حصاد 2023: المغرب...مهرجانات ومعارض وجوائز ومشاريع مقبلة

تأجلت مواعيد أخرى بسبب «زلزال الأطلس الكبير»

حصاد 2023: المغرب...مهرجانات ومعارض وجوائز ومشاريع مقبلة
TT

حصاد 2023: المغرب...مهرجانات ومعارض وجوائز ومشاريع مقبلة

حصاد 2023: المغرب...مهرجانات ومعارض وجوائز ومشاريع مقبلة

تميزت سنة 2023 في المغرب بتنظيم مهرجانات ومعارض وتظاهرات فنية وأدبية متنوعة غطَّت مختلف ربوع البلد، أكدت حيوية المشهد الثقافي المغربي، قبل أن يأتي زلزال الأطلس الكبير، الذي هزّ البلد يوم الجمعة 8 سبتمبر (أيلول) الماضي، ليفرض تأجيل تنظيم عدد من الفعاليات الثقافية والفنية المبرمجة. وتسبب الزلزال في انهيار عدد من المباني والآثار التاريخية بالمنطقة. وسارعت وزارة الشباب والثقافة والتواصل إلى القيام بعملية إحصاء للمباني والآثار التاريخية المتضررة، في أفق إعداد برنامج استعجالي لترميمها وتأهيلها، في مقدمتها مسجد «تنمل» التاريخي.

لم يكن مفاجئاً أن تسارع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) لإعلان انشغالها بتأثير الزلزال على الموروث التاريخي بمراكش، وغيرها من المناطق المتضررة، كما غردت مديرتها العامة أودري أزولاي، على موقع «إكس»، للتعبير عن تضامنها مع الشعب المغربي. وتأكيداً للإشعاع الذي صار للثقافة والمثقفين المغاربة في الداخل والخارج، تميزت السنة بتتويج عدد من الكتاب والفنانين المغاربة بجوائز رفيعة، وصدور عدد كبير من الإصدارات وتنظيم معارض للنشر والكتاب، فضلاً عن تلك المتعلقة بالفنون التشكيلية. كما شهدت سنة 2023 رحيل كتاب وفنانين وإعلاميين كانت لهم بصمتهم على مستوى المنجز الفني والأدبي والإعلامي للمغرب المعاصر. في هذا التقرير، استعراض مختزل لبعض ما ميَّز المشهد الثقافي المغربي، على مدار هذا العام.

مهرجانات

عاد «مهرجان كناوة وموسيقى العالم»، في دورته الـ24، إلى صيغته وشكله الطبيعيين، بعد ثلاث سنوات من التأجيل بسبب الأزمة الصحية العالمية.

وتميز برنامج هذه الدورة بفقرات موسيقية، بمشاركة فنانين من المغرب والخارج، مع تنظيم «منتدى حقوق الإنسان»، في موضوع «الهويات المتعددة وسؤال الانتماء»، ومعرض تحت عنوان «صحوة الذاكرة»، وفقرة حوارية تحت عنوان «شجرة الكلام»، وورشات موسيقية للتعريف بالتراث الكناوي واكتشاف وتعلم موسيقاه والعوالم المرتبطة به من تاريخ وأدوات وإيقاعات.

أصيلة... 44 سنة

نظمت «مؤسسة منتدى أصيلة» موسم أصيلة الـ44، في دورتين، صيفية تميزت بتنظيم معرضين للفنانة نرجس الجباري ومحمد عنزاوي، ومشاغل الفنون، وصباغة الجداريات، مع تنظيم ندوتين: الأولى عن «الفن المغربي المعاصر والسؤال الثقافي»، والثانية عن «الفن التشكيلي المغربي والتداول النقدي». كما شهدت الدورة تكريم الفنان التشكيلي المغربي عبد الكبير ربيع. فيما تميزت الدورة الخريفية بتنظيم عدد من الندوات ضمن جامعة المعتمد بن عباد المفتوحة في دورتها الـ37.

وناقشت هذه الندوات، التي شارك فيها نحو 300 من صفوة رجال السياسة والفكر والأدب والإعلام والفن التشكيلي من مختلف أنحاء العالم، قضايا حيوية آنية. كما شهدت الدورة تنظيم «ملتقى الرواية العربية»، في موضوع «الرواية العربية والخطاب البصري»، مع تسليم «جائزة محمد زفزاف للرواية العربية»، في دورتها الثامنة للروائي اللبناني رشيد الضعيف، والاحتفاء في «خيمة الإبداع» بالأكاديمي والمفكر المغربي سعيد بنسعيد العلوي. كما نظمت خلال هذه الدورة مشاغل للفنون التشكيلية، بمشاركة فنانين من المغرب والبحرين والسنغال وسوريا وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا. واستقبلت أروقة المعارض معرضين للفنانين سعيد المساري (المغرب)، وعلي علي سلطان (سوريا)، واستضاف قصر الثقافة معرضين؛ واحداً للفنان المغربي معاد الجباري، والآخر للفنانين الزيلاشيين (نسبة إلى أصيلة) الشباب. كما برمج معرض خاص بمواهب الموسم (مرسم الطفل)، مع تنظيم مشغل للتعبير الأدبي وكتابة الطفل، يعنى بالكتابة في مختلف المجالات مثل الشعر والقصة والسيناريو.

نجمة ذهبية لفيلم مغربي

في مراكش، احتفى المهرجان الدولي للفيلم، بوصوله إلى دورته العشرين، التي تميزت بفوز فيلم «كذب أبيض» لمخرجته المغربية أسماء المُدير، بالجائزة الكبرى (النجمة الذهبية)، وذلك لأول مرة في تاريخ المشاركات المغربية. وفي باقي الجوائز، فاز فيلم «عصابات» لكمال الأزرق من المغرب، وفيلم «باي باي طبريا» للينا سوالم من فلسطين (مناصفة) بجائزة لجنة التحكيم.

ومَنحت لجنة التحكيم، برئاسة الممثلة الأميركية جيسيكا شاستين، جائزة الإخراج لراماتا - تولاي سي (السنغال) عن فيلمها «بانيل وأداما». وفازت بجائزة أفضل ممثلة لأسيا زارا لاكومدزيا (البوسنة والهرسك) عن دورها في فيلم «نزهة» لأونا كونجاك. فيما فاز بجائزة أفضل ممثل دوكا كاراكاس (تركيا) عن دوره في فيلم «المهجع» لنهير تونا. واقترحت الدورة 75 فيلماً من 36 دولة، توزعتها أقسام «المسابقة الرسمية»، و«العروض الاحتفالية»، و«العروض الخاصة»، و«القارة الحادية عشرة»، و«بانوراما السينما المغربية»، و«سينما الجمهور الناشئ»، إضافة إلى الأفلام التي تم عرضها في إطار «التكريمات». وكرمت الدورة الممثل الدانماركي مادس ميكلسن، والمخرج المغربي فوزي بنسعيدي. كما استضافت 11 شخصية سينمائية، في مواعيد حوارية، ضمن فقرة «حوار مع... »، بينها الممثل والمخرج الأسترالي سيمون بيكر، والممثل الأميركي ويليم دافو، والممثل والمخرج الأمريكي - الدنماركي فيجو مورتنسن، والممثل والمخرج وكاتب السيناريو الأميركي مات ديلون، والممثلة الأسكوتلندية تيلدا سوينتون.

معارض للنشر والكتاب

شهدت 2023 تنظيم عدد من معارض النشر والكتاب، جهوية ودولية، مع مشاركة دور نشر مغربية في معارض بالخارج.

وتميزت فعاليات الدورة الـ28 لمعرض الرباط، بمشاركة 737 عارضاً، منهم 287 عارضاً مباشراً، و450 عارضاً غير مباشر، من 51 بلداً، قدموا عرضاً وثائقياً تجاوز 120 ألف عنوان.

واحتفت الدورة بالكيبيك - كندا كضيف خاص، تخليداً للذكرى الستينية لميلاد العلاقات الدبلوماسية المغربية - الكندية. كما شهدت تنظيم فعاليات متنوعة، حضرها 661 من الكتاب والمفكرين والشعراء المغاربة والأجانب، ناهزت 221 نشاطاً تضمنت ندوات موضوعاتية، ولحظات استرجاعية لفكر وإبداع بعض الرموز الثقافية التي أسست مسارات فكرية وإبداعية متميزة، إضافة إلى لقاءات مباشرة بين المبدعات والمبدعين وجمهورهم. وأطلقت وزارة الشباب والثقافة والتواصل الدورة الأولى للمعرض الدولي لكتاب الطفل والشباب، بالدار البيضاء. وتضمن برنامجها ندوات فكرية، وورشات فنية، وعروضاً مسرحية، ومعارض لوحات فنية، مع حضور لرسَّامي «مارفيل» كضيوف شرف، فضلاً عن مشاركة عارضين أجانب. وجاءت هذه التظاهرة، حسب المسؤولين المغاربة، لتعزز العرض الثقافي لمدينة الدار البيضاء، وطمحت، في دورتها الأولى، إلى إعطاء «انطلاقة لتقليد سنوي تصبح معه العاصمة الاقتصادية ضمن قائمة المدن المعدودة في العالم التي تحتضن معرضاً دولياً خاصاً بكتاب الطفل والشباب».

جوائز وإصدارات

توج عدد من الكتاب بجوائز قيمة على المستوى العربي. ومن ذلك، فوز الناقد عبد الفتاح كيليطو بجائزة الملك فيصل للغة العربية والأدب، في دورة 2023، في موضوع «السرد العربي القديم والنظريات الحديثة».

وبررت لجنة التحكيم هذا الاختيار ببراعة كيليطو في «تأويل الأعمال السردية العربية القديمة بدراسات مكثفة، أحاطت بها في شتى أنواعها»، و«تمثله المناهج النقدية الحديثة تمثلاً إيجابياً»، و«عمله على تكييفها بما يناسب رؤيته التي اتصفت بالجدة والطرافة والإبداع»، فضلاً عن تميزه بالقدرة على «تقديم السرد العربي للقارئ العام بأسلوب واضح ودقيق».

وفاز المفكر عبد السلام بن عبد العالي بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في دورتها الـ18، في فئة الدراسات الإنسانية والمستقبلية، وذلك لأنه، كما جاء في قرار لجنة التحكيم، من رواد المدرسة التفكيكية في الثقافة العربية، ويرى في الأدب والكتابة والترجمة مداخل مهمة للفلسفة، فيما تتميّز أعماله بأسلوب سهل يقارب بين المتخصّص وغير المتخصّص.

وفاز الناقد سعيد سقطين بجائزة الكويت، في دورتها الـ41، التي تمنحها «مؤسسة الكويت للتقدم العلمي»، وذلك في مجال العلوم الإنسانية والفنون والآداب عن موضوع «الأدب والفن في العالم العربي: تخصّص علم السرديات».

وقالت المؤسسة المانحة للجائزة إن تتويج يقطين جاء «تقديراً لأبحاثه في مجال السرديات ونظرية الأدب والنقد الأدبي والتراث السردي العربي الإسلامي والثقافة الشعبية والنص المترابط».

وفاز الكاتب أنيس الرافعي بجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، في دورته الخامسة، بمجموعته «سيرك الحيوانات المتوهمة».

وفي الإصدارات واصل المبدعون المغاربة رحلة الإبداع والنشر، من داخل وخارج المغرب. كما كان للكتاب المغاربة نصيب على مستوى الترجمة، ومن ذلك صدور ترجمات لإبداعات عدد منهم، أو ترجمة آخرين لكتابات بلغات أخرى إلى العربية.

«يونسكو» و«إيسيسكو»

وافقت اللجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونيسكو، في إطار دورتها 18، على طلب المغرب المتعلق بإدراج فن «الملحون» في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.

وجاء هذا الإدراج ليؤكد اعترافاً دولياً بإرث مغربي أصيل، وبرافد مهم من الروافد الفنية الغنية للمغرب، ومكون مرجعي من مكونات الهوية الثقافية المغربية العريقة، كما يُعد ترسيخاً للمجهودات التي يبذلها البلد في مجال صيانة وحفظ التراث الثقافي المغربي.

ويتوفر المغرب، بعد تسجيل عنصر «الملحون»، على 13 عنصراً مسجلاً بالقائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لليونيسكو. كما صادقت لجنة التراث في العالم الإسلامي، التابعة لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، خلال اجتماعها الحادي عشر، على إدراج 8 عناصر من التراث غير المادي باسم المغرب، يتعلق الأمر بصناعة الحلي من الخرز، ونسج الحايك والبرنوص بفجيج، والدباغة، وفن فروسية (ماطا)، وخزف آسفي، والتلبي، وأغاني ورقصة عواد آيت بعمران، واللعبة التقليدية «السيك». وبإدراج هذه العناصر، يرتفع رصيد المغرب من العناصر المسجلة في قائمة الإيسيسكو إلى 54 عنصراً، لتتموقع كأول دولة إسلامية في الترتيب.

رحيل كتاب وفنانين

عرفت 2023 رحيل عدد من الأسماء التي طبعت المشهد الثقافي المغربي المعاصر، بينها الروائي بهاء الدين الطود، الذي عرف روائياً وقاصاً وكاتب مقالة صحافية وأدبية، في الصحافة الوطنية والأجنبية. وصدرت له مجموعة من الأعمال الأدبية، من أشهرها روايته الأولى «البعيدون»، فضلاً عن مجموعة نصوص أخرى، روائية وسيرية، من قبيل روايته «أبو حيان في طنجة». كما رحل الكاتب الصحافي عبد اللطيف جبرو، بعد حياة غنية بالعمل السياسي والصحافي والثقافي، تاركاً كتباً عديدة على علاقة بالتاريخ المعاصر للمغرب، منها «عبد الرحيم بوعبيد: سيادة الوطن وكرامة المواطن»، و«المهدي بنبركة»، في ثلاثة أجزاء: «الرياضيات مدرسة للوطنية» و«بناء الوطن... معركة أقوياء النفوس» و«في مواجهة العاصفة». كما أصدر «الحقيقة أولاً... مغرب الأمس القريب». ورحل خليل الهاشمي الإدريسي، سادس مدير عام لوكالة المغرب العربي للأنباء منذ تأسيسها في 31 مايو (أيار) 1959. وفضلاً عن انشغالاته الإعلامية، ترك الراحل عدداً من الإصدارات الفكرية والأدبية، بينها «أوراق زرقاء»، و«اجتياح اللا شيء»، و«ملاذات»، و«الإيمان لا يستدعى سوى أيام العيد» و«أنطولوجيا متحولة».

وفي الميدان الفني، رحل عدد من الفنانين الذين أغنوا المشهد الفني المغربي على مدى سنوات، بينهم مولاي الطاهر الأصبهاني، عضو مجموعة «جيل جيلالة» الموسيقية، والممثلة خديجة أسد، التي شكلت برفقة زوجها الراحل سعد الله عزيز واحداً من أفضل الثنائيات الفنية التي أمتعت المشاهد المغربي في العقود الأخيرة.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.