التجارة العالمية تناقش خياراتها وسط اضطرابات البحر الأحمر

الشركات تدرس «النقل متعدد الوسائط»... والأثر الكامل يظهر بعد بداية العام الجديد

سفينة شحن نرويجية تعرضت لهجوم في البحر الأحمر يوم 12 ديسمبر الجاري (أ.ف.ب)
سفينة شحن نرويجية تعرضت لهجوم في البحر الأحمر يوم 12 ديسمبر الجاري (أ.ف.ب)
TT

التجارة العالمية تناقش خياراتها وسط اضطرابات البحر الأحمر

سفينة شحن نرويجية تعرضت لهجوم في البحر الأحمر يوم 12 ديسمبر الجاري (أ.ف.ب)
سفينة شحن نرويجية تعرضت لهجوم في البحر الأحمر يوم 12 ديسمبر الجاري (أ.ف.ب)

يسعى المصدرون بجدٍّ لإيجاد سبل بديلة سواء عن طريق الجو أو البر أو البحر لتوصيل السلع الاستهلاكية الرئيسية لتجار التجزئة، إذ تسببت سلسلة من الهجمات في البحر الأحمر في تفاقم مشكلات سلاسل توريد الشحن البحري حول العالم.

وكثفت جماعة الحوثي اليمنية المدعومة من إيران هجماتهما على السفن في البحر الأحمر منذ 19 نوفمبر (تشرين الثاني) لإظهار الدعم لحركة «حماس» مع استمرار الهجوم العسكري الإسرائيلي في غزة.

وعطلت الهجمات طريقاً تجارية رئيسية تربط أوروبا وأميركا الشمالية بآسيا عبر قناة السويس، وارتفعت تكاليف شحن الحاويات إلى أكثر من ثلاثة أمثال في بعض الأحيان بينما تسعى الشركات إلى نقل بضائعها عبر طرق بحرية بديلة أطول في كثير من الأحيان.

وقالت «ستاندرد آند بورز غلوبال» في تقرير لها إنه إذا كانت هناك اضطرابات ممتدة، فإن قطاع السلع الاستهلاكية، الذي يزوّد كبرى شركات البيع بالتجزئة في العالم مثل «وول مارت» و«إيكيا»، سيواجه التأثير الأكبر.

وأشار آلان باير، الرئيس التنفيذي لشركة «أو إل يو إس إيه» إلى أن لديه فرقاً تقدّم المشورة لعملاء الشحن والخدمات اللوجيستية للاستعداد لاضطرابات في البحر الأحمر قد تمتد لتسعين يوماً على الأقل. وقال إن «حلول عطلة عيد الميلاد لا يُحدث فرقاً. ستكون لدينا فترة هدوء من الآن حتى الثاني من يناير (كانون الثاني)، وبعد ذلك سيصيب التوتر الجميع».

وقال جان كلاين لاستويس، الرئيس التنفيذي للعمليات للشحن الجوي لدى شركة الشحن الألمانية الرائدة «هيلمان وورلد وايد لوجيستيكس»، إن الشركات تحاول الآن التحول إلى ما يسمى «النقل متعدد الوسائط» للحفاظ على سلاسل التوريد العالمية، والتي تتضمن طريقاً بحرية وجوية مشتركة.

وأضاف أن «هيلمان» شهدت زيادة في الطلب على الطريقين الجوية والبحرية المشتركة للسلع الاستهلاكية، مثل الملابس وكذلك الإلكترونيات والمواد التقنية. وقد يعني ذلك، على سبيل المثال، نقل البضائع أولاً بحراً إلى ميناء في دبي، ومن هناك يتم نقلها عن طريق الشحن الجوي. موضحاً لـ«رويترز»: «هذه الطريق البديلة تسمح للعملاء بتجنب منطقة الخطر في البحر الأحمر والرحلة الطويلة حول الطرف الجنوبي لأفريقيا».

وذكر بول براشير، وهو نائب رئيس قطاع بمجموعة سلسلة التوريد «آي تي إس لوجيستيكس»، أن بعض الشركات قد تختار استخدام الشحن الجوي للسلع العاجلة أو الحرجة بشكل خاص، لكنّ التكلفة تعني أنها ليست حلاً شاملاً.

وقال بريان بورك، كبير المسؤولين التجاريين العالميين في شركة «سيكو» للوجيستيات، إن نقل البضائع عن طريق الجو تزيد تكلفته ما بين 5 و15 مثلاً مقارنةً مع النقل البحري الذي لا تزال أسعار شحن الحاويات فيه منخفضة وفقاً للمعايير التاريخية.

وأضاف بورك، الذي تلقى بالفعل استفسارات من العملاء، أنه إذا تضاعف الوقت الذي يستغرقه توصيل البضائع إلى المستهلكين فإن المزيد من شركات الشحن ستتحول إلى النقل الجوي خصوصاً بالنسبة إلى السلع ذات القيمة العالية مثل الملابس الفاخرة والإلكترونيات باهظة الثمن.

طريق تجارة رئيسية

وقال كوري رانسلم، الرئيس التنفيذي لشركة «درياد غلوبال» البريطانية لاستشارات المخاطر البحرية والأمن، إن نحو 35 ألف سفينة تُبحر عبر منطقة البحر الأحمر سنوياً وتنقل البضائع بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، وهو ما يمثل نحو 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

وتعتمد شركات البيع بالتجزئة في الولايات المتحدة على هذه الطريق للحصول على سلع مثل الملاءات القطنية وفرش الأسنان الكهربائية من الهند والأحذية من الصين وسريلانكا.

وتابع: «في ظل تهديد ممتد، ستشهد أسعار الوقود والبضائع المتجهة إلى أوروبا ارتفاعاً كبيراً بسبب زيادة تكاليف التحويل حول أفريقيا؛ وهو ما يمكن أن يضيف نحو 30 يوماً إلى العبور اعتماداً على ميناء الوصول».

فيما قالت شركة «تيل ويند شيبينغ لاينز»، وهي شركة تابعة لسلسلة متاجر «ليدل» الألمانية، والتي تنقل السلع غير الغذائية لصالح «ليدل» وكذلك البضائع لعملاء آخرين، إنها تسلك طريق رأس الرجاء الصالح في الوقت الحالي. وأضافت: «هدفنا هو أن نبقى قريبين من جدولنا الزمني قدر الإمكان».

الغموض يسيطر

ولا تزال شركات الشحن تجهل كثيراً من الأمور المتعلقة بالتحالف البحري الدولي الجديد الذي تعمل الولايات المتحدة على تشكيله لتحقيق الاستقرار في المنطقة. وقال مصدر في صناعة الأزياء الإسبانية لـ«رويترز» إن خطوط الشحن تخبر العملاء أن الكثير من الأشياء تتوقف على قوة العمل التي تقودها الولايات المتحدة، وما إذا كان بإمكانها منع المزيد من الهجمات وجعل الطريق آمنة مرة أخرى.

وأوضح المصدر الصناعي أنه من المهم أن تتمكن الشركات الأوروبية من استخدام قناة السويس مرة أخرى لضمان إمدادات الملابس من آسيا.

وقال جيب كلولو، الشريك في مجموعة صناعة النقل التابعة لشركة المحاماة «ريد سميث»: «هذا لا يتطلب وقتاً ونفقات إضافية فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى تفاقم التأثير البيئي من خلال زيادة استهلاك الوقود».

وتعاني قناة بنما جفافاً شديداً، مما أدى إلى خفض عدد ممرات السفن التي تسمح بها. بالإضافة إلى ذلك، هناك سباق لنقل البضائع قبل إغلاق المصانع بمناسبة العام الصيني الجديد في الفترة من 10 إلى 17 فبراير (شباط) المقبل، وهو ما يمكن أن يعطل الإمدادات شهراً أو أكثر.

في الوقت نفسه، بدأ مُلّاك سفن الحاويات الكبيرة في إضافة رسوم، تشمل رسوماً إضافية لحالات الطوارئ، على الشحنات المتضررة من الاضطرابات في البحر الأحمر.

وفي إشعار للعملاء يوم الأربعاء، قالت مجموعة الشحن الفرنسية «سي إم إيه سي جي إم» إنها ستفرض رسوماً إضافية تبلغ 1575 دولاراً لكل حاوية مقاس 20 قدماً، و2700 دولار لكل حاوية مقاس 40 قدماً، و3000 دولار للحاويات المزودة بمبردات ومعدات خاصة، وذلك بالنسبة إلى البضائع المنقولة من وإلى موانئ البحر الأحمر.


مقالات ذات صلة

تركيا وكندا تتفقان على بدء محادثات استكشافية حول التجارة الحرة

الاقتصاد سفينة حاويات بميناء أمبرلي في إسطنبول (رويترز)

تركيا وكندا تتفقان على بدء محادثات استكشافية حول التجارة الحرة

ذكر بيان مشترك، الثلاثاء، أن وزيري التجارة في تركيا وكندا اتفقا على بدء محادثات استكشافية تهدف إلى إبرام اتفاقية للتجارة الحرة.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
الاقتصاد سيارات مخصصة للتصدير في ميناء بريمرهافن (رويترز)

الإنتاج الصناعي الألماني دون التوقعات رغم مفاجأة إيجابية في الصادرات

سجل الإنتاج الصناعي في ألمانيا ارتفاعاً أقل من المتوقع خلال أبريل، في إشارة إلى أن آفاق أكبر اقتصاد في أوروبا لا تزال ضعيفة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد عارضان يقفان بجانب أحدث سيارة كهربائية من شركة صناعة السيارات الصينية «بي واي دي» في بكين (أ.ب)

بيانات التجارة الصينية لشهر مايو تتجاوز التوقعات مع قفزة الصادرات بـ19.4 %

تسارع نمو الصادرات الصينية في مايو (أيار)، مدفوعاً بمسارعة المشترين الأجانب لتسليم طلبياتهم الاستباقية لتفادي تكاليف الطاقة الناجمة عن الحرب.

بندر الشريدة (بكين)
الاقتصاد شعار تطبيق «تيمو» على هاتف ذكي وفي الخلفية شعار شركة «شي إن» (رويترز)

حرب إيران تهدّد التجارة الإلكترونية الصينية

يتعثر محرك صادرات التجارة الإلكترونية الصينية مع ارتفاع أسعار وقود الطائرات وضعف الطلب من المستهلكين ذوي الدخل المنخفض في الغرب.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد يظهر العلمان الهندي والأميركي إلى جانب مجسمات لأشخاص يستخدمون أجهزة كمبيوتر محمولة في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

مخاوف العمالة القسرية تدفع واشنطن إلى اقتراح تعريفة إضافية على السلع الهندية

اقترحت الولايات المتحدة فرض رسوم تعريفة إضافية بنسبة 12.5 في المائة على الواردات القادمة من الهند.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي )

«طيران الرياض» تراهن على التوسع التدريجي مع تسارع تسلُّم طائراتها الجديدة

TT

«طيران الرياض» تراهن على التوسع التدريجي مع تسارع تسلُّم طائراتها الجديدة

لحظة تدشين طائرة «بوينغ 787» في الحفل (إكس)
لحظة تدشين طائرة «بوينغ 787» في الحفل (إكس)

طوت «طيران الرياض» مرحلة التأسيس الهيكلي لتنتقل رسمياً إلى مدرج التشغيل الفعلي، مدفوعة بـاستراتيجية توسع تدريجية ومدروسة تراهن على النمو المتسارع لقوام أسطولها الجوي، واقتراب ساعة الصفر للإطلاق التجاري للناقل الوطني الجديد للمملكة.

ومع ملامسة الطائرة الثالثة من طراز «بوينغ 787 دريملاينر» مدرج العاصمة، وبدء الطرح الرسمي لبيع التذاكر نحو أولى الوجهات المحلية والدولية، تتأهب الشركة لبناء شبكة رحلات متنامية ترتكز على تعظيم السعة التشغيلية، واستهداف الأسواق العالمية ذات الطلب المرتفع.

وتأتي هذه الخطوات المتسارعة لتترجِم على أرض الواقع مستهدفات «رؤية 2030» الرامية إلى تحويل العاصمة الرياض إلى مركز لوجستي عالمي، وحلقة وصل محورية لحركة النقل الجوي والضيافة الفاخرة بين القارات.

وقال نائب الرئيس الأول للتسويق والتواصل المؤسسي في «طيران الرياض»، أسامة النويصر، إن وصول الطائرة الثالثة يمثل «لحظة تاريخية» للشركة بعد أيام من تسلُّم أول طائرتين؛ مشيراً إلى أن هذه المرحلة تأتي تتويجاً لأكثر من 3 سنوات من العمل منذ توقيع أولى الصفقات مع شركة «بوينغ»، ضمن خطة لبناء أسطول يتجاوز 182 طائرة.

وأضاف النويصر -في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»- أن الناقل الجديد انتقل من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التشغيل الفعلي، موضحاً أن الشركة بدأت اختبارات تشغيلية مكثفة شملت تسيير رحلات يومية مباشرة بين الرياض ولندن، بهدف تقييم جودة الخدمات والمنتجات، وتجربة التشغيل قبل الإطلاق التجاري الكامل.

5 وجهات

وأوضح أن الشركة بدأت رسمياً بيع التذاكر إلى 5 وجهات، تشمل: جدة، والقاهرة، ودبي، ومدريد، ومانشستر، مؤكداً أن هذه الخطوة تمثل بداية شبكة الوجهات التي ستتوسع تدريجياً خلال الفترة المقبلة.

وأشار إلى أن «طيران الرياض» تستعد لاستقبال مزيد من الطائرات بشكل متسلسل خلال الأشهر المقبلة، بما يدعم خطط التوسع في الوجهات وزيادة السعة التشغيلية، لافتاً إلى أن الشركة تعمل حالياً على تشغيل 4 رحلات يومية بين الرياض وجدة، في إطار استراتيجية تستهدف تعزيز الربط الجوي بين العاصمة السعودية وأبرز المراكز الاقتصادية والسياحية حول العالم.

وأكد النويصر أن الشركة تدرس باستمرار إضافة وجهات داخلية ودولية جديدة، موضحاً أن الهدف لا يقتصر على زيادة عدد الرحلات؛ بل يركز على تنويع الوجهات وربط الرياض بعواصم ومدن رئيسية، بما ينسجم مع مستهدفات تحويل العاصمة إلى مركز عالمي للنقل الجوي.

الطائرة الجديدة لحظة دخولها الأجواء السعودية (إكس)

الابتكار

وقال النويصر إن الابتكار والريادة يشكلان ركيزتين أساسيتين في استراتيجية «طيران الرياض»، سواء على مستوى الخدمات المقدمة للمسافرين، أو التجربة الرقمية والتشغيلية التي تسعى الشركة إلى تقديمها.

وحول التحديات التي يشهدها قطاع الطيران عالمياً، أوضح النويصر أن الأحداث الجيوسياسية والاضطرابات التي تؤثر في سلاسل الإمداد تمثل تحديات مشتركة أمام شركات الطيران، إلا أن «طيران الرياض» تركز على اغتنام الفرص واختيار الأسواق التي تتمتع بطلب مرتفع وفرص نمو واعدة.

وكشف أن الشركة تتوقع امتلاك أكثر من 11 طائرة قبل نهاية العام الحالي، مع استمرار تسلُّم طائرات «بوينغ 787» بصورة شهرية، إلى جانب بدء تسلم طائرات «إيرباص A321» في نهاية العام، بما يعزز تنوع الأسطول ومرونته التشغيلية.

ويأتي هذا التوسع في وقت تتسارع فيه استعدادات «طيران الرياض» لإطلاق عملياتها التجارية، ضمن خطط المملكة الرامية إلى تعزيز قطاع الطيران، وزيادة الربط الجوي الدولي، تماشياً مع مستهدفات «رؤية 2030» الهادفة إلى تحويل السعودية إلى مركز عالمي للنقل والخدمات اللوجستية.

حفل تسلُّم الطائرات

وكان الناقل الجديد في السعودية قد احتفل بتسلُّم الطائرات الجديدة خلال مناسبة خاصة أقيمت في العاصمة الرياض، بحضور عدد من الوزراء والمسؤولين؛ حيث قال محافظ صندوق الاستثمارات العامة ورئيس مجلس إدارة «طيران الرياض»، ياسر الرميان، خلال الحفل، إن هذه اللحظة تجسد مستهدفات «رؤية 2030» الرامية إلى تعزيز ارتباط المملكة بالعالم ودعم التنويع الاقتصادي، مؤكداً أن الناقل الوطني الجديد يمضي نحو ترسيخ مكانة السعودية مركزاً عالمياً للنقل والخدمات اللوجستية، بينما تواصل «طيران الرياض» بناء نموذج جديد للسفر الجوي يربط الرياض بالعالم.

الرميان ودوغلاس داخل مقصورة الطائرة الجديدة مع عدد من المسؤولين (إكس)

السعودية مركز عالمي

ومع اقتراب دخول «طيران الرياض» مرحلة التشغيل التجاري، يشهد قطاع الطيران السعودي توسعاً متسارعاً تقوده الناقلات الوطنية المختلفة. وتشغِّل «الخطوط السعودية» أكثر من 530 رحلة يومياً إلى أكثر من 100 وجهة حول العالم، بينما تُسيِّر «طيران ناس» نحو ألفي رحلة أسبوعياً، بما يعادل نحو 285 رحلة يومياً. كما بدأت «طيران الرياض» عملياتها التشغيلية التجريبية عبر رحلات يومية إلى لندن قبل التوسع إلى وجهات أخرى، في حين تصل «طيران أديل» إلى 38 وجهة داخلية ودولية عبر شبكة تضم 159 مساراً جوياً.

نشأة «طيران الرياض»

وتعود جذور مشروع «طيران الرياض» إلى رؤية تستهدف تأسيس ناقل وطني جديد يدعم مستهدفات «رؤية 2030». وفي 12 مارس (آذار) 2023، أعلن الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، تأسيس «طيران الرياض» بوصفها شركة مملوكة بالكامل لـ«صندوق الاستثمارات العامة»، على أن تربط العاصمة السعودية بأكثر من مائة وجهة حول العالم بحلول عام 2030.

وكان مدير إدارة الاستثمارات المباشرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في «صندوق الاستثمارات العامة»، رائد إسماعيل، أكد أن «طيران الرياض» بدأت من حيث انتهى الآخرون؛ مشيراً إلى أن المنطقة شهدت خلال العقدين الماضيين توسعاً في شركات الطيران الاقتصادي، بينما لم تشهد تأسيس شركة طيران كبرى متكاملة تعتمد نموذجاً حديثاً منذ انطلاقها.

وحسب المعلومات، تراهن الشركة منذ بداية تأسيسها على التقنية والابتكار وتجربة العميل، لتكون من الممكِّنات الرئيسية لنمو قطاع السياحة في المملكة، وتعزيز الربط الجوي الدولي، وزيادة أعداد الزوار القادمين إليها.

وأشار إسماعيل إلى أن الناقل الجديد يستهدف تحويل الرياض إلى نقطة جذب ومسار عبور رئيسي للمسافرين، بما يسهم في ربط العاصمة السعودية بالوجهات العالمية، ويدعم الوصول إلى المشاريع الكبرى مثل: «القدية»، و«الدرعية»، و«موسم الرياض»، إلى جانب مختلف الوجهات السياحية والتنموية في المملكة.

وأضاف أن تأسيس شركة جديدة يتيح مرونة أكبر في بناء نموذج تشغيلي حديث قائم على التقنيات الرقمية والاستدامة، وتحسين تجربة المسافر، وهو ما شكل أحد المرتكزات الرئيسية لاستراتيجية «طيران الرياض» منذ إطلاق المشروع.

مساعٍ في «طيران الرياض» لتعزيز الوجهات مع دخول الطائرات الجديدة حيز التشغيل (إكس)

إعادة العصر الذهبي للطيران

وتستند استراتيجية «طيران الرياض» إلى إعادة صياغة تجربة السفر الجوي عبر الجمع بين الخدمات الفاخرة والتقنيات الرقمية الحديثة. وكان توني دوغلاس، الرئيس التنفيذي للشركة، قد أكد أن الناقل الوطني الجديد لا يهدف فقط إلى نقل المسافرين؛ بل إلى إعادة تعريف تجربة الرحلة بأكملها من خلال مزيج من الابتكار الرقمي والاتصال السلس.

وأوضح دوغلاس أن الشركة تولي اهتماماً كبيراً بأدق التفاصيل، مستلهمة تجربة العصر الذهبي للطيران عندما كانت الرحلة الجوية جزءاً من تجربة ضيافة متكاملة. وقال إن «طيران الرياض» تسعى إلى استعادة هذا المفهوم عبر تقديم تجربة راقية ومتميزة على الأرض وفي الجو، بما يعزز مكانتها لاعباً عالمياً في قطاع السفر الجوي الفاخر.

وحسب المسؤولين، فإن الذكاء الاصطناعي سيشكل أحد العناصر المحورية في نموذج التشغيل، من خلال خدمات رقمية قادرة على تخصيص تجربة المسافر، واقتراح الأنشطة والفعاليات والخيارات المناسبة له خلال رحلته، إلى جانب توفير تجربة رقمية سلسة تتيح إنجاز مختلف الخدمات بسهولة وسرعة.

وتؤكد «طيران الرياض» أنها تستهدف سوقاً قائمة تتمتع بطلب مرتفع، ولكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الخدمات والخيارات؛ حيث أكد دوغلاس أن التركيبة السكانية الشابة في السعودية والانتشار الواسع للتقنيات الرقمية يوفران بيئة مواتية لنمو الشركة.

وأضاف أن الناقل الجديد سيؤدي دوراً مهماً في دعم مستهدفات المملكة السياحية، من خلال تسهيل وصول الزوار إلى الرياض ومختلف الوجهات السعودية، وتعزيز مكانة المملكة على خريطة السفر العالمية.


كيف تحولت رسوم الذهب المرتفعة في الهند إلى محرك رئيسي للسوق السوداء؟

بائعة تعرض أساور ذهب بمتجر مجوهرات خلال مهرجان أكشايا تريتيا في كلكتا (رويترز)
بائعة تعرض أساور ذهب بمتجر مجوهرات خلال مهرجان أكشايا تريتيا في كلكتا (رويترز)
TT

كيف تحولت رسوم الذهب المرتفعة في الهند إلى محرك رئيسي للسوق السوداء؟

بائعة تعرض أساور ذهب بمتجر مجوهرات خلال مهرجان أكشايا تريتيا في كلكتا (رويترز)
بائعة تعرض أساور ذهب بمتجر مجوهرات خلال مهرجان أكشايا تريتيا في كلكتا (رويترز)

قال مسؤولون في قطاع الذهب وتجار سبائك إن الزيادة الحادة في رسوم استيراد الذهب في الهند أدت إلى تنشيط عمليات تهريب المعدن النفيس، التي قد تتجاوز 100 طن متري هذا العام، في ظل هوامش ربح مرتفعة في السوق السوداء تمكّن المهربين من تقديم أسعار أقل من البنوك ومصافي التكرير.

وكانت الهند، ثاني أكبر سوق للذهب في العالم بعد الصين، قد رفعت رسوم الاستيراد إلى أكثر من الضعف لتصل إلى 15 في المائة في مايو (أيار) بهدف كبح الطلب، وتقليص العجز التجاري، وتخفيف الضغوط على الروبية. إلا أن هذه الخطوة فتحت الباب أمام المهربين الذين باتوا قادرين على تقديم أسعار لا يستطيع المستوردون الشرعيون مجاراتها، حسب المصادر.

وقال رئيس قسم السبائك في أحد البنوك الخاصة المستوردة للذهب في مومباي إن الخصم في السوق السوداء تجاوز 200 دولار للأونصة، أي أكثر من 4 في المائة، مضيفاً أن البنوك لا تستطيع حتى تقديم خصم يبلغ 10 دولارات مقارنة بالمستويات الكبيرة في السوق غير الرسمية. وطلب عدم الكشف عن هويته لعدم تخويله بالحديث للإعلام.

وأشار تاجر آخر، فضّل عدم ذكر اسمه أيضاً، إلى أن الانتعاش في السوق السوداء قد يدفع الواردات غير القانونية إلى تجاوز 100 طن في عام 2026، وهو تقدير أكدته أربعة مصادر تجارية أخرى في مقابلات مع «رويترز».

وحسب الأسعار الحالية، فإن 100 طن من الذهب تعادل نحو 14.35 مليار دولار، ما يعني خسارة تقارب 2.65 مليار دولار من الرسوم الجمركية وضريبة المبيعات.

وأوضح التجار أن المهربين قادرون على تقديم خصومات كبيرة لأنهم لا يتحملون الضرائب المفروضة على الذهب، بما في ذلك رسوم الاستيراد وضريبة السلع والخدمات البالغة 18.45 في المائة. وقال أحد التجار: «هناك هامش ربح يتجاوز 2.5 مليون روبية (نحو 26,121 دولاراً) لكل كيلوغرام واحد، وهو ما يجعل الإغراء كبيراً لتحقيق أرباح سريعة». وأضاف تاجر من كلكتا أنه حتى مع خصم 4 في المائة في السوق السوداء، تبقى الأرباح مرتفعة للغاية.

التهريب يشوّه السوق الرسمية

وأظهرت البيانات تراجع تهريب الذهب من 156.1 طن في 2023 إلى 69.2 طن في العام التالي، ثم إلى 20.4 طن في 2025 بعد خفض الرسوم الجمركية في الهند. لكن قبل ذلك، كان متوسط الكميات المهربة نحو 108 أطنان سنوياً خلال العقد الماضي، وفق مجلس الذهب العالمي.

واستوردت الهند 45.6 طن من الذهب في أبريل (نيسان)، لكن الواردات تراجعت على الأرجح إلى النصف في مايو، مع تقليص البنوك ومصافي التكرير مشترياتها من الخارج بسبب الخصومات الكبيرة، حسب تاجر في حيدر آباد.

وقال جيمس خوسيه، المدير التنفيذي لشركة تكرير الذهب «سي جي آر ميتالويز»، إن الخصومات الكبيرة في السوق السوداء أربكت التجارة النظامية، ورفعت الخصومات على الذهب القانوني إلى أكثر من 100 دولار للأونصة، نتيجة بيع مخزونات مستوردة قبل رفع الرسوم بأسعار منخفضة، ما جعل التكرير غير مجدٍ اقتصادياً.

وتفرض نيودلهي رسوماً أقل بنسبة 0.65 في المائة على خام الذهب (سبيكة شبه نقية) مقارنة بالذهب المكرر، إلا أن هذا الخام تأثر أيضاً بالتغيرات الجمركية.

وأضاف خوسيه: «عادة تعمل المصافي بهوامش ربح تبلغ نحو 0.65 في المائة. ومع تجاوز الخصومات هذا المستوى بكثير، لم يعد هناك حافز اقتصادي كافٍ لاستيراد الخام».


بعد صدمة التوترات الجيوسياسية… هل تستعيد السندات دورها التقليدي؟

أوراق نقدية من العملات العالمية (رويترز)
أوراق نقدية من العملات العالمية (رويترز)
TT

بعد صدمة التوترات الجيوسياسية… هل تستعيد السندات دورها التقليدي؟

أوراق نقدية من العملات العالمية (رويترز)
أوراق نقدية من العملات العالمية (رويترز)

أخفقت السندات حتى الآن في أداء دورها التقليدي كملاذ آمن يحمي المستثمرين خلال الحرب مع إيران. إلا أن بعض مديري الصناديق يرون أن هذا الواقع قد يكون على وشك التغير، مع استعداد أدوات الدين لاستعادة مكانتها الدفاعية إذا بدأ التضخم في إبطاء النمو الاقتصادي.

فعلى الرغم من تراجع الأسهم العالمية خلال الأسابيع الأولى من الحرب، فإنها عادت لتقترب من مستوياتها القياسية مدعومةً بزخم الذكاء الاصطناعي وقوة أرباح الشركات، في حين تعرضت السندات الحكومية لضغوط حادة بفعل المخاوف من استمرار التضخم لفترة أطول، مما دفع تكاليف الاقتراض الحكومي إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات عديدة، بل إلى مستويات قياسية في بعض الحالات، وفق «رويترز».

ومع ذلك، لم يُحجم المستثمرون عن شراء السندات. إذ تُظهر بيانات «ليبر» أن صناديق السندات الحكومية في الأسواق المتقدمة استقطبت تدفقات صافية بلغت 12 مليار دولار منذ اندلاع الحرب، وهو ما يمثل إجمالي التدفقات الداخلة إلى هذه الصناديق منذ بداية العام.

غير أن الضغوط المستمرة على أسواق الدين تعني أن سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات، التي تُعد ملاذاً آمناً تقليدياً، سجلت عائداً سلبياً بنسبة 1.5 في المائة منذ أواخر فبراير (شباط)، وهو ما يعادل خسارة سنوية تبلغ 5.4 في المائة.

كما حققت السندات الحكومية الألمانية لأجل عشر سنوات (البوند) عائداً سلبياً بنسبة 2.4 في المائة، أو ما يعادل خسارة سنوية قدرها 8.7 في المائة، مقارنةً بمكاسب بلغت 9 في المائة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» منذ اندلاع الحرب، أي ما يعادل نحو 39 في المائة على أساس سنوي، وفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن للأوراق المالية.

وأظهر أحدث استطلاع لمديري الصناديق العالمية أجراه «بنك أوف أميركا» أن المستثمرين يحتفظون بأدنى وزن نسبي للسندات منذ يونيو (حزيران) 2022، مما يجعل تغطية مراكز البيع المكشوف في أدوات الدخل الثابت حالياً بمنزلة رهان معاكس لاتجاه السوق.

ورغم التراجع الأخير في أسهم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، لا تزال الأسهم مرتفعة التقييم. ومع احتمال ظهور مجموعة جديدة من الشركات العملاقة عالية النمو، مثل «سبيس إكس» و«أوبن إيه آي»، قد تصبح التقييمات أكثر ارتفاعاً، في حين أن صعود عوائد السندات جعل أدوات الدخل الثابت أكثر جاذبية من أي وقت خلال السنوات الأخيرة.

وتتداول الأسهم في أسواق تمتد من سيول إلى فرانكفورت ونيويورك بالقرب من مستويات قياسية، فيما بلغت تقييماتها مستويات لم تشهدها منذ أشهر، بل منذ سنوات في بعض الحالات.

لوحة إلكترونية عليها أسعار مؤشر «نيكي 225» في بورصة طوكيو للأوراق المالية (أ.ف.ب)

جاذبية الدخل الثابت عالمياً

وقال كونستانتين فايت، مدير المحافظ الاستثمارية لدى «بيمكو»، أكبر مستثمر في السندات عالمياً: «إذا نظرت إلى مختلف أنحاء العالم، ستجد أن أسواق الدخل الثابت تبدو جذابة للغاية، وينطبق ذلك حتى على الأسواق التي لم تكن تاريخياً من الوجهات المفضلة للمستثمرين، مثل أوروبا واليابان».

وأضاف: «من الصعب بناء حجة مقنعة بأن الأسهم لا تزال تتمتع بجاذبية استثمارية كبيرة عند هذه المستويات».

في الوقت نفسه، تحوم عوائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات قرب أعلى مستوياتها في 15 عاماً عند 3.1 في المائة، بينما يبلغ عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات 2.6 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ نحو ثلاثة عقود.

وإذا أُعيد فتح مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً لتدفقات النفط العالمية وتعطلت حركة الملاحة فيه فعلياً خلال النزاع، فقد تتراجع رهانات الأسواق على رفع أسعار الفائدة، وهو ما من شأنه أن يدعم السندات. وفي المقابل، إذا استمر إغلاقه لفترة كافية لتهديد النمو العالمي، فقد تستفيد السندات أيضاً من تنامي المخاوف الاقتصادية.

وقال استراتيجيو «إتش إس بي سي برايفت بنك» في تقريرهم لتوقعات منتصف العام الصادر في نهاية مايو (أيار): «بدأ التضخم بالفعل في الظهور في البيانات الاقتصادية العالمية، مع ازدياد مخاطر انتقال الضغوط السعرية عبر سلاسل الإمداد وتكاليف المدخلات. في المقابل، لا يبدو أن الأسواق قد استوعبت بالكامل مخاطر تباطؤ النمو، مما يعني أن عوائد السندات قد تتراجع مجدداً بمجرد بلوغ مخاوف التضخم ذروتها».

تتبدل المعادلة عندما تشتد الأزمات

قد يؤدي أي تصعيد إضافي للصراع أو استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة مطولة إلى دفع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل بفارق كبير، مما سيعزز المخاوف من الآثار الاقتصادية السلبية لصدمة جديدة في أسعار الطاقة.

ويعبر عبر مضيق هرمز نحو 20 في المائة من احتياجات العالم اليومية من الوقود.

وقال أندرو شيتس، الرئيس العالمي لأبحاث الدخل الثابت في «مورغان ستانلي»: «رغم أن أداء السندات، بوصفها أداة لتنويع المحافظ الاستثمارية، كان مخيباً للآمال حتى الآن، فإننا نعتقد أن هذه الخاصية ستتحسن وستظهر قيمتها الحقيقية عندما تصبح الحاجة إليها أكبر».

وأضاف: «إذا ارتفع سعر النفط إلى السيناريو المتشائم الذي يتوقعه فريق السلع لدينا، بين 130 و150 دولاراً للبرميل، فإننا نتوقع أن تبدأ العوائد في التراجع، لأن الأسواق ستصبح أكثر قلقاً بشأن تأثير ذلك على النمو الاقتصادي».

السندات تحتفظ بجاذبيتها في حال صدمات سلاسل الإمداد

ولا تقتصر المخاطر على النفط وحده. فإذا أدت التوترات المتصاعدة حول تايوان أو تجدد الخلافات بين الولايات المتحدة والصين إلى تعطيل تدفقات المدخلات الاستراتيجية، مثل المعادن الأرضية النادرة أو أشباه الموصلات، فإن ذلك سيؤثر مباشرةً في ربحية الشركات ويضغط على أسواق الأسهم.

وقال يورام لوستيغ، رئيس حلول الاستثمار العالمية لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا لدى «تي. رو برايس»: «إذا وقع حدث جيوسياسي يؤثر على إنتاج أشباه الموصلات، فإن انعكاساته على الأسواق المالية ستكون هائلة»، مشيراً إلى أن قطاع التكنولوجيا سيكون في مقدمة المتضررين.

ويبقى مسار أسعار الفائدة عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الأسواق. فمجلس الاحتياطي الفيدرالي يبدو أكثر ميلاً إلى تشديد السياسة النقدية ورفع الفائدة، وهو سيناريو أخذته أسواق السندات في الحسبان إلى حد كبير، بينما قد لا تكون أسواق الأسهم قد استوعبت تداعياته بالكامل بعد.

وقال فايت: «إذا شهدنا بالفعل دورة قوية من رفع أسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي، فإن الأصول عالية المخاطر، بما فيها الأسهم، لن تكون في بيئة مواتية لتحقيق أداء جيد».

لكنه أشار إلى أن هذا السيناريو لا يمثل التوقع الأساسي لشركة «بيمكو» بشأن مسار أسعار الفائدة في الولايات المتحدة.