تفتش الصياغات النحتية التي قدمها الفنان المصري أحمد عسقلاني بأحدث معارضه في خبايا الذاكرة البشرية، وترصد ظلال البدائية الباقية داخل الإنسان المعاصر رغم الحداثة وتأثير العلم والحياة المدنية؛ ما أثار نقاشات واسعة شهدها غاليري «بيكاسو» بالقاهرة الذي يستضيف معرض «أبراج» حتى 15 ديسمبر (كانون الأول) الحالي.

الأبراج الفلكية هي ثيمة أعماله التي لا تتطرق إلى المعتقدات المرتبطة بالعلاقة بين بروج السماء والأرض أو بالمصير الذي يمكن أن تحدده هذه العلاقة في إطارها، يقول عسقلاني لـ«الشرق الأوسط»: «ليس ذلك بالتأكيد هو ما يعنيني أو ما أثار خيالي وألهمني أعمالي بالمعرض».
وينوّه إلى «توقفه طويلاً أمام احتفاء القدماء بتأمل تجمعات النجوم وخيالهم الذي قادهم لرسم أشكال وصور متخيلة لأبراج السماء، واستمرار اجتذاب الأبراج لاهتمام البشر إلى وقتنا الراهن».

من وحي السمات المعروفة لكل برج من الأبراج الاثني عشر جسّد الفنان أعماله النحتية، ومن هنا يلتقي الجمهور داخل القاعة بمنحوتات ترمز إلى أبراج الجدي، والقوس، والحمل، والأسد، والسرطان، والعذراء وغير ذلك، حيث تجتمع الأبراج كاملةً، وتثير أجواء من البهجة، فبعد أن احتلت جانباً كبيراً من حديث ونقاش الحضور فرضت مجموعة من الأسئلة على الجميع، ومنها: «ما هو برجك من بين هذه الأبراج؟ وهل هو برج ناري أم مائي أم ترابي؟»، وغير ذلك من أسئلة متعلقة بهذا العالم المثير لشغف الإنسان.

اللافت، أنه داخل الغاليري يحرص الزائرون على التقاط الصور الفوتوغرافية مع المنحوتة التي ترمز إلى برجهم في حالة من المرح والشغف؛ «يبدو أنها نجحت في مخاطبة الجانب البدائي داخل كل متلقٍ، وكأنها أيضاً استدعت تجليات الخرافة كاشفة عن مدى تأثيرها في حياة الإنسان المعاصر». وفق تعبير صاحب المعرض.
ويُعد هذا الاختلاف أو الطرح الفني غير المعتاد الذي تقدمه المنحوتات بالمعرض، استكمالاً لحالة من كسر النمطية التي ارتبطت باسمه منذ بداياته في عالم النحت، سيما فيما يتعلق باستخدامه لخامات جديدة أو غير مألوفة إلى حد كبير، ومن أبرزها خامة الخوص التي باتت سمة أساسية لفنه لسنوات طويلة.

يقول: «بسببه تعرضت لهجوم حاد من جانب الكثيرين، لكني لم ألتفت إلى ذلك، وواصلت استخدامه؛ لأنني لم أجد ما هو أفضل من الخوص لمنحوتاتي؛» ويتابع: «أراه رمزاً لعراقة التراث المصري، وتناسب النحت تماماً، وقد لاقى حفاوة بالغة فيما بعد بكل المعارض التي شاركت فيها بمصر والعالم».

جاءت الأعمال هذه المرة بخامة البرونز، وتنتمي إلى المدرسة التعبيرية، وتوحي بحركة بصرية مستمرة، يتمتع بعضها بحس الفكاهة: «يعشق المصريون الضحك ويتمتعون بخفة الظل حتى في الأزمات».
وجاء بعضها الآخر يمارس نشاطات متنوعة مثل العزف الموسيقي، ورغم كونها جزءاً من «فن النخبة» أو النحت، فإنها تتمتع بسهولة قراءتها والتفاعل معها؛ تماشياً مع فكر الفنان الذي يميل إلى أن يكون العمل الفني للجميع، من دون أن يقتصر على فئة معينة.

وعلى الرغم من أن المعرض تجمعه ثيمة «الأبراج» بأيقوناتها المعروفة، فإن عسقلاني خرج من الشكل التقليدي لها ليمنح كل منحوتة مفرداتها الخاصة وشخصيتها المستقلة؛ فلا يوجد عملان متشابهان، لكن ربما ما يجمع بينها هو حرصه على حيويتها والحياة التي تدب فيها.
أحمد عسقلاني المولود في عام 1978 بمحافظة قنا (جنوب مصر) أقام عدداً كبيراً من المعارض الفردية، كما شارك في معارض وورش جماعية عدة، ونال مجموعة من الجوائز، منها جائزة النحت الأولى عام 1998 من «صالون الشباب» وجائزة «بينالي الخزف» بالقاهرة عام 1998، والجائزة الأولى للنحت من وزارة الثقافة المصرية عام 2008.






