انعكاسات التطرف والطائفية على الدبلوماسية

كتاب جماعي شارك فيه باحثون مختصون منهم وزير الخارجية الفرنسي وريجيس دوبري

ريجيس دوبري  -   لوران فابيوس
ريجيس دوبري - لوران فابيوس
TT

انعكاسات التطرف والطائفية على الدبلوماسية

ريجيس دوبري  -   لوران فابيوس
ريجيس دوبري - لوران فابيوس

مئات الروايات كل عام.. مئات الكتب الفلسفية والسياسية أيضا.. مئات المنشورات في شتى المجالات.. ماذا تستطيع أن تقرأ أو لا تقرأ؟ لا بد لك من الاختيار، من الحذف والإبقاء. نيتشه كان يقول هذه العبارة البليغة: «هناك أشياء كثيرة لا أريد أن أعرفها. ذلك أن الحكمة تفرض حدودا حتى على المعرفة». وبالفعل لماذا أضيع وقتي في قراءة أشياء تافهة لا تغني ولا تسمن جوع؟ ولذلك أول شيء ينبغي أن نفعله قرّاء أو كتابًا هو أن نحذف ما لا نريد قراءته: أي تقريبا معظم ما تقذف به المكتبات كل شهر أو كل أسبوع. وذلك لكي نتفرغ كليا لما يستحق القراءة بالفعل. يضاف إلى ذلك أنه لكي تفهم شيئا ما عن جد ينبغي ألا تفهم شيئا آخر. بيير بورديو، عالم الاجتماع الشهير، كان يقول ما معناه: لكي ترى ينبغي ألا ترى. بمعنى لكي تحقق اكتشافا حقيقيا في مجال ما ينبغي أن تنسى كل شيء وتركز اهتمامك على موضوع البحث فقط (تماما كما في العشق: عندما تحب امرأة عن جد فإنك لا تعود ترى غيرها وكأنهن غير موجودات على الإطلاق. وهنا تكمن كيمياء الحب وسحره الخالد). وكان يقول لنا بورديو في دروسه الشهيرة ما يلي: في علم الاجتماع ماكس فيبر رأى ما لم يره سلفه ماركس، ودوركهايم رأى ما لم يره الاثنان معا. وهكذا دواليك.. على هذا النحو تتقدم المعرفة. وإلا فإننا سنكرر ما قاله السابقون إلى أبد الدهر. وهذا ما لا ينصحنا به المعري على الإطلاق:
وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآت بما لم تستطعه الأوائل
أولا لفت انتباهي كتاب عن علاقة الدبلوماسية بالأديان أو بالأحرى التحديات التي تطرحها الصراعات الدينية على الدبلوماسية الفرنسية والعالمية. وهو كتاب جماعي تصدره كل من لوران فابيوس وريجيس دوبري. وشارك فيه باحثون كثيرون مختصون بالغرب والشرق في آن معا. يقول لنا وزير الخارجية الفرنسي في مداخلته إن العقبة الكأداء لا تكمن في الدين ذاته وإنما في القراءة المتطرفة للدين. وهي قراءة تقيم التضاد بين الدين والثقافة. وهذه الفكرة أخذها فابيوس عن الباحث أوليفييه روا صاحب نظرية الجهل المقدس. بمعنى كلما كنت جاهلا بالثقافة العامة بما فيها الدينية ذاتها كنت متدينا أكثر! فتديني لا يمكن أن يكون نقيا صافيا إذا ما تلوث بالفلسفة والأدب والشعر والنثر وفلسفة الدين العميقة. ثم يرى فابيوس أن تطييف السياسة الذي بلغ ذروته حاليا يجعل الدبلوماسية عاجزة ومكتوفة الأيدي. فماذا تستطيع أن تفعل أمام شخص يقول لك: كل من ليس من ديني وطائفتي فهو كافر يستحق الذبح دون نقاش؟ وهنا تطرح مشكلة داعش علينا بكل أبعادها. ولكن فابيوس لا يختزل الإسلام في «داعش» على الإطلاق. فهناك لحسن الحظ تيارات إسلامية منفتحة نسبيا ومتعقلة وتقبل الحوار مع الآخر. ويرى فابيوس أن الإسلام إذا ما فهم بشكل صحيح يتوافق مع الديمقراطية. وأكبر دليل على ذلك التجربة التونسية التي تحولت إلى نموذج يقتدى به لكل العرب على الرغم من النواقص والمخاطر التي تحيق بها.
أما ريجيس دوبري فيقدم لنا بعض الإحصائيات المثيرة للاهتمام عن الدين في فرنسا. يقول لنا إنه في عام 1952 فإن نسبة الفرنسيين المؤمنين بالله كانت تصل إلى 74 في المائة. بمعنى أن ثلاثة أرباع الشعب الفرنسي كانوا مؤمنين بالله في منتصف القرن العشرين. ولكن هذه النسبة نزلت إلى 54 في المائة عام 2000 أو عام 1999 لكي نكون أكثر دقة. ولا نعرف فيما إذا كانت قد نزلت أكثر عام 2015. أما في الولايات المتحدة الأميركية فالأمر مختلف تماما. فهناك نسبة المؤمنين بالله ضخمة جدا. إنها تصل إلى 93 في المائة من الشعب الأميركي. وأما عدد الملاحدة فلا يتجاوز نسبة الواحد في المائة. نقول ذلك على الرغم من أن التدين هناك ليس إجباريا ولا أحد يضطهدك لأنك غير مؤمن أو غير متدين لسبب بسيط هو أن الدولة علمانية. وبالتالي فلن تفقد وظيفتك إذا لم تتدين أو إذا لم تضع قدمك في الكنيسة يوم الأحد ولو مرة واحدة. ولكن الشعب الأميركي بطبيعته متدين على عكس شعوب أوروبا الغربية. أما شعوب أوروبا الوسطى والشرقية فهي أكثر تدينا بكثير. انظروا حالة بولندا مثلا.
مما يلفت الانتباه في هذا الكتاب الغزير المتشعب مداخلة الباحث الفرنسي المختص جان بول ويليم. فهو يناقض الأطروحة الشيوعية عن الدين ويسخفها قائلا ما معناه: على عكس ما زعم ماركس وانغلز في كتاب «الآيديولوجيا الألمانية»، فإن الدين ليس مجرد بنية فوقية سطحية لا أهمية لها تقريبا قياسا إلى البنية التحتية المادية الاقتصادية. فالدين في رأيه له استقلالية ذاتية نسبية لا يستهان بها. ولولا ذلك لما ذبح الفقراء أنفسهم على الهوية. انظروا العصبيات الطائفية عندما تندلع أو تشتعل: فقراء كل طائفة يقتلون فقراء الطائفة المنافسة دون أي رادع أو وازع. أما الأغنياء من رجال دين أو دنيا فيكتفون بتهييج الطرفين على بعضهما بعد أن يكونوا قد سفروا عائلاتهم إلى الخارج وأصبحت في مأمن. وبالتالي فأين هو الصراع الطبقي في كل ذلك؟ هذه مهزلة. الصراع الطائفي يا سيد ماركس هو الذي يحتل الساحة وليس الصراع الطبقي. وربما لهذا السبب انهار فكرك والماركسية كلها ولم يعد أحد يتحدث باسمها. لهذا السبب توارى الشيوعيون «التقدميون جدا» عن الأنظار. هذا لا يعني أن الصراع الطبقي غير موجود. ولكنه موجود فقط تقريبا في المجتمعات المتقدمة التي تجاوزت مشكلة الصراع الطائفي كفرنسا وألمانيا وإنجلترا.. إلخ، ثم أعجبتني فكرة أخرى لدى هذا الباحث الرصين الذي أتابعه منذ زمن. وهي أنه لكي تعرف السلام الديني ينبغي أن تمر بمرحلة الصراع الديني. قد تبدو الفكرة تناقضية للوهلة الأولى ولكنها صحيحة تماما ولا غبار عليها. ففرنسا مثلا أو ألمانيا أو كل أوروبا المستنيرة لم تعرف السلام الديني إلا بعد أن مرت بمرحلة الصراعات الطائفية التي دمرتها تدميرا على مدار قرنين أو أكثر. وبالتالي فاستبشروا يا معشر العرب والمسلمين: هذه المرحلة الداعشية العسيرة ليست نهائية. إنها مجرد مرحلة انتقالية، أي مرحلة تصفية الحسابات التاريخية، وسوف تزول بزوال مسبباتها. نعم، سوف يتجاوز العالم العربي المرحلة الطائفية وينتصر عليها بعد أن تشع عليه الأنوار الفلسفية ونشهد العصر الذهبي الثاني للعرب. إنه آت لا ريب فيه. لكن كم من الثمن المدفوع والدم المراق قبل التوصل إلى ذلك الشاطئ الجميل؟! كم من الفواجع والمجازر؟! من يستطيع أن يقدر حجم العذابات السورية والعربية حاليا؟ أنا شخصيا لا أستطيع أن أرى التلفزيون إطلاقا. مناظر الدم والغرق في البحار تفوق طاقتي على التحمل. أحيانا أتساءل: لماذا لا أغرق مع الغارقين؟
أخيرا هناك فكرة أخرى مهمة يضيفها هذا الباحث المختص بالصراعات الطائفية الكاثوليكية - البروتستانتية. وهي أن علمنة المعرفة والثقافة والعقليات أدت إلى انحسار الطائفية في أوروبا. ومن المسؤول عن هذه العلمنة التحريرية؟ إنهم فلاسفة الأنوار في أوروبا. فهم الذين فككوا العقائد الطائفية وأسقطوا مشروعيتها بعد أن نزعوا هالة القداسة عنها. وهم الذين كشفوا القناع عن وجوه قسم من رجال الدين الذين يشعلونها أو يصبون الزيت على نارها. لقد نزلوا إلى ساحة المعركة بكل قواهم وتحملوا مسؤوليتهم كاملة ودفعوا الثمن من طمأنينتهم الشخصية وأحيانا من حياتهم. فأين هم المثقفون العرب؟ ولكن لا يعتقدن أحد أن علمنة الثقافة هنا تعني القضاء على الدين! فمعظم فلاسفة الأنوار كانوا مؤمنين. إنها تعني فقط القضاء على الجهل المقدس للظلاميين الداعشيين. فهناك فهمان للدين لا فهم واحد كما يحاول أن يوهمنا التيار الشعبوي الجارف السائد حاليا. الدين حمال أوجه. والصراع الضاري المندلع حاليا في العالم العربي والإسلامي كله هو صراع تفاسير. فإما إسلام الأنوار، وإما إسلام الإخوان. نقطة على السطر. ومن يربح المعركة في نهاية المطاف حلال عليه. نضيف أن التفكير اللاهوتي العميق رافق حركة الأنوار، وكذلك النضج الروحاني للطوائف المسيحية المتصارعة بالحديد والنار. فقد أخذت تنضج عقليًا وتتعود على تدجين خلافاتها اللاهوتية وتحجيمها. متى ستفعل الطوائف الإسلامية الشيء نفسه؟ ولم يكن ذلك بالأمر اليسير وإنما العسير جدا.. فليس من السهل أن تنتصر على نفسك وأن تلجم عصبياتك الدفينة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفارك وتشربتها مع حليب الطفولة.. وهنا تكمن المشكلة الحساسة جدًا التي تكاد تدمر العرب والمسلمين حاليا.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.