة؟ ما يهمني هو أن أبنائي الثلاثة لا يذهبون إلى المدرسة إلا نادراً، ثم يعودون إلى البيت بحجة إضراب الأساتذة». مضيفاً: «الوضعية المتدهورة التي يشتكي منها الأساتذة هي وضعية عدد من أبناء هذا الوطن، والدولة يجب أن تجد حلاً».

مسيرة حاشدة نظمها الأساتذة الشهر الماضي في مدينة الرباط (الشرق الأوسط)

وتوضح إحصاءات الحكومة المغربية للعام المدرسي 2023-2024 تواجد ما مجموعه 7 ملايين و931 ألفاً و841 تلميذاً في المغرب، السواد الأعظم منهم في المدارس العامة. كما تظهر الأرقام الرسمية أن أكثر من 80 ألفاً من التلاميذ المغاربة في العام الماضي تركوا المدارس العامة (المجانية)، واتجهوا للمدارس الخاصة.

شروط خارجية

في عام 2019 أعطى البنك الدولي قرضاً للمغرب قدره 500 مليون دولار لإصلاح قطاع التعليم، أعقبتها 250 مليون دولار في مارس الماضي «لمساندة الحكومة المغربية في تنفيذ أجندة طموحة للغاية لإصلاح التعليم»، تستهدف التلاميذ والمعلمين والمؤسسات و«تنفيذ أجندة إصلاحات ذات أثر ملموس على كل من بيئة التعلم والحكامة». لكن بعض المحللين يرون أن التعليم في المغرب «ضحية الليبرالية الجديدة»، حيث تتجه الحكومة إلى التخلي عن مبدأ مجانية التعليم، و«ربط مضمون التعليم بروح المقاولة الرأسمالية».

صورة تذكارية للوزراء مع ممثلي النقابات عقب الاتفاق على الاتفاق الجديد الذي رفضته التنسيقيات (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، كتب الباحث إبراهيم الحاتمي في مقال تحليلي: إن المغرب «بدأ في هذا التوجه منذ ثمانينات القرن الماضي، مع تبني البلاد سياسات التكيف الهيكلي، التي دعت إلى التخلي عن بعض الأدوار الاجتماعية للدولة لصالح تحرير السوق، وسن سياسة التقشف تنفيذاً لتوصيات المؤسسات الدولية». مشيراً إلى تقرير البنك الدولي في عام 1995 حول التعليم في المغرب، الذي انتقد «نمط الإنفاق العام على التعليم، مع الدعوة إلى فتح القطاع للاستثمارات الرأسمالية الخاصة وتحفيزها». بدوره، قال عزيز غالي، رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وهي منظمة مستقلة تأسست قبل أكثر من أربعة عقود لـ«رويترز»: إن سياسة الدولة منذ الثمانينات «ترمي إلى تقوية القطاع الخاص على حساب القطاع العام، أو محاولة إفراغ القطاع العام من دوره... إلى أن وصلنا إلى آخر شيء وهو نظام التعاقد، الذي هو من توصيات البنك الدولي». وتفاقم الأمر في عام 2017 عندما جرى طرد أستاذين، دون إشعار مسبق أو تعويض. وبعدها تأسست جمعية تحمل اسم (الأساتذة الذين فُرض عليهم التعاقد)، نظموا مظاهرات عدة في السنوات القليلة الماضية.

البحث عن مخرج

للخروج من هذه الأزمة، قال غالي: إن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان «رصدت أربع نقاط للخروج من الأزمة، تتمثل أولاً في تغيير طاولة المحاورين، فما معنى عدم وجود الوزيرة المكلفة تحديث الإدارة العمومية في الحوار؟... مع العلم أن التعليم قطاع عمومي». وكذلك «تغييرها من ناحية الطرف الآخر بإدخال النقابات وتنسيقيات الأساتذة». مضيفاً: «نحن لأول مرة أمام حراك تعليمي في المغرب، وحركة اجتماعية تستجيب لشروط حراك اجتماعي... وبالتالي التحاور معها يجب أن يكون مختلفاً». مطالباً بمزيد من الشفافية، وأن «يكون هناك ناطق لنعرف من يتحمل المسؤولية في تعطيل الحوار». وبينما تتحدث الحكومة المغربية عن تجميد العمل بالنظام الأساسي، يصر الأساتذة على إلغائه، لتبقى الأزمة قائمة بين الطرفين، وتستمر الأوضاع في المدارس العامة رهن تقارب أوثق للوصول إلى حل نهائي.


مقالات ذات صلة

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

العالم العربي رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا عناصر من الشرطة الفرنسية (رويترز-أرشيفية)

تلميذ يطعن معلّمة في إعدادية فرنسية... ويصيبها بجروح بالغة

أصيبت معلّمة بجروح بالغة بعد تعرّضها للطعن ثلاث مرات على يد طالب بمدرسة «لا غيشارد» الإعدادية في ساناري سور مير بفرنسا بعد ظهر الثلاثاء.

أوروبا جيفري إبستين (رويترز)

جامعة في آيرلندا الشمالية تلغي ارتباطها بجورج ميتشل على خلفية ملفات إبستين

أعلنت إحدى أهم الجامعات في آيرلندا الشمالية الاثنين أنها ستشطب اسم السيناتور الأميركي السابق جورج ميتشل من مؤسسة تابعة لها نظراً لارتباطه بجيفري إبستين.

«الشرق الأوسط» (بلفاست)
الخليج وزير التعليم السعودي لدى استقباله نظيره في أذربيجان بالرياض (الشرق الأوسط)

الرياض وباكو للتعاون بمجالات الرقمنة وتطبيق الأساليب المبتكرة في النظام التعليمي

بحث أمين أمرولاييف، وزير التعليم في أذربيجان، مع نظيره السعودي، في الرياض الاثنين، التعاون بمجالات الرقمنة وتطبيق الأساليب المبتكرة بالنظام التعليمي.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
يوميات الشرق جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)

الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

وقَّعت وزارة الثقافة السعودية شراكة مع الكلية الملكية البريطانية للفنون، تكون الأخيرة بموجبها شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»، لتطوير المواهب الثقافية.


تعديل حكومي في مصر يشمل 13 وزيراً جديداً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
TT

تعديل حكومي في مصر يشمل 13 وزيراً جديداً

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتشاور مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن التعديل الحكومي الجديد (الرئاسة المصرية)

وافق مجلس النواب المصري، أمس (الثلاثاء)، على تعديل وزاري في حكومة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، شمل تغييراً في 13 حقيبة وزارية، مع الإبقاء على وزراء الحقائب السيادية من دون تغيير، وعودة وزارة الإعلام إلى التشكيل الحكومي.

وتضمنت رابع حركة تغيير في حكومة مدبولي، المستمر في منصبه منذ أكثر من 8 سنوات، اختيار نائب لرئيس الوزراء للتنمية الاقتصادية، و4 نواب وزراء.

كما تضمن التعديل، اختيار ضياء رشوان وزيراً للدولة للإعلام، مع بقاء الدكتور بدر عبد العاطي وزيراً للخارجية، والفريق أول عبد المجيد صقر وزيراً للدفاع، واللواء محمود توفيق وزيراً للداخلية.

وقبل اعتماد حركة التعديل الوزاري، تشاور الرئيس عبد الفتاح السيسي مع مدبولي بشأن «إجراء تعديل على تشكيل الحكومة الحالية»، وفق إفادة للرئاسة المصرية.

وتنص المادة 147 من الدستور على أن «لرئيس الجمهورية إجراء تعديل وزاري، بعد التشاور مع رئيس الوزراء، وموافقة مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس».

ومن المقرر أن يؤدي الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية، اليوم (الأربعاء).


«النواب» المصري أمام اختبار جديد بشأن طعون الانتخابات

جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
TT

«النواب» المصري أمام اختبار جديد بشأن طعون الانتخابات

جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)
جانب من إحدى جلسات مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية المصرية)

يخوض مجلس النواب المصري اختباراً سياسياً جديداً مرتبطاً بأحكام قضائية تتعلق بالطعن في صحة عضوية بعض النواب، كان آخرها الحكم الصادر، السبت، بإبطال عضوية نائبين؛ فيما أكد رئيس اللجنة التشريعية بالمجلس «الالتزام الكامل بتنفيذ أحكام القضاء».

وتسود المشهد البرلماني حالة ترقب بعد صدور حكم محكمة النقض الذي قضى ببطلان العملية الانتخابية في دائرة منيا القمح بمحافظة الشرقية، الواقعة إلى الشرق من القاهرة، مع الأمر بإعادتها من جديد.

كما قضت المحكمة ببطلان عضوية النائبين محمد شهدة وخالد مشهور، وإلغاء فوزهما تمهيداً لإعادة الانتخابات في الدائرة، وسط توقعات بإصدار أحكام أخرى محتملة بشأن دوائر أخرى.

وأوضح رئيس «اللجنة التشريعية» في مجلس النواب، المستشار محمد عيد محجوب، أن المجلس سيلتزم بتنفيذ الحكم الصادر ببطلان الانتخابات في دائرة منيا القمح، تأكيداً على احترام الدولة لأحكام القضاء وسيادة القانون.

وأضاف محجوب لـ«الشرق الأوسط»: «مؤسسات الدولة المصرية تحترم الأحكام القضائية وتنفذها»، مستشهداً بما حدث في الانتخابات البرلمانية السابقة، ولا سيما في المرحلة الأولى، حيث أعيدت الانتخابات في الدوائر التي أُلغيت نتائجها بأحكام قضائية.

وبيّن محجوب أن الحكم الصادر «سيسلك مساره الإجرائي المعتاد، بدءاً من عرض أسباب الحكم على المكتب الفني بمحكمة النقض، ثم إحالة الملف إلى رئاسة مجلس النواب والأمانة العامة، وبعدها إلى اللجنة التشريعية»، مشدداً على أنه لا يمكن تحديد إطار زمني دقيق لانتهاء هذه الدورة الإدارية.

رئيس مجلس النواب المصري هشام بدوي (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر قضائي بمحكمة النقض أن الحكم الصادر ببطلان الانتخابات في دائرة منيا القمح يُعد باتاً ونهائياً وملزماً لكافة الجهات، ولا يجوز الطعن عليه.

وبحسب الدستور المصري، تُبطَل عضوية أعضاء مجلس النواب اعتباراً من تاريخ إبلاغ المجلس بالحكم ببطلانها، مع العلم أن محكمة النقض تختص بالفصل في صحة عضوية أعضاء المجلس، وتُقدم إليها الطعون خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من إعلان النتيجة النهائية للانتخابات، وتفصل في الطعن خلال 60 يوماً من تاريخ ورود الطعن إليها.

وتعليقاً على حيثيات الحكم القضائي، قال المحامي بمحكمة النقض ألبير أنسي: «الحكم لم يُبنَ على ثبوت التزوير ثبوتاً يقينياً بقدر ما جاء تعبيراً عن خلل إجرائي أصاب مسار العملية الانتخابية، وعجز عن تقديم المستندات الجوهرية اللازمة لإضفاء المشروعية الكاملة على النتيجة المعلنة».

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الحكم أقرب في طبيعته إلى حكم إجرائي وقائي، وليس حكم إدانة موضوعية للعملية الانتخابية نفسها»، مرجحاً إبطال عضوية بعض النواب وإعادة الانتخابات في عدد من الدوائر، مع اختلاف الإجراءات وفق الوقائع الخاصة بكل دائرة.

وفي السياق نفسه، قال الإعلامي أحمد موسى إن مجلس النواب أمام «فرصة تاريخية لتصحيح ما شاب العملية الانتخابية»، مؤكداً في برنامجه الذي تبثه قناة محلية أن تنفيذ أحكام محكمة النقض «واجب على الجميع، بما في ذلك البرلمان، ولا يجوز تعطيلها تحت أي مبرر».

ودعا موسى «الهيئة الوطنية للانتخابات» إلى الاضطلاع بدورها، مطالباً مجلس النواب بالالتزام بتنفيذ الأحكام فور صدورها، «حفاظاً على الثقة العامة وصوناً لهيبة الدولة وسيادة القانون».

ومن المقرر أن تصدر محكمة النقض في الخامس من أبريل (نيسان) المقبل حكمها النهائي بشأن الطعن المعروض على عضوية عدد من النواب المنتمين إلى قائمة حزبية في غرب الدلتا.

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)

لكن محللين رأوا في هذه الجولات القضائية إشارة إلى «ارتباك المشهد البرلماني المصري في ظل العدد الكبير من الطعون المنظورة»، ورأى فيها نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، عماد جاد، «تقويضاً لمصداقية المجلس».

وأعاد جاد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، التذكير بأصوات سياسية وحقوقية طالبت خلال الانتخابات البرلمانية الماضية بإجراء إصلاحات سياسية شاملة، لا سيما فيما يتعلق بقوانين الانتخابات، وتنظيم عمل الأحزاب، ومعايير اختيار المرشحين على القوائم الحزبية والمستقلين.

وفي الشهر الماضي، ودَّع المصريون انتخابات برلمانية ماراثونية على مراحل ممتدة، بلغت ثماني جولات خلال شهرين، بعد إلغاء نتائج عدد من الدوائر بسبب مخالفات انتخابية.

وجاء ذلك عقب صدور أحكام «المحكمة الإدارية العليا» بمجلس الدولة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي ببطلان الانتخابات في نحو 30 دائرة بالمرحلة الأولى، نتيجة طعون تقدم بها مرشحون؛ كما ألغت «الهيئة الوطنية للانتخابات» نتائج 19 دائرة على خلفية المخالفات، في أعقاب تصريحات للرئيس عبد الفتاح السيسي عن وجود مخالفات في تلك المرحلة التي انطلقت في 10 نوفمبر الماضي.


الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

الحضور العسكري المصري في الصومال يثير قلقاً إسرائيلياً

الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مُرحباً بنظيره الصومالي خلال زيارته القاهرة (الرئاسة المصرية)

عبَّرت وسائل إعلام عبرية عن قلق إسرائيلي من التحركات العسكرية المصرية في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي، في حين عدَّ عسكريون سابقون بمصر أن الوجود العسكري المصري بالصومال «شرعي ويتفق مع القانون الدولي والمواثيق الدولية»، وهدفه المساعدة في تحقيق الاستقرار الأمني بالمنطقة.

وذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن مصر توجه جيشها للرد على إسرائيل عبر الصومال، وأن هناك دولاً عربية تدعمها في ذلك.

ونشرت الصحيفة تقريراً تحت عنوان «صراع النفوذ يشتعل في القرن الأفريقي: مصر ترد على الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال)»، قالت فيه إن القاهرة التي تعارض هذا الاعتراف تعيد نشر قواتها في الصومال رداً على التحركات الإسرائيلية؛ وقدّرت الصحيفة وجود نحو 10 آلاف جندي مصري منتشرين هناك.

لكن رئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق بالجيش المصري، لواء أركان حرب محمد الشهاوي، قال إن القوات المصرية «هي ثامن أكبر قوة ضمن قوات حفظ السلام على مستوى العالم، والقوات المصرية الموجودة في الصومال هي تحت لواء قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي وتعمل على حفظ الأمن ومقاومة الإرهاب، وتحافظ على الأمن القومي الأفريقي والأمن القومي الصومالي وأمن منطقة البحر الأحمر ضد أي أخطار».

وتابع الشهاوي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تدرك تماماً أن الصومال، بسبب موقعه الاستراتيجي، مطمع لكثير من الدول، وخاصة إسرائيل التي اعترفت أخيراً بإقليم (أرض الصومال) كدولة تريد فصلها عن الصومال لزعزعة أمنه وإرغامه على القبول بمخططات معينة، مثل المخطط الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر وإنشاء قوة بحرية، فضلاً عن ممارسات أخرى تقوم بها إثيوبيا بدعم إسرائيلي مثل العمل على عدم عودة الاستقرار لدولة السودان والدفع نحو استمرار الصراع فيها».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وجه رسائل تحذيرية متكررة بشأن الصومال وأمن البحر الأحمر، وذلك بعد اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي والمساعي لوضع قدم بمدخل البحر الأحمر.

مصر تشارك بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (أ.ف.ب)

واعترفت إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، باستقلال إقليم «أرض الصومال» الذي يطل على خليج عدن وجنوب البحر الأحمر، وهو إقليم سعت إثيوبيا للحصول على ميناء بحري وعسكري به مقابل الاعتراف باستقلاله.

وأكد خبير الأمن القومي المصري، اللواء محمد عبد الواحد، أن دور القوات المصرية في الصومال هو العمل على حفظ الأمن والاستقرار تحت مظلة الاتحاد الأفريقي وقوات حفظ السلام التابعة له، «ومن ثم فوجود القوات المصرية شرعي بطلب من الاتحاد الأفريقي ومن دولة الصومال التي زار رئيسها مصر مؤخراً وأكد على هذا الأمر أمام العالم كله».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «وفقاً لذلك، ليس مفهوماً أن تزعم أطراف أخرى قلقها من الوجود المصري الشرعي، بينما إسرائيل هي التي لجأت إلى خطوة غير شرعية، وضربت بالقانون الدولي عرض الحائط بسعيها لتقسيم دولة الصومال بالاعتراف (بأرض الصومال) كدولة».

واستطرد: «تحرشات إثيوبيا بالصومال وضغطها عليه لقبول بناء قاعدة عسكرية بحرية إثيوبية على أراضيه، بجانب تحركات أخرى مريبة في منطقة القرن الأفريقي عموماً تقوم بها أديس أبابا وتدعمها إسرائيل، مثل إمداد (قوات الدعم السريع) بالسودان بميليشيات وعتاد وسلاح، يأتي في سياق تحركات إسرائيلية تهدف لزعزعة الاستقرار في المنطقة».

وأضاف: «مصر والاتحاد الأفريقي يتنبهان لهذه التحركات جيداً، ومن ثم فالوجود العسكري المصري هناك هو لمجابهة كل هذه التهديدات وضمن الالتزام القانوني الدولي والشرعية الدولية».

وقال الرئيس المصري، الأحد، إن بلاده ماضية في نشر قوات ببعثة حفظ السلام في الصومال في إطار التزامها بدعم أمنه واستقراره ووحدة أراضيه، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك عقده مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته مصر.

وعقد الرئيسان لقاءً ثنائياً تلاه اجتماع موسع بمشاركة وفدي البلدين، شدد خلاله السيسي على موقف مصر الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه، ورفض أي إجراءات من شأنها المساس بسيادته أو تهديد استقراره.

وحذر الرئيس المصري خلال المؤتمر الصحافي من «خطوات قد تأتي على حساب أمن وسيادة الدول»، معتبراً أنها تشكل «انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة».

وفي نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2024 أعلنت مصر أنها ستساهم بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وقتها إن هذه الخطوة تجيء «بناء على طلب الحكومة الصومالية، وبناء أيضاً على ترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».

وحلت بعثة الاستقرار والدعم التابعة للاتحاد الأفريقي، المعروفة باسم «أوسوم»، محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

Your Premium trial has ended