خيرت فيلدرز... يفاقم هموم أوروبا إثر «اختراق» حزبه المتطرف في هولندا

دول القارة قلقة من تأقلم ناخبيها مع حكم غلاة اليمين

خيرت فيلدرز... يفاقم هموم أوروبا إثر «اختراق» حزبه المتطرف في هولندا
TT

خيرت فيلدرز... يفاقم هموم أوروبا إثر «اختراق» حزبه المتطرف في هولندا

خيرت فيلدرز... يفاقم هموم أوروبا إثر «اختراق» حزبه المتطرف في هولندا

قد يكون النائب الهولندي خيرت فيلدرز من أكثر الوجوه السياسية شهرة في أوروبا منذ عقود، رغم أنه لم يتولَّ مناصب رسمية حتى الآن. شهرة الرجل نابعة من أفكاره اليمينية الشديدة التطرف، وكرهه المعلن للإسلام والمسلمين. ومع أن فيلدرز حاضر على الساحة السياسية في أوروبا منذ عام 1998 عندما دخل البرلمان للمرة الأولى، بالكاد نُظر إليه - قبل الآن - على أنه لاعب سياسي قوي قادر على الوصول للسلطة وحكم هولندا. ولذا شكل فوز حزبه «الحرية» بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات البرلمانية، حصد فيها 37 مقعداً من أصل 150 (أي ربع مقاعد البرلمان) مفاجأة كبيرة وصدمة خاصة للمسلمين في هولندا الذين بدأوا فعلاً يخشون على مستقبلهم هناك. ولكن، فوز حزب فيلدرز في الانتخابات الأخيرة لا يعني أنه سيصبح تلقائياً رئيس الحكومة المقبلة. ذلك أنه، في غياب الغالبية المطلقة، سيكون مُجبراً على إقناع أحزاب أخرى بالمشاركة معه في حكومة يرأسها هو، ما قد يكون مهمة صعبة. ولكن الثابت الآن هو استحالة تجاهل قوة هذا الحزب، ولا المليوني ونصف المليون شخص تقريباً الذين صوتوا له رغم أفكاره الشديدة التطرّف حول المسلمين والمهاجرين والاتحاد الأوروبي وغيرها الكثير. أمر آخر، لا يخلو من الخطورة، هو أن إنجاز متطرفي هولندا أعطى أملاً جديداً للأحزاب الأخرى الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا التي بدأت صعودها أصلاً في السنوات الماضية، ووصل بعضها إلى السلطة مثل حزب رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني، والحزب اليميني المتطرف في فنلندا الذي بات جزءاً من الحكومة الائتلافية. ذلك أنه في فرنسا يتقدم اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبين في استطلاعات الرأي باعتباره أكبر حزب في البلاد. وفي ألمانيا يصعد حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف بوتيرة مقلقة في بلد تعهدت كل الأحزاب الأساسية فيه بألا تشاركه الحكم. ولكن الكثير قد يتغير حتى موعد الانتخابات المقبلة في عام 2025، خاصة في حال نجح فيلدرز بإقناع أحزاب هولندية وسطية بالمشاركة معه في حكومة ائتلافية.

كرّر السياسي الهولندي اليميني المتطرف خيرت فيلدرز، خلال حملته الانتخابية الأخيرة، الكلام عن الخطط التي اعتمدها ويريد تطبيقها في حال وصوله للسلطة. ووضع على رأس تلك الخطط حظر القرآن والحجاب في الأبنية الرسمية، وإقفال المساجد والمدارس الدينية المسلمة. وللعلم، تتماشى هذه الأفكار مع ما عُرف به فعلاً هذا السياسي المتطرف المعادي للإسلام والمسلمين منذ بداية صعوده؛ إذ سبق له أن وصف المواطنين الهولنديين المتحدرين من أصول مغاربية بأنهم «حثالة». وفي عام 2004 تسبّب بجدل كبير عندما سأل المتجمهرين في أحد التجمعات الانتخابية: «هل تريدون مغاربة أقل في هولندا؟»، فردّوا: «نعم ...نعم...»، وعلى الفور أعلن وهو يبتسم بأنه يستطيع أن يفعل ذلك. وفي حينه، حوكم فيلدرز بسبب تلك التصريحات التي اعتبرت تحريضاً على الكراهية والتمييز ضد المغاربة، وأدين بغرامة مالية مقدارها 5 آلاف يورو.

خلفية العداء

يدّعي فيلدرز أن أفكاره المعادية للإسلام ترسّخت بعد قتل المخرج الهولندي تيو فان كوخ عام 2004 على يد شاب هولندي من أصل مغربي بعد إخراج فان كوخ فيلم «الخضوع» للكاتبة الهولندية الصومالية المعادية للمسلمين أعيان حرسي علي، الذي يصوّر الإسلام بصورة سلبية للغاية. ثم في العام نفسه أسس فيلدرز حزبه «الحرية» في أعقاب انفصال عن حزب «الشعب للحرية والديمقراطية» اليميني المعتدل الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة الهولندي الحالي مارك روته.

ما يستحق الذكر أن فيلدرز امتهن لفترة التأمين الصحي، كما درس لنيل شهادات في القانون من جامعة هولندا المفتوحة، قبل أن يتفرّغ للسياسة. ولقد التحق بصفوف حزب روته منذ عام 1989، وانطلق منه في حياته السياسية. بيد أنه منذ ذلك الحين، عُرف داخل الحزب بأفكاره المتطرّفة، وبصفة خاصة تجاه المسلمين.

بعدها، برز الاختلاف الكبير بين فيلدرز وأعضاء الحزب الآخرين في أعقاب تعيينه عام 2002 ناطقاً باسم الكتلة البرلمانية لحزبه. وحقاً، تسبّب العديد من تصريحاته المتطرفة ضد الإسلام والمسلمين، آنذاك، بتوتر شديد داخل الكتلة البرلمانية، ويضاف إلى ذلك، أنه كان غالباً ما يتكلّم في مواضيع خارج الخطوط الأساسية لسياسة الحزب.

غير أن «القشة التي قصمت ظهر البعير» تمثّلت في رفض فيلدرز العنيد تأييد موقف حزبه من بدء مفاوضات قبول عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي. هذا، كانت نقطة الخلاف الحاسمة والأخيرة التي أدت إلى قراره الانفصال عن الحزب وتأسيسه «حزب الحرية». وهنا تجدر الإشارة، إلى أن السبب الأبرز لمعارضة فيلدرز الشديدة القبول بإطلاق مفاوضات الانضمام مع تركيا كون الأخيرة «دولة مسلمة»، وهي بالتالي - وفق قناعاته - «لا تنتمي إلى العائلة الأوروبية» وقيَمها وثقافتها.

كاثوليكي العائلة والنشأة

فيلدرز نفسه ولد لعائلة كاثوليكية، هو ابنها الأصغر وله 3 أخوة آخرين، إلا أنه يزعم حالياً أنه لا ينتمي لأي ديانة على الرغم من أنه يعتبر أن المسيحيين هم «حلفاء» له. واللافت أن الرجل الذي تحول إلى أحد أهم الرموز المعادية للإسلام في أوروبا وأبعد، هو نفسه يتحدّر جزئياً من عائلة ذات أصول إندونيسية مسلمة يحاول إخفاءها... ونادراً ما يتطرّق إليها.

ذلك أن جدّته لوالدته إندونيسية تزوّجت والده الهولندي أيام حقبة الاستعمار الهولندي على إندونيسيا، عندما كان يعمل في تلك البلاد التي كانت تُعرف بـ«جزر الهند الشرقية الهولندية»، وذلك قبل أن تتحوّل إلى جمهورية إندونيسيا بعد الاستقلال عن هولندا عام 1949 بقيادة أحمد سوكارنو.

وفي عام 2009، نشرت مجلة «أمستردام الخضراء» تحقيقاً مفصلاً عن فيلدرز نبشت فيه إرثه العائلي، مستندة إلى وثائق في «الأرشيف الوطني» أظهرت تفاصيل حول جده لوالدته يوهان أوردينغ الذي كان يعمل موظفاً حكومياً تابعاً لسلطة «جزر الهند الشرقية الهولندية»، ونجح هناك بكسب أموال من أعمال كان يقوم بها في المستعمرة الهولندية السابقة. وهناك أيضاً، تعرف على زوجته الإندونيسية جوهانا التي أنجب منها 7 أولاد بينهم والدة فيلدرز، ولدوا جميعهم في جزيرة جاوة، كبرى الجزر الإندونيسية من حيث تعداد السكان، وفيها العاصمة جاكارتا.

وبحسب المجلة، طُرد جد فيلدرز من وظيفته ومنع من العودة إلى جاوة عام 1934 عندما كان في إجازة في الخارج بعدما تبيّن أنه قد أفلس. وهكذا، حُرم الرجل من معاشه التقاعدي، واضطر على الأثر للانتقال مع زوجته - التي لم تكن تتكلم اللغة الهولندية - وعائلتهما للعيش في منزل صغير، وفق المجلة، في هولندا مع 7 أطفال، تاركين وراءهم منزلاً كبيراً وخدماً وحياة رفاهية ما عادت متوافرة لهم.

وتروي مجلة «أمستردام الخضراء» في تحقيقها أن العائلة مرّت بأيام شديدة الصعوبة، وعانت من الفقر الشديد. وأكملت لتشير إلى أن أوردينغ نجح فيما بعد بإعادة بناء حياته العملية بعدما وجد وظيفة له حارسَ سجن. ومن ثم، استقر مع عائلته في مدينة فينلو الصغيرة، بجنوب شرقي هولندا قرب الحدود الألمانية، وهي المدينة حيث ولد خيرت عام 1962 وفيها نشأ. ولقد نسبت الصحيفة إلى خيرت فيلدرز نفسه القول إن جدّيه كانا يعيشان على بعد نصف كيلومتر من منزله، وأنه كان غالباً ما يزورهما. وفي حين توفي أوردينغ عندما كان خيرت في الثامنة عشرة من عمره، توفيت زوجته بعده بست سنوات.

مرارة التجربة وأزمة الهوية

بناءً على ما سبق، استنتجت «أمستردام الخضراء» أن إبعاد عائلة فيلدرز عن إندونيسيا، وما تعرّض له أفرادها وكثيرون غيرهم من معاملة مشابهة بعد استقلال المستعمرة السابقة ذات الغالبية الإسلامية الكبيرة عن هولندا، ترك الكثير من الاستياء لدى سكانها السابقين من الهولنديين... الذين خسروا بعد أفول نجم الاستعمار كل شيء، ولم يعد بإمكانهم العودة إلى ديارهم.

أيضاً، تتطرّق المجلة المذكورة إلى «تيار سياسي» نشأ في هولندا منذ ذلك الحين، في بداية الخمسينات، يضم أولئك المستوطنين المستائين من إقصائهم مع العلم أن هولندا لم تسهّل عودة كثيرين منهم إليها؛ لأنها لم تعتبرهم «هولنديين» لكونهم «شرقيي الهوى». وفي المقابل، لم تعتبرهم إندونيسيا من جهتها «إندونيسيين». ومن ثم، تشير المجلة إلى أن كثرة من هؤلاء انتهى بهم الأمر مهاجرين إلى الولايات المتحدة أو كندا أو أستراليا بسبب رفض كل من هولندا وإندونيسيا قبولهم مواطنين فيها. وفي هذا السياق، ترى المجلة الهولندية أن أفكار فيلدرز «تتماشى مع الخطاب الاستعماري والأفكار المحافظة النابعة من تلك الحقبة، التي تأثر بها على ما يبدو، بسبب ما عاناه جدّاه».

من جانب آخر، نقلت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية عن المؤرخ والباحث الهولندي إيان بوروما قوله، إن «بعض الهولنديين المتحدّرين من أصول إندونيسية يحاولون التعويض عن إرثهم المختلط بأن يكونوا هولنديين أكثر من الهولنديين»، وأن البعض الآخر «يظهر ازدراءً كبيراً للإسلام وهو ما كان يمارسه المستعمرون الهولنديون في مستعمرتهم الآسيوية السابقة».

وقبل سنوات كتبت مجلة «نيوزويك» الأميركية قصة عن خيرت فيلدرز تناولت فيها إرثه الإندونيسي، ونقلت عن عالمة الأنثروبولوجيا الهولندية ليزي فان لوفن - التي تتحدر بدورها من إرث إندونيسي هولندي مختلط - تفاصيل حول بحث أجرته وعثرت فيه على إرث فيلدرز العائلي المختلط. وكما تقول فان لوفن إن كثيرين من جيل والدة فيلدرز ووالدتها يختزنون غضباً ضد المسلمين الإندونيسيين «على طردهم إياهم من بلدهم، وأيضاً لعجزهم هم عن العودة، وما تبع ذلك من فقر عاشوه بعدما اضطروا للعيش في هولندا». وهذا الأمر تفسره فان لوفن على أنه «محرّك أساسي» خلف كراهية فيلدرز للمسلمين. ثم تفسّر كذلك تسريحة شعره وصبغته الشقراء دائماً بأن غايته منهما إخفاء معالمه الإندونيسية التي قد تظهر في شعره الطبيعي الأسود اللون الذي كانت جذوره تظهر عندما كان أصغر سناً قبل أن تتحول الآن بفعل الشيب إلى جذور بيضاء.

نفور من إندونيسيا وانجذاب لإسرائيل

في المقابل، ثمة من يقول إن «كراهية» خيرت فيلدرز للإسلام والمسلمين لا تقتصر على إرث استعمار إندونيسيا، بل يعود كذلك إلى فترة من مراهقته - عندما بلغ سن السابعة عشرة - أمضى خلالها سنة كاملة وهو يعمل في موشاف (تجمع قروي زراعي) إسرائيلي في الضفة الغربية. ثم، أمضى سنوات لاحقاً متنقلاً في الشرق الأوسط بين عدة دول عربية مثل الأردن وسوريا ومصر.

وفي أعقاب عودة فيلدرز - المتزوّج من سيدة من أصول مجرية يهودية - إلى هولندا من الشرق الأوسط، نقل عنه أنه حمل معه «شعوراً مميّزاً بالتضامن مع إسرائيل». وبالفعل، في الأسابيع الماضية، علّق على الحرب الحالية على قطاع غزة داعياً إلى نقل الفلسطينيين إلى الأردن، وتحويل الأردن إلى فلسطين بديلة، ما أثار سيلاً من الإدانات الواسعة والشديدة من كل من الأردن والسلطة الفلسطينية وجامعة الدول العربية.

ولكن، بغضّ النظر عن أسباب كراهية فيلدرز للإسلام، فإن مواقفه المحرّضة على الكراهية ضد الإسلام، والتي تمثلت خصوصاً في الفيلم الذي أنتجه عام 2008 باسم «فتنة»، جعلته شخصاً معزولاً يعيش تحت حماية أمنية دائمة. وفي الواقع، كان الرجل قد تعرّض عام 2004 لمحاولة اغتيال إلى جانب حليفته النائبة الصومالية أعيان حرسي علي. ويومذاك، حاول رجلان مسلحان بقنابل يدوية قتلهما داخل مبنى في مدينة لاهاي، ولكنه قبض عليهما ولم ينجحا في تنفيذ مأربهما. ومنذ ذلك الحين، يعيش فيلدرز بحماية دائمة ولا يتحرك من دون حراسة مشددة، بل إنه نادراً ما يغادر منزله باستثناء الانتقال للمشاركة في تجمعات انتخابية، وأيضاً، إلى مكتبه في البرلمان الذي يقع في زاوية معزولة يسهل مراقبتها وحمايتها. كذلك، لا يتحرك فيلدرز من دون سترة واقية من الرصاص.

مارك روته (رويترز)

تطرف حزب فيلدرز... عامل منفّر لمعظم شركاء الحكم المحتملين

> ذكر بول فيلدرز، الشقيق الأكبر للزعيم الهولندي اليميني المتطرف خيرت فيلدرز، في مقابلة مع مجلة «دير شبيغل» الألمانية قبل سنوات، أن راديكالية شقيقه جاءت تدريجية.

وأوضح بول، الذي ينتقد شقيقه بشكل كبير بسبب تطرفه، أن عيش خيرت في موشاف إسرائيلي، حيث كان شاهداً على التوتر مع الفلسطينيين، ثم انتقاله إلى مدينة أوتريخت الهولندية؛ حيث انتقل أتراك ومغاربة بشكل متكاثر إلى منطقته عبر السنوات، من العوامل التي أسهمت بزيادة تطرفه. ثم أضاف أنه بعد «أحداث 11 سبتمبر (أيلول) واغتيال المخرج تيو فان غوخ بدأ أخوه يكسب صيتاً لنفسه على أنه معادٍ للإسلام ووجد أن هناك متلقين لذلك».

تيو فان غوخ (أ.ب)

من جهة أخرى، حتى قبل أن يصبح فيلدرز قريباً من المشاركة في الحكومة، كان شقيقه بول ينتقد دعواته لحظر القرآن وإقفال المدارس الإسلامية والمساجد. ولقد وصف تلك الدعوات في مقابلته مع «دير شبيغل» بأنها تشكّل خرقاً للدستور الهولندي، وبأن تطبيقها سيكون بحاجة لموافقة غرفتي البرلمان (السلطة التشريعية) وبغالبية كبيرة.

شعار «حزب الحرية»

ومن ثم، يتابع بول فيلدرز القول إنه «بسبب التركيبة السياسية لهولندا، فهو - أي شقيقه خيرت - لن ينجح أبداً في تحقيق ذلك». ويستنتج أنه إذا أراد أن يصبح رئيس حكومة سيكون عليه التفاوض مع عدد من الشركاء للدخول في حكومة ائتلافية أو تشكيل حكومة أقلية، ما يعني أنه «سيضطر إلى تقديم تنازلات وكسر الكثير من الوعود الانتخابية».

وحقاً، تبدو الكثير من أفكار فيلدرز عاملاً سياسياً سلبياً يبعد الأحزاب الأخرى عن التفكير في التحالف معه. ذلك أن أفكاره المتطرفة لا تتوقف فقط عند المسلمين بل تتخطاها إلى مسائل تتعلق بـ«اتفاقية شينغن»؛ حيث يريد - مثلاً - إعادة العمل بنظام تأشيرات العمل حتى للقادمين من داخل الاتحاد الأوروبي، وهو أمر يخالف مبدأ «حرية التحرك» داخل دول الاتفاقية.

ثم إن أفكاره المتطرفة تمتد لتمسّ الاتحاد الأوروبي نفسه، إذ يريد طرح استفتاء على خروج هولندا منه أسوة ببريطانيا. وهو يرى الكثير من القوانين الأوروبية «مقيّدة» لهولندا؛ منها قوانين «التغير المناخي»، الذي لا يؤمن به، كما أنه يسعى إلى وقف الاستثمارات بالطاقة الخضراء الرفيقة بالبيئة وإعادة العمل بالفحم والغاز وغيرهما. بل أكثر من هذا، يؤيد فيلدرز بقوة حتى الانسحاب من «اتفاقية باريس للمناخ» التي كان قد انسحب منها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب. وطبعاً، من الخطط التي تكلّم عنها خلال حملته الانتخابية وخطّها في وثيقة نُشرت على صفحة الحزب وقف قبول اللاجئين، ووقف السماح بازدواجية الجنسية، وتجريد المدانين بجرائم منها وترحيلهم.

أما بالنسبة للحرب الأوكرانية، فيريد خيرت فيلدرز إنهاء الدعم العسكري لأوكرانيا، ووقف كل المساعدات الخارجية المتعلقة بالتنمية. وفيلدرز مثل معظم قيادات اليمين المتطرف في أوروبا يُعد اليوم مقرّباً من موسكو، ويبدي تحمساً لإعادة العلاقات معها كما كانت قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا. وهو غالباً ما يتكلم باستنكار عن وجود عن «فوبيا (رهاب) من روسيا» في أوروبا، ولذا فهو يدعو إلى إعادة علاقات الشراكة مع موسكو عوضاً عن العداوة.

كل هذه الأفكار، بلا شك، صعبة التقبل بالنسبة لأي حزب آخر قد يريد مشاركة اليمين الهولندي المتطرف في الحكومة العتيدة. ومع أن حزب رئيس الوزراء المودّع، مارك روته، نفسه حزب محافظ، وقد لا يعارض نقاطاً تتعلق بالهجرة والحد من المهاجرين واللاجئين، فإن النقاط الأخرى مثل الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، ومعاداة المسلمين، ستجد حتى أكثر الأحزاب المحافظة صعوبة في السير بها.

وفي أي حال، قد تستغرق عملية التشاور لتشكيل حكومة هولندية جديدة أشهراً طويلة. وكانت هولندا قد اضطرت للانتظار نحو السنة قبل تشكيل إحدى الحكومات، علماً بأنه لم يكن آنذاك حزب يميني متطرف «محور» المفاوضات.



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.