ليبيا.. حكومة مقترحة تبحث عن قوة تسندها

مفاوضات ليون حققت زخمًا لمصالحات داخلية

ليبيا.. حكومة مقترحة تبحث عن قوة تسندها
TT

ليبيا.. حكومة مقترحة تبحث عن قوة تسندها

ليبيا.. حكومة مقترحة تبحث عن قوة تسندها

رغم تأييد غالبية الليبيين ودول الجوار لـ«حوار الصخيرات»، الذي قاده برناردينو ليون، مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا، طوال سنة، وتمخض عن مقترح برئيس وزراء ومساعدين له قبل أيام قليلة، فإن البعض في شرق البلاد وفي غربها يبدو وكأنه وضع بدائل جديدة تحسبًا لتعثر «حكومة الوفاق». هذا الأمر يبدو واضحا الآن في ضوء ميل أطراف القوة المسلحة على الأرض نحو التشدد ورفض مخرجات الحوار. لكن هذه البدائل يمكن أن تؤدي إلى العودة إلى المربع صفر، أي الاقتتال بين الأفرقاء، والدخول في منطقة خطرة يمكن أن تسفر عن تقسيم الدولة التي تعاني أصلاً من الفوضى وهشاشة السلطة منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011.

أعلن برناردينو ليون، مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا، قبل أيام، مقترحاته لتسوية الأزمة الليبية، مقترحًا تسمية رئيس وزراء ومساعدين له. فكيف يمكن رصد الوضع السياسي الآن؟
في ليبيا اليوم قوتان مسلحتان رئيسيتان: الأولى هي الجيش الوطني المدعوم من البرلمان الحالي ويقوده الفريق أول خليفة حفتر، تحت مظلة حكومة عبد الله الثني. ويسود اعتقاد بأن هذا الرجل العسكري، وعددا من رجاله، لن يكون له، ولا لهم، مكان في الحكومة التي اقترحها ليون برئاسة فايز السراج. أما القوة الثانية فهي قوة «فجر ليبيا» التي يعتمد عليها بقايا نواب البرلمان السابق المعروف باسم «المؤتمر الوطني العام» وحكومته المسماة بحكومة الإنقاذ برئاسة عمر الحاسي، وترفض العناصر المتشدّدة فيها تولي السراج رئاسة حكومة الوفاق.
ولعل المدة الطويلة التي استغرقها ليون في جمع أطراف النزاع على مائدة واحدة تعكس صعوبة الحالة الليبية. لكن، مع ذلك، لوحظ أن الساعات الأخيرة من «حوار الصخيرات»، أي تلك التي سبقت إعلان الأسماء المقترحة للمرحلة الجديدة، كانت مشحونة بالخوف من الفشل، بينما كان ليون يجمع أوراقه لإنهاء مهمته في ليبيا.
ولم يكن هناك متسع من الوقت من أجل إعادة النظر أو وضع القوة المسجلة في الحسبان، سواء كانت في المنطقة الغربية أو الشرقية. لكن من حسنات مفاوضات ليون أنها حققت زخما لمصالحات داخلية قد تستمر حتى لو لم تنجح «حكومة الوفاق» في ممارسة أعمالها، رغم أن رئيسها، السراج، النائب في البرلمان الذي يعقد جلساته في طبرق شرقًا، هو في الوقت نفسه من أبناء العاصمة طرابلس غربًا. وما زال العديد من نواب برلمان طبرق ونواب المؤتمر الوطني ينظرون بريبة للمتغيرات التي أصبح ينبغي القيام بها من أجل مستقبل جديد ومختلف، سواء بالنسبة لمن شاركوا في الحوار أو قاطعوه في أيامه الأخيرة.
المحلل السياسي الليبي طارق القزيري، ابن مدينة مصراتة التي تعد من المدن المهمة في التوازنات السياسية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن ليون كان حريصًا على إشراك المؤتمر الوطني «وفقا لتحليل وصْفَتِهِ التي فاجأت الكثيرين في الداخل والخارج». وأضاف أن «تكتيك ليون قد يكون سياسيًا، عندما أقدم على هذه الخطوة، وهو لتحقيق أغراض لإنهاء مهمته الليبية بنجاح، ولكن، وقبل ذلك، لا بد من معرفة أن ليون كان يواجه اتهامات ومصاعب عديدة».
ومن بين التهم، بحسب القزيري، أنه متهم بكونه «يخضع للمؤتمر الوطني، ولم يستطع فرض خططه أو الاتفاقات السابقة عمليا، وهو يدور في حلقة مفرغة». وتابع المحلل أن «وجود المؤتمر الوطني أساسي وضروري، فلا يمكن، إلى حد كبير، استقرار الحكومة في طرابلس من دون موافقة المؤتمر أو جزء كبير - أو حاسم - منه، لتصبح للتشكيل الحكومي جدوى واقعية»، مشيرا إلى أنه من بين التحديات التي واجهت المبعوث الدولي «كيف يمكن للحكومة أن تكون قابلة للحياة، مثلما هي قابلة للوجود؟! وهذا يستدعي تأمين الموارد المالية لدعمها».
واستطرد القزيري شارحًا أن «إعلان التشكيلة الراهنة (للحكومة المقترحة) يتضمن عدة أغراض مفترضة لليون، منها الإفلات من الاتهام الذي يضعه في خانة الخضوع لإملاءات المؤتمر الوطني على حساب الإسراع في إعلان حكومة التوافق. وثانيا: إعطاء المؤتمر الوقت الكافي للملمة أوراقه والالتحاق بسيناريوهات التشكيل، خاصة مع الإعلان عن رئيس المجلس مباشرة».
أما عن شخصية السراج فيقول القزيري، الذي كان يتحدث لـ«الشرق الأوسط» بعد يوم من إعلان اسمه (أي السراج)، إنه شخصية طرابلسية، وهذه «نقلة مطمئنة للجميع، فهي تستبعد المخاوف الجهوية لكل الأطراف، خاصة من شخصية محسوبة على البرلمان في طبرق، لكنها معتدلة، ولا مآخذ جدية عليها». أما عن وجود ممثلين من أجدابيا والزنتان، فيوضح القزيري أن هذا «يعني تأمين إمدادات النفط، ومناطق تصنيعه (في سهل الجبل جنوب طرابلس وكذلك المثلث النفطي) ليمكن الحديث عن توفير الموارد للحكومة، وهو ما يجعلها مقبولة لأنها (ستكون) قادرة على التصرف».
وبينما ذكّر القزيري أن الحديث عن الحقائب السيادية الأهم يبقى متاحًا لتعزيز دور أطراف أخرى مهمة للغاية، لتفعيل الحكومة واقعيًا، فإنه يقول إن المهم أيضًا هو أن «التشكيلة تعكس توازنات جديدة، فعندما يغيب تحالف القوى الوطنية والعدالة والبناء، فهذه إشارة لواقع سياسي يتشكل أو تشكل فعلا، بعد تغير كثير من المعطيات على الأرض، عقب سنتين من الصراع الدامي.. لكن الزنتان، ومن خلال مجلسها العسكري، وجّهت انتقادات حادة لما أفضى إليه (حوار الصخيرات)، خاصة في ما يتعلق بالتعديل الذي أدخل على المسودة الرابعة التي وقع عليها المتحاورون بالأحرف الأولى». وأضاف: «فوجئنا بإعلان حكومة يراد منها أن ترفضها كل الأطراف، وشنت هجوما على ما سمته تعيين (عرّابي الحرب) في مناصب قيادية على أعلى مستوى بعد أن (دمروا العملية السياسية وأحرقوا البلاد وزرعوا الفتنة بين المدن)».
لكن لماذا سارع البرلمان الحالي باتخاذ قرار بتمديد عمله قبل أيام من الإعلان عن الحكومة المقترحة؟ كان موعد انتهاء أعمال البرلمان يوم 20 من الشهر الحالي، فهل كان يخشى من فشل «اتفاق الصخيرات»، وبالتالي، يمكن للبلاد أن تدخل في مزيد من الفوضى؟
هنا، رأى عيسى عبد المجيد، مستشار رئيس البرلمان الليبي، أنه «كان معلومًا منذ البداية بين معظم النواب أن البرلمان لن يسلم السلطة إلا لجسم منتخب، ولو اضطر لتمديد عمله في حال كان متعذّرا إجراء انتخابات برلمانية جديدة، وهو ما حدث بالفعل»، مشيرا إلى أن «الهدف من هذه الخطوة كان تجنب دخول البلاد في فراغ في السلطة بحلول يوم العشرين من هذا الشهر، وهو الموعد القانوني لانتهاء أعمال البرلمان الذي جرى انتخابه صيف العام الماضي».
وأشار عبد المجيد إلى سلامة هذا الإجراء قائلا: «إن الإعلان الدستوري الذي تعمل به البلاد كدستور مؤقت ينص على أن البرلمان لا يسلم هذه السلطة إلا لجسم منتخب». ويقول مسؤولون في البرلمان إن قرار التمديد لم يكن يتعارض مع سير المفاوضات بقيادة ليون، لكن أحد المصادر النيابية لا يخفي أن قرار التمديد كان بمثابة ضغط على الخصوم من أجل تحقيق مكاسب للبرلمان.
وسبق كل هذه التطورات خطاب شديد اللهجة وجَّهه رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، للمجتمع الدولي وللبعثة الأممية في ليبيا، ضمن كلمته التي ألقاها في الأمم المتحدة الأسبوع قبل الماضي. وكانت الكلمة تؤشر إلى نفاد صبر السلطة الشرعية في ليبيا من المماطلة الدولية تجاه حسم «حوار الصخيرات» بمن وقعوا عليه، والمماطلة في رفع الحظر عن تسليح الجيش الليبي الذي يشن حربًا واسعة ضد الجماعات المتطرفة والميليشيات المسلحة.
يعتقد كثيرون من قيادة البرلمان ومستشاريه أن ليون، الذي ستنتهي مهمة عمله في ليبيا قبل نهاية هذا الشهر، كان يميل إلى «تدليل مجموعة طرابلس التي تقودها جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الليبية المقاتلة». أو كما قال المستشار عبد المجيد «ليون لم يكن عادلا. وتحركاته لم تكن مرضية للشعب الليبي. لقد انحرف عن مسار الحوار، في نهاية المطاف»، مشيرا إلى أن رئيس مجلس النواب (صالح) وأعضاء البرلمان تعاملوا مع ليون، منذ البداية، بكل احترام في سبيل ليبيا.. «لكن ليون، للأسف، تعامل مع مجلس النواب كأنه جسم غير شرعي، وقام بالمساواة بينه وبين المؤتمر الوطني (المنتهية ولايته)».
مع هذا، توقّع عبد المجيد أن تسير ليبيا إلى الأمام «وفقًا لما يريده الشعب وليس ما يريده ليون، لأن الشعب دفع ثمنًا غاليًا بعد تخلصه من حكم (الإخوان) ومن معهم من متطرفين، ولن يسمح بعودتهم مرة أخرى، سواء من باب حوار الأمم المتحدة أو من غيره». ومن الممكن أن يلجأ البرلمان خلال الفترة المقبلة إلى تسمية رئيس للدولة، وهذا سيكون تطورا جديدا يمكن أن يغير من المسار السياسي برمته.
في المقابل، وفقا لمصادر عسكرية ليبية، أدت جولات «حوار الصخيرات» رغم كل شيء لنتائج إيجابية على الأرض وحركت المياه الراكدة، ولفتت نظر الليبيين إلى أن الاقتتال لن يؤدي إلى أي حلول. وأن أفضل طريق هو الحوار والمصالحة. ويمكن القول، وفقا للعديد من المصادر، أن المجتمع الليبي تأثر بزخم الحوار تأثرًا إيجابيًا، حيث بدأت بعض القبائل والمناطق الجهوية في عقد هدنة أو صلح، في ما بينها، رغم أنها لم تكن مشاركة أصلاً في حوار ليون.
تنقسم ليبيا إلى ثلاث مناطق رئيسية: الشرق الذي يتخذ فيه البرلمان والحكومة والجيش مقرات لهم وينشط فيه أيضًا تنظيم داعش. والغرب الذي يسيطر عليه المتطرّفون الموالون لجماعة الإخوان و«الجماعة الليبية المقاتلة»، خاصة في طرابلس. والجنوب الذي يشهد اقتتالاً بين حين وآخر بين مجموعات عقائدية وجهوية وقبلية.
بعض العسكريين الليبيين يقولون «نترك الجنوب الآن»، لأن مشكلتهم سهلة الحل مستقبلا.. و«نترك طرابلس أيضًا»، لأن المجموعات التي تسيطر عليها ليست لديها حجج قوية للاستمرار في ما تقوم به من تشدّد وتمترس، كما أن هذه المجموعات تخسر في العاصمة بمرور الوقت. أين المعضلة إذن؟ يقول أحد مساعدي حفتر إنه بغض النظر عن مقترح تشكيل حكومة برئاسة السراج فإن الحل الحقيقي لمشاكل ليبيا موجود في بنغازي، التي تعد ثاني أكبر المدن الليبية.. موضحًا: «بنغازي دائمًا هي التي تحدد بوصلة الاتجاهات في عموم البلاد. فإذا تمكن الجيش من إلحاق الهزيمة بالمتطرفين في بنغازي، فإن كل مشاكل ليبيا ستحل تلقائيًا».
تاريخيًا، كانت بنغازي منطلقًا للانقلابات والثورات والحكم. وتضم هذه المدينة كل ممثلي القبائل الليبية تقريبًا من كل أرجاء البلاد، حتى من طرابلس ومصراتة وسبها.. «إنها ليبيا مصغرة»، لكن المعضلة ستكون دائما، أمام أي سلطة، في المجموعات العقائدية المتشددة مثل «داعش» وغيره، كما يشدد وزير الدفاع الليبي السابق، أسامة الجويلي.
الجويلي قائد عسكري ظهر على سطح الأحداث في ليبيا، انطلاقًا من بلدته الزنتان، أثناء «الثورة» ضد القذافي في 2011. وخاضت الزنتان حربًا ضروسًا مع قوات مدينة مصراتة للسيطرة على العاصمة في صيف العام الماضي، مما أدى إلى وقوع خسائر بمليارات الدولارات، كان أبرزها حرق مطار العاصمة. ومع أن تلك الحرب ما زالت لها تداعياتها وتأثيرها على العلاقة بين عدة مدن وقبائل، فإن فرص الحل اليوم قابلة للتحقق أكثر من السابق. وحاليًا يشارك الجويلي في شق طرق جديدة للسلام بين القبائل والمناطق. وهو ممن كانوا يعولون منذ البداية على «حوار الصخيرات»، كما كان ممن توقعوا نجاحه.
الجويلي ينظر إلى مناطق وجود المتطرفين في بنغازي ودرنة وسرت باعتبارها «مناطق صعبة وستحتاج إلى معالجة خاصة، لكن بالنسبة لمجموعات طرابلس فإنه من الممكن التفاوض معها للوصول لحل». وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» قال: «سيكون من السهل التفاوض مع طرابلس مقارنة بالمجموعات المتطرفة في بنغازي ودرنة وسرت.. مجموعات طرابلس ليست لها حجج قوية، فهي تعترف بالانتخابات وتعترف بالعملية الديمقراطية، وهذه مواقف مختلفة تمامًا عن مواقف المجموعات المتشددة في بنغازي ودرنة وسرت».
وبالفعل، وفق أحد القادة العسكريين في بنغازي، فإن «مجموعات طرابلس يمكن أن تكون جزءا من مستقبل الحكم في ليبيا، حتى لو كان بعض المتشددين فيها يرفضون حكومة التوافق وشخصية السراج. وهذا بعكس المجموعات المرتبطة بـ(داعش) و(القاعدة).. فهذه ميئوس منها». وتابع القائد كلامه قائلا: «حتى مدينة مصراتة التي كانت يومًا متهمة بالوقوف وراء التشدد الذي تبديه الميليشيات المسلحة في طرابلس، بدأت تغير من مواقفها بقيادة مجلسها البلدي الذي يضم شخصيات تميل نحو الاعتدال والتفاوض».
ثم ما يمكن أن يسهّل اجتماع الخصوم حول شخصية السراج هو عقد العديد من الأطراف الليبية، خلال الشهرين الأخيرين، اتفاقيات واسعة في عدد من المدن ومع القبائل التي كانت حتى وقت قريب تخوض نزاعًا مسلحًا في ما بينها، مما تسبب في سقوط مئات القتلى وألوف المهجرين. وحتى أسبوعين كان الجويلي يقود جهود للمصالحة أيضًا، ويقول: «الحمد لله، وفقنا إلى مصالحة أدت إلى التهدئة في كل المناطق الغربية من طرابلس، وما زلنا مستمرين في عقد المصالحات. هذا هو السبيل الوحيد أمام الليبيين لحقن الدماء وبناء دولتهم».
في الوقت الحالي، وبفعل زخم حوارات ليون، أصبحت توجد لأول مرة لقاءات بين القيادات الميدانية في كل من طرابلس ومصراتة والزنتان، وهذه الأطراف كانت محورًا أساسيًا في «حرب 2014»، وذلك لإيجاد صيغة للتفاهم ولمنع اندلاع اشتباكات جديدة. ويسعى العديد من القادة المحليين في مناطق الاشتباكات بين الميليشيات في غرب البلاد أيضًا، إلى التوسع في عقد المصالحات، ويعد هذا أحد أسباب هدوء جبهة غرب وجنوب غرب طرابلس في الفترة الأخيرة.
أما حسم المعارك مع الدواعش ومع المتطرفين الآخرين في بنغازي ودرنة وسرت، فيقع العبء الأكبر في هذه الحرب على الجيش الوطني الذي يحتفظ أيضًا بقوات له على مشارف العاصمة وفي مناطق الجنوب. وإذا تمكنت «حكومة الوفاق الوطني»، المزمعة، حل معضلة منصب وزير الدفاع والقائد العام للجيش، وإيجاد حل مسألة استمرار حفتر من عدمه، فإن حكومة السراج ستتلقى مساعدات دولية بما فيها الوقوف مع الجيش في حربه ضد الإرهاب. إلا أن الإشكالية التي قد تعرقل مخرجات «حوار الصخيرات» تكمن في تحفظات من قبل بعض نواب طبرق، جرى الإعلان عنها في الجلسات التي عقدت في الساعات الماضية بشأن الحكومة المقترحة، ومنها التحفظ على البند الخاص بأن يكون رئيس الوزراء في «حكومة الوفاق» هو القائد الأعلى للقوات المسلحة. وتحفظات على مجلس الدولة المزمع تأسيسه. ولا يوجد ميل في أوساط قيادات الجيش للتخلي عن قائده حفتر، مع أن بعض الأطراف تقول إنه لا ينبغي التركيز على الشخصيات ولكن على الجيش كمؤسسة.
في هذه الأثناء، صرح أحد مسؤولي البرلمان بأنه إذا لم يكن هناك إجماع من كل المكونات الليبية على الموافقة على حكومة السراج، فستترتب على ذلك خيارات متعددة، حيث جرى تأسيس «جبهة النضال الوطني الليبي» الشهر الماضي تحسبا لمثل هذه الظروف. ومن بين الشركاء في تأسيسها، أحمد قذّاف الدم، المبعوث الشخصي السابق للقذافي وابن عمه. ويرأس الجبهة التي تتكون من عشرات الأحزاب والنقابات والجمعيات من مختلف المدن الليبية، الدكتور محمد القشاط، وجرى اختيار مستشار الجيش، عبد الكريم نائبا له.
وعقب إعلان ليون عن «حكومة الصخيرات»، علق قذّاف الدم قائلا إنه «من الواضح أن هناك خللا في فهم الواقع الليبي علي الأرض.. ومع احترامي للجميع فإن الإخوة الذين عينهم السيد ليون لن يستطيعوا القيام بهذه المهمة الاستثنائية التي تتطلب توافق الليبيين جميعًا، والذين لم يكن لهم حضور في الصخيرات». إلا أنه أضاف موضحا بقوله: «نحن مستعدون من أجل ليبيا للعمل مع كل الأفرقاء لمصالحة تاريخية لا تقصي أحدًا، وتخلق مناخًا ليس فيه إكراه لأحد ويمكِّن أي حكومة محايدة من عودة الدولة ولملمة جراح الوطن»، مشيرا إلى أن الليبيين سوف يرفضون «نظام الوصاية وفرض الأمر الواقع.. وهذه خطوه جديدة في الاتجاه الخاطئ، وتأثيرها سلبي في استقرار ليبيا».
وفي مدينة طبرق حذّر «التجمع الوطني الليبي» من «خطر الترتيبات الجديدة التي نتج عنها حوار الصخيرات، في زيادة حدة التوتر في البلاد»، قائلا إن «الإعلان عن نتيجة الحوار في شقّها المتعلق بالحكومة والمحاصصة الخاصة بالمناصب الرئيسية على غرار مجلس الدولة ومجلس الأمن القومي ورئاسة الحكومة تمثل عامل توتّر وارتباك إضافي قد يؤدّي إلى تطوّرات كارثية على الحالة الليبية، ليس أقلّها اندلاع مواجهة ميدانية بين الليبيين».
ومثل كثير من المكونات الليبية المؤيدة لسلطة البرلمان والجيش، تساءل «التجمع الوطني» عن موقع الجيش الليبي في «تسوية ليون»، وماذا سيكون مصيره ومصير قياداته، وهل سيفضي شطبه من جدول التسوية إلى حله على غرار الجيش العراقي.

* أهم الأسماء المقترحة للمناصب القيادية

* فايز سراج، رئيسًا للحكومة. وأحمد معيتيق وموسى الكوني وفتحي المجبري نوابًا له، وهم يمثلون مناطق الجنوب والغرب والشرق.
* الوزراء: فادي الهنجاري، وأسامة السعيد، وطارق يوسف، وعبد السلام الحسين، وشيبني بوحمود، ومصطفى أبو شاغور، وعاشور شعيل، وإبراهيم النايل، وأبو عجيلة سيف النصر، وآمال الحاج، وإيمان بن يونس، وخليل البكوش، ومحمود بن شعبان، ومراد حمايمة، وطاهر سونك.
* هيئات عليا: عبد الرحمن السويحلي رئيسًا لمجلس الدولة المقترح، وفتحي باشاغا رئيسًا لهيئة الأمن القومي المقترحة.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.