فيلم «ناقة»... حكاية تحذيرية بطلته تنجو من الموت بفضل حذائها

مشهد من الفيلم أثناء عرضه في القاعة الكبرى للمهرجان (الشرق الأوسط)
مشهد من الفيلم أثناء عرضه في القاعة الكبرى للمهرجان (الشرق الأوسط)
TT

فيلم «ناقة»... حكاية تحذيرية بطلته تنجو من الموت بفضل حذائها

مشهد من الفيلم أثناء عرضه في القاعة الكبرى للمهرجان (الشرق الأوسط)
مشهد من الفيلم أثناء عرضه في القاعة الكبرى للمهرجان (الشرق الأوسط)

بعد الاستماع إلى نصيحة أمها بأن تسلك الطريق المتعرجة، وتتفادى بِرَكَ الماء، وبألا تتحدث مع الذئب الكبير الشرير، تحملُ ذات الرداء الأحمر السلّة المملوءة بالفطائر اللذيذة، وتُسلِم قدميها إلى الطريق المتعرجة الموصلة إلى كوخ جدتها على الطرف الآخر من الغابة. في أثناء سيرها، تلتزم الطفلة بثلثي نصيحة أمها، ولكن تعجز عن إبقاء فمها مغلقاً عندما يبادرها الذئب بالسؤال عن وجهتها، فتخبره بأنها تحمل طعاماً إلى جدتها طريحة الفراش في كوخها في الناحية الأخرى من الغابة. وتضيف أن لكوخ جدتها باباً أخضر. وبينما ذات الرداء الأحمر تسير متمهلة مستغرقة في الغناء، يصل الذئب الجائع إلى كوخ الجدة... إلى نهاية القصة.

في 2004، أنجز المخرج بول هاغيس فيلمه «تصادم»، الذي اشترك في كتابة قصته مع بوبي موريسكو. وفاز «تصادم» بأوسكار أفضل فيلم. وكانت قائمة الممثلين والممثلات فيه مرصعة بالنجوم؛ ساندرا بولوك، ودون تشيادل، وجينيفير إسبوسيتو، ومات ديلون، وبريندان فريزر، وتِرنس هوارد، وثاندي نيوتن، وآخرين. أسماء كثيرة متعددة الخلفيات العرقية والإثنية والطبقية. تتقاطع وتتشابك حكاياتها بعضها مع بعض، لكن العلاقات بين أصحابها موسومة بالتوتر وملوثة بالتحيزات العنصرية والرهاب والجهل والأفكار المسبقة. هذا هو حال الشخصيات في البداية، لكن لأن التغير موضوع وثيمة كل القصص والروايات والأفلام، لا يبدو بعضها في النهاية كما كان في البداية. اقترب بعضها من بعض، إذ تحررت «نسبياً» من تحيزاتها والكره المتوارث وجهلها بالآخرين. تعرّض الفيلم لموجةٍ من الانتقادات لما اعتبره البعض تسطيحاً وتبسيطاً في معالجته لقضايا مثل العنصرية. انتقادات لا تفتقر إلى الصواب، لكنه يظل رغم ذلك فيلماً متميزاً وممتعاً، شاهدته قبل سنوات، وشاهدته مرة ثانية قبل كتابة هذه المقالة.

ما العلاقة بين قصة «ذات الرداء الأحمر» والفيلم «تصادم»؟ أتوقع أن يتشكل هذا السؤال في أذهان البعض. في الحقيقة، ثمة علاقة تربطهما، وتمتد منهما إلى مئات من الحكايات والقصص والأفلام، فكل منها يروي ما تسمى «حكاية تحذيرية cautionary tale». «ذات الرداء»، وكذلك «تصادم». وبقدر ما تهدف أفلام الحكايات التحذيرية إلى الإمتاع والترفيه، تقدم نفسها كمرايا مرفوعة - منصوبة في مواجهة الواقع، تتفيأ أن تكون قوة للتغيير، أو إثارة النقاش والجدل حول قضايا مجتمعية معينة، أو تقديم رسائل أخلاقية ودينية وسياسية، أو للتذكير بأن ما يتخذ من قرارات أو ما يرتكب من أخطاء وخطايا تكون لها نتائج وخيمة، أو قد تكون كذلك. تتوزع أفلام الحكايات التحذيرية على كل خانات التصنيف للأفلام السينمائية، وتشكل الغالبية العظمى من أفلام الرعب والإثارة.

يمكن القول إن فيلم «ناقة» للمخرج السعودي مشعل الجاسر حكاية تحذيرية. هكذا يبدو من وجهة نظري. ليس هذا إسقاطاً، إنما استنتاج مبني على ما يتوفر فيه من خصائص وعناصر الحكاية التحذيرية، كما أتمنى أن يبدو واضحاً في هذه القراءة.

لا أختلف مع من يرى أن ثمة جرأة في تقديم وتصوير الفيلم لفتاة تتعاطى المخدرات وتجرؤ على كسر التابو الديني والمجتمعي في نفس الوقت بالخروج مع صديقها في خلوة في الصحراء. لكن «ناقة»، من منظور آخر، يتضمن ما يبدو عقاباً قاسياً ومؤذياً نفسياً وجسدياً لبطلته سارة (أضواء بدر) لتجرؤها على كسر التابو، ممهدةً الطريق إلى ذلك بالكذب على والديها. لذلك لا يبدو «ناقة» ترويجاً للصداقة بين الجنسين ولخلواتهم سواء في الصحراء أو أي أمكنة أخرى. ولا يبدو أيضاً أن صانع الفيلم الضمني (صانع الفيلم كما أتصوره) ينظر بعين الرضا إلى العلاقة بين سارة وصديقها سعد (يزيد المجيول)، وإلى خروجهما إلى الصحراء، هذا ما استنتجه من سلسلة المواقف الصعبة والمخيفة التي تواجهها سارة بمفردها طوال الوقت، وتكاد تودي بها إلى الهلاك.

«النكبات» هي المفردة التي استخدمها المخرج مشعل الجاسر في وصف المواقف التي تتعرض لها سارة، في حديثه لصحيفة «الشرق الأوسط» (9 / 12 / 2023). يقول الجاسر عن «ناقة»: «لكن فيلمنا مختلف، فقصته تحدث في يوم واحد، ويمكن وصفه بالنكبات المتتالية، إذ تبدأ بموعد غرامي وتنتهي بكابوس غرامي». في الواقع إن ما يحدث لسارة كابوس لا علاقة له بالغرام. كابوس عاشته وحدها لساعات، أما صديقها سعد فلم يكن سوى نكبة من تلك النكبات التي تتعرض لها، وخيبة أمل يُعَبِّر عنها قولها صارخةً في وجهه: «والله إني مجنونة رايحة ويا واحد رخمة نص البر». أعجبتني فكرة «النكبات»، بمعنى المواقف الصعبة المُتحدية والمرعبة، وسأستمر في استخدامها إلى النهاية.

نجوم الفيلم أضواء بدر ومشعل الجاسر ويزيد المجيول (الشرق الأوسط)

لفت انتباهي تَركز النكبات في المسافة الزمنية بين خروج الصديقين من النفق ليتوغلا في الظلام حيث «الحُوار - الجمل الصغير» في انتظارهما، وبين لحظة دخول سارة النفق راكضة من دون سعد «الرخمة» لتخرج في نهايته على نور الخلاص والنجاة من النكبات الصحراوية لتصبح بالتالي، وبمفردها كما كانت سابقاً، في مواجهة ما قد يكون نكبة، أو أم النكبات، كامنة في انتظارها إذا لم تصل إلى سوق العويس في الساعة (9:59)، الموعد الذي حدده أبوها لعودتها، كسندريلا ذات الرداء الأسود، التي كان حذاؤها أحد عوامل نجاتها من الموت تحت أخفاف الناقة الغاضبة.

يؤدي اصطدام سيارة الصديقين بالجمل الصغير ثم نحره من قبل الراعي السوداني دوراً مهماً في تطور الحدث في الفيلم؛ أولاً، لكونه الشرارة التي أشعلت حقد وغضب الناقة، أي سبب النكبة الكبرى، الموقف الأشد صعوبة وتهديداً لحياة سارة، مواجهة سارة الوحيدة في ليل الصحراء مع الناقة الغاضبة في أعقاب النكبة التي تعرضت مع سعد لها، وهي إلقاء الشرطة القبض عليه لتبقى سارة تواجه خطر الموت وحدها بعد انقطاع السبل بها. وثانياً، بالإضافة إلى أنه السبب في النكبة التي كادت تودي بسارة إلى الموت والهلاك، ينبئ موت الحوار بموت الناقة أمه في حادث يكون أحد عوامل خروج سارة من الصحراء والعودة إلى الرياض عندما يقلها سائق سيارة المثلجات من موقع الحادث إلى أحد المستشفيات على الرغم من رفضها، لذا تهرب عند توقفه ودخوله المستشفى لاستدعاء من يسعفها.

لم يكتف صانع الفيلم بالمواجهة بين سارة والناقة كذروة تعقد الأحداث في الفيلم، والصراع بين سارة والطبيعة - الصحراء - الناقة، إنما استخدمها (المواجهة) أداة لكسر خطية السرد، بتجزؤ مشهد المواجهة إلى 3 أجزاء، بكلمات أخرى، إلى 3 سلاسل من اللقطات «مشهد الولادة، والجزء الأول والجزء الثاني من المواجهة»، واستخدام اثنتين منهما (السلاسل) في سرد استباقي (فلاش فوروارد) بانتزاعهما من موقعهما في التسلسل الزمني للأحداث (القصة) ووضعهما في موقعين مختلفين في زمن السرد - الخطاب في الفيلم.

فمشهد «فلاش فوروارد» ولادة الناقة يَرِدُ مبكراُ جداً للمرة الأولى، خلال الدقيقة الرابعة من بداية الفيلم - زمن السرد، مفصولاً عما قبله وعما بعده. ثم تتكرر الولادة في الجزء الثاني من مشهد المواجهة بين سارة والناقة، نحو الساعة الثامنة مساء وفقاً لزمن الحدث، وبعد ساعة و15 دقيقة من زمن الفيلم - السرد، بعد هروب المحتفلين لسبب مداهمة الشرطة للاحتفال وتوقف سيارة سعد لنفاد الوقود في البر. ثم يظهر الحوار الوليد للمرة الثالثة قرب مكان الحادث الذي أنهى حياة أمه. أما الاستباق الأول، الجزء الأول من مشهد المواجهة، فيبدأ في الدقيقة 33 (32:34) من زمن السرد، بُعَيْد وصول سعد وسارة للمخيم، وهما في طريقهما الى مكان الحفل، الساعة (06:32) من زمن القصة - الأحداث.

يبدو أن تقطيع وتوزيع مشاهد المواجهة وولادة الناقة وموتها على رقعة الخطاب للتأكيد على مركزية الناقة في الفيلم بجعلها أمام المشاهد من البداية إلى النهاية، بالإضافة إلى كسر خطية السرد.

ليس في «ناقة» سوى نكبات تواجه سارة أنى تلتفت، حتى المخيم حيث الاحتفال الذي يفترض أن تقتنص خلاله لحظات من البهجة، كان فضاءً مزروعاً بنكبات متتالية وجدت سارة نفسها وحيدة في مواجهتها، بداً من هلوستها تحت تأثير المخدر، والاختفاء الأول الغامض لسعد، ودخولها في شجار ومشادة كلامية مع الشاعر الدعي أبو فهد حمد الوسواس (جبران الجبران) ومع فتاتين في الحفل، وتحرش شابين بها، عرض أحدهما «تضبيطها»، قبل أن تتعرض للتحرش من قبل الشبان الثلاثة أمام محل تأجير الدبابات.

«ناقة» حكاية تحذيرية، تبدو فيها النكبات التي تمر بها سارة وتنجو منها كالعقاب على كسرها التابو والكذب على والديها. اللافت أن هجوم الناقة على سارة يبدأ مباشرة بعد إنهائها اتصال أمها بها، مدعية - كاذبة أن صديقتها هديل تناديها. لكنها نجت من أم النكبات بسبب اندلاع حريق في سوق العويس.


مقالات ذات صلة

حسين فهمي: «بوستر القاهرة السينمائي» يعبر عن موقف سياسي

يوميات الشرق حسين فهمي (حسابه على فيسبوك)

حسين فهمي: «بوستر القاهرة السينمائي» يعبر عن موقف سياسي

قال حسين فهمي إن الجدل حول ملصق المهرجان تجاهل دلالة استحضار شخصية «فؤادة» ومشهد فتح الهويس في فيلم «شيء من الخوف».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان طوكيو السينمائي ( الشركة المنتجة)

ميلتشو مانشيفسكي لـ«الشرق الأوسط»: أعالج القضايا الجادة بالسخرية

قال المخرج المقدوني ميلتشو مانشيفسكي إن فيلمه «أخت، أخ، غطاء بالوعة» بدأ من رغبته في حكي قصة عن أشخاص يعيشون على هامش المجتمع

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق مهرجان غزة لأفلام المرأة أقيم بين الأنقاض (إدارة المهرجان)

رئيس مهرجان غزة لأفلام المرأة: المخرجات الصاعدات وثقن «جرائم الاحتلال»

في مواجهة الظروف القاسية، استطاع مهرجان «غزة لأفلام المرأة» أن يُرسِّخ حضوره، ليس في المشهد السينمائي فحسب، بل في المشهد الفلسطيني أيضاً.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق ينطلق «ويك إند السينما الفرنسية» في 12 نوفمبر الحالي (المعهد الفرنسي في لبنان)

«ويك إند السينما الفرنسية» يحطّ في بيروت

تتنقّل البرمجة بين الكوميديا والمغامرات والتشويق والأعمال التاريخية والرسوم المتحرّكة، بما يتيح للجمهور اكتشاف عوالم مختلفة...

فيفيان حداد (بيروت)

«وهم المركز»... رؤية تشكيلية فلسفية للقيود التي يواجهها الإنسان

تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
TT

«وهم المركز»... رؤية تشكيلية فلسفية للقيود التي يواجهها الإنسان

تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)

ماذا لو أزحنا الإنسان عن مركز اللوحة الفنية، وأفسحنا مكانه لفراغ واسع تتوزع حوله أشكال وخطوط وعناصر تبدو للوهلة الأولى هامشية؟ وإلى أي مدى يمكن لهذا التحول أن يعكس واقع مجتمعات يتقدّم فيها حضور الجماعة على إرادة الفرد واختياراته؟

من هذا السؤال يبدأ الفنان التشكيلي المصري محمد الجنوبي تجربته في معرضه «وهم المركز... التحرك أسفل اللوحة»، المقام حتى 12 نوفمبر (تشرين الثاني) في «مركز الجزيرة للفنون» بالقاهرة، مستكشفاً عبر التكوينات البصرية علاقة الفرد بالجماعة، وما تفرضه من قيود على حريته واستقلاله، في تطلع إلى مجتمع يمتلك فيه الإنسان حق الاختيار وتقرير مصيره؛ حيث ينقل الجنوبي إلى مساحة التصوير تساؤلات تتعلق بموقع الفرد داخل المجتمع، وهيمنة الجماعة على اختياراته، وما يترتب على ذلك من تراجع استقلاليته وحريته.

وعلى امتداد نحو 80 عملاً، موزعة على 3 قاعات تحمل أسماء الفنانين أحمد صبري وراغب عياد والحسين فوزي، بالمركز، يقدم الجنوبي مشروعاً تشكيلياً فلسفياً عمل عليه طوال 4 سنوات، محاولاً من خلاله إعادة النظر في مفهوم المركز والهامش، انطلاقاً من قراءة ثقافية وتاريخية لطبيعة المجتمعات الشرقية، وما يميزها من حضور قوي للعائلة والعشيرة والجماعة في تشكيل حياة الفرد.

ويقول الجنوبي لـ«الشرق الأوسط»: «الأساس في الفن أن الإنسان يكون مركز اللوحة، لكنني أزحته من هذا الموقع ووضعته في الهامش، وتركت المركز فراغاً لونياً أو خطوطاً وأشكالاً هندسية».

يغيب الإنسان عن المساحة الرئيسية في رمز لهيمنة الجماعة (الشرق الأوسط)

ويتابع: «أردت أن أتأمل الفكرة من منظور ثقافتنا؛ فالإنسان الفرد لم يكن دائماً مركز الحياة في مجتمعاتنا، إذ لعبت العائلة والعشيرة والجماعة الدور الأكبر في تشكيل وجوده وفكره، فيما اتخذ الإنسان موقع المركز في الثقافة الغربية، قبل أن تبدأ الحداثة وما بعدها مساءلة هذه الفكرة».

ويضيف الجنوبي: «أنا مع أن يكون الإنسان في المركز، لكنني أريد أن يصل إلى هذا الموقع فعلياً، وأن يمتلك حقوقه وحرياته واستقلاله؛ فالمسألة تتعلق بمدى قدرته على اتخاذ قراراته، واختيار حياته ومستقبله واتجاهاته الفكرية والثقافية. وإلى أن يتحقق ذلك، سأظل أرسمه في الهامش أو أسفل اللوحة».

بهذا المعنى يتخذ عنوان المعرض دلالته الأساسية؛ فـ«وهم المركز» يحيل إلى تصور ثقافي واجتماعي يمنح الجماعة سلطة واسعة على الفرد الذي تظل استقلاليته محدودة.

ويؤكد الفنان أن انشغاله بالهامش لا ينطلق من مقاربة سياسية، وإنما من محاولة فهم جذور هذه العلاقة في التاريخ والثقافة، وكيف يمكن لهيمنة الجماعة أن تحد من ظهور الشخصيات المستقلة وأصحاب الرؤى المختلفة والمبدعة.

ولا يقتصر حضور الهامش على بنية اللوحة، وإنما يمتد إلى الشخصيات والحكايات التي يستحضرها الفنان. فتظهر المرأة في عدد من الأعمال باعتبارها موضوعاً لحكايات يرويها الشريط السفلي، في محاولة لإبراز أدوارها وما تعرضت له ـ رغم ذلك ـ لتهميش داخل بعض الأنساق الاجتماعية والثقافية، وهو ما يتيح قراءة إضافية للعلاقة بين الحضور الفعلي للشخصيات ومكانتها في الذاكرة الجمعية.

تفاصيل لونية وهندسية من تجربة محمد الجنوبي في معرض «وهم المركز» (الشرق الأوسط)

وتحضر الطبيعة بدورها في بعض التكوينات، من خلال نباتات ضخمة تتجاوز أحجامها المعتادة، ويضعها الفنان في علاقة متوترة مع البيئة العمرانية.

ويشرح أن هذه النباتات تبدو في حالة غضب من العشوائيات التي تزاحم المكان وتحتل مساحاته، في إشارة إلى اختلال التوازن بين الطبيعة، وما يطرأ على البيئة من تغيرات.

أما الأشكال الهندسية والتجريدية، فتؤدي دوراً أساسياً في ضبط التكوين، خصوصاً مع اتساع المساحات الخالية وتراجع العناصر البشرية.

ويوضح الجنوبي أن طبيعة المشروع فرضت عليه البحث عن حلول بصرية تحفظ توازن اللوحة؛ بحيث لا يبتلع الفراغ بقية عناصرها، ولا تفقد الأشكال المحدودة قدرتها على بناء إيقاع متماسك.

وتكشف الألوان عن صلة واضحة بذاكرة المكان الذي نشأ فيه الفنان بأسوان؛ إذ تتقدم الدرجات الترابية والبنيات الداكنة، إلى جانب الأصفر ولمسات محدودة من الأخضر.

الفنان محمد الجنوبي داخل معرضه (الشرق الأوسط)

ويقول: إن «طبيعة الجنوب، بما تحمله من صحراء وجبال وبيئة خشنة، تركت أثرها في اختياراتي اللونية، كما انعكست في بعض المفردات التي أستحضرها».

ومع ذلك لا يعد الفنان أن المعرض يُمثل نهاية مشروعه؛ فهو لا يزال يعمل على تطوير التجربة، ويتركها مفتوحة لمزيد من البحث والتجريب.


تمساح يقتحم مخبزاً... وصاحبه: لم أتوقَّع هذا ولو بعد مليون عام

دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
TT

تمساح يقتحم مخبزاً... وصاحبه: لم أتوقَّع هذا ولو بعد مليون عام

دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)

تسلّل تمساح صغير الحجم إلى مخبز في ولاية كارولاينا الشمالية الأميركية، ممّا أثار حالة من الهلع بين العاملين والزبائن.

ووفق صحيفة «نيويورك بوست»، دخل تمساح يبلغ طوله نحو 3 أقدام (91 سنتيمتراً)، مخبز «باجل دوك إكسبريس» بمدينة ساوثبورت عبر باب خلفي كان مفتوحاً.

ورصدته كاميرات المراقبة وهو يتجوَّل في غرفة التخزين، ثم يمرّ بالمطبخ وصولاً إلى المنطقة الأمامية للمخبز، قبل أن يستقرّ خلف منضدة البيع. وما إن لمح مالك المخبز جيسي دريسكول الزائر غير المتوقَّع، حتى انتفض مذعوراً وهرع إلى الخارج، ليعود سريعاً مصطحباً رجلاً آخر ليريه المشهد الصادم.

وقال دريسكول لشبكة «دبليو دبليو إيه واي» الإخبارية: «إنه أمر خارج عن المألوف تماماً بالنسبة إلى مخبز. يمكنك أن تتوقَّع رؤية كثير من الأشياء، مثل دخول الزبائن أو الأصدقاء لإلقاء التحية، لكنني لم أتخيّل طوال حياتي أن أرى تمساحاً هنا، ولو بعد مليون عام».

زائرٌ بأنياب لا تصلح لابتسامة الصباح (فيسبوك)

وأوضح مالك المخبز أنه سارع إلى الاتصال برقم الطوارئ، فتدخّلت شرطة ساوثبورت بالتعاون مع خدمات حماية الحيوانات، ونجحت في الإمساك بالتمساح ونقله بأمان إلى مكان آخر، من دون وقوع إصابات.

ونشرت شرطة ساوثبورت صوراً للزاحف الصغير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مرفقة بتعليق طريف عن وجود تمساح في الممر الأول.

وأشار دريسكول إلى أنه كان منشغلاً بتركيب فرن جديد عندما تسلّل هذا الدخيل المغطَّى بالحراشف إلى المخبز.

بدوره، علّق المخبز مازحاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأن أخبار المخبوزات الطازجة التي يقدّمها وصلت، على ما يبدو، إلى المستنقعات، مضيفاً أنّ الحادثة انتهت من دون إصابات، وإنما بزيارة زبون غير مألوف.

وفي سياق متصل، ذكرت صحيفة «الغارديان» أنّ لجنة موارد الحياة البرّية في كارولاينا الشمالية سبق أن حذّرت السكان والزائرين في المناطق الساحلية من إطعام التماسيح أو الاقتراب منها، في ظل ازدياد اللقاءات بينها وبين البشر.

وأوضح عالم الأحياء جون هنري هارلسون أنّ إطعام التماسيح يجعلها تربط وجود البشر بالحصول على الطعام، وقد يفقدها خوفها الطبيعي منهم، ممّا يزيد احتمالات وقوع مواجهات خطرة. وتوصي السلطات بعدم محاولة الإمساك بهذه الحيوانات أو التعامل معها، وتوخّي الحذر قرب المسطحات المائية.


سرّ نجاح الأطفال المتفوقين... قناعة ينبغي غرسها فيهم منذ الصغر

الأطفال الذين يعيشون في ظل «القبول المشروط» قد يطوّرون خوفاً شديداً من ارتكاب الأخطاء (بيكسلز)
الأطفال الذين يعيشون في ظل «القبول المشروط» قد يطوّرون خوفاً شديداً من ارتكاب الأخطاء (بيكسلز)
TT

سرّ نجاح الأطفال المتفوقين... قناعة ينبغي غرسها فيهم منذ الصغر

الأطفال الذين يعيشون في ظل «القبول المشروط» قد يطوّرون خوفاً شديداً من ارتكاب الأخطاء (بيكسلز)
الأطفال الذين يعيشون في ظل «القبول المشروط» قد يطوّرون خوفاً شديداً من ارتكاب الأخطاء (بيكسلز)

مع عودة الطلاب إلى المدارس هذا الخريف، يشعر كثير من الآباء برغبة في تقديم المزيد لأبنائهم، سواء من خلال الاستعانة بمعلم خصوصي، أو إضافة حصة أخرى في الرياضيات، أو تسجيلهم في نشاط إضافي بعد انتهاء اليوم الدراسي، وذلك «من باب الاحتياط» فحسب.

وتنبع هذه الرغبة من المحبة والحرص على توفير أفضل الفرص للأبناء، لكن هذه الفرص قد تتحول، في مرحلة ما، مصدراً للضغط عليهم.

وخلال ست سنوات من البحث شملت مئات الطلاب المتفوقين، توصلت جينيفر بريهيني والاس، وهي صحافية ومؤلفة حائزة جوائز، إلى أن المحرك الحقيقي للنجاح على المدى الطويل يتمثل في إيمان الفرد بأن قيمته تنبع من جوهره، ومن قدرته على إحداث تأثير إيجابي في العالم، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

وقالت والاس: «أطلق على هذا المفهوم اسم عقلية الأهمية (Mattering Mindset)».

«القبول المشروط»

يشعر كثير من الشباب اليوم بدافع تحركه المخاوف؛ إذ يخشون أن يؤدي إخفاقهم أو عجزهم عن تلبية التوقعات إلى تراجع ما يحظون به من محبة أو قبول، وكأن قيمتهم الذاتية مرهونة بمستوى أدائهم.

وفي عام 2021، تعاونت والاس مع باحث من جامعة بايلور الأميركية لدراسة تأثير «ثقافة الإنجاز» في الشباب. وكشف استطلاع أجرياه، وشمل نحو 500 طالب، عن نتيجة لافتة؛ إذ يعتقد أكثر من نصف المشاركين أن حب والديهم لهم يتغير تبعاً لمستوى أدائهم.

ويطلق علماء النفس على هذه الظاهرة اسم «القبول المشروط» (Conditional Regard)، أي أن محبة الوالدين وقبولهما يصبحان مرتبطين بتلبية الطفل توقعات معينة، سواء كانت دراسية أو رياضية أو سلوكية.

وقد ينشأ لدى الأطفال الذين يعيشون في ظل «القبول المشروط» خوف شديد من ارتكاب الأخطاء، إلى درجة أن أي تعثر بسيط قد يهز إحساسهم بقيمتهم الذاتية.

ويمكن أن يؤدي هذا النمط إلى تقويض تقديرهم لأنفسهم، وتسريع تعرضهم للاحتراق النفسي، وإشعارهم بفقدان الغاية في الحياة بمجرد توقف الإشادة والتقدير، فضلاً عن جعلهم أكثر عرضة للاكتئاب عند مواجهة الإخفاقات.

اغرس في طفلك منذ الصغر قناعة بأن له قيمة جوهرية

من المهم مساعدة الأطفال، منذ سنواتهم الأولى، على ترسيخ قناعة بأن لهم «قيمة جوهرية»، وهي الفكرة التي تقوم عليها «عقلية الأهمية» (Mattering Mindset).

فعندما يدرك الأطفال أنهم يحظون بالتقدير بغض النظر عن النتائج التي يحققونها، يصبحون أكثر استعداداً لخوض تجارب تنطوي على مخاطر محسوبة، والتعلم من أخطائهم، وبذل مزيد من الجهد، والتعافي بسرعة أكبر من الإخفاقات.

1. تعمّق في معرفة طفلك وفهم شخصيته

احرص على فهم شخصية طفلك بعمق، وكأنك تسعى للحصول على درجة الدكتوراه في معرفته.

ما الذي يثير حماسه؟ وما التحديات التي يخفيها عن الآخرين؟ وما نقاط القوة التي يمتلكها وقد لا يلاحظها المحيطون به؟ فكلما ازداد فهمنا لسماته الفريدة ومواهبه، شعر بأننا نراه على حقيقته ونقدّره كما هو.

ويُعدّ الشعور بأن الآخرين يفهمونك ويحبونك مصدراً قوياً للدافعية.

2. ذكّره بأن قيمته ثابتة ولا تقبل المساومة

عندما يتعرض طفلك لإخفاق، كأن يُستبعد من فريق رياضي أو يحصل على درجة متدنية في اختبار، ذكّره بأن قيمته الذاتية ثابتة، ولا تخضع للنقاش أو التشكيك.

وتستخدم إحدى الأمهات اللواتي قابلتهن والاس طريقة بسيطة لتوضيح هذه الفكرة؛ إذ ترفع ورقة نقدية من فئة العشرين دولاراً، وتسأل طفلها: «كم تبلغ قيمتها؟».

ثم تجعّد الورقة النقدية وتغمرها في الماء، قبل أن تعيد طرح السؤال: «كم تبلغ قيمتها الآن؟».

وتظل الإجابة عشرين دولاراً؛ فمهما تعرضت الورقة لظروف قاسية، تبقى قيمتها ثابتة، وكذلك قيمة الطفل، مهما واجه من إخفاقات أو صعوبات.

3. تعامل مع الصعوبات بفضول لا بغضب

في نهاية المطاف، يرغب جميع الأطفال في تحقيق النجاح. وإذا كان طفلك لا يحقق التقدم المتوقع، فتراجع خطوة إلى الوراء، وحاول فهم الأسباب.

هل يعاني صعوبة في التعلم لم تُشخّص بعد؟ أم يواجه مشكلة في علاقاته الاجتماعية؟ أم أن أسلوب التدريس لا يتناسب مع احتياجاته؟

فهذه التحديات ليست سوى مؤشرات تستدعي الفهم والاستكشاف.

وعندما نعبّر عن غضبنا تجاه أداء الطفل، فقد يؤدي ذلك إلى إضعاف الرابطة التي تجمعنا به.

أما التعامل بفضول ورغبة في الفهم، فيساعد على الحفاظ على هذه العلاقة، ويفتح المجال أمام طاقة إيجابية وبنّاءة.

4. احتفِ بالأثر الذي يتركه طفلك في الآخرين

احرص على إخبار طفلك عندما تُحدِث أفعاله فرقاً في حياة الآخرين، سواء من خلال مواساة أحد إخوته، أو إدخال البهجة على يوم صديق، أو ابتكار حل ذكي لمشكلة ما.

وخصص وقتاً لتذكيره بأن قيمته تتجاوز بكثير حدود إنجازاته ونتائجه.