اشتباكات عنيفة بين الجيش الإسرائيلي و«حماس» في غزة... والمدنيون في وضع «لا يطاق»

وحدة مدفعية إسرائيلية قرب الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب)
وحدة مدفعية إسرائيلية قرب الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

اشتباكات عنيفة بين الجيش الإسرائيلي و«حماس» في غزة... والمدنيون في وضع «لا يطاق»

وحدة مدفعية إسرائيلية قرب الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب)
وحدة مدفعية إسرائيلية قرب الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب)

كثّف الجيش الإسرائيلي الثلاثاء عملياته ضد حركة «حماس» الفلسطينية في جنوب قطاع غزة، حيث أشار شهود إلى حدوث معارك عنيفة، ما يثير مخاوف من «سيناريو أكثر رعبا» للمدنيين.

ووسع الجيش الإسرائيلي الذي يشنّ منذ 27 أكتوبر (تشرين الأول) هجوما بريا في شمال القطاع المحاصر، نطاق عملياته البرية لتشمل قطاع غزة برمّته مع نشر دبابات قرب خان يونس التي أصبحت بؤرة المواجهات الجديدة، وذلك بعد قرابة شهرين من بدء الحرب.

ومنذ استئناف القتال في 1 ديسمبر (كانون الأول) بعد هدنة استمرت سبعة أيام، يقصف الجيش الإسرائيلي جنوب القطاع، ما تسبب في سقوط الكثير من القتلى والجرحى في هذه المنطقة التي لجأ إليها مئات الآلاف من المدنيين منذ بداية الحرب حيث يعيشون في ملاجئ موقتة.

وهم الآن محاصرون في محيط يتقلص يوما بعد يوم قرب الحدود المغلقة مع مصر، وليس لديهم مكان يذهبون إليه.

ويشتدّ القصف والقتال في شمال قطاع غزة أيضاً حيث أعلن الجيش الإسرائيلي أنه «سيطر على مواقع مهمة» لحركة «حماس».ونفذ الجيش الإسرائيلي الذي يسيطر حالياً على مناطق عدّة في شمال قطاع غزة، عمليات «في منطقة جباليا»، وهي أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في القطاع ومحاصر حالياً.وبحسب شهود، استهدفت عشرات الضربات أحياء عدّة في مدينة غزة، ما أجبر آلاف المدنيين على الفرار.

في المقابل، أعلنت كتائب القسام الجناح العسكري في حركة «حماس» من حساب رسمي على تلغرام «قصف بئر السبع المحتلة برشقة صاروخية رداً على المجازر بحق المدنيين».

 



 

وقال شهود لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن القوات الإسرائيلية نفّذت ليل الاثنين الثلاثاء قصفا جويا ومدفعيا قرب خان يونس وعلى رفح المجاورة في الطرف الجنوبي من القطاع وكذلك على دير البلح إلى الشمال.

وأعلن المكتب الإعلامي لحركة «حماس» أن القصف الليلي خلّف عشرات القتلى في قطاع غزة. وأدى القصف إلى مقتل 24 شخصاً في مدرسة تؤوي نازحين في خان يونس، بحسب وزارة الصحة التابعة لحركة «حماس».

وأكد الجيش الإسرائيلي بعد ظهر الثلاثاء أنه يخوض اشتباكات في «قلب منطقة خان يونس» وذلك بعد إعلانه توسيع عملياته البرية إثر فشل مفاوضات تمديد الهدنة التي استمرت لسبعة أيام.

وأوضح المفوض العام لـ«الأونروا» فيليب لازاريني الاثنين أن القصف الإسرائيلي أتى بعد «أمر إخلاء جديد من خان يونس إلى رفح ما أثار الذعر والخوف والقلق».

وأضاف : «60 ألف شخص إضافي على الأقل أُجبروا على الانتقال إلى ملاجئ مكتظة تابعة للأونروا، وقد نزح كثر بينهم مرات عدة» منذ بداية الحرب.

وقالت الأمم المتحدة الثلاثاء إنه «من المستحيل» إنشاء ما تسمى بمناطق آمنة يفر إليها المدنيون داخل قطاع غزة وسط حملة القصف الإسرائيلية.

وقال الناطق باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) جيمس إلدر لصحافيين في جنيف عبر رابط فيديو من القاهرة: «لا يمكن أن تكون هذه المناطق آمنة ولا إنسانية عندما تعلن من جانب واحد».

 

 

وتحدثت وكالة «وفا» الفلسطينية في وقت مبكر من صباح الثلاثاء عن سقوط «عدة» قتلى في قصف على مدينة غزة.

في المقابل، أعلنت «كتائب القسام» الجناح العسكري في حركة «حماس» من حساب رسمي على «تلغرام»: «قصف بئر السبع المحتلة برشقة صاروخية ردا على المجازر بحق المدنيين».

وأعربت منظمات دولية عن قلقها من الأخطار التي يواجهها المدنيون في غزة حيث «توقفت خدمة الاتصال الهاتف والإنترنت» بسبب تعرض المسارات الرئيسية والتي تم إعادة وصلها سابقا للفصل مرة أخرى من الجانب الإسرائيلي»، وفقا لشركة الاتصالات الفلسطينية (بالتل).

وقالت منسّقة الأمم المتّحدة للشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة لين هاستينغز إنّ «سيناريو أكثر رعبا يوشِك أن تتكشّف فصوله، وهو سيناريو قد لا تملك العمليات الإنسانية القدرة على الاستجابة له».

وقالت رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولياريتش التي وصلت الاثنين إلى غزة إن معاناة السكان في القطاع الفلسطيني المحاصر «لا تطاق».

 

وأكدت عبر منصة «إكس»، أن «الأشياء التي رأيتها هناك تفوق أيّ شيء يمكن لأيّ شخص أن يكون في وضع يمكّنه من وصفه. أكثر ما صدمني هو الأطفال الذين أصيبوا بجروح فظيعة، وفي الوقت نفسه فقدوا والديهم من دون أن يعتني بهم أحد».

 

فوضى في مستشفى ناصر

صباح الثلاثاء تكرّرت مشاهد الفوضى في مستشفى ناصر في خان يونس، وهو الأكبر في جنوب قطاع غزة، بعد عمليات القصف الليلة.

وقال الكثير من الأشخاص إنهم فقدوا أحباء لهم في قصف جوي أصاب مدرسة كانت تؤوي لاجئين.

ومن بين هؤلاء محمد سلول الذي فقد شقيقته. وقال: «كانت جثتها في ملعب المدرسة. كان علينا أن نحملها بأنفسنا. رأينا أشلاء بشرية في المدرسة، رغم أن القصف لم يكن يستهدف تلك المدرسة مباشرة بل المنطقة المحيطة بها».

 

 

 

وبحسب «الأونروا»، يؤوي هذا المستشفى المكتظ بالجرحى والذي يفتقر إلى الطواقم الطبية والإمدادات، أكثر من ألف مريض بالإضافة إلى 17 ألف نازح.

وأعلنت وزارة الصحة التابعة لـ«حماس» الاثنين ارتفاع حصيلة القتلى إلى 15899 قتيلا، 70 في المائة منهم نساء وأطفال ومراهقون، جراء القصف الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر.

ومساء الاثنين، أعلن مسؤولون عسكريون إسرائيليون أنّه مقابل كلّ مدنيين قُتلا في الهجوم على «حماس» في قطاع غزة قُتل مقاتل من الحركة الفلسطينية.

وخلال دردشة مع صحافيين، قال أحد هؤلاء المسؤولين الذين طلبوا عدم كشف أسمائهم: «لست أقول إنه أمر جيد أن تكون النسبة اثنين لواحد»، عازيا السبب إلى استخدام «حماس» المدنيّين الفلسطينيين «دروعا بشرية».

وأدى هجوم «حماس» إلى مقتل 1200 شخص في إسرائيل معظمهم مدنيون قضوا بغالبيتهم في اليوم الأول للهجوم، وفق السلطات الإسرائيلية.

وأعلن الجيش الإسرائيلي صباح الثلاثاء مقتل ثلاثة جنود في اليوم السابق في قطاع غزة، ما يرفع حصيلة القتلى الجنود إلى 78 منذ بدء العملية البرية.

من جهتها، كتبت لجنة حماية الصحافيين على منصة «إكس» إنها وثقت حتى 4 ديسمبر مقتل 63 صحافيا وعاملا في مجال الإعلام، هم 56 فلسطينيا و4 إسرائيليين و3 لبنانيين، بالإضافة إلى إصابة 11 صحافيا وفقدان 3 صحافيين وتوقيف 19 صحافيا.

 

 

وبحسب الجيش الإسرائيلي، ما زال 137 رهينة محتجزين في قطاع غزة بعد إطلاق سراح 105 رهائن، بينهم ثمانون أطلق سراحهم لقاء الإفراج عن 240 أسيرا فلسطينيا من السجون الإسرائيلية خلال الهدنة.

من جهته، أكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الثلاثاء أن الحرب في غزة بين إسرائيل وحركة «حماس» تمثل «جريمة نكراء... من العار» أن تستمر بعد نحو شهرين من اندلاعها، وذلك لدى افتتاحه اجتماعا لمجلس التعاون الخليجي في الدوحة.

 

 

 

 

 

 

 

وباتت الحاجات هائلة في القطاع الخاضع لحصار إسرائيلي مطبق، حيث نزح وفق الأمم المتحدة 1,8 مليون شخص بسبب الحرب، من أصل سكان القطاع البالغ 2,4 مليون نسمة.

وقال المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لمنطقة شرق المتوسط أحمد المنظري من مصر: «شهدنا ما حصل في شمال غزة. هذا الأمر لا يمكن أن يشكّل نموذجا للجنوب».

وطلب الجيش الإسرائيلي من المنظمات الإنسانية الدولية «دعمها للمساعدة في المنشآت في منطقة المواصي»، وهي منطقة ساحلية في جنوب قطاع غزة بين خان يونس ورفح تطلب إسرائيل من المدنيين الذهاب إليها.

وتمتد الأعمال القتالية إلى الضفة الغربية المحتلة والحدود الإسرائيلية اللبنانية ومواقع مختلفة في الشرق الأوسط حيث تستهدف القوات الأميركية.

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة الثلاثاء «استشهاد الشاب محمد يوسف حسن مناصرة (25 عاماً) في قلنديا و4 إصابات في مخيم الدهيشة ببيت لحم برصاص الاحتلال، إحداها حرجة للغاية».

وكان قتل خمسة فلسطينيين برصاص إسرائيلي خلال عمليات عسكرية للجيش في مناطق متفرقة في الضفة الغربية المحتلة الاثنين، وفق وزارة الصحة الفلسطينية. وفجر الثلاثاء، نُشر جنود في منطقة جنين، المعقل المحلي للفصائل الفلسطينية.

 

 

 

 

 

 

 


مقالات ذات صلة

حالات الانتحار تزداد في صفوف الجيش الإسرائيلي

شؤون إقليمية جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)

حالات الانتحار تزداد في صفوف الجيش الإسرائيلي

تعاني إسرائيل من زيادة كبيرة في حالات الانتحار واضطراب ما بعد الصدمة في صفوف الجيش بعد حملتها العسكرية التي استمرت عامين على قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية-رويترز)

مقتل 10 في غارة إسرائيلية على غزة بينهم قياديون من «حماس» و«الجهاد»

قالت مصادر محلية في غزة اليوم الخميس إن 10 أشخاص على الأقل قتلوا جراء سلسلة غارات إسرائيلية على القطاع، من ​بينهم قيادي بارز في كتائب القسام.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب) play-circle

«لجنة غزة» تتطلع للإعمار التام في 7 سنوات... وإسرائيل ترى المرحلة الثانية «رمزية»

أظهر رئيس لجنة إدارة غزة علي شعث تفاؤلاً لافتاً بإتمام عملية إعمار القطاع الفلسطيني في غضون 7 سنوات، بينما سعت إسرائيل إلى التقليل من خطوة بدء المرحلة الثانية.

نظير مجلي (تل أبيب) «الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ الناشط محمود خليل خريج جامعة كولومبيا (أ.ب)

محكمة استئناف أميركية ترفض قرار الإفراج عن الناشط المؤيد للفلسطينيين محمود خليل

قضت ​محكمة استئناف اتحادية، اليوم (الخميس)، بأن قاضياً لم يكن مختصاً أمر بالإفراج عن ‌خريج ‌جامعة ⁠كولومبيا ​محمود ‌خليل من مركز احتجاز المهاجرين

«الشرق الأوسط» ( فيلادلفيا)
خاص اللواء الفلسطيني سامي نسمان (إكس) play-circle

خاص سامي نسمان... قصة ضابط عادته «حماس» وعاد ليدير أمن غزة

لم يكن أشد المتفائلين بتغيير واقع الحكم في غزة، يتوقع أن تشمل قائمة «لجنة إدارة غزة» أسماء شخصيات كانت توصف بأنها من أشد خصوم «حماس»، ومنها اللواء سامي نسمان.

«الشرق الأوسط» (غزة)

تسليم سلاح «حزب الله»... تعقيدات تتوسّع من «الضمانات» إلى حسابات إيران

عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)
عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)
TT

تسليم سلاح «حزب الله»... تعقيدات تتوسّع من «الضمانات» إلى حسابات إيران

عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)
عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)

يتقدّم ملف سلاح «حزب الله» إلى واجهة المشهد السياسي اللبناني، ليس بوصفه ملفاً داخلياً قابلاً للحسم، بل كعقدة بنيوية تتشابك فيها الحسابات المحلية بالضغوط الإقليمية والدولية. ومع تصاعد الحراك الدبلوماسي غير المعلن، يتّضح أن النقاش لم يعد يدور حول آليات نزع السلاح، بل حول الضمانات، ومآلات الانسداد القائم.

حراك خارجي بلا خريطة طريق

تتحرّك عواصم معنية بالاستقرار اللبناني، في إطار «اللجنة الخماسية» التي تضمّ الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية ومصر وقطر، ضمن مسار اتصالات لحث السلطات اللبنانية على تنفيذ حصرية السلاح بيد السلطات الشرعية، في مقابل رفض «حزب الله» إطلاق المرحلة الثانية من الخطة في شمال الليطاني. ويقول معارضو الحزب إن رفض الحزب لا ينطلق من مقاربة عسكرية ودفاعية فقط، بل من مقاربة سياسية أوسع، متعلقة بضمانات ومكاسب سياسية في الدولة.

غير أن الرد المباشر على أي طرح مشابه جاء سلبياً، حسب ما يقول معارضو الحزب، ويشرح مصدر معارض للحزب لـ«الشرق الأوسط» بالقول: «تُظهر التجربة اللبنانية أنّ مرحلة ما بعد الحرب الأهلية قامت على تسويات ضمنية، حوّلت السلاح إلى نفوذ سياسي داخل الدولة، غير أنّ إعادة إنتاج هذه الصيغة اليوم مستحيلة. فالتوازنات التي حكمت مرحلة التسعينيات تبدّلت، والانقسام العمودي داخل المؤسسات يمنع أي صيغة تقاسم جديدة للسلطة».

رجلا دين شيعيان يشاركان في الذكرى السنوية لاغتيال أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله في سبتمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولا تخفي القوى السياسية، على اختلاف مواقعها، خشيتها من فتح باب المكتسبات، لما يحمله من مخاطر تفجير داخلي أو تكريس اختلال دائم في بنية الدولة. من هنا، سقط عملياً أي حديث جدي عن «السلاح مقابل مكاسب سياسية».

لا تسييل للسلاح ولا مقايضة

وفي هذا الإطار، يقول عضو تكتل «القوات اللبنانية» النائب ملحم الرياشي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «(حزب الله) وافق وينجز مع الجيش تسليم السلاح جنوب النهر؛ أي في المنطقة المتاخمة للحدود مع إسرائيل، وبالتالي ما نفع السلاح شمال النهر؟ إنه لزوم ما لا يلزم». ويضيف: «إن عملية تسييل السلاح بمراكز سلطة ونفوذ هي أمر مرفوض بالمبدأ؛ لأن دقة التركيبة اللبنانية تستدعي إعادة نظر كاملة في النظام، وليس زيادة نفوذ لمكوّن لبناني على حساب آخر؛ فإما أن نعيد النظر بكل التركيبة من جذورها، أو نُبقي القديم على قدمه؛ أي نلتزم جميعاً»، ويشدّد على أنّ «(القوات اللبنانية) ملتزمة باتفاق الطائف».

ويرى الرياشي أنّ «السلاح مرتبط عضوياً بسلاح إيران ومشروعها»، قائلاً: «ندعو (حزب الله) إلى إخراج نفسه من صراع الآخرين، والعمل معنا على تحييد لبنان عن حروب الآخرين، لما فيه مصلحته ومصلحة إخوتنا الشيعة اللبنانيين ومصلحتنا جميعاً».

مشكلة سياسية لا تقنية

ثمة مخاوف لبنانية من أن يساهم فتح باب المقايضة في تعميق الانقسام بدل معالجته، وهو ما جعل هذا المسار يتراجع عملياً، لمصلحة نقاش أكثر تعقيداً حول مفهوم الضمانات.

ويرى النائب اللبناني السابق إلياس عطا الله، أنّ الإشكالية لا تكمن في شكل الضمانات أو نوعها، بل في طبيعة المشروع نفسه. ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن «مسألة (حزب الله) لم تكن يوماً مشروعاً عسكرياً بحتاً، بل مشروعاً سياسياً». ويشير إلى أنّ الحزب «منذ تأسيسه عام 1982، ارتبط عضوياً بإيران، حتى وإن تغيّرت أشكاله وتكويناته مع الوقت»، معتبراً أن «السلاح لم يكن أداة دفاع وطنية مستقلة، بل جزءاً من بنية سياسية خارج منطق الدولة».

ويشير عطا الله إلى أنّ «تجربة ما بعد الحرب اللبنانية عام 1990 أثبتت أنّ كل القوى سلّمت سلاحها للدولة، وكأنّ الحرب انتهت فعلياً، باستثناء طرف واحد قرّر ربط سلاحه بمشروع إقليمي»، لافتاً إلى أنّ «هذا الخيار جعل التخلي عن السلاح يتناقض مع طبيعة هذا التكوين وخياراته الأساسية».

الضمانات... والموقف الإيراني

وحسب عطا الله، فإنّ الحديث المتكرر عن ضمانات سياسية أو أمنية لا يعالج جوهر الأزمة. ويقول إنّ «(حزب الله) لا يبحث عن مكاسب سياسية مقابل تسليم سلاحه؛ لأنّ المسألة أعمق من ذلك»، مضيفاً أنّ «الحزب لا يريد دولة قوية وقادرة، بل دولة ضعيفة تُبقي السلاح خارج المحاسبة والشرعية».

ويتابع أنّ «السلاح بالنسبة إليه ليس ورقة تفاوض داخلية، بل أداة مرتبطة مباشرة بإيران، وبوظيفة تتجاوز الحدود اللبنانية»، معتبراً أنّ «الحديث عن تسليم طوعي للسلاح يتجاهل واقع أنّ هذا السلاح مرتبط بعقيدة تعتبر التخلي عنه نفياً للذات السياسية والتنظيمية».

ويتقاطع هذا التشخيص مع قراءة أوسع ترى أنّ ملف السلاح بات جزءاً من معادلة إقليمية أكبر، ما يجعل أي نقاش داخلي حوله رهينة تطورات خارج الحدود. وفي هذا الإطار، يعتبر عطا الله أنّ «أي حديث عن ضمانات سياسية أو أمنية لا يغيّر في جوهر المشكلة؛ لأنّ القرار ليس لبنانياً خالصاً»، مشدداً على أنّ «الرهان على تسوية داخلية من دون فك الارتباط الإقليمي هو رهان على الوقت لا أكثر».


بغداد تترقب زيارة سافايا وسط الخلافات بشأن فرص المالكي في تشكيل الحكومة

أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)
أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)
TT

بغداد تترقب زيارة سافايا وسط الخلافات بشأن فرص المالكي في تشكيل الحكومة

أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)
أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)

بينما يواصل رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مهامه بصورة طبيعية رغم أن حكومته تحولت إلى «حكومة تصريف أعمال» بعد إعلان نتائج الانتخابات وتصدر قرارات ذات طبيعة إلزامية لمؤسسات الدولة، ينشغل البيتان الكردي والشيعي في كيفية حسم اختيار رئيس جمهورية «كردي» ورئيس وزراء «شيعي»، طبقاً للمدد الدستورية.

وبما أنه لم يتبقَّ من المدة الدستورية اللازمة لذلك سوى نحو أسبوعين، فإن العاصمة العراقية بغداد تترقب بقلق بالغ كيفية التغلب على الخلافات داخل البيتين الكردي والشيعي. كما أنها تراقب بقلق أكبر الزيارة المرتقبة والوشيكة للمبعوث الرئاسي الأميركي مارك سافايا إلى العراق.

وبات سافايا يتنقل بين وزارتي الخزانة والحرب بالتزامن مع الحركة المكوكية للقائم بالأعمال الأميركي في بغداد، جوشوا هاريس، الذي التقى معظم المسؤولين والقيادات العراقية مؤخراً. وطبقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن سافايا في واشنطن وعن هاريس في بغداد، فإن في جعبة الرجلين قضية واحدة محددة، وهي عدم إشراك القوى والفصائل المسلحة في الحكومة العراقية القادمة رغم أن تلك القوى تملك نحو ثلث البرلمان العراقي، فضلاً عن إيقاف كل منابع التمويل بالعملة الصعبة لها ولإيران.

السوداني والمالكي

السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)

ومع أن سافايا لم يعلن بعد الوقت المناسب لزيارته إلى العراق، فإن كل الدلائل تشير إلى أن الزيارة أصبحت وشيكة بعد أن مهد لها القائم بالأعمال الأميركي جيداً. وفي الأثناء، لا يزال الجدل قائماً داخل الإطار التنسيقي الشيعي بشأن ما إذا كان مرشحه غير الرسمي حتى الآن نوري المالكي سوف يتمكن من تشكيل الحكومة القادمة.

من جهة أخرى، أثار تنازل السوداني قلقاً مزدوجاً داخل قوى الإطار التنسيقي، رغم أنه يملك الكتلة الأكبر داخل البيت الشيعي والفائز الأول في الانتخابات. ففي الوقت الذي وجدت بعض قوى الإطار التنسيقي أن السوداني لا المالكي هو رجل المرحلة المقبلة نظراً لعلاقته الجيدة مع أطراف مهمة في الإدارة الأميركية بمن فيهم المبعوث الرئاسي سافايا، فإن أطرافاً أخرى داخل الإطار التنسيقي وجدت أن ترشيح المالكي للمنصب قد يضيف المزيد من الأعباء أمامها، لا سيما في حال إصرار الإدارة الأميركية على تنفيذ كل مطالبها، وفي مقدمتها عدم مشاركة قوى السلاح في الحكومة المقبلة وتجفيف كل منابع تمويل إيران عبر الدولار.

المالكي من جهته يحاول تقديم تطمينات للإدارة الأميركية بأنه سيكون قادراً على التعامل مع الملفات الشائكة. وطبقاً للبيان الصادر عن مكتبه بعد لقائه القائم بالأعمال الأميركي، فقد وصف العلاقة بين العراق والولايات المتحدة بأنها «علاقة صداقة»، بينما قوى السلاح في العراق تعد الوجود الأميركي في العراق «احتلالاً».

وعود سافايا وأجندته

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع مبعوثه الخاص إلى العراق مارك سافايا (أرشيفية-إكس)

كثف المبعوث الأميركي مارك سافايا خلال اليومين الماضيين لقاءاته في واشنطن مع وزارتي الخزانة والحرب في سياق جهوده الخاصة للتعامل مع الملف العراقي، من زاوية تبدو شديدة التعقيد على القوى السياسية الشيعية المقربة من إيران، خصوصاً الفصائل المسلحة، فضلاً عن بعض قيادات الإطار التنسيقي.

وأكد سافايا، في بيان يوم الجمعة، أنه عقد اجتماعاً في البيت الأبيض مع كلٍّ من وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، ومدير شؤون مكافحة الإرهاب سيباستيان غوركا، وبحث معهما الزيارة التي سيجريها إلى العراق. وقال في البيان: «اتفقنا على أن القضايا التي جرى بحثها سيتم تناولها خلال زيارتي المقبلة إلى العراق، حيث سأتواصل مع أصحاب القرار المناسبين لمواجهة الوضع على الأرض لما فيه مصلحة الشعب العراقي».

وكان سافايا أعلن يوم الخميس عما سماه إجراء مراجعة شاملة للمدفوعات والمعاملات المالية المشبوهة في العراق مع وزارة الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، فضلاً عن مناقشة عقوبات مرتقبة تستهدف شبكات تقوّض النزاهة المالية وتموّل الأنشطة الإرهابية.

المعاملات المالية المشبوهة

الحكومة والبنك المركزي يسعيان لإقناع العراقيين بوضع أموالهم في البنوك (البنك المركزي العراقي)

وأضاف في البيان أنه التقى مسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، لبحث التحديات الرئيسية وفرص الإصلاح في المصارف الحكومية والمصارف الخاصة في العراق، مع تركيز واضح على تعزيز الحوكمة المالية والامتثال والمساءلة المؤسسية.

وأوضح أن الجانبين اتفقا على إجراء مراجعة شاملة لسجلات المدفوعات المشبوهة والمعاملات المالية التي تشمل مؤسسات وشركات وأفراداً في العراق، والمرتبطة بعمليات تهريب وغسل أموال وعقود ومشاريع «احتيالية» تموّل الأنشطة الإرهابية. وأضاف أن المباحثات تضمنت أيضاً مناقشة الخطوات المقبلة المتعلقة بالعقوبات المرتقبة التي تستهدف الجهات والشبكات «الخبيثة» التي تقوض النزاهة المالية وسلطة الدولة. وأكد مبعوث الرئيس الأميركي أن العلاقة بين العراق والولايات المتحدة لم تكن أقوى مما هي عليه اليوم في ظل قيادة الرئيس دونالد ترمب.


الرئاسة الألمانية: أحمد الشرع يزور برلين الثلاثاء

الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)
الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)
TT

الرئاسة الألمانية: أحمد الشرع يزور برلين الثلاثاء

الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)
الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)

يزور الرئيس السوري أحمد الشرع برلين الثلاثاء، وفق ما أظهر جدول أعمال الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير الذي نُشر الجمعة.

و​قال متحدث باسم الحكومة الألمانية إن المستشار فريدريش ميرتس سيناقش قضايا ‌من بينها ‌عودة ‌المواطنين ⁠السوريين ​إلى ‌بلادهم خلال اجتماعه مع الشرع في برلين يوم ⁠الثلاثاء.

وأضاف المتحدث: «‌لدينا رغبة ‍في ‍تعزيز العلاقات، وإذا جاز التعبير، بدء صفحة جديدة مع الحكومة ​السورية الجديدة. لدينا العديد من القضايا ⁠المهمة التي يجب التعامل معها... ومنها على سبيل المثال عودة السوريين إلى وطنهم».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)

وتأتي الزيارة بعد أقل من شهر من ترحيل ألمانيا لمواطن سوري مدان بالسطو المسلح والاعتداء والضرب والابتزاز، إلى بلاده في 23 ديسمبر (كانون الأول)، وهي أول عملية من نوعها منذ اندلاع النزاع في عام 2011.

ومنذ توليه منصبه في مايو (أيار) الماضي، بدأ ميرتس في تشديد سياسات الهجرة في ظل صعود اليمين المتطرف.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، دعا ميرتس إلى إعادة لاجئين سوريين إلى بلدهم بحجة أن «الحرب الأهلية في سوريا قد انتهت».

وبعد الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر 2024، أعلنت عدة دول أوروبية، من بينها ألمانيا، تجميد إجراءات طلبات اللجوء في سياق المكاسب الانتخابية القوية التي حققتها أحزاب اليمين المتطرف في أعقاب هجمات مختلفة ارتكبها أجانب.