55 غارة جوية روسية.. والمعارضة تعيق تقدم النظام في الشمال

ثوار سوريا يحققون تقدمًا على جبهة القنيطرة ويستعيدون مواقع خسروها أمام «داعش» بريف حلب

أفراد من الدفاع المدني يزيلون ركاماً خلفته غارة لطائرات روسية على طريق في منطقة كفرنبل بمدينة إدلب (رويترز)
أفراد من الدفاع المدني يزيلون ركاماً خلفته غارة لطائرات روسية على طريق في منطقة كفرنبل بمدينة إدلب (رويترز)
TT

55 غارة جوية روسية.. والمعارضة تعيق تقدم النظام في الشمال

أفراد من الدفاع المدني يزيلون ركاماً خلفته غارة لطائرات روسية على طريق في منطقة كفرنبل بمدينة إدلب (رويترز)
أفراد من الدفاع المدني يزيلون ركاماً خلفته غارة لطائرات روسية على طريق في منطقة كفرنبل بمدينة إدلب (رويترز)

حققت قوات المعارضة السورية أمس، تقدمًا في جنوب البلاد، إثر هجمات عنيفة أطلقتها للسيطرة على تلال استراتيجية في شمال محافظة القنيطرة، بأقصى جنوب غربي سوريا، بموازاة هجوم مضاد شنته في الشمال ضد تنظيم داعش لاستعادة بلدات خسرتها خلال اليومين الماضيين. وبالتزامن، تواصلت الاشتباكات في شمال غربي سوريا إثر حملات عسكرية عنيفة شنتها قوات النظام مدعومة بمقاتلين حلفاء لها في الشمال، تحت غطاء ناري روسي. كذلك تقدّمت قوات النظام أمس في ريف محافظة حماه الشمالي في إطار العملية البرية الواسعة التي أطلقها منذ أيام ضد فصائل المعارضة، تزامنًا مع إعلان موسكو استهداف 55 هدفًا لمقاتلين متشددين خلال 24 ساعة.
الجيش الروسي أعلن أمس السبت إصابة 55 هدفا لتنظيم داعش خلال غارات شنتها طائراته الحربية خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة في سوريا، كما جاء في بيان لوزارة الدفاع. وأوضحت الوزارة أن «الطيران الحربي الروسي نفذ 64 طلعة في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة أصاب خلالها 55 هدفا لتنظيم داعش في سوريا». وجاء في البيان أن هذه الضربات نفذت في محافظات دمشق وحلب وحماه والرقة وإدلب ودمّرت 29 معسكرا لتدريب من وصفهم بـ«الإرهابيين» و23 موقعا دفاعيا ومركزي قيادة ومخزنا للذخيرة. وادعى البيان أنه «في المرحلة الأولى لعمليتنا، دمر طيراننا المراكز اللوجيستية الرئيسية والأكبر حجما لمجموعة داعش الإرهابية في سوريا». وأشار إلى أن القصف «أدى إلى خفض كبير في القدرات القتالية للمجموعات المسلحة وخفض في قدرتهم على التحرك وقدرتهم على شن هجمات».
في هذه الأثناء، في ريف حلب الشمالي الشرقي، أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أن انفجارا هز مدينة الباب التي يسيطر عليها «داعش» وهو «ناجم عن استهداف مصنع متفجرات ومستودع ذخيرة» للتنظيم عند أطراف المدينة. وقال رئيس «المرصد» رامي عبد الرحمن إن سبب الانفجار ليس واضحا حتى الآن، مشيرًا إلى تحليق طائرات حربية في أجواء المنطقة وقتها.
أيضًا، تحت الغطاء الجوي الروسي، واصلت قوات النظام عملياتها في معركة لاستعادة السيطرة على مواقع تشغلها قوات المعارضة في الشمال، وأفيد عن سيطرتها على قرية عطشان في ريف حماه الشمالي إثر معارك عنيفة مع فصائل إسلامية بينها «جبهة النصرة»، وفق «المرصد». غير أن مصدرًا معارضًا في الشمال السوري قال لـ«الشرق الأوسط»، معلقًا أن التقدم الذي تحرزه القوات النظامية «يعد بطيئًا جدًا إذا ما قورن بحجم الدعم والإسناد الناري الجوي والبري الذي يواكب عملياته»، وتابع أن «قدرة قوات المعارضة على التصدّي للهجمات، تعيق تقدمه»، مشيرًا إلى أن «الاستهداف المتواصل لآلياته بصواريخ التاو المضادة للدروع، أعاق الاعتماد على الآليات العسكرية في حركته، مما اضطره لتمشيط المنطقة بالقوات الراجلة، وهو ما وضعها بمواجهة قناصاتنا».
وفي حين نقل التلفزيون الرسمي السوري عن مصدر عسكري قوله إن «وحدات من قواتنا تحكم سيطرتها على بلدة عطشان»، ذكر ناشطون أن الاشتباكات «وقعت في الأطراف الشمالية والشمالية الغربية للقرية، وخصوصا حول تل سكيك الواقعة بين عطشان وخان شيخون» في محافظة إدلب (شمال غرب). وفصّل «مكتب أخبار سوريا»، أن القوات النظامية شنت هجومها على قرية عطشان من مواقعها في قرية معان، مشيرًا إلى أن فصائل المعارضة المتمركزة في قرية سكيك الواقعة شمال عطشان وجّهت نداءً عبر المراصد، لاستقدام تعزيزات عسكرية وأسلحة ثقيلة، من أجل استعادة السيطرة على عطشان. هذا، ومن شأن سيطرة قوات النظام على تل سكيك أن تفتح الطريق أمامه إلى بلدة خان شيخون الكبيرة ذات الأهمية الاستراتيجية التي تسيطر عليها فصائل إسلامية منذ مايو (أيار) 2014 كونها تقع على الطريق الدولي بين دمشق وحلب.
وفي أماكن أخرى من سوريا، أفاد ناشطون أمس بمقتل أفراد عائلة كاملة مؤلفة من ستة أشخاص، جراء قصف القوات النظامية بقذائف المدفعية أطراف بلدة التمانعة، الخاضعة لسيطرة المعارضة بريف إدلب الجنوبي. وفي المقابل، استهدفت فصائل المعارضة بعدد من الصواريخ تجمعات القوات النظامية في بلدة كرناز وقرية المغير الخاضعتين لسيطرة الأخيرة في ريف حماه الشمالي. وقال الناشط الإعلامي المعارض وائل محمد من حماه، إن مقاتلي المعارضة استهدفوا بأكثر من 10 صواريخ من نوع «كاتيوشا» تجمعات القوات النظامية في المنطقتين، مما أسفر عن سقوط عدد غير معروف من القتلى والجرحى في صفوفها.
وبينما تواصل قوات المعارضة قتالها لصد هجمات قوات النظام، نجحت «حركة أحرار الشام» ليلا في استعادة بلدة تل سوسين من أيدي مقاتلي «داعش» في ريف حلب الشمالي، بينما اندلعت اشتباكات للسيطرة على تل قراح المجاورة. ويذكر أن البلدتين تقعان على طريق استراتيجي يؤدي إلى تركيا، إحدى الداعمين الرئيسيين للمعارضة وكان تنظيم داعش قد استغل القصف الجوي الروسي لمواقع فصائل المعارضة، فزحف وحقق تقدما في ريف محافظة حلب الشمالي، ولم يعد يبعد سوى عشرة كيلومترات عن الأطراف الشمالية لمدينة حلب نفسها، وثلاثة كيلومترات عن مواقع القوات الحكومية في منطقة الشيخ نجار الصناعية بضواحي المدينة، التي هي قاعدة الشمال السوري. وبحسب «المرصد» فإن التنظيم المتطرف «يستغل التشتت في صفوف الفصائل المقاتلة التي تستهدفها الغارات الروسية في محافظات عدة» ليهاجم مواقعها.
وعلى جبهة أخرى، في ريف حلب الشرقي، تحدث «المرصد» عن اشتباكات ليل الجمعة السبت بين التنظيم المتطرف وقوات النظام التي تحاول التقدم في المنطقة وفك الحصار عن مطار كويرس العسكري، غداة الإعلان عن مقتل الجنرال الإيراني حسين همداني على الجبهة نفسها.
في غضون ذلك، في الجنوب السوري، أحرزت قوات المعارضة المسلحة، أمس، تقدمًا ملحوظًا، حيث سيطرت على تل القبع المعروف بتل «UN»، الذي كانت تتمركز فيه القوات النظامية، شمال مدينة خان أرنبة الخاضعة لسيطرة النظام بريف القنيطرة الشمالي. وقال ناشطون إن السيطرة، جاءت بعد مواجهات عنيفة بين مقاتلي المعارضة وقوات النظام استمرت منذ الفجر، بعدما مهّدت فصائل المعارضة لدخول مجموعات الاقتحام إلى التل، بقصف مكثّف بالمدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ، أسفر عن تدمير عدد من نقاط تمركز جيش النظام والآليات العسكرية في التل.
وتأتي هذه العملية ضمن مساعي فصائل المعارضة، وأبرزها «جبهة ثوار سوريا» و«ألوية قاسيون» التابعتان للجيش السوري الحر، لتضييق الخناق على مدينتي خان أرنبة والبعث الخاضعتين لسيطرة النظام بشمال القنيطرة، وهما تعدان من أبرز وأكبر مناطق تمركز الجيش النظامي في القنيطرة، فضلاً عن احتوائهما المباني الإدارية والخدمية الخاصة بمحافظة القنيطرة.
إلى ذلك، شن الطيران الحربي النظامي، سبع غارات على مواقع المعارضة المسلحة في سلسلة جبال أبو العتا في الغوطة الشرقية بريف دمشق. ونقل مكتب «أخبار سوريا» عن مصدر عسكري، قوله إن إحدى الغارات استهدفت منطقة «مكسرة صبحية» أحد مقرات المعارضة في الجبل، مشيرًا إلى أن القصف الجوي «هو جزء من عمليات عسكرية تقوم بها القوات النظامية لاستنزاف قوات المعارضة التي تحاول اقتحام ضاحية حرستا ومخيم الوافدين في ريف دمشق الشمالي الشرقي، في محاولة منها لإيقاف تقدم المعارضة نحو المتحلق الشمالي».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.