«كوب 28» يسدل الستار على أعماله بإقرار «اتفاق الإمارات»

خطوة جديدة نحو تفادي ارتفاع درجة حرارة الأرض عن 1.5 درجة مئوية

TT

«كوب 28» يسدل الستار على أعماله بإقرار «اتفاق الإمارات»

جانب من الجلسة الختامية لـ«كوب 28» يوم الأربعاء (أ.ب)
جانب من الجلسة الختامية لـ«كوب 28» يوم الأربعاء (أ.ب)

اختتم مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ «كوب 28» أعماله، الأربعاء، بعد أن أقر ممثلو ما يقارب 200 دولة، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، في مدينة إكسبو دبي «اتفاق الإمارات» للمناخ، والذي يتضمن خطة عمل مناخية طموحة للحفاظ على إمكانية تفادي تجاوز الارتفاع في درجة حرارة الأرض مستوى 1.5 درجة مئوية.

ودعا الاتفاق الأطراف إلى تحقيق انتقال منظم ومسؤول وعادل ومنطقي إلى منظومة طاقة خالية من كافة مصادر الوقود التقليدي الذي لا يتم تخفيف انبعاثاته؛ وذلك بهدف تحقيق الحياد المناخي، وتشجيعهم على تقديم مساهمات محددة وطنياً تشمل كافة القطاعات الاقتصادية، كما يستهدف زيادة القدرة الإنتاجية لمصادر الطاقة المتجددة ثلاث مرات ومضاعفة معدل تحسين كفاءة الطاقة سنوياً بحلول عام 2030، ويبني زخماً لتأسيس هيكل جديد للتمويل المناخي.

وقالت الرئاسة إن النتيجة تحترم العلم وتحافظ على إمكانية تفادي تجاوز الارتفاع في حرارة كوكب الأرض مستوى 1.5 درجة مئوية استجابةً للحصيلة العالمية.

وعقد مؤتمر الأطراف جلسة مهمة لعرض الصيغة النهائية للنص التي تم التوصل إليها، حيث تعهد 198 طرفاً بالإجماع على الحد من الانبعاثات الكربونية، مما ساهم في الوصول لمستهدفات «كوب 28»، وتجاوز الطموحات المحددة.

وجاء «اتفاق الإمارات»، بعد عام من المشاركات الدبلوماسية الواسعة القائمة على احتواء الجميع، وأسبوعين من المفاوضات المكثفة، ويتماشى مع هدف رئاسة «كوب 28» المتمثل في تقديم استجابة طموحة وفعالة وملموسة لنتائج الحصيلة العالمية لتقييم التقدم في تحقيق أهداف باريس.

جانب من الجلسة الختامية لـ«كوب 28» يوم الأربعاء (أ.ب)

وتتضمن التعهّدات الواردة في النص التفاوضي النهائي الإشارة للمرّة الأولى إلى الانتقال إلى منظومة طاقة خالية من مصادر الوقود التقليدي الذي لا يتم تخفيف انبعاثاته، لتمكين العالم من تحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050، ورفع سقف التوقّعات بشأن الجولة التالية من المساهمات المحدّدة وطنياً على مستوى العالم، من خلال تشجيع الأطراف على «تقديم مساهمات محددة وطنياً تشمل كافة القطاعات الاقتصادية»، بالإضافة إلى مواصلة بناء الزخم لإصلاح هيكل التمويل المناخي، والإشارة إلى دور وكالات التصنيف الائتماني للمرّة الأولى، والدعوة إلى زيادة كبيرة في المِنح والتمويل الميسّر، وتحديد هدف جديد يتمثّل في زيادة القدرة الإنتاجية للطاقة المتجدّدة ثلاث مرات، ومضاعفة معدل كفاءة الطاقة بحلول عام 2030. وكذلك الإقرار بالحاجة الماسّة إلى زيادة كبيرة في تمويل التكيف تتجاوز الضعف، لتلبية احتياجاته الملحّة والمتزايدة.

وإلى جانب تقديم استجابة فعالة للحصيلة العالمية الأولى لتقييم التقدّم في تنفيذ أهداف اتفاق باريس، حقّق «كوب 28» نتائج تفاوضية ملموسة لتفعيل صندوق معالجة الخسائر والأضرار، ونجح في جمع وتحفيز 792 مليون دولار من التعهّدات المبكرة للصندوق، وتوفير إطار للهدف العالمي بشأن التكيّف، وإضفاء الطابع الرسمي لدور رائد المناخ للمؤتمر، لدعم احتواء الشباب في أعمال مؤتمرات الأطراف المستقبلية.

اختيار المنهجية المناسبة

وقال وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز، إن «اتفاق (كوب 28) يشدد بالأساس على أهمية تحول الطاقة»، مشيراً إلى أن «مراجعة نص البيان الختامي لاتفاق (كوب 28) تمت كلمة بكلمة».

وأكد في تصريحات تلفزيونية أن «التركيز عاد على معالجة التحديات بالتوافق مع المصالح الوطنية»، معتبراً أن «الاتفاق الحالي أعاد اتفاق باريس للواجهة مجدداً»، ولافتاً إلى أن «المستهدف هو خفض الانبعاثات، وللدول حق اختيار المنهجية المناسبة». وشدد على أن «اتفاق (كوب 28) أعطى لكل دولة الحق باختيار المنهجية التي تحافظ على مصالحها»، وقال: «يجب النظر بطريقة متكاملة للنصوص ضمن الاتفاق».

وقال الأمير عبد العزيز بن سلمان إن «تحول الطاقة يمكّننا من الموازنة بين خفض الانبعاثات ونشاطنا النفطي، وبرامجنا تعمل على خفض البصمة الكربونية لمنتجاتنا». وأضاف: «لسنا بغريبين عن منهجية تحول الطاقة، ونحن رائدون فيها»، موضحاً أن بيان «كوب 28» لم ينص على التخلص الفوري أو المتدرج من الوقود الأحفوري، بل عملية تحوّل».

وأوضح أن برامج المملكة تعمل على خفض البصمة الكربونية لمنتجاتها، مبيناً أن تحول الطاقة يمكّن المملكة من الموازنة بين خفض الانبعاثات ونشاطها النفطي.

ولفت الأمير عبد العزيز بن سلمان إلى أن فريقاً متكاملاً من المملكة شارك في مفاوضات «كوب 28». وشكر دولة الإمارات التي استضافت المؤتمر هذا العام، مؤكداً وجود تعاون وتنسيق بشكل كامل بين الدولتين.

الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال مشاركته في الجلسة الأخيرة (إ.ب.أ)

مسار جديد للعمل

من جهته، قال الدكتور سلطان بن أحمد الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة الإماراتي، رئيس «كوب 28»، إن «العالم كان بحاجة إلى مسار جديد للعمل، ومن خلال التركيز على هدفنا الرئيسي توصلنا إلى ذلك المسار، حيث عمِلنا بجِد وإخلاص لبناء مستقبل أفضل لشعوبنا وكوكبنا، وبإمكاننا أن نفخر بإنجازنا التاريخي».

وأشار إلى الوعد الذي قطعه يوم انطلاق فعاليات «كوب 28»، بتنظيم مؤتمر للأطراف يختلف عن سابقِيه، ويجمع كافة المعنيين، من القطاعين الخاص والحكومي، وممثلي المجتمع المدني، والقيادات الدينية، والشباب والشعوب الأصلية، وأكّد أنه منذ اليوم الأول، تعاون الجميع، واتّحدوا، وعمِلوا، وأنجزوا.

وأشاد بخطة عمل المؤتمر المتوازنة التي تدعم الحد من الانبعاثات، وتزيد الاهتمام بموضوع التكيف، وتسهم في تطوير وإعادة صياغة آليات التمويل المناخي العالمي، وتحقيق متطلبات معالجة الخسائر والأضرار، وأكد أنها خطة تراعي الظروف الوطنية لكلّ دولة، وتدعم العمل المناخي والنمو الاقتصادي بشكل متزامن، وأنها مبنية على توافق الآراء ومدعومة باحتواء الجميع، ويعززها التعاون والعمل الجماعي.

التنمية المستدامة

وكان مندوب للسعودية رحب في قمة «كوب 28» بالاتفاق الذي تم التوصل إليه، مشيراً إلى أن مواجهة تغير المناخ تتعلق بخفض الانبعاثات باستخدام جميع التقنيات، ومشيداً بنتائج المحادثات.

وقال: «أظهرت مسارات مختلفة ستسمح لنا بتحقيق هدف 1.5 درجة مئوية بما يتماشى مع خصائص كل دولة، وفي سياق التنمية المستدامة».

وأضاف: «يجب علينا استغلال كل فرصة لخفض الانبعاثات بغض النظر عن مصدرها. ويجب علينا استخدام جميع التقنيات لتحقيق هذا الهدف». وأكد أن السعودية تعبّر باسم كتلة الدول العربية عن «شكرها للجهود العظيمة» للرئاسة الإماراتية لمؤتمر المناخ.

في المقابل، رحبت مصر بتوصل مؤتمر المناخ المنعقد في دبي إلى توافق حول عدد من القرارات التاريخية، مشيدة بنجاح دولة الإمارات في تنظيم الدورة الثامنة والعشرين للدول أطراف الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ «كوب 28».

معايير جديدة

ويضع «اتفاق الإمارات» معايير جديدة للعمل المناخي العالمي من خلال وصول الدول الأطراف إلى اتفاق عادل ومنصف يتماشى مع النتائج العلمية، ويساهم في الحد من الأخطار التي تواجهها الدول الأكثر عرضة لتداعيات التغير المناخي بما يحقق التوازن بين متطلبات التنمية والعمل المناخي.

واستطاع «كوب 28» البناء على ما تم التوصل إليه في «كوب 27» الذي عُقد في مدينة شرم الشيخ بمصر، من خلال تفعيل الصندوق العالمي للمناخي، وتأمين تعهدات مبكرة من الدول لتمويله.

من جهته، قال الأمين العام التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية سايمون ستيل: «كنا بحاجة إلى هذا المؤتمر لإرسال إشارات واضحة على عدة جبهات، كنا بحاجة إلى ضوء أخضر عالمي يشير إلى أن جميع الأنظمة ستعتمد على مصادر الطاقة المتجددة والعدالة المناخية والقدرة على الصمود».

وكان المدير العام والممثل الخاص لرئاسة دولة الإمارات لمؤتمر الأطراف للمناخ «كوب 28»، ماجد السويدي، قال خلال مؤتمر صحافي: «تمكنا من جمع ما يزيد على 83 مليار دولار من الالتزامات المالية الجديدة، إضافة إلى توقيع 130 دولة على إعلان زيادة القدرة الإنتاجية لمصادر الطاقة المتجددة ثلاث مرات ومضاعفة كفاءة الطاقة، فضلاً عن تقديم عدد كبير من شركات النفط والغاز للمرة الأولى التزاماً بمعالجة انبعاثات غاز الميثان، إلى جانب 11 إعلاناً تغطي مختلف جوانب العمل المناخي، بدءاً من التمويل إلى الزراعة والصحة».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تتوقع ارتفاع حرارة الأرض 2.6 درجة بحلول 2100

أوروبا محطة «ماونتينير» لتوليد الطاقة باستخدام الفحم بالقرب من نيو هيفن بولاية فيرجينيا الغربية (أرشيفية- أ.ب)

الأمم المتحدة تتوقع ارتفاع حرارة الأرض 2.6 درجة بحلول 2100

أظهر تقرير للأمم المتحدة صدر اليوم (الأربعاء) أن من المتوقع حالياً أن يتجاوز الاحتباس الحراري التقديرات السابقة.

«الشرق الأوسط» (لندن )
يوميات الشرق ثمار اليقطين ملقاة في حقل بالقرب من دانشتات بألمانيا (إ.ب.أ)

الجفاف في إنجلترا يُهدد قرع الهالوين

مع اقتراب عيد الهالوين، تتزيّن مداخل المنازل في أنحاء البلاد بثمار القرع الكبيرة، المحفورة على هيئة وجوه مخيفة، والمضاءة من الداخل بشموع صغيرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر.

«الشرق الأوسط» (شاطئ إيزتوزو (تركيا) )
أوروبا امرأة تركض بالقرب من مساحة عشبية جففتها الشمس في حديقة فيكتوريا في لندن يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)

الحكومة البريطانية تعلن حالة «جفاف شديد» في أجزاء من جنوب إنجلترا

أعلنت الحكومة البريطانية، الخميس، حالة «جفاف شديد» في أجزاء من جنوب إنجلترا، عازية ذلك إلى «فترة غير مسبوقة من الأحوال الجوية المتطرفة».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «إيني» الإيطالية (رويترز)

«إيني» الإيطالية: على الاتحاد الأوروبي تعليق نظام تداول انبعاثات الكربون

قال كلاوديو ديسالزي الرئيس التنفيذي لشركة «إيني»، الأربعاء، إن على الاتحاد الأوروبي تعليق نظام تداول انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)

التضخم البريطاني يقفز إلى 3.5 % مع ارتفاع أسعار الوقود قبيل الموازنة

شخص يشتري الخضراوات والفاكهة من أحد الأكشاك في سوق بوسط لندن (رويترز)
شخص يشتري الخضراوات والفاكهة من أحد الأكشاك في سوق بوسط لندن (رويترز)
TT

التضخم البريطاني يقفز إلى 3.5 % مع ارتفاع أسعار الوقود قبيل الموازنة

شخص يشتري الخضراوات والفاكهة من أحد الأكشاك في سوق بوسط لندن (رويترز)
شخص يشتري الخضراوات والفاكهة من أحد الأكشاك في سوق بوسط لندن (رويترز)

تواجه الحكومة البريطانية ضغوطاً متزايدة قبل إعلان موازنتها الأولى الأسبوع المقبل، مع ارتفاع التضخم بأكثر من المتوقع في سبتمبر (أيلول)، وتجاوز الدين العام 3 تريليونات جنيه إسترليني، إلى جانب استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض، في تطورات تزيد صعوبة الموازنة بين دعم الأسر المتضررة من ارتفاع الأسعار والالتزام بالقواعد المالية.

وأظهرت بيانات رسمية صدرت الأربعاء أن معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين ارتفع إلى 3.5 في المائة في سبتمبر، مقارنة بـ3.1 في المائة في أغسطس (آب)، مسجلاً أعلى مستوى له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025. وجاءت القراءة أعلى من متوسط توقعات الاقتصاديين البالغ 3.4 في المائة، وفق استطلاع أجرته «رويترز».

وأرجع مكتب الإحصاء الوطني الارتفاع بصورة رئيسية إلى زيادة تكاليف الوقود، ولا سيما البنزين والديزل، في ظل صعود أسعار الطاقة المرتبط بالحرب الإيرانية. وكانت توقعات بنك إنجلترا الصادرة في يوليو (تموز) تشير إلى ارتفاع أقل للتضخم، إلى 3 في المائة.

ويأتي تسارع التضخم قبل أسبوع من إعلان وزير المالية جون هيلي موازنته الأولى، وسط توقعات باتخاذ إجراءات إضافية، لمساعدة الأسر الأكثر تضرراً من ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة.

ضغوط الأسعار تتجاوز الوقود

لم يقتصر تسارع التضخم على أسعار الطاقة؛ إذ أظهرت البيانات ارتفاع تضخم أسعار الخدمات، الذي يعده بنك إنجلترا مؤشراً مهماً لقياس الضغوط الأساسية للأسعار، إلى 3.7 في المائة في سبتمبر، مقارنة بـ3.4 في المائة في أغسطس، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين البالغة 3.6 في المائة.

كما ارتفع التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة والتبغ، إلى 2.8 في المائة، من 2.6 في المائة في الشهر السابق، متجاوزاً التوقعات أيضاً.

وقال مكتب الإحصاء الوطني إن تكاليف النقل، وخصوصاً وقود السيارات، كانت العامل الأكبر وراء ارتفاع التضخم. وأشار غرانت فيتزنر، كبير الاقتصاديين في المكتب، إلى استمرار ارتفاع التكلفة السنوية للمواد الخام وأسعار السلع الخارجة من المصانع البريطانية في سبتمبر، مدفوعة بزيادة أسعار النفط الخام والبنزين.

وبلغت أسعار الديزل في محطات الوقود البريطانية مؤخراً أعلى مستوياتها منذ يوليو 2022، بعد فترة وجيزة من بدء روسيا غزو أوكرانيا.

وتأثرت بريطانيا بالحرب أكثر من معظم الاقتصادات الغربية، بسبب اعتمادها الكبير على واردات الغاز الطبيعي، ما يزيد مخاطر انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى تكاليف المعيشة والإنتاج.

الاقتراض يتجاوز التوقعات

وفي مؤشر إضافي على الضغوط التي تواجه المالية العامة، اقترضت الحكومة البريطانية 24.52 مليار جنيه إسترليني في سبتمبر، مقارنة بـ22.76 مليار جنيه في الشهر نفسه من العام الماضي، وفق بيانات رسمية منفصلة صدرت الأربعاء. وجاء الاقتراض أعلى من متوسط توقعات الاقتصاديين البالغ 23.85 مليار جنيه، حسب استطلاع «رويترز»، مع ارتفاع الإنفاق على فوائد الدين.

وخلال الأشهر الستة الأولى من السنة المالية 2026- 2027؛ بلغ العجز 97.8 مليار جنيه، بانخفاض قدره 4.4 مليار جنيه مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ولكنه تجاوز بنحو 6 مليارات جنيه توقعات مكتب مسؤولية الموازنة، التي أُعدت قبل اندلاع الحرب في إيران.

كما تجاوز الدين العام البريطاني 3 تريليونات جنيه إسترليني (4.01 تريليون دولار) للمرة الأولى، حسب تقديرات مكتب الإحصاء الوطني. ومع ذلك، انخفضت نسبة الدين إلى حجم الاقتصاد مقارنة بمستواها قبل عام.

ويرى اقتصاديون أن هذه الأرقام تعزز احتمالات تقديم هيلي خططاً حذرة للإنفاق والضرائب والاقتراض في 28 أكتوبر، في ظل تقلص هامش المناورة المتاح للحكومة للالتزام بأهدافها المالية.

ارتفاع فوائد الدين يضيِّق الخيارات المالية

قفزت تكلفة فوائد الدين الحكومي البريطاني بنحو 17 في المائة في سبتمبر إلى قرابة 11 مليار جنيه إسترليني، مدفوعة جزئياً بارتفاع التضخم. وخلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى سبتمبر؛ بلغت هذه التكاليف 60.8 مليار جنيه، بزيادة تقارب 4 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وارتفع إجمالي الإنفاق الحكومي بنسبة 7 في المائة في سبتمبر، في حين زادت الإيرادات الضريبية بنسبة 5.2 في المائة. ولكن خلال الأشهر الستة الأولى من السنة المالية، نما الإنفاق بوتيرة أقل قليلاً من نمو الإيرادات الضريبية.

ويتمثل الهدف المالي الرئيسي لهيلي في تحقيق التوازن بين الإنفاق اليومي والإيرادات الضريبية، بحلول السنة المالية 2029-2030.

ومن المتوقع أن يلجأ وزير المالية إلى زيادة الضرائب على البنوك، إلى جانب إجراءات أخرى، للمحافظة على المسار الذي يتيح للحكومة الوفاء بقواعدها المالية. غير أن ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي في أنحاء العالم منذ اندلاع الحرب أدى إلى تضييق هامش الأمان المتاح لتحقيق الهدف المالي الرئيسي.

وقال محللون لدى «كابيتال إيكونوميكس» إن ارتفاع الاقتراض بأكثر من المتوقع خلال الأشهر الأخيرة «يعزز وجهة نظرنا بأن وزير المالية سيقدم موازنة حذرة في 28 أكتوبر، لن يكون لها تأثير صافٍ يُذكر على الاقتصاد، وستؤجل أصعب الخيارات المالية إلى العام المقبل».

وتواجه الحكومة بذلك معادلة صعبة؛ إذ يزيد ارتفاع التضخم الضغوط لتقديم دعم إضافي للأسر الأقل دخلاً، في حين تحد زيادة الاقتراض وتكاليف خدمة الدين من قدرتها على توسيع الإنفاق دون اتخاذ إجراءات مالية أكثر تشدداً.


إندونيسيا تثبّت الفائدة وترفع عائد الإيداع لدعم الروبية

محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي لدى وصولها لحضور مؤتمر صحافي في المقر الرئيسي لبنك إندونيسيا في جاكرتا (رويترز)
محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي لدى وصولها لحضور مؤتمر صحافي في المقر الرئيسي لبنك إندونيسيا في جاكرتا (رويترز)
TT

إندونيسيا تثبّت الفائدة وترفع عائد الإيداع لدعم الروبية

محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي لدى وصولها لحضور مؤتمر صحافي في المقر الرئيسي لبنك إندونيسيا في جاكرتا (رويترز)
محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي لدى وصولها لحضور مؤتمر صحافي في المقر الرئيسي لبنك إندونيسيا في جاكرتا (رويترز)

أبقى البنك المركزي الإندونيسي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، الأربعاء، عند 5.75 في المائة، لكنه رفع سعر فائدة تسهيلات الإيداع لليلة واحدة، وأعلن عزمه خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي للمصارف على مراحل خلال نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول)، في مسعى لدعم الروبية وجذب التدفقات الأجنبية، وسط ضغوط على العملة وموجة هبوط حادة في سوق الأسهم.

وأبقى بنك إندونيسيا سعر إعادة الشراء العكسي لأجل سبعة أيام، وهو سعر الفائدة الرئيسي، عند 5.75 في المائة، بما يتوافق مع توقعات 15 من أصل 29 اقتصادياً استطلعت «رويترز» آراءهم. في المقابل، كان 13 اقتصادياً يتوقعون رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، بينما توقع أحدهم زيادة قدرها 50 نقطة أساس.

ورفع البنك سعر فائدة تسهيلات الإيداع لليلة واحدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى 5 في المائة، بينما أبقى سعر تسهيلات الإقراض دون تغيير عند 6.50 في المائة.

وقالت نائبة محافظ البنك المركزي، ديستري دامايانتي، إن البنك سيخفض نسبة الاحتياطي الإلزامي للمصارف التجارية على مراحل في نوفمبر وديسمبر، كما سيقدم حوافز جديدة لبعض معاملات التحوط، بهدف جذب تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية ودعم الروبية.

وتأتي هذه الإجراءات بعدما تعرضت الأسهم الإندونيسية لموجة بيع حادة، إثر تحذير «إم إس سي آي» الأسبوع الماضي من احتمال خفض تصنيف السوق الإندونيسية إلى فئة «السوق المستقلة»، وهو ما أثار مخاوف المستثمرين وأدى إلى تراجعات قياسية في البورصة خلال جلستي الجمعة والاثنين. ووُصفت موجة الهبوط بأنها أشد من أي تراجع شهدته السوق خلال الأزمة المالية الآسيوية عام 1998.

وعقب إعلان القرار، تراجعت الروبية بنسبة 0.06 في المائة، لتواصل أداءها الضعيف، إذ تعد العملة الأسوأ أداءً بين عملات الأسواق الناشئة في آسيا هذا العام، بعدما فقدت أكثر من 7 في المائة من قيمتها أمام الدولار الأميركي.

وكان البنك المركزي قد رفع أسعار الفائدة بإجمالي 100 نقطة أساس عبر ثلاث زيادات بين مايو (أيار) ويونيو (حزيران)، في محاولة للدفاع عن الروبية التي سجلت مستوى قياسياً منخفضاً في يونيو، تحت ضغط تراجع ثقة المستثمرين في أكبر اقتصاد في جنوب شرقي آسيا. ومنذ ذلك الحين، أبقى البنك سعر الفائدة الرئيسي مستقراً.

وتتزايد مخاوف المستثمرين بشأن استدامة الأوضاع المالية العامة في ظل خطط الإنفاق التي يتبناها الرئيس برابوو سوبيانتو، بما فيها الإعانات المكلفة للوقود التي تضغط على الموازنة، إلى جانب المخاوف المتعلقة باستقلالية البنك المركزي.


ارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي يُعيد مخاوف أزمة الديون إلى منطقة اليورو

أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو والين والجنيه الإسترليني والليرة التركية واليوان الصيني (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو والين والجنيه الإسترليني والليرة التركية واليوان الصيني (رويترز)
TT

ارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي يُعيد مخاوف أزمة الديون إلى منطقة اليورو

أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو والين والجنيه الإسترليني والليرة التركية واليوان الصيني (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو والين والجنيه الإسترليني والليرة التركية واليوان الصيني (رويترز)

تعيد الزيادة الحادة في تكاليف اقتراض حكومات منطقة اليورو إحياء المخاوف من تكرار أزمة الديون التي هزّت التكتل قبل 15 عاماً. لكنّ محللين ومستثمرين يرون أن الوضع لا يستدعي الذعر، مؤكدين أن البنوك أصبحت أكثر استعداداً لمواجهة الاضطرابات.

وأدت أوضاع المالية العامة الهشة في الماضي إلى نشوء ما يُعرف بـ«الحلقة المفرغة»، إذ تسببت الخسائر في حيازات البنوك من الديون الحكومية في إضعاف المقرضين، وأجبرت بعضهم على تلقي عمليات إنقاذ مدعومة من الدولة، ما زاد الضغوط على الموازنات العامة.

ويرى محللون أن تكاليف التمويل سترتفع، وأن نظرة الأسواق ستؤدي دوراً مهماً، في ظل استمرار تعرّض البنوك للأوضاع المالية في بلدانها. لكن المستثمرين والمحللين، إلى جانب بيانات جمعتها «رويترز»، يشيرون إلى أن هوامش رأس المال الرقابية وتشديد الإشراف المصرفي من شأنهما مساعدة البنوك على تجاوز الاضطرابات.

وقال كبير محللي القطاع المصرفي لدى وكالة «موديز» للتصنيفات الائتمانية، سايمون أينسوورث: «هناك حدود لما يمكنك فعله لعزل نفسك عن مخاطر الائتمان المحلي. تنطلق البنوك اليوم من وضع أفضل، لكنها ليست بمنأى عن المخاطر».

ومنذ أزمة الديون في العقد الثاني من القرن الحالي، أعاد التكتل هيكلة منظومة الإشراف المصرفي، ومنح البنك المركزي الأوروبي أدوات للتدخل، فيما عززت البنوك قدرتها على مواجهة الأزمات، بدعم من سنوات من الأرباح القياسية.

ومع ذلك، أسهمت المخاوف المتعلقة بالديون السيادية في هبوط أسهم البنوك الأوروبية بنسبة 10 في المائة خلال الأسابيع الستة الماضية، أي خمسة أمثال تراجع السوق الأوسع، وذلك بعد موجة صعود مطولة دفعت الأسهم إلى أعلى مستوياتها في 16 عاماً.

وبالنسبة إلى أكبر ثلاثة بنوك في فرنسا، بلغت الخسائر نحو 17 في المائة خلال الفترة نفسها.

وتقف فرنسا، ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، في قلب العاصفة، مع ارتفاع تكاليف ديونها إلى أعلى مستوياتها في 25 عاماً، وسط عجز كبير في الموازنة واضطرابات اجتماعية واقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، في وقت يتصدّر فيه مرشحو اليمين المتطرف واليسار المتطرف استطلاعات الرأي.

أصول آمنة

يُسمح للبنوك باحتساب السندات الحكومية ضمن أصولها على أساس أنها خالية من المخاطر. كما تُحتسب هذه السندات ضمن متطلبات السيولة الرقابية، وتُستخدم بوصفها ضمانات للاقتراض من البنوك المركزية ومقرضين آخرين.

وأظهر تحليل أجرته «رويترز» لبيانات الهيئة المصرفية الأوروبية أن صافي حيازات البنوك في منطقة اليورو من السندات السيادية تضاعف منذ الأزمة، ليصل إلى 4.3 تريليون يورو (4.8 تريليون دولار) في نهاية يونيو (حزيران).

غير أن هوامش رأس المال لدى البنوك ارتفعت بوتيرة أكبر، ما خفّض نسبة حيازاتها من السندات السيادية إلى رأس المال الذي تحتفظ به لتغطية الخسائر المحتملة إلى أقل من 2.5 مرة، مقارنة بـ2.7 مرة في عام 2013.

وكلما انخفضت هذه النسبة، زادت قدرة البنوك على تحمّل الخسائر الناجمة عن تراجع أسعار السندات السيادية.

وقدّر كل من كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أكسيوم ألتيرناتيف إنفستمنتس» ديفيد بنامو، واستراتيجية الأسهم لدى «ويزدوم تري» أنيكا غوبتا، أن انكشاف أكبر البنوك الفرنسية على الديون المحلية يتراوح بين 15 و30 في المائة من رأسمالها الأساسي الأعلى جودة.

ويقارن ذلك بأكثر من 100 في المائة لدى البنوك الإيطالية خلال عامَي 2011 و2012، عندما كانت إيطاليا في طليعة الدول المتأثرة بالأزمة، وفق أنيكا غوبتا.

ومع ذلك، فإن انخفاض أسعار السندات الحكومية، التي تتحرك عكسياً مع العوائد، قد يحمّل البنوك خسائر إذا اضطرت إلى تعديل القيمة الدفترية لسنداتها بما يتماشى مع أسعار السوق، أو إلى بيعها لتوفير السيولة النقدية.

وقد أخفقت حتى الآن مقترحات لإلغاء تصنيف السندات الحكومية بوصفها أصولاً خالية من المخاطر، أو لفرض حدود على تركز الحيازات. لكن المفوضية الأوروبية أدرجت مزيداً من التنويع في محافظ السندات السيادية ضمن الخطوات اللازمة لتعزيز القطاع المصرفي، ومن المقرر أن تعرض مقترحاتها في أوائل عام 2027.

الاحتفاظ بالسندات حتى الاستحقاق

حتى في غياب قواعد رسمية، حثّ البنك المركزي الأوروبي البنوك في منطقة اليورو على خفض انكشافها على ديون حكومات بلدانها.

وأظهر تحليل «رويترز» لبيانات الهيئة المصرفية الأوروبية أن السندات الحكومية المحلية شكّلت 41 في المائة من إجمالي حيازات السندات في منتصف عام 2026، مقارنة بأكثر من 50 في المائة في عام 2013.

كذلك، ضاعفت البنوك ثلاث مرات نسبة السندات التي تقيّمها بالتكلفة لتصل إلى 60 في المائة، وفق قاعدة محاسبية تتيح للمقرضين عدم تسجيل خسائر عند انخفاض أسعار السندات في السوق.

ومن خلال تصنيف السندات أصولاً مالية «محتفظاً بها حتى الاستحقاق»، تستطيع البنوك تجنّب تسجيل خسائر تستنزف رأس المال، ما لم تضطر إلى بيعها. وقال أينسوورث، من «موديز»، إن هذا الاحتمال تراجع، لأن المقرضين باتوا يعتمدون بدرجة أقل على التمويل قصير الأجل.

ومع ذلك، ترى المحللة لدى «مورنينغستار دي بي آر إس»، ماريا ريفاس، أن السؤال الأساسي بالنسبة إلى البنوك يتمثّل في كيفية نظر المستثمرين إلى المحافظ التي تتضمّن خسائر غير محققة، بصرف النظر عن المعالجة المحاسبية.

وقالت لـ«رويترز»: «إذا كان هذا وضعاً مؤقتاً، فمن المفترض ألا يؤثر بشكل كبير على معنويات المستثمرين. لكن إذا استمر لفترة طويلة، فقد يؤثر سلباً على نظرتهم إلى المخاطر».

آليات اجتازت اختبارات الأزمات

يتوقع الرئيس التنفيذي لبنك «بيرايوس» اليوناني، كريستوس ميغالو، مزيداً من التقلبات في سوق السندات الحكومية، لكنه يقلّل احتمالات تحولها إلى أزمة متفاقمة.

وقال لـ«رويترز» إن اليونان تسدّد ديونها حالياً بمتوسط أسعار فائدة أدنى بكثير من المستويات التي تقترض بها بريطانيا اليوم، في تحول كبير مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد، عندما كانت البلاد تتعافى من أزمة مالية وسلسلة من عمليات الإنقاذ.

وأضاف أن فرنسا، التي تتجه إليها الأنظار حالياً، تختلف أيضاً عن اليونان في تلك المرحلة، قائلاً: «فرنسا اقتصاد كبير جداً، ولذلك لديها الكثير من الأدوات التي يمكنها اللجوء إليها».

وتابع: «لدى الجهات الرقابية وصنّاع السياسات، وكذلك البنوك، آليات اجتازت اختبارات الأزمات، لضمان ألا نواجه، على الأرجح، مشكلة كبرى مماثلة مرة أخرى. ومن الواضح أننا نُجري اختبارات ضغط لمحافظنا الاستثمارية باستمرار».

ومع ذلك، يمكن لارتفاع عوائد السندات السيادية أن يضر بالبنوك بصورة مباشرة، من خلال زيادة تكاليف تمويلها، إذ تقترض البنوك عادةً بعوائد أعلى من تلك التي تقترض بها الحكومات.

وتُعد البنوك الفرنسية أكبر الجهات المصدرة لديون أسواق الجملة في الاتحاد الأوروبي، ولذلك فإن استمرار ارتفاع العوائد سيزيد «تكلفة الأموال في كل مرة تعيد فيها التمويل، وتتراكم هذه الزيادة بمرور الوقت»، وفق غوبتا من «ويزدوم تري».

ويتفق مسؤول سابق رفيع المستوى في الإشراف المصرفي، تحدّث إلى «رويترز» شريطة عدم الكشف عن هويته، مع هذا التقييم.

وأضاف أن البنوك تتنافس بصورة أكثر حدة على الودائع، في انعكاس لضغوط التمويل، مشيراً إلى أن آفاق القطاع ستعتمد في نهاية المطاف، جزئياً على الأقل، على نظرة الأسواق إليه.