ما إن انتهى الدور الأول من انتخابات المجالس المحلية في تونس، حتى اندلع جدل حاد حول المسار السياسي الحالي، الذي أقره الرئيس قيس سعيد، وأيضاً حول ضعف نسبة المشاركة مقارنة مع أي انتخابات أخرى، وذلك بسبب التشكيك في حجم تلك النسبة، رغم أنها لم تتجاوز رسمياً حدود 11.66في المائة من إجمالي أكثر من تسعة ملايين ناخب مسجل، وهو ما اضطر أعضاء هيئة الانتخابات التونسية إلى طرح ضرورة تحليل ومعرفة أسباب ظاهرة عزوف التونسيين عن التصويت، التي لم تكن موجودة قبل 2021.

وبسبب هذا «العزوف» الظاهر، دعت أطراف سياسية معارضة، وعلى رأسها «جبهة الخلاص الوطني»، المدعومة من حركة النهضة، التي يترأسها أحمد نجيب الشابي، إلى الدعوة إلى «حوار وطني شامل دون إقصاء، يتم خلاله الاتفاق حول إصلاحات سياسية واقتصادية، مع التوافق حول شخصية وطنية للذهاب إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية سابقة لأوانها»، على حد تقديره.
وشكلت نسبة المشاركة الضعيفة في الانتخابات التشريعية، وفي انتخابات المجالس المحلية على التوالي، من أهم الأسئلة التي طرحت بحدة حول نظام «التمثيل القاعدي» الذي يقوده الرئيس سعيد ويتمسك به، وبهذا الخصوص قال بسام معطر، رئيس جمعية عتيد (جمعية حقوقية مهتمة بالانتخابات)، إن نسبة المشاركة في انتخابات المجالس المحلية «تعتبر هي الأضعف في تاريخ الانتخابات في تونس، وعلى مستوى العالم أيضاً».

وكشف عن أسباب عزوف الناخبين بقوله إن هذه النسبة المتدنية «متعدّدة الأوجه، حيث إن هذه الانتخابات لم تصاحبها منظومة قانونية تنظم أعمال المجالس المحلية».
في السياق ذاته، أوضح سليم بوزيد، رئيس شبكة «مراقبون»، المتابعة للشأن الانتخابي، إن عملية الاقتراع خلال الدور الأول للانتخابات المحلية «لم تتم في 26 دائرة انتخابية بسبب غياب المرشحين. إضافة إلى دائرتي برج الخضراء وجزيرة جالطة، التي لم تجر فيها الانتخابات»، مشيراً إلى أن الانتخابات البرلمانية لسنة 2022 بدورها لم تشهد اقتراعاً في 7 دوائر انتخابية خارج تونس بسبب غياب المترشحين. كما أكد بوزيد أن عملية الاقتراع «تمت بصفة عادية، باستثناء تسجيل غياب ممثلي المرشحين في 65 في المائة من مكاتب الاقتراع خلال فتحها، وبنسبة 44 في المائة خلال عملية الاقتراع».

وخلافاً لنسبة المشاركة التي قدرتها هيئة الانتخابات بحوالي 11.66، فإن شبكة «مراقبون» توقعت ألا تتجاوز 11.2 في المائة على أقصى تقدير.
بدورها، أشارت اللجنة المركزية لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، (الوطد)، الحزب اليساري الذي أسسه شكري بلعيد الذي اغتيل سنة 2013، إلى ضعف الإقبال على انتخابات المجالس المحلّية، واعتبرت أنّ هذه المجالس «هي كغيرها من الهيئات السابقة صوريّة، وفاقدة لأي شرعية شعبيّة، تندرج ضمن مسار تسعى عبره السلطة إلى تهميش العمل السياسي، واختزال القضايا الأساسية للمواطن التونسي في جوانب إجرائيّة قانونية»، بحسب تعبيرها.
وتسبب ضعف نسبة المشاركة لهيئة الانتخابات التونسية في حرج كبير، لأنها خصصت نحو 50 مليون دينار (حوالي 17 مليون دولار) لإجراء هذه الانتخابات، لكن الإقبال كان ضعيفاً رغم حملات التوعية والتحسيس. وفي هذا الشأن، قال محمد التليلي المنصري، المتحدث باسم هيئة الانتخابات، إن القانون «لا يشترط عتبة أصوات محددة لقبول نتائج الانتخابات»، موضحاً أنه «مهما كانت النسبة فإنه سيتم قبول النتائج، وإرساء كل المجالس المحلية والجهوية والإقليمية»، وصولاً إلى المجلس الوطني للجهات والأقاليم. لكنه شدد في المقابل على أن نسبة الإقبال الضعيفة المسجلة في الدور الأول من انتخابات المجالس المحلية «بحاجة إلى دراسة علمية موضوعية لمعرفة أسبابها».

وقال جمال العرفاوي، المحلل السياسي التونسي لـ«الشرق الأوسط»، إن العملية السياسية في تونس «تعاني برمتها من ضعف كبير على المستوى الاتصال، فالمسار السياسي الذي اعتمده الرئيس التونسي لم تصاحبه حملات تفسير، لذلك نلاحظ أن معظم التونسيين لم يكونوا على دراية كافية بهذا المسار». مبرزاً أن ضعف نسبة المشاركة يعود إلى «غياب الآلة الانتخابية التقليدية التي تمتلكها أكبر الأحزاب السياسية، والتي لها قدرة كبيرة على التعبئة والإقناع بالمشاركة في التصويت، وهذا ما كان غائباً نتيجة قرار المقاطعة».
ومن المنتظر أن تعلن هيئة الانتخابات بشكل رسمي غداً (الأربعاء) عن النتائج الأولية لانتخابات المجالس المحلّية، على أن تعلن عن النتائج النهائية في 27 من يناير (كانون الثاني) المقبل، بعد استيفاء مرحلة الطعون التي تدوم شهراً، ثم المرور لإجراء دور ثان من انتخابات المجالس المحلية في ظرف 15 يوماً من التصريح بالنتائج النهائية.
يذكر أن هيئة الانتخابات بدأت الاثنين الماضي في دراسة تقارير رقابة الحملة، التي سترفع إلى مجلسها، وقد تلجأ إلى إلغاء الأصوات جزئياً أو كلياً بعد دراسة هذه التقارير، في حال ثبوت ارتكاب مخالفات ترقى إلى «جرائم انتخابية» مؤثرة على إرادة الناخبين.





