بطل إشكالي يعيش وعياً زائفاً بكل ما حوله

الكاتب السوري ثائر الناشف يرسم ملامحه في رواية «الكيميائي»

بطل إشكالي يعيش وعياً زائفاً بكل ما حوله
TT

بطل إشكالي يعيش وعياً زائفاً بكل ما حوله

بطل إشكالي يعيش وعياً زائفاً بكل ما حوله

عن الشتات والهجرة، ومحاولة لملمة ما تبقى من تراث الأجداد، في غبار حرب لم تنطفئ نيرانها بعد على الأرض السورية، تدور رواية «الكيميائي» للكاتب السوري المقيم في النمسا، ثائر الناشف، الصادرة عن دار «موازييك» للدراسات والنشر؛ فبطل الرواية سليمان صالح، وهو كيميائي سوري مقيم في فرنسا، يتحول إلى بطل إشكالي يعيش وعياً زائفاً بكل ما حوله، مدركاً أنّ تحت وطأة الواقع بكل تعقيداته ومفارقاته المأساوية، استحالة الوصول إلى معنى لأي شيء، فالحياة مجرد سباق بين الوهم والحقيقة، يتنافران ثم يختلطان، ويتحولان إلى لغز من ألغازها.

بطل أعزل لا سلاح في يديه سوى إيمانه بعدالة مسعاه، يخوض غمار رحلة قاسية للوصول إلى بلدة سلمى، مسقط رأسه، لجلب بعض المستندات والوثائق الخاصة بالعائلة لإنقاذ بيتها من الضياع، وزيارة قبري شقيقيه («خليل» و«زياد») اللذين لقيا حتفهما في الحرب. في غبار هذه الرحلة، وعلى مدار 17 فصلاً و166 صفحة، تحاصره الأخبار الملفقة التي تضخها آلة الإعلام كل يوم، ويراوده هاجس بعيد بأن أخويه ربما لا يزالان على قيد الحياة: «لا أستطيع أن أنسى ذكرياتي اللطيفة فيه، وليس بوسعي أن أتخيل ضياعه بسبب طيش المتصارعين عليه، ولا خيار أمامي إلا أن أقايض أولئك المحاربين على ما يبتغون لأنفسهم مقابل أن يتركوا المنزل، لأنني لا أريد أن أخسر معقل الطفولة من بعد خسارتي لأخويَّ». تتكشف هذه المقايضة عبر رسالة خاصة تلقاها من شخص يُدعى «إبراهيم أغا» يخبره فيها بمقتل أخويه، ويقايضه بالحفاظ على ممتلكات عائلته مقابل أن يقدم خدماته في تصنيع البارود، بغية نسف الجسور والحواجز العسكرية في منطقة الساحل.

بروح قلقة مسكونة باللهفة واللهاث لإنقاذ البيت يبدأ سليمان رحلته التي تتحول إلى فخ، يسقط فيه مرغماً، ومع كل خطوة يخطوها في طرق وأمكنة شائكة وعرة بغية الوصول إلى هدفه، يتسع الفخ ويصبح مرادفاً لكينونة مسلوبة الإرادة، يقف على أحد طرفيها سليمان من ناحية، وعلى الطرف الآخر تبدو صورة الوطن كمتاهة في مرايا مهشمة، في ظلالها وتحت وطأة الضغوط المباغتة التي تحاصره، يحس بأن مصيره شخصياً أصبح جزءاً من هذه المقايضة، فيتحول إلى «مُسعِف» يتولى رعاية الجرحى والمصابين المكدسين بإحدى البنايات، يسمع حكاياتهم وقصصهم الحزينة، التي تترك في نفسه ندوباً من الأسى والألم، وأنهم كانوا ينتظرونه على أمل الشفاء والعودة للحياة، ويهمس: «إن هذا المكان لا ينتمي إليَّ، ولا أنتمي إليه البتة؛ إنني أبدو كما لو كنتُ مهرجاً مهمتي الوحيدة أن أخلق أجواء من المرح والفكاهة، لأشيع الدماء في وجوههم الكالحة».

ورغم ذلك يظل عاجزاً عن كشف شخصيته الحقيقية بوصفه خبيراً كيميائياً، ولم يكد يغادر المكان ليعبر إلى سوريا متسللاً عبر الحدود التركية الشائكة، برفقة مجموعة من الأفراد تابعة لإبراهيم أغا، حتى أصبح صحافياً، عليه أن يدبج موضوعات مصوَّرة عما لحق بالوطن من خراب ودمار، وتصبح الكاميرا التي دبرها له أغا صكَّ اتهام بالتجسس، حين يقع هو وأفراد المجموعة في قبضة الشرطة (الجندارما) التركية. ومن ثم لا يبقى أمامه طريق للنجاة، سوى التحايل على واقع الحال والامتثال له، بما يفرزه من كوابيس وأوهام إلى حد التماهي معه، محولاً الفخ إلى قناع لضحية تتحين الفرصة للانتقام والثأر.

يتوازى غموض شخصية إبراهيم أغا، الذي يبدو طبيعياً، مع غموض آخر بدأ يتشكل بصورة أكثر حدة داخل شخصية سليمان، نتيجة لتقمصه أدواراً مفاجئة تحت قهر الضرورة والأمل في الوصول إلى قريته وإنجاز مهمته في الحفاظ على بيت العائلة، وميراث الأجداد، لكن يظل يؤرقه ما سيفعله مقابل ذلك. بهذا الإحساس يتأمل حياة حراس الحدود (الجندارما) بعد أن نجا من قبضتهم بجواز سفره الفرنسي، وكيف صاروا جزءاً من الوحدة والعزلة التي يفرضها المكان على تخوم الغابات: «لا أحد هنا سوى الجنود؛ فلو أعطوهم حق الاختيار، لاختاروا البقاء في بيوتهم وبين أحضان أمهاتهم، لا بد أنهم عانوا من الوحدة في البداية، لكنهم سرعان ما اكتسبوا الصبر بفعل قسوة الظروف، فالصبر عندهم لا حدود له، كما أن الهدوء وسط الطبيعة، رغم إنعاشه للروح، لا يفتأ يعزز مشاعر العزلة والضياع في الأرواح».

لا يأتي هذا المشهد كمقوم وصفي للطبيعة، ضمن آليات السرد للمكان التي تتنوع في الرواية، وتنعكس على اللحظات الإنسانية الخاطفة برذاذها العاطفي المخاتل، مثل لقاء سليمان وحبيبته رشا بالصدفة في محيط المطار وهو يهم بالسفر، وإنما تتجاوزه ليصبح أداة للكشف عما يدور داخل البطل من هواجس، وهو يعبر المشهد بكل تفاصيله، بينما تتناثر جملة «حق الاختيار» في ثنايا الحوار بشكل عابر دلالةً على حرية مفتقدة في وطن مضطرب، فيصحو صوته الداخلي فزعاً، متخيلاً النيران التي ستندلع لو قام بتفجير الجسر: «كم رجلاً سأقتل في الانفجار، وكم عيناً ستدمع حزناً وكمداً على رحيل أعز الأحباب والأصحاب».

يعزز ذلك حالة من الشك المضني تظل تحاصر البطل الكيميائي في صحوه ومنامه، وتنعكس على وجوه مرافقيه الذين يتبدلون من محطة لأخرى يقطعها معهم سيراً على الأقدام وسط الأحراش والغابات، حتى يصل إلى بيته ومسقط رأسه، فتتسع دائرة الشك، ويصبح الواقع الماثل للعيان مجرد صورة مشوشة يصنعها خيال مأزوم إلى حد المرض، حيث يُفاجأ بأنه مكلف مهمة جديدة، وأن بيته الذي استولى عليه إبراهيم أغا بحجة حمايته تحول إلى مستودع لتصنيع الحشيش والخشاش، والكل ينتظره لإنجاز المهمة، بوصفه كيمائياً ضالعاً في صناعة الدواء.

لكنه يفقد الثقة في كل شيء حوله، في «مها» المرأة المكلفة رعايته وإطعامه، وتأكيدها له أن شقيقيه أحياء، ومحتجزان في مكان قريب، وهو ما أصبح حقيقة بالفعل، على عكس رواية ابنتها «ريم» التي وقعت في حبه لأنه يشبه شقيقه زياد حبيبها المغدور. في داخل دوائر هذه الحيرة يفكر في صناعة قنبلة ونسف البيت: «سأحضر كل شيء بنفسي، سأنسف هذا البيت المغتصب من دعاماته الإسمنتية الصلبة، لأجعله يخر في ضربة واحدة، فلا حاجة لي به بعد اليوم. أما أخواي، فسأبحث أمرهما في وقت لاحق»، ثم تأتي لحظة التنوير في الرواية، لتصنع بتراتب منطقي نوعاً من التصالح المتوقع بين كل هذه العناصر المتصارعة، يتوج هذا التصالح بمواجهة صريحة، حيث يخلع إبراهيم أغا قناعه، ويكتشف البطل الكيميائي أنه معاذ ابن خالته، وأنه هو الذي خطَّط لهذه الرحلة ليجبره على التنازل عن البيت ليستولي عليه بشكل قانوني، وظل متخفياً عنه تجنباً لهذه المواجهة.

لقد صنع المؤلف في هذه الرواية بطلاً إشكالياً بامتياز، لكنه أحكم قبضته عليه، ووضعه في سياقات سردية يغلب عليها الطابع النمطي التقليدي، اتسعت فيها المسافة بين السارد (الكاتب) والمسرود عنه (البطل)، فأصبحنا إزاء شخصية قلما تنمو درامياً بشكل طبيعي، بقدر ما تجتر أحزانها، وتتخيل الحياة مجرد سراب ووهم، ورغم ما مرَّ به من وقائع وأحداث قاسية وصادمة، فإن الوعي بالصدمة لم يبرح منطقة الوهم، وينتج وعياً مفارقاً لها على مستوى اللغة والحكي، وطرائق التشكيل... يبقى للكاتب أنه رأى وكتب ما رآه وعاشه بالفعل، قبل أن يغادر وطنه قسراً، وينتهي به الحال للإقامة في النمسا.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.