الأفلام السعودية في 2023.. مزيد من التألق والإبداع

عرض 9 منها في صالات السينما... بعضها نافس بضراوة على شباك التذاكر

مشهد من الفيلم السعودي «راس براس» (الصورة من نتفليكس)
مشهد من الفيلم السعودي «راس براس» (الصورة من نتفليكس)
TT

الأفلام السعودية في 2023.. مزيد من التألق والإبداع

مشهد من الفيلم السعودي «راس براس» (الصورة من نتفليكس)
مشهد من الفيلم السعودي «راس براس» (الصورة من نتفليكس)

كان عام 2023 سخياً مع السينما السعودية التي وثّقت علاقتها مع الجمهور، إذ نافس أكثر من فيلم سعودي على إيرادات شباك التذاكر، وعلى الرغم من قوة الأفلام العالمية التي صدرت هذا العام ونزول كبار المخرجين إلى حلبة المنافسة، فإلا أن الأفلام المحلية نجحت في توجيه بوصلة المشاهد السعودي ناحيتها، خلال فترة وجيزة، بالنظر إلى أن افتتاح دور السينما في البلاد كان قبل نحو 5 أعوام ونصف، وتحديداً في أبريل «نيسان» 2018.

ولم يكن انتزاع ثقة الجمهور هو المكسب الوحيد، بل حازت الأفلام السعودية تقدير مهرجانات سينمائية عالمية، اختارتها للعرض إلى جانب أهم الأفلام من حول العالم، من أبرزها مهرجان تورنتو السينمائي الدولي الذي قدّم 3 أفلام سعودية، في العرض العالمي الأول لها، وهي «هجان» للمخرج أبو بكر شوقي، و«مندوب الليل» لعلي الكلثمي، و«ناقة» لمشعل الجاسر، وهذه الأفلام الثلاثة شاركت لاحقاً في مهرجانات سينمائية أخرى، وحقق بعضها جوائز قيمة.

كما شهد هذا العام كثافة في عدد الأفلام السعودية التي عُرضت في صالات السينما، بمجموع 9 أفلام عُرضت في دور السينما المنتشرة في نحو 20 مدينة، بعضها حقق نجاحاً جماهيرياً والبعض الآخر لم يحالفه الحظ، وهي: «سطار»، و«الهامور ح.ع»، و«عياض في الرياض»، و«ملك الحلبة»، و«أغنية الغراب»، و«تشيللو»، و«عبد»، و«مندوب الليل»، و«طريق الوادي». علاوة على أفلام سعودية أخرى صدرت هذا العام واقتصر عرضها على المنصات الإلكترونية.

ازدياد وتبايُن

الناقد السينمائي طارق الشناوي يرى خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الأفلام السعودية بدأت «تزداد وتتباين في آن واحد»، وهو ما يراه أمراً منطقياً من حيث تفاوت مستوى هذه الأفلام، مشيراً إلى رغبة صناع الأفلام السعوديين في خلق تجارب جديدة ومختلفة، ويستشهد هنا بفيلم «ناقة» للمخرج مشعل الجاسر، قائلاً: «لديه حس تجريبي، وأراد أن يخرج عن الإطار التقليدي، وأراه نجح في ذلك».

ويعتقد الشناوي أنه في حالة استمرارية الأفلام السعودية على هذه الوتيرة المتسارعة فإنها ستشكل علامة فارقة في خريطة السينما الإقليمية والعالمية. ولأن الحديث مع الناقد جاء إبان حضوره مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي الذي أُقيم بجدة مطلع هذا الشهر، فإنه يرى أن هذا المهرجان في حد ذاته بات يشكّل قوة إقليمية في المنطقة، وسحب البساط من عدة مهرجانات سينمائية أخرى، باعتبار أن نحو 90 في المائة من الأفلام العربية تشارك فيه بالعروض الأولى عالمياً أو إقليمياً، وهو ما يراه يرتقي بصناعة الأفلام المحلية.

 

⁨الفيلم السعودي «مندوب الليل) شارك في ٦ مهرجانات وتصدر شباك التذاكر (الصورة من imdb)⁩

سينما الواقع

ويبدو واضحاً خروج الأفلام السعودية من عباءة الكوميديا والأعمال المتشابهة إلى عوالم سينما الواقع، عبر قصص مستوحاة مما يعايشه الفرد السعودي ويصادفه في الشارع العام، وأوضح مثال على ذلك فيلم «مندوب الليل»، الذي حقق نجاحاً باهراً على شباك تذاكر السينما السعودية فور نزوله في 14 ديسمبر (كانون الأول)، وما زال متماسكاً وجاذباً للجمهور الذي يرى نفسه ومدينته وتحدياته داخل هذا الفيلم المليء بالمواقف الاعتيادية والشخصيات السائدة في المجتمع، من الموظف البليد، والمدير اللئيم، والفتاة الاستغلالية، والعاطل المُحبط، واللص الفاسد، وغيرهم.

وجنح بعض الأفلام بقوة أكبر تجاه سينما الواقع المستوحاة من أحداث حقيقية، مثل «الهامور ح.ع» للمخرج عبد الإله القرشي، فالفيلم الذي تناول واحدة من أشهر قصص الاحتيال التي عايشها السعوديون قبل نحو عقدين من الزمان، حقق نجاحاً جيداً في شباك التذاكر فور نزوله، وكان أول فيلم سعودي يُعرض تجارياً في صالات السينما المصرية، علاوة على اختياره لتمثيل السعودية في جائزة الأوسكار 2024، ورغم أنه استُبعد من القائمة القصيرة للجائزة، فإنه عاد للدخول بقوة في ترشيحات جوائز «جوي أوردز».

الفيلم الذي صنعه القرشي بتأنٍّ واضح، يعدّ أضخم إنتاج سينمائي سعودي، شارك فيه نحو ألف ممثل ما بين الرئيسيين والثانويين والكومبارس، وجرى تصويره في نحو 160 موقعاً، مع ما تطلبته القصة التي تتناول بداية الألفية من محاكاة تلك الفترة الزمنية بسياراتها وأبنيتها وأزيائها وأجهزتها وفنها وكل ما فيها، مما يجعل تكلفة الإنتاج العالمية مفهومة هنا، قياساً على حذاقة الجمهور السعودي المتشبع سينمائياً والمعتاد على الأفلام المتقنة، وهو ما جعل «الهامور ح.ع» يحاكي هذه التطلعات بأكبر قدر ممكن، مادياً وفنياً.

 

فيلم (نورة) الفائز بجائزة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (الصورة من imdb)

 

أعمال جدليّة

وربما لا يوجد فيلم سعودي حقق جدلاً يضاهي ما حدث مع فيلم «ناقة» للمخرج مشعل الجاسر، وهو فيلم شارك في مهرجانات سينمائية عده قبيل عرضه على منصة «نتفليكس» في السابع من ديسمبر، وتصدر قائمة الأفلام الأعلى مشاهدة في السعودية وثلاث دول خليجية أخرى، لأكثر من أسبوعين، مع نقاشات مطوّلة عبر منصات التواصل الاجتماعي ما بين ممتعض ومعجب بهذا الفيلم.

إذ تكمن غرابة «ناقة» في خروجه عمّا اعتاد عليه المشاهد السعودي؛ في قصة الفيلم التي تتمحور حول فتاة تهرب من قيود والديها، وتخرج خلسةً في موعد غرامي مع صديقها الذي يَعِدها بسهرة حافلة في مخيّم وسط الصحراء، لتواجه الكثير من المفاجآت في هذه الرحلة المجنونة، بيد أن الجمهور عدّه فيلما جريئاً في طرحه، وانقسم حول مضمون القصة ونوعية السرد السينمائي المستخدم في الفيلم.

قوالب جديدة

وعند الحديث عن تصدّر «نتفليكس» يأتي فيلم «راس براس» للمخرج مالك نجر، وهو حالة سينمائية مختلفة تُكمل رحلته في مشروعه السابق «مسامير»، والفيلم الذي صدر في أغسطس (آب) الماضي تدور قصته حول سائق أجرة بسيط يقوم عن طريق الخطأ بنقل زعيم عصابة متقاعد، لتبدأ حينها مغامرة مصيرية جامحة داخل بلدة «بذيخة» المخيفة، ولكن بطابع كوميدي. وأوضح نجر في حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» أن فيلمه يأتي من فئة مختلفة ويأخذ مواد كثيرة من أفلام «الويسترن سباغيتي»، وهذا التأثير لا يقتصر على القصة فحسب، ولكن حتى من حيث التقنيات المستخدمة، بما فيها «الساوندتراك» -الموسيقى التصويرية- وهذا يعني أن هناك محاولة للتجديد والابتكار في التقنيات السينمائية، من صُناع الأفلام.

ابتعاد عن النمطيّة

يُخطئ من يعتقد أن الأفلام السعودية الجديدة قائمة على الأفكار الجريئة فقط، فهناك أفلام عائلية أيضاً صدرت هذا العام، من أبرزها «طريق الوادي» للمخرج خالد فهد، الذي أكد بفيلمه أن السينما السعودية غزيرة بالتنوّع ومُرضية لمختلف الأذواق والأعمار، وهو فيلم عُرض في صالات السينما في السادس من يوليو (تموز) الماضي، بعد مشاركته في عدة مهرجانات سينمائية، ويعتمد إلى حد كبير على الخيال والمغامرة.

وكان هناك فيلم سعودي آخر حاول الخروج عن النمط السائد، وهو «عبد» للمخرج منصور أسد، إذ تناول السفر عبر الزمن لتعديل أخطاء الماضي، كما نال جائزة النخلة الذهبية لأفضل فيلم طويل في الدورة التاسعة من مهرجان أفلام السعودية، مايو (أيار) الماضي، ثم نزل في صالات السينما في 26 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

 

الفيلم السعودي (ناقة) حقق مشاهدات عالية وأثار جدلًا واسعا (الصورة من نتفليكس)

وجوه جديدة

وقدم عام 2023 وجوهاً سينمائية جديدة برعت في أول أدوارها، من ذلك الممثلة السعودية الصاعدة أضواء بدر التي كانت بطلة فيلم «ناقة» وحازت إشادة واسعة من النقاد والجمهور بعد عرض الفيلم، إلى جانب الممثل السعودي فهد القحطاني الذي كان بطل «الهامور ح.ع» وتمكن من خلاله من تقديم بصمة سينمائية مختلفة بين نجوم جيله. يضاف إلى ذلك الممثلة الشابة نور الخضراء، التي خطفت الأنظار خلال فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي، في مشاركتها لفيلم «حوجن» الذي فازت من خلاله بجائزة النجم الصاعد في الدورة الثالثة من المهرجان.

وقبيل بدء عام 2024 يترقب الجمهور عدداً من الأفلام التي حققت نجاحاً في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي هذا العام، من ذلك «حوجن» للمخرج ياسر الياسري، المنتظر عرضه في صالات السينما في 4 يناير (كانون الثاني)، يليه «هجان» للمخرج أبو بكر شوقي، المقرر عرضه في السينما في 18 يناير، إضافةً إلى «نورة» للمخرج توفيق الزايدي والحائز جائزة أفضل فيلم سعودي ضمن الجوائز المقدمة من فيلم العُلا في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، وحتى الآن لم يُحدد تاريخ عرضه... وكل هذه الأفلام وغيرها من أعمال مرتقبة تُنبئ بأن العام المقبل سيكمل مسيرة توهّج السينما السعودية.


مقالات ذات صلة

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

يوميات الشرق الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم…

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر.

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )
يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» مهرجانات عديدة، حصد فيها، ما يزيد على 35 جائزة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)
يُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً (هيئة الترفيه)

كشف المستشار تركي آل الشيخ رئيس «الهيئة العامة للترفيه» السعودية عن إنجاز جديد حققه «موسم الرياض»، بعد تصدّره قائمة العلامات التجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصوله على المركز الأول ضمن جوائز Loeries العالمية المتخصصة في الإبداع الإعلاني، فيما تصدّر الشريك الإبداعي للموسم BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة.

وجاء ذلك في منشور للمستشار تركي آل الشيخ عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» قال فيه: «(موسم الرياض) يتصدر العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويحصد المركز الأول ضمن جوائز LOERIES، فيما يتصدر شريكه الإبداعي BigTime Creative Shop قائمة الوكالات الإبداعية في المنطقة. إنجاز يعكس قوة الإبداع السعودي، ويؤكد حضوره المؤثر عالمياً».

تصدر «موسم الرياض» العلامات التجارية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هيئة الترفيه)

ويُعد «موسم الرياض» أبرز المواسم الترفيهية في المنطقة، ومن أهم المشاريع الوطنية التي أسهمت في إعادة تعريف صناعة الترفيه محلياً وإقليمياً، من خلال محتوى متنوع وتجارب عالمية المستوى، وشراكات إبداعية وتسويقية أسهمت في بناء علامة تجارية سعودية ذات حضور دولي، وقدرة تنافسية عالية في كبرى المحافل العالمية.

من جانبها، رسّخت BigTime Creative Shop مكانتها كإحدى أبرز الوكالات الإبداعية في المنطقة، من خلال تطوير وتنفيذ حملات نوعية لموسم الرياض، جمعت بين الطابع الإبداعي والتأثير الواسع، وأسهمت في إيصال رسالة الموسم إلى جمهور عالمي بلغات وأساليب معاصرة.

وتُعد جوائز Loeries من أعرق وأهم الجوائز المتخصصة في مجالات الإعلان، والاتصال التسويقي، والإبداع المؤسسي في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تأسست عام 1978، وتُمنح وفق معايير دقيقة تعتمد على جودة الفكرة، والابتكار، والتنفيذ، والأثر الإبداعي. ويُنظر إلى الفوز بها بوصفه اعترافاً دولياً رفيع المستوى بالتميّز والريادة في الصناعات الإبداعية.


كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.