الأفلام السعودية في 2023.. مزيد من التألق والإبداع

عرض 9 منها في صالات السينما... بعضها نافس بضراوة على شباك التذاكر

مشهد من الفيلم السعودي «راس براس» (الصورة من نتفليكس)
مشهد من الفيلم السعودي «راس براس» (الصورة من نتفليكس)
TT

الأفلام السعودية في 2023.. مزيد من التألق والإبداع

مشهد من الفيلم السعودي «راس براس» (الصورة من نتفليكس)
مشهد من الفيلم السعودي «راس براس» (الصورة من نتفليكس)

كان عام 2023 سخياً مع السينما السعودية التي وثّقت علاقتها مع الجمهور، إذ نافس أكثر من فيلم سعودي على إيرادات شباك التذاكر، وعلى الرغم من قوة الأفلام العالمية التي صدرت هذا العام ونزول كبار المخرجين إلى حلبة المنافسة، فإلا أن الأفلام المحلية نجحت في توجيه بوصلة المشاهد السعودي ناحيتها، خلال فترة وجيزة، بالنظر إلى أن افتتاح دور السينما في البلاد كان قبل نحو 5 أعوام ونصف، وتحديداً في أبريل «نيسان» 2018.

ولم يكن انتزاع ثقة الجمهور هو المكسب الوحيد، بل حازت الأفلام السعودية تقدير مهرجانات سينمائية عالمية، اختارتها للعرض إلى جانب أهم الأفلام من حول العالم، من أبرزها مهرجان تورنتو السينمائي الدولي الذي قدّم 3 أفلام سعودية، في العرض العالمي الأول لها، وهي «هجان» للمخرج أبو بكر شوقي، و«مندوب الليل» لعلي الكلثمي، و«ناقة» لمشعل الجاسر، وهذه الأفلام الثلاثة شاركت لاحقاً في مهرجانات سينمائية أخرى، وحقق بعضها جوائز قيمة.

كما شهد هذا العام كثافة في عدد الأفلام السعودية التي عُرضت في صالات السينما، بمجموع 9 أفلام عُرضت في دور السينما المنتشرة في نحو 20 مدينة، بعضها حقق نجاحاً جماهيرياً والبعض الآخر لم يحالفه الحظ، وهي: «سطار»، و«الهامور ح.ع»، و«عياض في الرياض»، و«ملك الحلبة»، و«أغنية الغراب»، و«تشيللو»، و«عبد»، و«مندوب الليل»، و«طريق الوادي». علاوة على أفلام سعودية أخرى صدرت هذا العام واقتصر عرضها على المنصات الإلكترونية.

ازدياد وتبايُن

الناقد السينمائي طارق الشناوي يرى خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الأفلام السعودية بدأت «تزداد وتتباين في آن واحد»، وهو ما يراه أمراً منطقياً من حيث تفاوت مستوى هذه الأفلام، مشيراً إلى رغبة صناع الأفلام السعوديين في خلق تجارب جديدة ومختلفة، ويستشهد هنا بفيلم «ناقة» للمخرج مشعل الجاسر، قائلاً: «لديه حس تجريبي، وأراد أن يخرج عن الإطار التقليدي، وأراه نجح في ذلك».

ويعتقد الشناوي أنه في حالة استمرارية الأفلام السعودية على هذه الوتيرة المتسارعة فإنها ستشكل علامة فارقة في خريطة السينما الإقليمية والعالمية. ولأن الحديث مع الناقد جاء إبان حضوره مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي الذي أُقيم بجدة مطلع هذا الشهر، فإنه يرى أن هذا المهرجان في حد ذاته بات يشكّل قوة إقليمية في المنطقة، وسحب البساط من عدة مهرجانات سينمائية أخرى، باعتبار أن نحو 90 في المائة من الأفلام العربية تشارك فيه بالعروض الأولى عالمياً أو إقليمياً، وهو ما يراه يرتقي بصناعة الأفلام المحلية.

 

⁨الفيلم السعودي «مندوب الليل) شارك في ٦ مهرجانات وتصدر شباك التذاكر (الصورة من imdb)⁩

سينما الواقع

ويبدو واضحاً خروج الأفلام السعودية من عباءة الكوميديا والأعمال المتشابهة إلى عوالم سينما الواقع، عبر قصص مستوحاة مما يعايشه الفرد السعودي ويصادفه في الشارع العام، وأوضح مثال على ذلك فيلم «مندوب الليل»، الذي حقق نجاحاً باهراً على شباك تذاكر السينما السعودية فور نزوله في 14 ديسمبر (كانون الأول)، وما زال متماسكاً وجاذباً للجمهور الذي يرى نفسه ومدينته وتحدياته داخل هذا الفيلم المليء بالمواقف الاعتيادية والشخصيات السائدة في المجتمع، من الموظف البليد، والمدير اللئيم، والفتاة الاستغلالية، والعاطل المُحبط، واللص الفاسد، وغيرهم.

وجنح بعض الأفلام بقوة أكبر تجاه سينما الواقع المستوحاة من أحداث حقيقية، مثل «الهامور ح.ع» للمخرج عبد الإله القرشي، فالفيلم الذي تناول واحدة من أشهر قصص الاحتيال التي عايشها السعوديون قبل نحو عقدين من الزمان، حقق نجاحاً جيداً في شباك التذاكر فور نزوله، وكان أول فيلم سعودي يُعرض تجارياً في صالات السينما المصرية، علاوة على اختياره لتمثيل السعودية في جائزة الأوسكار 2024، ورغم أنه استُبعد من القائمة القصيرة للجائزة، فإنه عاد للدخول بقوة في ترشيحات جوائز «جوي أوردز».

الفيلم الذي صنعه القرشي بتأنٍّ واضح، يعدّ أضخم إنتاج سينمائي سعودي، شارك فيه نحو ألف ممثل ما بين الرئيسيين والثانويين والكومبارس، وجرى تصويره في نحو 160 موقعاً، مع ما تطلبته القصة التي تتناول بداية الألفية من محاكاة تلك الفترة الزمنية بسياراتها وأبنيتها وأزيائها وأجهزتها وفنها وكل ما فيها، مما يجعل تكلفة الإنتاج العالمية مفهومة هنا، قياساً على حذاقة الجمهور السعودي المتشبع سينمائياً والمعتاد على الأفلام المتقنة، وهو ما جعل «الهامور ح.ع» يحاكي هذه التطلعات بأكبر قدر ممكن، مادياً وفنياً.

 

فيلم (نورة) الفائز بجائزة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (الصورة من imdb)

 

أعمال جدليّة

وربما لا يوجد فيلم سعودي حقق جدلاً يضاهي ما حدث مع فيلم «ناقة» للمخرج مشعل الجاسر، وهو فيلم شارك في مهرجانات سينمائية عده قبيل عرضه على منصة «نتفليكس» في السابع من ديسمبر، وتصدر قائمة الأفلام الأعلى مشاهدة في السعودية وثلاث دول خليجية أخرى، لأكثر من أسبوعين، مع نقاشات مطوّلة عبر منصات التواصل الاجتماعي ما بين ممتعض ومعجب بهذا الفيلم.

إذ تكمن غرابة «ناقة» في خروجه عمّا اعتاد عليه المشاهد السعودي؛ في قصة الفيلم التي تتمحور حول فتاة تهرب من قيود والديها، وتخرج خلسةً في موعد غرامي مع صديقها الذي يَعِدها بسهرة حافلة في مخيّم وسط الصحراء، لتواجه الكثير من المفاجآت في هذه الرحلة المجنونة، بيد أن الجمهور عدّه فيلما جريئاً في طرحه، وانقسم حول مضمون القصة ونوعية السرد السينمائي المستخدم في الفيلم.

قوالب جديدة

وعند الحديث عن تصدّر «نتفليكس» يأتي فيلم «راس براس» للمخرج مالك نجر، وهو حالة سينمائية مختلفة تُكمل رحلته في مشروعه السابق «مسامير»، والفيلم الذي صدر في أغسطس (آب) الماضي تدور قصته حول سائق أجرة بسيط يقوم عن طريق الخطأ بنقل زعيم عصابة متقاعد، لتبدأ حينها مغامرة مصيرية جامحة داخل بلدة «بذيخة» المخيفة، ولكن بطابع كوميدي. وأوضح نجر في حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» أن فيلمه يأتي من فئة مختلفة ويأخذ مواد كثيرة من أفلام «الويسترن سباغيتي»، وهذا التأثير لا يقتصر على القصة فحسب، ولكن حتى من حيث التقنيات المستخدمة، بما فيها «الساوندتراك» -الموسيقى التصويرية- وهذا يعني أن هناك محاولة للتجديد والابتكار في التقنيات السينمائية، من صُناع الأفلام.

ابتعاد عن النمطيّة

يُخطئ من يعتقد أن الأفلام السعودية الجديدة قائمة على الأفكار الجريئة فقط، فهناك أفلام عائلية أيضاً صدرت هذا العام، من أبرزها «طريق الوادي» للمخرج خالد فهد، الذي أكد بفيلمه أن السينما السعودية غزيرة بالتنوّع ومُرضية لمختلف الأذواق والأعمار، وهو فيلم عُرض في صالات السينما في السادس من يوليو (تموز) الماضي، بعد مشاركته في عدة مهرجانات سينمائية، ويعتمد إلى حد كبير على الخيال والمغامرة.

وكان هناك فيلم سعودي آخر حاول الخروج عن النمط السائد، وهو «عبد» للمخرج منصور أسد، إذ تناول السفر عبر الزمن لتعديل أخطاء الماضي، كما نال جائزة النخلة الذهبية لأفضل فيلم طويل في الدورة التاسعة من مهرجان أفلام السعودية، مايو (أيار) الماضي، ثم نزل في صالات السينما في 26 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

 

الفيلم السعودي (ناقة) حقق مشاهدات عالية وأثار جدلًا واسعا (الصورة من نتفليكس)

وجوه جديدة

وقدم عام 2023 وجوهاً سينمائية جديدة برعت في أول أدوارها، من ذلك الممثلة السعودية الصاعدة أضواء بدر التي كانت بطلة فيلم «ناقة» وحازت إشادة واسعة من النقاد والجمهور بعد عرض الفيلم، إلى جانب الممثل السعودي فهد القحطاني الذي كان بطل «الهامور ح.ع» وتمكن من خلاله من تقديم بصمة سينمائية مختلفة بين نجوم جيله. يضاف إلى ذلك الممثلة الشابة نور الخضراء، التي خطفت الأنظار خلال فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي، في مشاركتها لفيلم «حوجن» الذي فازت من خلاله بجائزة النجم الصاعد في الدورة الثالثة من المهرجان.

وقبيل بدء عام 2024 يترقب الجمهور عدداً من الأفلام التي حققت نجاحاً في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي هذا العام، من ذلك «حوجن» للمخرج ياسر الياسري، المنتظر عرضه في صالات السينما في 4 يناير (كانون الثاني)، يليه «هجان» للمخرج أبو بكر شوقي، المقرر عرضه في السينما في 18 يناير، إضافةً إلى «نورة» للمخرج توفيق الزايدي والحائز جائزة أفضل فيلم سعودي ضمن الجوائز المقدمة من فيلم العُلا في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، وحتى الآن لم يُحدد تاريخ عرضه... وكل هذه الأفلام وغيرها من أعمال مرتقبة تُنبئ بأن العام المقبل سيكمل مسيرة توهّج السينما السعودية.


مقالات ذات صلة

مي عودة لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز لمشروعات الأفلام المتفردة

خاص مي عودة خلال حضورها مهرجان روتردام (الشرق الأوسط)

مي عودة لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز لمشروعات الأفلام المتفردة

أكدت المنتجة والمخرجة الفلسطينية مي عودة أنها تشارك في الدورة الـ76 لمهرجان برلين السينمائي بوصفها منتجاً مشاركاً بالفيلم المصري «خروج آمن» لمحمد حمّاد.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق فيلم «صوت هند رجب» الأفضل عربياً في استفتاء «نقاد السينما المصريين» (الشركة المنتجة)

«نقاد السينما»: «أبو زعبل 89» و«صوت هند رجب» و«خاطئون» أفضل أفلام 2025

أعلنت جمعية نقاد السينما المصريين، برئاسة الناقد أحمد شوقي، فوز الفيلم الوثائقي المصري «أبو زعبل 89» للمخرج بسام مرتضى بوصفه أفضل فيلم مصري.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

«وقائع زمن الحصار» يرصد معاناة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال

يطرح الفيلم الجزائري «وقائع زمن الحصار» للمخرج والكاتب الفلسطيني عبد الله الخطيب، رؤية سينمائية تنحاز إلى الإنسان العادي في قلب المأساة.

أحمد عدلي (القاهرة )

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.