«حوارات أطلسية» بمراكش يناقش «انهيار» نظام التعليم و«إخفاق» منظومة الأمم المتحدة

تدارس في ختام أعماله «الاضطرابات العالمية» و«فوائد التقدم التكنولوجي»

من جلسة «التغير التكنولوجي من أجل انتقال مستدام» ضمن «حوارات الأطلسية» بمراكش (الجهة المنظمة)
من جلسة «التغير التكنولوجي من أجل انتقال مستدام» ضمن «حوارات الأطلسية» بمراكش (الجهة المنظمة)
TT

«حوارات أطلسية» بمراكش يناقش «انهيار» نظام التعليم و«إخفاق» منظومة الأمم المتحدة

من جلسة «التغير التكنولوجي من أجل انتقال مستدام» ضمن «حوارات الأطلسية» بمراكش (الجهة المنظمة)
من جلسة «التغير التكنولوجي من أجل انتقال مستدام» ضمن «حوارات الأطلسية» بمراكش (الجهة المنظمة)

تكررت كلمة «انهيار»، ومرادفاتها، كثيراً في آخر يوم من مؤتمر «حوارات أطلسية»، في دورته الـ12، التي تواصلت بمراكش على مدى ثلاثة أيام، وأسدل الستار على أشغالها السبت.

فمن حديث عن «إخفاق» منظومة الأمم المتحدة، إلى «انهيار» المنظومة التعليمية، مروراً بالتداعيات السلبية للتغييرات المناخية، وغيرها من القضايا الشائكة التي تشغل العالم، ينتهي المتتبع إلى أن الوضع العالمي يوجد في أسوأ حالاته، الشيء الذي يستدعي حلولاً مستعجلة، لتدارك الوضع من خلال تعاون جماعي متعدد الأطراف، يخدم الصالح العام العالمي.

وانطلقت جلسة «الاضطرابات العالمية: الاستجابة للأزمات والتعاون وبناء القدرة على الصمود» من أسئلة كيف يمكن للدول أن تقيم توازناً بين المصالح الوطنية والقدرة الجماعية على التصدي للتحديات المشتركة، وإلى أي مدى تتماشى وتيرة الإصلاح الحالية داخل المؤسسات متعددة الأطراف، والخطوات الملموسة التي يمكن اقتراحها لتعزيز بيئة دولية أقل صدامية، بخاصة في ضوء المشهد الجيوسياسي الحالي، وما يطرحه من تحديات.

من جلسة «الاضطرابات العالمية» ضمن «حوارات الأطلسية» بمراكش (الجهة المنظمة)

وجاءت وجهات نظر المتحدثين لتؤكد عدداً من القناعات التي طرحت للنقاش خلال جلسات اليومين السابقين، خصوصاً فيما يتعلق بالتوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وجائحة «كورونا»، والصراعات المشتعلة في أكثر من منطقة من العالم، الشيء الذي يدفع إلى تناول الوضع بطريقة نقدية للتأثير المتعدد لهذه الأزمات وآثارها على العلاقات الدولية، وعلى الاقتصاد العالمي والقدرة الجماعية للدول في مواجهة التحديات المشتركة الناجمة عنها، وذلك في استحضار لمعطى أن هذه الأزمات تعيد تشكيل الأجندات الدبلوماسية، وتضع التعاون الدولي أمام محك صعب، فيما تفرض تحديات عبر قضايا كثيرة، بينها تغير المناخ وانعدام الأمن الغذائي.

وتحدث باري سيغوين، مدير «مركز جورج سي مارشال الأوروبي للدراسات الأمنية» من الولايات المتحدة، عن تغير جذري يجري على الساحة الجيوسياسية، مثّل له باحتمال ضم الصين لتايوان، وتخوف الولايات المتحدة من إمكانية أن تعمد الصين، في أفق 2027، إلى السرعة القصوى في تدبير هذا الملف.

ودعا سيغوين، إلى الأخذ بعين الاعتبار جانب الأمن لتنمية الدول. وشدد على ضرورة الاشتغال على قضايا ببعد إقليمي، عبر تعاون متعدد الأطراف.

ورأى السفير عمر هلال، الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، أن المواقف على مستوى الأمم المتحدة متباينة بخصوص الحروب والنزاعات، التي قال عنها إنها كانت حكراً على الجنوب، ثم طالت الشمال أخيراً، مع تشديده على أن التنافس بين القوى العظمى صار اليوم أقل آيديولوجياً، ويعتمد أكثر على التكنولوجيا.

من جلسة «مهارات الغد: كيفية تشكيل نظام التعليم؟» ضمن «حوارات الأطلسية» بمراكش (الجهة المنظمة)

وتحدث هلال، عن غياب الاحترام للأمم المتحدة. ورأى أن التهجم على الجوار وعدم احترام حقوق الإنسان ليسا شيئاً جديداً، سوى أنه كان هناك حد أدنى من احترام القوانين الدولية في السابق. واليوم، يضيف هلال، حتى هذا الحد الأدنى من الاحترام لم يعد متوفراً. ورأى، أن غياب الاحترام للأمم المتحدة وللقوانين الدولية سيفتح الباب أمام تسلط القوي على الضعيف، وعندها ستتوقف آلية المفاوضات لحل الأزمات.

واستحضر هلال حرب غزة، ليتحدث عن إخفاق منظومة الأمم المتحدة في مهامها، مشيراً إلى أن التوظيف المتكرر لحق (الفيتو) أكد أنه لم يعد بإمكان القوى الكبرى الاجتماع حول الطاولة نفسها للتحاور.

وقالت نتالي دي لا بالم (فرنسا) الرئيسة التنفيذية لمؤسسة «مو إبراهيم»، إنه ليس هناك من نظام عالمي الآن، وإن العالم يعيش على وقع الأزمات، التي كانت ترتبط بأفريقيا، قبل أن تشمل البلدان الصناعية، ممثلة لذلك بالأزمات التي طالت فرنسا واليونان، وصولاً إلى الحرب الأوكرانية.

وتحدثت دي لا بالم عن تهميش لأفريقيا وعدم اهتمام بها. وهي وجهة نظر لم يتفق معها باسكال بونيفاس مدير «المعهد الفرنسي للشؤون الدولية والاستراتيجية» من فرنسا، الذي قال، إنه ليس صحيحاً أن أفريقيا تم تناسيها، قبل أن يستدرك بالحديث عن اهتمام أوروبي بأقاليم أخرى، بعد أن صارت أوروبا تنظر نحو شرقها أكثر من الجنوب.

وتحدث بونيفاس، عن وجود تنافس بين الصين وروسيا والولايات المتحدة وغيرها على أفريقيا. ورأى أنه يبقى من الأفضل أن يكون هناك تنافس بين دول عدة بدل هيمنة دولة واحدة. وأضاف أن أفريقيا تحتاج حوكمة جيدة، تمكنها من الدفاع عن مصالحها. وتحدث بونيفاس عن تداعيات إخفاق الديمقراطية.

تفاعل الحاضرين خلال جلسات «حوارات أطلسية» بمراكش (الجهة المنظمة)

وذكر، أن الانقلابات وتنامي الخطاب المتطرف، مثلاً، هي نتيجة لتنامي الفساد وعدم تحمل النخب السياسية لمسؤولياتها. ودعا إلى عدم توسيع الهوة بين الشرق والغرب، مشيراً إلى أن المشكل يتعلق بتطبيق بعض القيم وليس كلها. وشدد على القول، إن المشكل ليس في القيم بل في تدبير التعاطي معها.

وسعت جلسة «التغير التكنولوجي من أجل انتقال مستدام» إلى الإجابة عن جملة أسئلة، تهم الكيفية التي يمكن بها للمجتمع الدولي أن يوازن بين فوائد التقدم التكنولوجي في تحسين الحياة والمسؤولية عن رعاية النظم الإيكولوجية، فضلاً عن الاستراتيجيات التي يمكن تبنيها لضمان تناغم أكبر بين التقدم التكنولوجي والاستدامة البيئية. كما تساءلت عن التحديات والإمكانات المطروحة أمام تعزيز التعاون بين قطاعات لمعالجة قضايا الاستدامة، وكيف يمكن للعمل الجماعي إنجاح احتضان الابتكار من أجل تحسين المجتمع والبيئة، فضلاً عن الدور الذي تلعبه الشراكات بين القطاعين الخاص والعام، ومنصات الابتكار المفتوحة، في مواجهة تحديات الاستدامة على المستوى العالمي. وقال ريكاردو سانتوس، وزير الشؤون البحرية البرتغالي السابق، إن البحار والمحيطات تتعرض لاستنزاف كبير، بشكل سيؤدي إلى تدهورها وفقدان مصدر للتوازن العالمي.

وتحدث سانتوس، عن سلامة المجال البحري في علاقة باستدامة الحياة على الأرض، داعياً إلى إعطاء الأولوية للابتكار والتكنولوجيا ذات التأثير السلبي الضعيف.

وقال أندرياس كرايمر مؤسس «المعهد البيئي» (ألمانيا)، إن العالم طور عادة الاعتماد على التكنولوجيا السيئة، غير أنه لا يتوفر اليوم على ميكانيزمات لتصحيح الوضع، في ظل الإصرار على مواصلة الاعتماد على الطاقة الأحفورية، وتلويث واستنزاف البحار والمحيطات وتحويلها إلى مكب للنفايات، بشكل تتراجع معه قدرتها على امتصاص ثاني أكسيد الكربون.

مواطنون وسائحون متجمعون بميدان جامع الفنا في مدينة مراكش المغربية (رويترز)

وتحدث سيرين غي ديوب الوزير المستشار لرئيس السنغال، عن أفريقيا ومعاناتها مع التصحر وارتفاع نسبة الملوحة في التربة، بشكل أثر على الإنتاج الزراعي، فيما أثر تراجع كميات الأمطار على الأمن الغذائي، مشيراً، إلى أن التكنولوجيا تبقى حلاً لضمان أفريقيا منها الغذائي، لكن مع الحرص على المحافظة على البيئة. وبعد أن دعا إلى تحقيق إنتاجية زراعية تحقق الأمن الغذائي، شدد ديوب على ضرورة تحقيق التوازن بين الاستدامة والعناصر الإنتاجية.

وركزت جلسة «مهارات الغد: كيفية تشكيل نظام التعليم؟» على الدور الذي يجب أن تلعبه السياسات العامة في دعم وتوجيه أنظمة التعليم، في ظل الثورة الرقمية والتقدم التكنولوجي المستمر، التي صارت تفرض إعادة النظر في أنظمة التعليم وإعادة ضبط النهج التربوي والاستثمار الاستراتيجي في المهارات لمواكبة التطور التكنولوجي.

وربط جاك أتالي، الكاتب ورئيس شركة «أتالي أسوشيتس» (فرنسا)، بين الأبعاد الجيوسياسة والتعليم، مشدداً على وجود تأثير متبادل بينهما. وتحدث، عن فشل على مستوى المنظومات التعليمية، وانهيار آليات تقييم جودة التعليم وما يتم تلقينه في المؤسسات التعليمية.

وتطرق أتالي، إلى جودة المنظومة التعليمية في علاقة بتداعياتها على المجتمعات. كما توقف عند سلبيات الشبكات الاجتماعية التي قال إنها تقتل التعليم، بسبب كل تلك الساعات التي يتم هدرها، بشكل يؤدي إلى النرجسية والفردانية وقتل الذكاء، بدل التركيز على القراءة والتعليم.

وتحدث تشارلز كوبتشان أستاذ الشؤون الدولية بجامعة جورج تاون (الولايات المتحدة)، عن مجموعة عناصر لتأمل جودة التعليم، أولاها أن يؤدي التعليم إلى تكريس التماسك والهوية الوطنية في ظل الوسائط الجديدة وغياب مؤسسات تحول الأفراد ذوي الانتماءات العرقية والثقافية، كما هو حال الولايات المتحدة، إلى أميركيين. وثانيها التركيز على روح وقيم المواطنة المسؤولة، وثالثها ضرورة الاستثمار في تعليم الفتيات والنساء لبناء رأسمال اجتماعي، في زمن التحول الرقمي.


مقالات ذات صلة

«تصفيات أمم أفريقيا»: أوناحي يقود المغرب للفوز على ليسوتو... والجزائر تنجو من بوروندي

رياضة عربية «أسود الأطلس» هزموا ليسوتو بجنوب أفريقيا (منتخب المغرب)

«تصفيات أمم أفريقيا»: أوناحي يقود المغرب للفوز على ليسوتو... والجزائر تنجو من بوروندي

عاد منتخب المغرب بـ3 نقاط ثمينة من خارج ملعبه بالفوز على ليسوتو بنتيجة 2 / 0، الثلاثاء، ضمن منافسات الجولة الثانية من التصفيات المؤهلة لكأس أمم أفريقيا.

«الشرق الأوسط» (بلومفونتين)
بروفايل فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة المغربية (أ.ف.ب) p-circle 00:33

بروفايل فاطمة الزهراء المنصوري تدخل التاريخ السياسي للمغرب من أوسع أبوابه

الملك محمد السادس يعيّن فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة المغربية، كأول امرأة تتقلد المنصب في تاريخ البلاد لتقود مرحلة جديدة من الإصلاحات ورهانات المونديال

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الجماعية لحزب «الأصالة والمعاصرة» وسط أنصارها المحتفلين بنتائج الانتخابات فجر أمس (أ.ف.ب) p-circle 00:33

المنصوري أول امرأة تترأس الحكومة المغربية بقرار ملكي

«المرأة الحديدية» في سدة الرئاسة التنفيذية بالرباط... تكليف رسمي يقود المغرب نحو مرحلة جديدة

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا مغربيتان تستعدان للإدلاء بصوتيهما في الانتخابات التشريعية بالمغرب يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

توقيف عمدة طنجة على ذمة التحقيق بسبب شبهة خروقات انتخابية في المغرب

قررت النيابة العامة المغربية، الاثنين، توقيف عمدة مدينة طنجة منير ليموري على ذمّة التحقيق، على خلفية شبهة تتعلّق بخروقات انتخابية لصالح حزب «الأصالة والمعاصرة».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الخليج الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)

السعودية والمغرب تبحثان تعزيز التعاون الدفاعي

بحث الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي مع عبد اللطيف لوديي الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني المغربي، سبل تعزيز التعاون الدفاعي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

نقل البشير إلى مستشفى بالخرطوم وسط حديث عن ترتيبات لسفره

الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
TT

نقل البشير إلى مستشفى بالخرطوم وسط حديث عن ترتيبات لسفره

الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)

نُقل الرئيس السوداني السابق عمر البشير، البالغ من العمر 80 عاماً، من مدينة مروي في شمال البلاد إلى مستشفى علياء العسكري، التابع للسلاح الطبي في العاصمة الخرطوم، لمواصلة العلاج وإجراء فحوصات، في ظل ظهور أعراض لم تُعرف أسبابها.

وقال محاميه محمد الحسن الأمين لـ«الشرق الأوسط»، الأربعاء، إن موكله نُقل إلى الخرطوم قبل أسبوعين لإجراء فحوصات دورية، مؤكداً أنه «لا جديد في وضعه الصحي». لكنه أشار إلى ظهور بعض الأعراض التي «لم يتم التعرف على أسبابها»، وهو ما قد يستدعي سفره إلى خارج البلاد لاحقاً لإجراء فحوصات باستخدام أجهزة متطورة.

وأحجم الأمين عن تقديم مزيد من التفاصيل بشأن الحالة الصحية للبشير، التزاماً بالقوانين المتعلقة بحماية خصوصية المرضى وسرية معلوماتهم الطبية. غير أنه ذكر أن الرئيس السابق يعاني، بصورة متكررة، انخفاضاً في ضغط الدم والتهابات، مضيفاً: «هذا كل ما نستطيع الإفصاح عنه في هذه المرحلة».

محمد الحسن الأمين محامي الرئيس السابق عمر البشير (الشرق الأوسط)

وأوضح الأمين أن نقل البشير إلى الخرطوم جاء بعد استقرار الأوضاع الأمنية في الولاية مؤخراً، مشيراً إلى أنه لم تعد هناك دواعٍ لبقائه في المعتقل بمدينة مروي. وأضاف أن موكله يتنقل بين السجن والمستشفى لاستكمال علاجه.

وبشأن ما يُتداول عن موافقة السلطات السودانية على سفر البشير إلى الخارج، قال الأمين: «لا يوجد قرار رسمي حتى الآن»، لكنه أشار إلى أن بعض المسؤولين في الحكومة، الذين لم يسمّهم، أبدوا عدم ممانعتهم. وأضاف: «هذا الطلب أُثير قبل أكثر من عام، لكن لم يحدث أي تقدم في تنفيذه».

وأكد الأمين أن الجهات الرسمية نفسها سهّلت سفر نائب الرئيس السابق، بكري حسن صالح، إلى العاصمة التركية أنقرة لتلقي العلاج، كاشفاً للمرة الأولى عن وجوده خارج البلاد.

عمر البشير أثناء محاكمته في الخرطوم (الشرق الأوسط)

وتتهم المحكمة الجنائية الدولية البشير بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور خلال حكمه. كما أُدين بتهم فساد وتمويل غير مشروع، وواجه محاكمات أخرى قبل اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023. وكان آنذاك محتجزاً في قاعدة عسكرية بأم درمان، قبل نقله إلى مروي في شمال السودان.

وكانت تقارير إعلامية سودانية قد أفادت بتدهور الحالة الصحية للرئيس السابق بصورة كبيرة خلال الأيام الماضية، ما استدعى نقله إلى الخرطوم.

في المقابل، فندت مصادر رفيعة المستوى لـ«الشرق الأوسط» ما يقال عن تدهور صحة البشير، وقالت إن الإجراءات الأخيرة تهدف إلى التمهيد لسفره إلى خارج البلاد، استباقاً لأي تحولات سياسية في الداخل أو تطورات في دول الإقليم.

البشير مع زعيم الحركة الإسلامية حسن الترابي في الأيام الأولى لانقلاب 1989 (أ.ف.ب)

وقالت المصادر إن الإسلاميين يسعون إلى استباق تحولات متسارعة محتملة في المشهد السياسي، قد تضع السلطة بقيادة رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، في حرج بالغ أمام المحكمة الجنائية الدولية إذا ظل البشير داخل البلاد. ووفقاً للمصادر، التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها، فإن قيادات إسلامية بارزة في حزب المؤتمر الوطني المعزول، أجرت اتصالات، في وقت سابق، لترتيب نقل البشير إلى دولة خارجية، بعد الحصول على موافقتها على استقباله. وأضافت المصادر أنه سبق أن عُرض على الرئيس المعزول الانتقال إلى إريتريا، لكنه رفض، رغم أن الرئيس الإريتري أسياس أفورقي كان قد أبدى استعداده لاستضافته.

واعتبرت المصادر أن الحديث عن تدهور صحة البشير لا يرتبط بحالته الصحية، وإنما يندرج في إطار ترتيبات ذات دوافع سياسية بحتة.

من جانبه، قال الناطق الرسمي باسم هيئة الاتهام في قضية انقلاب عام 1989، الذي قاده البشير، المحامي معز حضرة، إن قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991 لا يجيز السماح لأي متهم أو محكوم عليه بالسفر خارج البلاد. وأوضح حضرة لـ«الشرق الأوسط» أن «السلطة القضائية، وفقاً للقانون، هي الجهة الوحيدة التي تتحكم في مكان وجود المتهم، وليس أي جهة أخرى، سياسية أو عسكرية أو غيرها».

وأضاف أن البشير يواجه عدة بلاغات، ولذلك فإن «الإجراء القانوني السليم هو أن يتلقى العلاج في السجن أو في مستشفيات حكومية تحت رقابة السلطة القضائية». واعتبر أنه «إذا صح ما يُتداول عن محاولة نقله إلى الخارج، فإن ذلك يشكّل تهريباً لمتهم».

عمر البشير (أ.ف.ب)

ويخضع البشير و27 من شركائه الإسلاميين للمحاكمة بتهم تقويض النظام الدستوري، التي تصل عقوبتها إلى الإعدام وفقاً للقوانين السودانية، على خلفية انقلاب 30 يونيو (حزيران) 1989، الذي استولت بموجبه الجبهة الإسلامية على السلطة. ومن أبرز المتهمين في القضية علي عثمان محمد طه، النائب الأسبق لحسن الترابي، وبكري حسن صالح، نائب البشير السابق، إلى جانب قيادات عسكرية ومدنية شاركت في الانقلاب.


مصر تدعم الجهود الأممية لتسوية سياسية ليبية شاملة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لدى استقباله مبعوثة الأمم المتحدة لدى ليبيا هانا تيتيه في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لدى استقباله مبعوثة الأمم المتحدة لدى ليبيا هانا تيتيه في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدعم الجهود الأممية لتسوية سياسية ليبية شاملة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لدى استقباله مبعوثة الأمم المتحدة لدى ليبيا هانا تيتيه في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لدى استقباله مبعوثة الأمم المتحدة لدى ليبيا هانا تيتيه في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

تجددت، الأربعاء، التأكيدات المصرية على دعم الجهود الأممية الرامية إلى التوصل لتسوية سياسية ليبية - ليبية شاملة، مع التشديد على تمسك القاهرة بملكية الليبيين للعملية السياسية، وذلك خلال استقبال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه في القاهرة.

ويأتي اللقاء في توقيت تتجه فيه الأنظار إلى جلسة مرتقبة لمجلس الأمن خلال أكتوبر (تشرين الأول) المقبل لبحث مستجدات المسار السياسي في ليبيا، في وقت تسعى فيه البعثة الأممية إلى دفع خريطة الطريق التي طرحتها لمعالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها اتفاق رعته الشهر الماضي بين «الجيش الوطني» شرقاً وحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة غرباً (4 + 4) حول الإطار الدستوري والقانوني المنظم للانتخابات.

اجتماع اللجنة السياسية بالمجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية طرابلس يوم الثلاثاء (الصفحة الرسمية للمجلس)

وحسب بيان البعثة الأممية، تناولت مشاورات عبد العاطي وتيتيه سبل البناء على الاتفاق الأخير للجنة «4 + 4»، والخطوات اللازمة لتهيئة الظروف المواتية لإجراء الانتخابات خلال مهلة 24 شهراً. وفي المقابل، جاء بيان وزارة الخارجية المصرية أكثر اتساعاً، إذ أشار إلى «مستجدات الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا، والجهود المبذولة للدفع بالعملية السياسية في إطار خريطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة».

وأعاد عبد العاطي، وفق البيان، التأكيد على «دعم مصر للجهود الأممية الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية ليبية - ليبية شاملة»، مشدداً على «ضرورة أن تظل العملية السياسية ذات ملكية وقيادة ليبية». كما شدّد على أهمية الدفع نحو إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن، وإنهاء المراحل الانتقالية، وتوحيد مؤسسات الدولة الليبية، بما يحترم وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها.

يأتي موقف القاهرة في ظل استمرار التباين الليبي بشأن مخرجات المسار المصغر الذي رعته البعثة الأممية بين ممثلين عن المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية في شرق البلاد وغربها، والذي توصل في نهاية أغسطس (آب) الماضي إلى ترتيبات تتعلق بالقوانين المنظمة للعملية الانتخابية.

وسبق أن أشار رئيس لجنة الشؤون العربية بمجلس النواب المصري، محمد صلاح أبو هميلة، خلال حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الجهود المصرية في الملف الليبي تستند إلى استراتيجية ترفض أي مساس بوحدة البلاد أو تقسيمها، عادّاً أن الملف الليبي «يمثل محوراً مهماً من محاور الأمن القومي المصري»، وأن أمن ليبيا واستقرارها «يشكلان هدفاً رئيسياً للسياسة الخارجية المصرية».

ولا يزال «المجلس الأعلى للدولة» بليبيا يتحفظ على مخرجات مسار «4 + 4»، التي أقرها مجلس النواب وأدرجها ضمن قراراته الرسمية مؤخراً. وخلصت اللجنة السياسية بالمجلس، الثلاثاء، إلى رفض الإجراءات المرتبطة بهذه المخرجات «شكلاً وموضوعاً»، مع التوجه إلى إعداد مذكرة موجزة تتضمن ملاحظاتها القانونية والسياسية، تمهيداً لإحالتها إلى رئاسة المجلس والجهات المعنية.

وذهبت اللجنة إلى تأكيد ضرورة أن تتم أي تعديلات أو ترتيبات مرتبطة بالعملية الانتخابية داخل الأطر القانونية والدستورية، وبما يراعي آليات التوافق بين المؤسسات المختصة. كما عقد النائب الأول لرئيس المجلس الأعلى للدولة ناجي مختار، برفقة عدد من أعضاء المجلس، اجتماعاً مع ممثلي حكومة «الوحدة الوطنية» المشاركين في مسار «4 + 4»، للاستفسار عن تفاصيل المسار ومخرجاته.

وفي هذا الشأن نقلت البعثة الأممية، في بيان أعقب لقاء عبد العاطي وتيتيه، الأربعاء، أن «البعثة ستواصل انخراطها مع المجلسين لإتاحة الفرصة للمضي قدماً في تنفيذ الاتفاق السياسي».

وتتزامن التحركات الأممية والمصرية مع استمرار مسار أميركي موازٍ يقوده مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، يركز على توحيد المؤسسات الليبية ودعم مسار يقود إلى انتخابات وطنية، يتضمن أيضا - وفق ما تسرب عنه - توحيد أطراف الصراع الليبي في سلطة تنفيذية موحدة.

ويختلف المساران الأميركي والأممي في أدواتهما، لكنهما يلتقيان عند هدف توحيد مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف أمام انتخابات وطنية. وكان بولس قد أكد في وقت سابق دعم واشنطن لخريطة الطريق الأممية، التي تستهدف الوصول إلى حكم موحد وإجراء انتخابات وطنية.


مصر: إرجاء العمل بقانون «الإجراءات الجنائية» الجديد لـ«عدم الجاهزية الفنية»

مجلس النواب المصري يوافق الأربعاء على إرجاء العمل بقانون «الإجراءات الجنائية» (وزارة الشؤون النيابية)
مجلس النواب المصري يوافق الأربعاء على إرجاء العمل بقانون «الإجراءات الجنائية» (وزارة الشؤون النيابية)
TT

مصر: إرجاء العمل بقانون «الإجراءات الجنائية» الجديد لـ«عدم الجاهزية الفنية»

مجلس النواب المصري يوافق الأربعاء على إرجاء العمل بقانون «الإجراءات الجنائية» (وزارة الشؤون النيابية)
مجلس النواب المصري يوافق الأربعاء على إرجاء العمل بقانون «الإجراءات الجنائية» (وزارة الشؤون النيابية)

وافق مجلس النواب المصري، الأربعاء، على إرجاء العمل بقانون «الإجراءات الجنائية» -الذي صدر قبل نحو عام، وكان من المفترض أن يدخل حيّز النفاذ الخميس- إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2027، بدعوى «عدم الجاهزية الفنية لتطبيقه»، في وقت عزّز القرار «آمال منتقدي القانون باستبداله أو تعديل بعض مواده المثيرة للجدل».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد دعا، مساء الثلاثاء، مجلس النواب إلى الانعقاد في جلسة طارئة الأربعاء، قبل يوم واحد من الموعد المقرر لانعقاد المجلس لبدء فصل تشريعي جديد مطلع أكتوبر 2026.

ويُعد قانون «الإجراءات الجنائية» من أكثر القوانين إثارة للجدل في مصر، إذ استغرق شهوراً في مناقشته داخل المجلس، وسط رفض حقوقيين ونقابات مهنية عدداً من مواده، قبل أن يقره مجلس النواب في أبريل (نيسان) 2025.

وبعد عدة أشهر، رفض الرئيس السيسي التوقيع عليه، وطالب البرلمان بإعادة النظر في بعض مواده، وذلك في سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، قبل أن يصدره في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، متضمناً مادة تُحدد موعد دخوله حيّز النفاذ مع بداية العام القضائي الجديد، في أكتوبر 2026.

وجاء قرار مجلس النواب، الأربعاء، «نتيجة تقديم عُشر أعضاء المجلس مشروع قانون من مادة واحدة تنص على التأجيل لعدم جاهزية البنية التحتية»، حسب عضو «اللجنة التشريعية» في المجلس، الخبير الدستوري صلاح فوزي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «التأجيل بغرض حُسن أداء العدالة».

وأضاف فوزي أن «ما حدث، الأربعاء، مثال على التكامل بين السلطات، وليس الفصل التام كما ينادي البعض، فالنواب لاحظوا عدم الجاهزية، وقدموا المشروع، والحكومة وافقت عليه ودعّمته في المجلس، حتى تم التأجيل بما يصب في صالح منظومة العدالة».

مصطفى مدبولي خلال مناقشة مشروع «قانون الإجراءات الجنائية» العام الماضي (وزارة الشؤون النيابية)

ودفعت الحكومة خلال الجلسة العامة، الأربعاء، نحو إرجاء تطبيق «الإجراءات الجنائية»، وقال وزير الشؤون النيابية، هاني حنا، إن «محاكم الجنايات جاهزة، لكن بعض محاكم الدرجة الثانية يجري تنفيذها»، مؤكداً أن «مدة عام كافية للانتهاء من التجهيزات».

وثمّن جهود النواب الذين تقدموا بمشروع القانون، وحرصهم على ضمان إنفاذه بصورة متكاملة، بما يُحقق أهدافه من دون أن تترتب على تطبيقه أي مشكلات أو آثار غير مقصودة.

وفيما كانت الحكومة تستعرض جهودها في تدريب العاملين في المحاكم، وتوفير تدريبات للمحامين على منظومة التقاضي عن بُعد، كان محامون وحقوقيون يشيدون بقرار الإرجاء، انطلاقاً من تصورات أخرى ترى أن «البنية التحتية» ليست سوى مبرر لإرجاء التطبيق، قد تتبعه خطوات أخرى، سواء بإعادة النقاش حول القانون وإصدار قانون آخر، أو تعديل بعض مواده.

وزير الشؤون النيابية داخل مجلس النواب الأربعاء (وزارة الشؤون النيابية)

ويرى المحامي حسن شومان أن «في القانون بعض المواد المثيرة للجدل»، وفق قوله، ومنها «السماح للنيابة العامة بالتحقيق مع المتهم في حالات خاصة دون حضور المحامي»، وكذلك الغموض بشأن منظومة التقاضي عن بُعد، وكيفية تطبيقها، معتبراً أن «مشروع القانون لم يأخذ الوقت الكافي في مناقشته».

وأعاد قرار تأجيل تطبيق «الإجراءات الجنائية» زخم الحديث حول مواد القانون والاعتراضات عليه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ونشر أكثر من محامٍ حقوقي توضيحات حول أسباب رفضهم القانون.

وأكد الأمين العام لنقابة المحامين محمود الداخلي لـ«الشرق الأوسط» أن «للنقابة اعتراضات على القانون، بعضها تم النظر فيه، والآخر لم تتم الاستجابة له»، لكن «الطعن بعدم دستورية بعض المواد يستوجب أيضاً بدء تطبيق القانون».

ويرجح أن يكون سبب الإرجاء هو ما جرى الإعلان عنه بالفعل من «عدم الجاهزية الفنية»، وليس لأغراض أخرى خاصة بتعديل مواده. والأمر نفسه أكده فوزي، قائلاً إن «الغرض من التأجيل هو إتاحة الفرصة للتدريب والتأهيل، وليس له أي علاقة بتعديل مواد القانون».