أطفال الهجرة.. بين معاناة الرحيل وقسوة الاغتراب

توقع وصول 12 ألف طفل لاجئ إلى السويد هذا العام

أطفال الهجرة.. بين معاناة الرحيل وقسوة الاغتراب
TT

أطفال الهجرة.. بين معاناة الرحيل وقسوة الاغتراب

أطفال الهجرة.. بين معاناة الرحيل وقسوة الاغتراب

بحقائب سفر ممتلئة، تبادل صبية من أفغانستان، وإريتريا والسودان، أحضان الوداع مع ذويهم قبل أن يهموا بالرحيل. لكن المناسبة كانت سعيدة هذه المرة. فبعد شهور من التنقل بين قارات مختلفة، أوشك اللاجئون المراهقون على الوصول لمنازل بريطانية حيث يستطيعون تحقيق حلم الحياة في أوروبا الذي طالما راودهم.
لم يكن عشرات اللاجئين الأطفال بصحبة أحد عندما وصلوا لنهاية الرحلة الطويلة الخطرة، والتي قضوها سواء على متن قارب، أو سيرا على الأقدام، أو في شاحنة، أو بالقطار. وعند وصولهم إلى مدينة دوفر البريطانية، تم اصطحابهم إلى مركز استقبال في مقاطعة كينت، غرب إنجلترا، حيث أقاموا في مأوى مؤقت قبل أن ينتقلوا للإقامة في مساكن شبة دائمة، ولم ينسوا توديع مجموعة أخرى من الصبية ممن ينتظرون دورهم.
وشهدت أزمة اللاجئين الأوروبيين توافد موجة قياسية من طالبي اللجوء الأطفال الفارين من الحرب الأهلية، والتجنيد الإلزامي والفقر في بلدانهم، إلى بلدان مثل بريطانيا والسويد، اللتين أسرعتا بتقديم الرعاية لآلاف القادمين الجدد من الصغار، أغلبهم ما بين 14 و18 عاما، توافدوا من سوريا، وأفغانستان، وإريتريا، والسودان.
وقال صادق، الصبي السوداني الخجول، الذي لم يتعد عمره السابعة عشرة: «إنني سعيد أن أغادر اليوم.. أريد أن أصبح مهندسا». وشأن باقي اللاجئين في المعسكر الذين أجروا مقابلات شخصية مع وكالة «أسوشييتد برس»، تم التحفّظ على اسم صادق الكامل بحكم صغر سنه.
ومثل باقي المراهقين، قام صادق بالرحلة بمفرده بعدما ترك عائلته، وربما لن يراهم مرة أخرى. خفض صادق رأسه عند سؤاله عن بلده الأم، حيث تسبب الاقتتال الداخلي على مدى عام كامل في قتل الآلاف وتشريد الملايين. وأفاد صادق «ليس لدي معلومات عن بلدي منذ أن رحلت، ولا أعرف شيئا عن عائلتي، وأشعر بالحزن لذلك، لكن ماذا عساي أن أفعل؟».
في كينت، أكثر المقاطعات استقبالا للأطفال اللاجئين، قفزت أعداد اللاجئين من 296 في سبتمبر (أيلول) 2014 إلى 800 في نفس الشهر من عام 2015. ويرتبط ميناء دوفر الإنجليزي بفرنسا عن طريق خطوط السكك الحديدية. وفي السويد التي تستقبل أكبر عدد من اللاجئين في أوروبا سنويا، تقول وكالة اللاجئين، إن نحو 1300 طفل طلبوا حق اللجوء في أسبوع واحد في شهر سبتمبر الماضي، مقارنة بنحو 400 لاجئ لشهر يونيو (حزيران). وحسب وكالة الهجرة الدولية، يتوقع أن يصل عدد الأطفال من طالبي اللجوء الذين هاجروا بمفردهم، هذا العام إلى 12 ألف لاجئ. وصرح كجيل ترجي، الخبير في وكالة الهجرة السويدية الذي عمل مع اللاجئين الأطفال لأكثر من عشر سنوات، بأنه لم يحدث أن تعرضت البلديات لمثل هذا الموقف من قبل، مضيفا «رغم توقعنا بزيادة الأعداد، إلا أن ما حدث فاق خيالنا».
من جانبهم، قال الأخصائيون الاجتماعيون، إن الكثير من اللاجئين الأطفال أُجبروا على الرحيل بمفردهم لعدة أسباب، وأبرزها الحرب التي تبعد الأطفال عن ذويهم، فيضطرون إلى إرسال طفل واحد عادة بسبب عجزهم عن توفير نفقات السفر لأكثر من طفل. وغالبا ما تكون فرص اللاجئين الأصغر سنا أفضل للحصول على حق اللجوء في أوروبا.
وتعتمد معظم الدول الأوروبية على قوانين خاصة بالأطفال اللاجئين الذين هاجروا بمفردهم. ولأنهم أضعف جسديا من الكبار، يتم فصلهم عن غيرهم من المهاجرين واللاجئين عند الوصول للدولة المضيفة ويتم تحويلهم إلى مراكز استقبال محلية، مثل تلك الموجودة في كينت، حيث يمكثون لقرابة الشهرين حتى تنتهي السلطات من استكمال إجراءاتهم. كما يتم تحويل بعضهم الآخر إلى الإسكان الاجتماعي تحت إشراف أخصائيين اجتماعيين، في حين يعيش آخرون مع أسر حاضنة. ويتمتع الجميع بحق الإعاشة والرعاية الاجتماعية، بما فيها التعليم والرعاية الصحية ونفقة شهرية خاصة بالطعام والملابس.
وفى مركز استقبال كينت الذي يعج باللاجئين الصغار منذ بداية الصيف، يستمتع اللاجئون بمرافق نظيفة ومناسبة. ويحصل الوافدون الجدد فور وصولهم على مأوى وملابس ونسخة من القرآن أو الإنجيل. ويعيش الوافدون في غرف صغيرة، إلا أنها تحوي أسرة متعددة الطوابق، وحوضا، ومرآة في ركن الغرفة. كما يمارس الأطفال أنشطة ترفيهية خلال النهار، تشمل عروضا موسيقية، ودروس لغة إنجليزية، وأنشطة رياضية. ويوح سو كليفتون، مشرف المركز، أن الأطفال يخرجون في نزهات للتعود على الحياة الإنجليزية، ويلعبون كرة القدم، ويذهبون للمحال التجارية، فهم يتعلمون كيف يعيشون في بريطانيا.
وتغيرت ظروف الحياة كثيرا بالنسبة لهؤلاء الأطفال، حيث عبر أغلبهم البحر المتوسط متراصين في قوارب صغيرة وسط المئات من المهاجرين، وبعضهم شاهد مقتل أسرته وفظائع الحرب. وأفاد أحدهم أنه تعلق لمدة عشر ساعات أسفل شاحنه غادرت فرنسا إلى بريطانيا ليصل في النهاية إلى دوفر، وقال آخر، إنه أوقف تحت تهديد السلاح في ليبيا.
بدوره أفاد تورفيك أن الكثيرين تحملوا ما هو أسوأ من ذلك خلال رحلتهم، إذ اضطر بعضهم لممارسة الدعارة، في حين عمل آخرون في مصانع بتركيا وإيران لكسب بعض المال، مضيفا أن الرحلة من أفغانستان إلى السويد قد تستغرق شهورا أو ربما عاما كاملا. وأضاف تروفيك أن «هؤلاء الأطفال أظهروا قوة جبارة، فعلى الرغم من الأوضاع الصعبة التي عاشوها في بلادهم، فرحيلهم عن بلدانهم شكل جرحا في حد ذاته. وأحيانا يرى المسؤولون أطفالا يفقدون السيطرة على أعصابهم ويبكون طوال الليل، فالوضع صعب للغاية بالنسبة لهم في دولة أجنبية يجهلون لغتها، ويعيشون فيها بعيدا عن عائلاتهم». من جانبها، تقول السلطات في بريطانيا والسويد، إن الموارد قاربت على النفاد بسبب تشغيل عمال إضافيين، والبحث عن منازل جديدة لاستيعاب الوافدين الجدد، من دون أن يبدو في الأفق أي بادرة توحي بانحسار المد البشري. وعلى مدار فصل الصيف، تعين على المسؤولين تأجير وسائل لنقل هؤلاء الأطفال لدول أخرى على أمل أن يجدوا فيها بيوتا حاضنة، بعد أن اكتظت المنازل المحلية. وحسب تقديرات المسؤولين، تقدر التكلفة التي تتحملها الدولة لاستضافة الطفل الواحد في البلاد نحو 30 ألف جنيه إسترليني (أي ما يعادل 45 ألف دولار أميركي) سنويا.
وفى مالمو، المدينة السويدية التي تستقبل غالبية اللاجئين الأطفال في البلاد، افتتحت الخدمات الاجتماعية خمسة مراكز استقبال جديدة ووظفت فيها 70 موظفا إضافيا كي تستوعب الأعداد الجديدة منذ أغسطس (آب) الماضي.
وأفادت أنيلي لارسلون، رئيسة وحدة الخدمات الاجتماعية، أن المدينة تستقبل نحو 80 طفلا يوميا، أغلبهم ممن وصلوا بالحافلات أو القطارات أو السيارات من الجارة الدنمارك، وأن فرص الاجتماع بذويهم ضئيلة.
ويتفق لارسون وتروفيك على أن السويد، بفضل تقاليدها التي تدعو للتضامن وحقوق الطفل، سوف تستمر في جذب أفواج من اللاجئين الأطفال وستواصل توفير ظروف عيش ملائمة لهم. وفى كينت، يبذل المسؤولون كذلك قصارى جهدهم لتوفير المزيد من الدعم الحكومي لهؤلاء الأطفال.
ويقول سيمون، البالغ من العمر16 سنة، والذي ترك والديه و7 أخوة في إريتريا: «أريد أن أكمل دراستي، إذ إنني فشلت في العودة للمدرسة في بلدي. أفتقد عائلتي، إلا أنني لا أرغب في العودة لبلادي»، ويواصل: «هل أوروبا حلم تحقق؟ لا أعلم.. إلا أنني سوف أنتظر لأرى ماذا ينتظرني في المستقبل؟».



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.