معتز عزايزة... ويلاتُ غزة أبعد من «محتوى للمشاركة»

اختير «رجل العام» لصناعته التغيير «الحقيقي والهادف»

معتز عزايزة يعلن نهاية مرحلة المخاطرة لنقل الصورة (حسابه الشخصي)
معتز عزايزة يعلن نهاية مرحلة المخاطرة لنقل الصورة (حسابه الشخصي)
TT

معتز عزايزة... ويلاتُ غزة أبعد من «محتوى للمشاركة»

معتز عزايزة يعلن نهاية مرحلة المخاطرة لنقل الصورة (حسابه الشخصي)
معتز عزايزة يعلن نهاية مرحلة المخاطرة لنقل الصورة (حسابه الشخصي)

ليس استسلاماً إعلانُ المصوّر الفلسطيني معتز عزايزة نهاية مرحلة المخاطرة لنقل الصورة، وبداية مرحلة المحاولة للنجاة. أراد القول إنّ الجحيم في الذروة، والحياة تتعذّر بهذا الشكل. أمام ما يزيد على 17 مليون متابع في «إنستغرام»، يرفض تحوُّل المأساة الفلسطينية مجرّد محتوى للمشاركة، ثم تتوالى الأيام من دون أن يتغيّر شيء. وهو باتّخاذه الفيديو وسيلة ضغط يُخبر العالم أنّ الوضع لم يعد يُطاق، ويخاطبه لوقف المقتلة. القصف هستيري والمجازر تتفاقم، ومنذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، يسير الشاب بين الخراب، بكاميرته وخوذته وسترته المُعرِّفة عن مهنة الأوجاع. بكلمة «PRESS» بالأحرف العريضة، والجرأة والشجاعة، ينقل آلام شعبه؛ وقد طالته بخسارة أحبّة، وهدّدت حياته، وحوّلته شاهداً على جنازات.

المصوّر الصحافي الفلسطيني معتز عزايزة (حسابه الشخصي)

هذه الجنازات تقيم فيه، فهو ابن تداعيات الفظاعة المتمادية، بوقاحتها ولؤمها ونيلها من الأطفال والنساء. فوق ركام المنازل المُسوّاة بالأرض، والشوارع المُعرَّضة للمحو، وعلى مقربة من الأشلاء والجثث، وبينما يُهدَّد بسلامته وعائلته؛ يواصل توثيق القهر، والتقاط صدمة الصورة. يتوجّه معتز عزايزة بوسائل الخطاب الحديث ويتيح المجال لبلوغ الصوت «الفضاء الآخر»، فيتلقّفه الغرب. بالفيديو، و«الستوري»، و«البوست»، يُجسّد ما يلتقطه بعين حزينة، وقلب مشرَّع على النزف، مُتعمِّداً مشاركته على الملأ. أمام العالم. على «مسافة صفر» من الضمير الكوني، لهزّه، وإيقاظه من سباته.

الكاميرا هنا في قمة حضورها، فتحتفظ بما تخزّنه الذاكرة البشرية على هيئة «تروما»، من أجل مشاركته لعالم بائس، يفقد صدقيته أمام طفل يرتعد، وإنسانيته أمام ازرقاق أطرافه المحبوسة دماؤها، وعينيه الباكيتين.

من فيديوهاته الأخيرة، قوله بصراحة المتألمين: «حتى الحيوانات يجب أن تحتجّ لوقف قتلنا». كلما أطلق نداء، انتشر على الفور، وملأ المواقع والمنصات. بوجه مُتعب، وملامح منقبضة، أطلّ يطلب المساعدة، ويحضّ على رفض كفّ الأيدي، بعد أكثر من شهرين على قتل شعبه. لمزيد من التأثير، شمل الحيوانات أسوة بالآدميين، فكل ما يسير على الأرض مُطالب بوقف المجازر ومحاسبة المرتكبين.

«إنستغرام» صوتُه الذي يريده عالياً ولا يُساوِم على إسكاته، وإن هُدَّد ووثَّق التهديدات؛ وضميرُه الذي يؤكد صحوته، ونداؤه من أجل الحياة المُستَحقة لشعبه الصلب. يصبح الإعلام الحديث فرصة للتأثير الأقصى، ولِما لا يُحرّكه بهذا الشكل أي منبر آخر، لمحدوديته واقتصاره على محيط ضيّق. «إنستغرام» عزايزة مسرحُه المفتوح على ذروة التفاعل، وقمم التعاطف الإنساني مع مآسي أمّة. هو منبر المرحلة الصعبة، والصرخة المُراد لها أن تُدوّي.

بذلك، يصبح عزايزة المولود عام 1999 في مدينة دير البلح بقطاع غزة، عَوَض الأصوات المخفيّة. كأنّ ما لا يخرج من الحناجر الأخرى، لفرط التضييق والحصار وكثافة الفجائع، يمنحه بـ«إنستغرامه» (وكاميرته) حقّه في التجلّي، ويتيح له ممارسة حرّيته. فهو بامتلاكه المنبر، وبقدرته على التأثير، وبإتقانه اللغة الإنجليزية، يوصل ما لا يصل بهذه السرعة. يُخبر العالم أنّ شعبه يُباد، ويقدّم الأدلّة. كاميرتُه صوتُ مَن يخفت أنينهم تحت الأنقاض وتستحيل نجاتهم. ومَن يبحثون عن أكفان لستر الطفولة المقتولة، ولا يجدون، فيستنجدون بأكياس تتحايل على حرمة الموت. من أجلهم، يُصوّر. ومن أجل الأحياء حتى إشعار آخر، والمغدورين بلحظة، بين الهدنة واستئناف الحرب، والتائهين في الوحشة والعراء.

من عمق الدمار يلتقط معتز عزايزة ما يتبقّى (حسابه الشخصي)

اختارته مجلة «جي كيو» الشرق الأوسط «رجل العام». رأت فيه «التغيير الحقيقي والهادف»، ورمز الصمود وتجسيد الأمل. للشجاعة الإنسانية أشكال، منها اقتحام خطّ الوسط. لا الأطراف ولا الجهة المقابلة. في المنتصف تماماً، حيث يكمن الخطر وتتربّص الاحتمالات القاسية. هذه خياراته، ولم يتوانَ. الإقدام نصفُ الجولة، بصرف النظر عن إمكان حسمها. تصويره الدمار في أوجه، والموت في أشدّه مرارة، هو ما يفعله التوّاقون إلى عدالة، فيحاولون السعي باتجاهها، وإن أدركوا رخاوتها وفظاعة الانحياز.

مجلة «جي كيو» الشرق الأوسط تختار معتز عزايزة «رجل العام» (مواقع التواصل)

يشتدّ الحِمْل، فلا يَسرُّ المرء كسبه الألقاب وخطفه الأنظار. يصبح بعضاً من آلام الجماعة وتخبُّط إنسانها، علماً بأنّ عزايزة فَقَد أقارب وودَّع إلى المثوى الأخير أفرادَ عائلة. وحين اختارت مجلة «تايم» إحدى صوره ضمن قائمة أفضل 100 صورة لعام 2023، شكر الودّ، وأعلن عدم القدرة على الاستمتاع بالإنجاز. فالفتاة العالقة تحت الأنقاض، بعد قصف إسرائيلي لمخيّم النصيرات للاجئين، نادت كاميرته لتوثيق عراك الوجود والفناء في داخلها. استجاب وصوَّر، فانتشرت الصورة وأثّرت، واختيرت من بين الأفضل، ليجد صاحبها أنّ شيئاً لم يعد قيّماً أمام المقتلة، ولا تنفع سوى محاولة البقاء على قيد الحياة.

وأمام اختيار «تايم» أيضاً، نجمة البوب الأميركية تايلور سويفت «شخصية العام 2023»، وإفراد صورتها على غلافها، احتجّ كثيرون، وأجروا المقارنات. فأيام الغزو الروسي لأوكرانيا، سارعت المجلة إلى اختيار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينكسي ليسكن غلافها بصفته «شخصية العام»، والأمر حيال فلسطين اختلف بما يُعَدّ ازدواجية معايير، ويُتَهم بالنفاق.

معتز عزايزة يحتال على الموت بخوذة وسترة (حسابه الشخصي)

«انتهت مرحلة المخاطرة لنقل الصورة، وبدأت مرحلة المحاولة للنجاة». هذه الكلماتُ أوجاعٌ. يتوجّه معتز عزايزة إلى العالم ليُخبره بأنه فعل ما يستطيع. «لقد نقلتُ بما فيه الكفاية»، يشارك الحسرات، ويوجّه الأصابع نحو الدبابات الإسرائيلية المتوغّلة في الشمال والجنوب، ونحو استحالة الاتجاه إلى أي مكان؛ فقد ضاق الحيِّز، وعمَّ الاختناق، ولم يُبقِ الحصار مجالاً لالتقاط نَفَس. بإمكان كلمتين اختصار الحال، يقولهما بلوعة: «وضعنا مأساوي»، ويُكمل أنّ فلسطين وشعبها ليسا محتوى للمشاركة، فالبلاد محتلّة، والشعب يُقتل، وبعض محاولاته لئلا يُمحى من الوجود مصيرها الخيبات.

من منبره «الإنستغرامي»، وأمام الملايين، يواجه العجز حيال الأهوال: «لم يفعل أحدٌ شيئاً. الناس يشاركون صوري، أما المنشور التالي على حساباتهم فهو الاستمتاع بأوقاتهم. لا حاجة لمشاركة أي شيء. لا نريد شفقة أحد». قد يتراءى أنّ النزفَ هو الخارجُ بهذا العتب. لا اليد التي تكتب ولا اللسان الذي ينطق، بل ما ينكسر في الأعماق، وما يتهشّم في الروح، وطعم اللوعة العالق في الحنجرة. «لا حاجة لمشاركة أي شيء»، نوعٌ من «أيها العالم، لا تكفَّ عن المشاركة. لا تَعتَد. لا تجعل المشهد مألوفاً. شارك أيها العالم ما أصوّره. شاركه ولا تيأس، فلا بدّ من فجر بعد عتمة، وولادة بعد صرخة».

من فوق ما يتبقّى من منازل، وبجانب المقابر الجماعية وارتجاف الأطفال، يرتدي شاب من فلسطين سترة الصحافة، يحتال على الموت بخوذة، ويُصوِّر. صوره ضميره.


مقالات ذات صلة

7 قتلى بضربات إسرائيلية على قطاع غزة

المشرق العربي فلسطينيون يتفقّدون منزلاً مدمّراً إثر غارة إسرائيلية غرب مدينة غزة يوم 20 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

7 قتلى بضربات إسرائيلية على قطاع غزة

قُتل سبعة فلسطينيين، الثلاثاء، في ضربات إسرائيلية على قطاع غزة، وفقاً لما أفاد الدفاع المدني المحلي ومستشفيات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي نساء يواسين ابنة ناشط في «حماس» بعد مقتله وزوجته في غارة إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في مدينة غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle

قوة إسرائيلية تختطف ناشطاً في «القسام» من خان يونس

اختطفت قوة خاصة إسرائيلية، بدعم وإسناد من عناصر العصابات المسلحة، ناشطاً في «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس»، بخان يونس جنوب قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطيني يحمل ألواحاً معدنية يمر بأطلال مبانٍ دُمرت خلال الحرب يوم الأحد (أ.ب) p-circle

أزمات غزة تتصاعد... شح في البضائع ووقف المساعدات عن نصف مليون شخص

تتفاقم الأزمات الإنسانية في قطاع غزة، من يوم إلى آخر، بفعل القيود والإجراءات الإسرائيلية، بالإضافة إلى إعلان منظمات دولية تراجع الدعم المقدم للفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون الطعام من أحد المطاعم الخيرية في دير البلح وسط قطاع غزة أمس (رويترز)

برنامج الأغذية العالمي يوقف المساعدات لنصف مليون شخص في غزة

أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، اليوم (الاثنين)، أنه سيوقف تقديم المساعدات الشهرية لنحو 500 ألف شخص في قطاع غزة بسبب نقص التمويل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشاركون في مراسم تشييع جماعية في حي الدرج بمدينة غزة (أ.ف.ب)

تشييع 75 جثماناً انتُشلوا في غزة... و8 آلاف لا يزالون تحت الأنقاض

شيَّع فلسطينيون اليوم (الأحد) رفات 75 جثماناً انتشلوا من تحت أنقاض مبانٍ في حي الدرج بمدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

انتهى الأمر... علامات تدل على فتور العلاقة الرومانسية

الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)
الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)
TT

انتهى الأمر... علامات تدل على فتور العلاقة الرومانسية

الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)
الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)

بعد مواعدة شخص ما لفترة من الوقت، قد تصل إلى نقطة تشعر فيها أن الأمور مختلفة. ربما تشعر بمزيد من عدم الأمان أو القلق، أو أنك لم تعد تنظر إلى المستقبل بأي ثقة، وتعد هذه الأمور دلائل على أن العلاقة الرومانسية تقترب من نهايتها، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بأخبار الصحة النفسية والعقلية.

فما علامات فتور العلاقة الرومانسية وفقاً للأبحاث؟

اكتشاف الانفصال عن العلاقة

استكشفت دراسة أجريت عام 2025 كيفية اكتشاف الانفصال العاطفي من خلال دراسة نماذج التعلم الآلي التي تمكنت من تحديد المؤشرات السلوكية والنفسية المتعلقة بالتواصل بدقة.

ومن خلال دراسة 156 زوجاً كندياً، وجدوا أن أفضل مؤشر للانفصال العاطفي هو الانسحاب العاطفي، يليه اندثار السلوكيات الداعمة اليومية، وانخفاض الاستجابة للتواصل، وتجنب الارتباط، وتكرار الصراع.

ويشير اكتشاف الانفصال عن العلاقة العاطفية، أو ما يُعرف بـ«الانفصال النفسي والعاطفي»، إلى المرحلة التي يبدأ فيها أحد الشريكين أو كلاهما بالانسحاب تدريجياً من العلاقة قبل حدوث الانفصال الفعلي.

وغالباً ما تبدأ هذه العملية بشكل غير واعٍ، وتظهر على شكل علامات سلوكية ونفسية واضحة. ومن أبرز علامات الانفصال العاطفي: التباعد في التواصل وتناقص الحديث اليومي، البرود العاطفي وغياب مظاهر المودة، زيادة المشاحنات أو الصمت التام، قضاء وقت أطول خارج العلاقة، غياب الخطط المستقبلية.

الاعتراف بتلاشي العلاقة

الاعتراف بتلاشي العلاقة هو أحد أصعب مراحل العلاقة العاطفية. وهناك عدة علامات تدل على تلاشي العلاقة بالفعل، منها: غياب التواصل الحقيقي والتحول من الأحاديث العميقة إلى الإجابات المقتضبة والروتينية، تلاشي الشغف والاهتمام واختفاء الرغبة في قضاء الوقت معاً، انخفاض الدعم اليومي، كثرة الخلافات التافهة أو الصمت التام، وأخيراً، التخطيط للمستقبل من دون الطرف الآخر.

ووفق «سيكولوجي توادي»، فإن الانفصال يحدث تدريجياً، حيث يمكن رصد العلامات المبكرة من خلال تراجع التعبير عن التعاطف، وزيادة التجنب، وانخفاض الحضور والانخراط في العلاقة.

ويشير الموقع إلى أهمية إدراك علامات قرب انهيار العلاقة في وقت مبكر، بما يتيح الوقت الكافي لاتخاذ قرار بشأن ما إذا كانت العلاقة تستحق الإنقاذ أم لا.


نسي أسراراً حكومية في القطار ودُمرت حياته... فكيف تعافى وعاد ليُعلم الناس التخطي؟

هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)
هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)
TT

نسي أسراراً حكومية في القطار ودُمرت حياته... فكيف تعافى وعاد ليُعلم الناس التخطي؟

هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)
هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)

كانت رحلة عادية بالقطار إلى العمل عندما ارتكب الموظف الحكومي البريطاني ريتشارد جاكسون أكبر خطأ في حياته. وبحلول الوقت الذي أدرك فيه خطأه، كان الأوان قد فات. لقد نسي وثائق حكومية سرية للغاية في القطار.

وأصبح الخطأ الذي وقع في جزء من الثانية «خبراً وطنياً»، ودخلت حياة جاكسون في حالة من الاضطراب. «لقد نهشه العار والذل»، وفق ما ذكرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

وبعد مرور ما يقرب من 20 عاماً، روى جاكسون تفاصيل هذا اليوم المشؤوم وتداعياته، وتحدث إلى إذاعة «بي بي سي 4»، مؤكداً أن ما حدث له يعد دليلاً على أنه حتى عندما ترتكب أسوأ خطأ، يمكنك إعادة بناء حياتك.

قبل أن تنهار حياته، كان جاكسون يبلغ من العمر 37 عاماً ويعيش في هامبشاير مع زوجته مادي وابنة زوجته شارلوت (15 عاماً). وكانت ابنة زوجته الأخرى بيكي (20 عاماً) في الجامعة. يقول: «كنا سعداء للغاية، لكنني كنت أركز بشدة على مسيرتي المهنية». ويضيف: «لقد وجدت نفسي أعمل لمدة 100 ساعة في الأسبوع لفترة من الوقت».

تم انتداب جاكسون من وزارة الدفاع إلى مكتب مجلس الوزراء لوظيفة في مجال الإرهاب العالمي، حيث يتعامل مع المعلومات الاستخبارية المباشرة من أهم أجهزة الأمن والاستخبارات البريطانية.

وفي أثناء مغادرته مكتبه في أحد الأيام، أخذ كومة من الأوراق التي تخصه إلى المنزل، وبعدها أدرك أن هناك «ورقتين مدفونتين داخل الحزمة حول موضوعين سريين للغاية».

اتهامات وتغريم وإفلات من السجن

وضع جاكسون الأوراق السرية للغاية في مجلد من الورق المقوى وجلس في القطار في صباح اليوم التالي وهو يفكر مراراً وتكراراً «لا تنس هذا». لكنه نزل من القطار وسار نحو المكتب، ثم أدرك أنه نسي المجلد وشعر للحظة و«كأن العالم قد توقف».

ذهب جاكسون إلى كل محطة توقف فيها القطار، وسأل عما إذا كان شخص ما قد قام بتسليم الملف. وكانت النتيجة «لا شيء». ولم ينهر ظاهرياً حتى رأى مادي. يقول: «أخبرتها أنني دمرت حياتنا. لقد احتضنتني فحسب. وأخبرتني أن الأمر سيكون على ما يرام وسنتجاوز هذا الأمر».

وفي العمل في اليوم التالي، اكتشف جاكسون أنه تم العثور على الوثائق وتم تسليمها إلى «بي بي سي». يقول إن شعوره الأول كان «الارتياح لأن الأوراق عادت إلى مكان آمن» قبل أن يدرك «أنها الآن ستصبح علنية». ويضيف: «كنت القصة الرئيسية في نشرة أخبار الساعة السادسة تلك الليلة. وقد أوقفوني عن العمل على ذمة التحقيق».

اختبأ جاكسون في المنزل ووجدته مادي جالساً يبكي. يقول: «لقد أمضيت الصباح محاولاً العثور على طريقة غير مؤلمة للموت». ويضيف: «لقد أمضينا فترة ما بعد الظهر نتحدث... وأعتقد أن هذه كانت المرة الأولى التي فكرت فيها، إذا كنت سأتجاوز هذا الأمر، فلن أستطيع القيام بذلك بمفردي».

وجد مكتب مجلس الوزراء أن ذلك كان عملاً من أعمال سوء السلوك الجسيم، وقام بخفض رتبة جاكسون ثلاث درجات. وتم اتهامه بموجب «قانون الأسرار الرسمية»، وتجنب السجن، لكن تم تغريمه.

على الورق انتهى الأمر. لكن جاكسون لم يستطع أن يهزم مشاعر الخجل والندم والمهانة بسهولة. وهو ينسب الفضل إلى العديد من الأشخاص الذين اهتموا به.

وبعد عودته إلى وزارة الدفاع، ثم انتقاله إلى وزارة الثقافة والإعلام والرياضة، ترك جاكسون العمل في الخدمة المدنية، ثم تولى بعد ذلك دوراً في إدارة فريق من المحللين الذين يبحثون في مخاطر الإرهاب العالمي، وبدأ التدريب كمدرب للحياة في أوقات فراغه، كما أنشأ شركة تدريب تساعد الأشخاص على التغلب على الضغط الناتج عن التعامل مع المواقف المؤلمة.

فكيف تغلب جاكسون على ذلك؟

يريد جاكسون أن يعرف الناس أن هناك طريقاً للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك. ويقول: «يمكن أن تكون في مكان سيئ حقاً، لكن، لا يزال بإمكانك الوقوف، ويمكنك التغلب على ذلك، وهناك طرق لمساعدة نفسك على القيام بذلك والحصول على المساعدة».

وشارك جاكسون الخطوات التي ساعدته على تجاوز نوبة الصدمة التي تعرض لها، وهي:

أخرج أفكارك من رأسك

في مكان مظلم، يقفز عقلك من «لقد ارتكبت خطأ فادحاً» إلى «أنا شخص لا قيمة له». إن تدوين هذه الأفكار أو التحدث إلى شخص ما قد يؤدي إلى إبطاء الأمور ويمنحك فرصة لملاحظة القفزات غير المنطقية.

استمر في الأنشطة التي تستمتع بها

عندما تشعر بأنك لا تستحق، تتوقف عن فعل الأشياء التي تبهجك. اكتشف ماهية هذه الأنشطة، سواء كانت صالة الألعاب الرياضية، أو كتاباً، أو المشي لمسافات طويلة، واجعلها أجزاء غير قابلة للتفاوض في روتينك.

تذكر قيمتك ونجاحك

احتفظ بورقة تحتوي على ملاحظات عن الأشياء التي حققتها والأشياء الطيبة التي قالها الناس عنك. إنه تذكير ملموس بأنك لست ذلك الخطأ، بل أنت أكبر من ذلك بكثير.

ابحث عن صديقك الناقد

أنت بحاجة إلى شخص يكون بمثابة المشجع لك، ولكنه سيتصل بك أيضاً عندما تتخلى عن العادات الجيدة.

اكتشف ما يمكنك إصلاحه وما لا يمكنك إصلاحه

إذا تسببت في ضرر، تحمل المسؤولية. اعتذر وَأَعِد الأمور إلى نصابها الصحيح حيثما أمكنك ذلك. لكن لا تتحمل مسؤولية الأشياء التي لم يكن من حقك أن تحملها.

لا تخلط بين أسوأ لحظاتك وقصة حياتك بأكملها

أنت لست هذا الخطأ. أنت لا تزال الشخص الذي كان موجوداً قبل ذلك، ولا يزال هناك شخص بعده لم تقابله.


«الموسيقى العربية» المصري يتجاوز الأزمات و«يرد الجميل» لـهاني شاكر

أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)
أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)
TT

«الموسيقى العربية» المصري يتجاوز الأزمات و«يرد الجميل» لـهاني شاكر

أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)
أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)

أثار بكاء السيدة نهلة توفيق أرملة الفنان الراحل هاني شاكر خلال حفل افتتاح مهرجان ومؤتمر «الموسيقى العربية» الـ34، الثلاثاء، الذي احتفي باسم هاني شاكر رداً للجميل، «تعاطفاً واسعاً»، وكان لظهورها العلني عقب مرور 6 أشهر على رحليه وقْع مختلف على الحضور؛ كونها المرة الأولى التي تظهر فيها دون «شريك العمر»، بعدما كانت رفيقته الدائمة في جولاته وحفلاته، متصدرة الصفوف الأمامية لتستمع إليه وهو يغني «هو أنتِ لسه بتسألي».

وأضفى الظهور الأول لأرملة «أمير الغناء العربي» الذي اعتاد الوقوف على خشبات مسارح «الأوبرا المصرية» على الحفل شجناً عميقاً ومؤثراً بعدما وقفت مكانه لأول مرة، حيث سبقتها دموعها على استحياء؛ حرصاً على عدم إفساد أجواء الاحتفالية الأهم والأعرق بالدار.

أنوشكا في افتتاح المهرجان (دار الأوبرا المصرية)

لم تتحدث أرملة هاني شاكر باستفاضة لكنها تسلمت تكريمه، واكتفت بالشكر والثناء والإشارة لرغبته في ترك ذكرى طيبة لدى جمهوره ومحبيه، فتحولت أجواء الحفل لشعور موجع بالفقد، بعكس طبيعة حفلات هاني شاكر المليئة بالبهجة وأسلوبه الذي جسده في «علّي الضحكاية» كما اعتاد على ممازحة جمهوره حتى بات أسلوبه «ماركة مسجلة».

وبالتزامن مع إقامة أولى حفلات «الموسيقى العربية» أسدل الستار على كواليسه الشائكة بعد أن تجاوز أزماته المتتالية أخيراً، والتي شهدت جدلاً واسعاً خلال الأيام الماضية بسبب الاعتذارات والاعتراضات على ميزانية المهرجان ومواعيد الحفلات، وغيرها من الأسباب اللوجستية التي خرجت للعلن عقب انتهاء المؤتمر الصحافي الذي أقيم للإعلان عن برنامجه اعتراضاً على بعض تصريحات رئيس الأوبرا المصرية.

من حفل افتتاح مهرجان الموسيقى العربية (دار الأوبرا المصرية)

اللافت بالحفل وجود نخبة من أصوات الأوبرا المصرية الذين قدموا مجموعة من أغنيات هاني شاكر، ونالوا إعجاب الحضور، إلى جانب منشورات «سوشيالية» أشادت بأصواتهم، وهم: أشرف وليد، ومحمد طارق، وأحمد عصام، وأحمد سعيد، وياسر سعيد، ومحمد الخولي، وأحمد عفت، وأحمد صبري، وأحمد حسن، ومحمد حسن، الذين قدموا أغنيات من بينها: «الحلم الجميل»، و«لو بتحب حقيقي»، و«يا ريتني»، «نسيانك صعب أكيد»، و«أصاحب مين»، و«غلطة»، و«جرحى أنا».

وقدم محمد شاهين أغنية «يا ريتك معايا»، وغنت أنوشكا «أنا قلبي ليك»، كما تضمن برنامج الحفل تقديم نيفين رجب لأغنية جديدة بعنوان «فيه ناس بتغيب» إهداءً لاسم هاني شاكر، وبالختام غنت نادية مصطفى «مشتريكي»، «وكده برضه يا قمر» للفنان الراحل، وفي الختام الجماعي قُدمت الأغنية الوطنية «بلدي»، التي غناها شاكر عبر «ديو» جمعه بالفنان محمد ثروت الذي اعتذر عن الغناء بالمهرجان.

وفي كلمته بالافتتاح، أكد الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، والقائم بأعمال وزير الثقافة، أن المهرجان يجسد مكانة «الموسيقى العربية» في وجدان المصريين والعرب، كما حرص على تكريم نخبة من القامات بالمجال إلى جانب اسم هاني شاكر، والإعلان عن تدشين تمثال له في ساحة دار الأوبرا تكريماً وتخليداً لإبداعه.

نادية مصطفى وأنوشكا ونجوم الأوبرا خلال الافتتاح (دار الأوبرا المصرية)

وأشار الدكتور رضا الوكيل، رئيس دار الأوبرا المصرية، إلى أن المهرجان يجسد مكانة الموسيقى العربية في الوجدان، ويؤكد قدرتها على التواصل مع الأجيال، وصون الهوية والتراث، بينما أكد المايسترو محمد الموجي مدير المهرجان «أن الدورة الـ34 من (الموسيقى العربية) تواصل مسيرة الإبداع والاحتفاء بالطرب الأصيل».

من جانبه، أكد الناقد الموسيقي المصري أحمد السماحي أن «مهرجان الموسيقى العربية من أهم الفعاليات المصرية الراقية التي تقام بأروقة الأوبرا المصرية العريقة»، لافتاً إلى أن المهرجان ليس فعالية فنية لاستضافة نجوم الغناء فقط، لكنه يحمل مسؤولية الحفاظ على التراث وإتاحة الفرصة للأصوات القادرة والمميزة، وفتح المجال أمام التجارب المعاصرة التي تمتلك مشروعاً فنياً.

وأشاد السماحي، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بالأصوات الطربية المشاركة بالمهرجان من مصر والعالم العربي، مؤكداً قدرتها وتنوعها الكبير في المدارس الغنائية وأداء الأغنيات التراثية.

وتستمر ليالي «الموسيقى العربية» حتى 30 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، على مسارح الأوبرا بالقاهرة والإسكندرية، وتتضمن 24 حفلاً بمشاركة 91 فناناً، وتشمل الفعاليات ندوة ثقافية حول مسيرة هاني شاكر، بينما تمتد جلسات «المؤتمر العلمي» المصاحب لأربعة أيام بمشاركة 35 باحثاً من 15 دولة.