الأفلام السعودية في 2023.. مزيد من التألق والإبداع

عرض 9 منها في صالات السينما... بعضها نافس بضراوة على شباك التذاكر

مشهد من الفيلم السعودي «راس براس» (الصورة من نتفليكس)
مشهد من الفيلم السعودي «راس براس» (الصورة من نتفليكس)
TT

الأفلام السعودية في 2023.. مزيد من التألق والإبداع

مشهد من الفيلم السعودي «راس براس» (الصورة من نتفليكس)
مشهد من الفيلم السعودي «راس براس» (الصورة من نتفليكس)

كان عام 2023 سخياً مع السينما السعودية التي وثّقت علاقتها مع الجمهور، إذ نافس أكثر من فيلم سعودي على إيرادات شباك التذاكر، وعلى الرغم من قوة الأفلام العالمية التي صدرت هذا العام ونزول كبار المخرجين إلى حلبة المنافسة، فإلا أن الأفلام المحلية نجحت في توجيه بوصلة المشاهد السعودي ناحيتها، خلال فترة وجيزة، بالنظر إلى أن افتتاح دور السينما في البلاد كان قبل نحو 5 أعوام ونصف، وتحديداً في أبريل «نيسان» 2018.

ولم يكن انتزاع ثقة الجمهور هو المكسب الوحيد، بل حازت الأفلام السعودية تقدير مهرجانات سينمائية عالمية، اختارتها للعرض إلى جانب أهم الأفلام من حول العالم، من أبرزها مهرجان تورنتو السينمائي الدولي الذي قدّم 3 أفلام سعودية، في العرض العالمي الأول لها، وهي «هجان» للمخرج أبو بكر شوقي، و«مندوب الليل» لعلي الكلثمي، و«ناقة» لمشعل الجاسر، وهذه الأفلام الثلاثة شاركت لاحقاً في مهرجانات سينمائية أخرى، وحقق بعضها جوائز قيمة.

كما شهد هذا العام كثافة في عدد الأفلام السعودية التي عُرضت في صالات السينما، بمجموع 9 أفلام عُرضت في دور السينما المنتشرة في نحو 20 مدينة، بعضها حقق نجاحاً جماهيرياً والبعض الآخر لم يحالفه الحظ، وهي: «سطار»، و«الهامور ح.ع»، و«عياض في الرياض»، و«ملك الحلبة»، و«أغنية الغراب»، و«تشيللو»، و«عبد»، و«مندوب الليل»، و«طريق الوادي». علاوة على أفلام سعودية أخرى صدرت هذا العام واقتصر عرضها على المنصات الإلكترونية.

ازدياد وتبايُن

الناقد السينمائي طارق الشناوي يرى خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الأفلام السعودية بدأت «تزداد وتتباين في آن واحد»، وهو ما يراه أمراً منطقياً من حيث تفاوت مستوى هذه الأفلام، مشيراً إلى رغبة صناع الأفلام السعوديين في خلق تجارب جديدة ومختلفة، ويستشهد هنا بفيلم «ناقة» للمخرج مشعل الجاسر، قائلاً: «لديه حس تجريبي، وأراد أن يخرج عن الإطار التقليدي، وأراه نجح في ذلك».

ويعتقد الشناوي أنه في حالة استمرارية الأفلام السعودية على هذه الوتيرة المتسارعة فإنها ستشكل علامة فارقة في خريطة السينما الإقليمية والعالمية. ولأن الحديث مع الناقد جاء إبان حضوره مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي الذي أُقيم بجدة مطلع هذا الشهر، فإنه يرى أن هذا المهرجان في حد ذاته بات يشكّل قوة إقليمية في المنطقة، وسحب البساط من عدة مهرجانات سينمائية أخرى، باعتبار أن نحو 90 في المائة من الأفلام العربية تشارك فيه بالعروض الأولى عالمياً أو إقليمياً، وهو ما يراه يرتقي بصناعة الأفلام المحلية.

 

⁨الفيلم السعودي «مندوب الليل) شارك في ٦ مهرجانات وتصدر شباك التذاكر (الصورة من imdb)⁩

سينما الواقع

ويبدو واضحاً خروج الأفلام السعودية من عباءة الكوميديا والأعمال المتشابهة إلى عوالم سينما الواقع، عبر قصص مستوحاة مما يعايشه الفرد السعودي ويصادفه في الشارع العام، وأوضح مثال على ذلك فيلم «مندوب الليل»، الذي حقق نجاحاً باهراً على شباك تذاكر السينما السعودية فور نزوله في 14 ديسمبر (كانون الأول)، وما زال متماسكاً وجاذباً للجمهور الذي يرى نفسه ومدينته وتحدياته داخل هذا الفيلم المليء بالمواقف الاعتيادية والشخصيات السائدة في المجتمع، من الموظف البليد، والمدير اللئيم، والفتاة الاستغلالية، والعاطل المُحبط، واللص الفاسد، وغيرهم.

وجنح بعض الأفلام بقوة أكبر تجاه سينما الواقع المستوحاة من أحداث حقيقية، مثل «الهامور ح.ع» للمخرج عبد الإله القرشي، فالفيلم الذي تناول واحدة من أشهر قصص الاحتيال التي عايشها السعوديون قبل نحو عقدين من الزمان، حقق نجاحاً جيداً في شباك التذاكر فور نزوله، وكان أول فيلم سعودي يُعرض تجارياً في صالات السينما المصرية، علاوة على اختياره لتمثيل السعودية في جائزة الأوسكار 2024، ورغم أنه استُبعد من القائمة القصيرة للجائزة، فإنه عاد للدخول بقوة في ترشيحات جوائز «جوي أوردز».

الفيلم الذي صنعه القرشي بتأنٍّ واضح، يعدّ أضخم إنتاج سينمائي سعودي، شارك فيه نحو ألف ممثل ما بين الرئيسيين والثانويين والكومبارس، وجرى تصويره في نحو 160 موقعاً، مع ما تطلبته القصة التي تتناول بداية الألفية من محاكاة تلك الفترة الزمنية بسياراتها وأبنيتها وأزيائها وأجهزتها وفنها وكل ما فيها، مما يجعل تكلفة الإنتاج العالمية مفهومة هنا، قياساً على حذاقة الجمهور السعودي المتشبع سينمائياً والمعتاد على الأفلام المتقنة، وهو ما جعل «الهامور ح.ع» يحاكي هذه التطلعات بأكبر قدر ممكن، مادياً وفنياً.

 

فيلم (نورة) الفائز بجائزة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (الصورة من imdb)

 

أعمال جدليّة

وربما لا يوجد فيلم سعودي حقق جدلاً يضاهي ما حدث مع فيلم «ناقة» للمخرج مشعل الجاسر، وهو فيلم شارك في مهرجانات سينمائية عده قبيل عرضه على منصة «نتفليكس» في السابع من ديسمبر، وتصدر قائمة الأفلام الأعلى مشاهدة في السعودية وثلاث دول خليجية أخرى، لأكثر من أسبوعين، مع نقاشات مطوّلة عبر منصات التواصل الاجتماعي ما بين ممتعض ومعجب بهذا الفيلم.

إذ تكمن غرابة «ناقة» في خروجه عمّا اعتاد عليه المشاهد السعودي؛ في قصة الفيلم التي تتمحور حول فتاة تهرب من قيود والديها، وتخرج خلسةً في موعد غرامي مع صديقها الذي يَعِدها بسهرة حافلة في مخيّم وسط الصحراء، لتواجه الكثير من المفاجآت في هذه الرحلة المجنونة، بيد أن الجمهور عدّه فيلما جريئاً في طرحه، وانقسم حول مضمون القصة ونوعية السرد السينمائي المستخدم في الفيلم.

قوالب جديدة

وعند الحديث عن تصدّر «نتفليكس» يأتي فيلم «راس براس» للمخرج مالك نجر، وهو حالة سينمائية مختلفة تُكمل رحلته في مشروعه السابق «مسامير»، والفيلم الذي صدر في أغسطس (آب) الماضي تدور قصته حول سائق أجرة بسيط يقوم عن طريق الخطأ بنقل زعيم عصابة متقاعد، لتبدأ حينها مغامرة مصيرية جامحة داخل بلدة «بذيخة» المخيفة، ولكن بطابع كوميدي. وأوضح نجر في حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» أن فيلمه يأتي من فئة مختلفة ويأخذ مواد كثيرة من أفلام «الويسترن سباغيتي»، وهذا التأثير لا يقتصر على القصة فحسب، ولكن حتى من حيث التقنيات المستخدمة، بما فيها «الساوندتراك» -الموسيقى التصويرية- وهذا يعني أن هناك محاولة للتجديد والابتكار في التقنيات السينمائية، من صُناع الأفلام.

ابتعاد عن النمطيّة

يُخطئ من يعتقد أن الأفلام السعودية الجديدة قائمة على الأفكار الجريئة فقط، فهناك أفلام عائلية أيضاً صدرت هذا العام، من أبرزها «طريق الوادي» للمخرج خالد فهد، الذي أكد بفيلمه أن السينما السعودية غزيرة بالتنوّع ومُرضية لمختلف الأذواق والأعمار، وهو فيلم عُرض في صالات السينما في السادس من يوليو (تموز) الماضي، بعد مشاركته في عدة مهرجانات سينمائية، ويعتمد إلى حد كبير على الخيال والمغامرة.

وكان هناك فيلم سعودي آخر حاول الخروج عن النمط السائد، وهو «عبد» للمخرج منصور أسد، إذ تناول السفر عبر الزمن لتعديل أخطاء الماضي، كما نال جائزة النخلة الذهبية لأفضل فيلم طويل في الدورة التاسعة من مهرجان أفلام السعودية، مايو (أيار) الماضي، ثم نزل في صالات السينما في 26 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

 

الفيلم السعودي (ناقة) حقق مشاهدات عالية وأثار جدلًا واسعا (الصورة من نتفليكس)

وجوه جديدة

وقدم عام 2023 وجوهاً سينمائية جديدة برعت في أول أدوارها، من ذلك الممثلة السعودية الصاعدة أضواء بدر التي كانت بطلة فيلم «ناقة» وحازت إشادة واسعة من النقاد والجمهور بعد عرض الفيلم، إلى جانب الممثل السعودي فهد القحطاني الذي كان بطل «الهامور ح.ع» وتمكن من خلاله من تقديم بصمة سينمائية مختلفة بين نجوم جيله. يضاف إلى ذلك الممثلة الشابة نور الخضراء، التي خطفت الأنظار خلال فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي، في مشاركتها لفيلم «حوجن» الذي فازت من خلاله بجائزة النجم الصاعد في الدورة الثالثة من المهرجان.

وقبيل بدء عام 2024 يترقب الجمهور عدداً من الأفلام التي حققت نجاحاً في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي هذا العام، من ذلك «حوجن» للمخرج ياسر الياسري، المنتظر عرضه في صالات السينما في 4 يناير (كانون الثاني)، يليه «هجان» للمخرج أبو بكر شوقي، المقرر عرضه في السينما في 18 يناير، إضافةً إلى «نورة» للمخرج توفيق الزايدي والحائز جائزة أفضل فيلم سعودي ضمن الجوائز المقدمة من فيلم العُلا في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، وحتى الآن لم يُحدد تاريخ عرضه... وكل هذه الأفلام وغيرها من أعمال مرتقبة تُنبئ بأن العام المقبل سيكمل مسيرة توهّج السينما السعودية.


مقالات ذات صلة

شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

سينما «خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)

شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

يحاصر المخرج محمد حمّاد شخصياته بأوضاع اجتماعية جادّة. ولأنها جادّة فهي أيضاً صعبة.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» تولدت خلال جنازة والده.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

ممثلون كبار ندموا على أدوار قدّموها وتجاورت على رفوف منازلهم جوائز الأوسكار مع جوائز الراتزي عن أسوأ أداء... مَن هم هؤلاء النجوم؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

قالت المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم» لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)

شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

قال المخرج البنغالي رضوان شهريار سوميت، إن فيلمه «ماستر» جاء نتيجة مراقبة طويلة للتحولات الاقتصادية التي تشهدها بلاده.

أحمد عدلي (القاهرة )

«الدهشة في اليد»... متحف إيطالي يفتح روائعه الرخامية للمكفوفين

اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)
اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)
TT

«الدهشة في اليد»... متحف إيطالي يفتح روائعه الرخامية للمكفوفين

اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)
اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)

يتهيّأ متحف «كنيسة سانسيفيرو» في مدينة نابولي الإيطالية لتقديم تجربة فنّية فريدة لعشرات الزائرين من ضعاف البصر والمكفوفين، عبر إتاحة فرصة نادرة لهم لملامسة أعمال فنّية شهيرة، من بينها تمثال «المسيح المحجَّب» الذي يعدُّه كثيرون أحد أهم روائع النحت في التاريخ.

وذكرت «الغارديان» أنه في 17 مارس (آذار) الحالي، يستضيف المتحف مبادرة بعنوان «الدهشة في متناول اليدّ»، نُظِّمت بالتعاون مع الاتحاد الإيطالي للمكفوفين وضعاف البصر في نابولي، وتتيح لنحو 80 زائراً من المكفوفين وضعاف البصر فرصة التعرُّف من قرب إلى روائع الأعمال الفنية الرخامية المعروضة في الكنيسة.

وسيُرشد الزائرين خلال الجولة مرشدون من ضعاف البصر أيضاً، ضمن برنامج يهدف إلى وضع مفهوم الإتاحة في صميم التجربة المتحفية.

تحفة رخامية يأسر فيها الكفن المنحوت الجسد بواقعية مدهشة (إ.ب.أ)

وخلال الفعالية، ستُزال الحواجز الواقية المحيطة بالتماثيل، بما يسمح للمشاركين، بعد ارتداء قفازات من اللاتكس، باستكشاف السطح الرخامي الدقيق للمنحوتات عبر اللمس، ومن بين تلك الأعمال تمثال «المسيح المحجَّب» الذي نحته جوزيبي سانمارتينو، ويُجسّد السيد المسيح مغطّى بكفن شفاف نُحت من الكتلة الحجرية نفسها. كذلك يشمل المسار اللمسي النقوش البارزة عند قدمَي تمثالَي «العفّة» (لا بوديتشيزيا) و«التحرّر من الوهم» (إل ديزينغانو).

وقالت المرشدة كيارا لوكوفاردي لوكالة الأنباء الإيطالية «أنسا»: «إن الرداء الذي يغطّي المسيح استثنائي حقاً. من الصعب تصوُّر كيف تمكّن سانمارتينو من نحته. إنه لغز عصيّ على التفسير، سواء لمَن يبصرون أو لمَن لا يبصرون. وعندما تلمسه تشعر كأنَّ العروق تنبض تحته».

وانتهى العمل على تمثال «المسيح المحجَّب» عام 1753، ويُعد من أكثر الإنجازات إثارة للدهشة في فنّ الرخام؛ إذ تبدو شفافية الكفن الذي يغطي جسد المسيح واقعية إلى حد أنّ كثيرين لا يزالون يعتقدون أنه نتاج سرّ كيميائي مفقود قادر على تحويل القماش إلى حجر.

وقالت رئيسة متحف كنيسة «سانسيفيرو» ماريا أليساندرا ماسوتشي: «تأتي هذه المبادرة ضمن برنامج أوسع يهدف إلى إنشاء فضاء ثقافي شامل ومتاح للجميع، عبر مسارات وأدوات مُصمَّمة لتلبية الحاجات المختلفة لزائري المتحف».

تجربة حسّية تسمح للمكفوفين باكتشاف فنّ النحت عبر لمس أدق تفاصيل الحجر (إ.ب.أ)

من جهته، قال جوزيبي أمبروسينو من الاتحاد الإيطالي للمكفوفين وضعاف البصر إنّ المشروع يجسّد مبدأ أوسع مفاده أنّ الاستمتاع بالجمال ينبغي أن يكون حقاً إنسانياً عاماً وعالمياً.

وأضاف: «لا ينبغي أن يكون الفنّ امتيازاً مقتصراً على البصر، فمشروعات الإتاحة مثل هذه تُحوّل المتحف إلى فضاء حقيقي للاحتواء والإدماج، وتؤكد أنّ الفن ملك للجميع. وفي هذه الحالة لن يُسمح للزائرين بلمس التمثال الرخامي فحسب، بل سيصبح الجمال نفسه قادراً على التدفُّق عبر الأيدي ليصل مباشرة إلى القلب».


هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».