تحدّيات الداخل والخارج تُربك الاستقرار السياسي في العراق

بعد سنة على تشكيل حكومة السوداني

محمد شيّاع السوداني مستقبلاً وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن (آ ف ب)
محمد شيّاع السوداني مستقبلاً وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن (آ ف ب)
TT

تحدّيات الداخل والخارج تُربك الاستقرار السياسي في العراق

محمد شيّاع السوداني مستقبلاً وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن (آ ف ب)
محمد شيّاع السوداني مستقبلاً وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن (آ ف ب)

في حين يراهن رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني، وفريقه الحكومي، على الزمن القليل المتبقي لإنجاز عدد من المشروعات الاستراتيجية المهمة، طبقاً لما تعهّد به في المنهاج الوزاري، فإن الاستقرار السياسي الذي شهده العراق، خلال العام الأول للحكومة، بات يواجه الآن سلسلة من التحديات في الداخل والخارج. التحدي الأول، الذي واجه السوداني، بدأ فجر السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي باندلاع حرب غزة (طوفان الأقصى)، الذي كان المؤشر الأول على خلخلة الاستقرار السياسي عبر الهدنة غير المكتوبة بين الحكومة وقوى «الإطار التنسيقي» الشيعي المشكلة لها، وبين الفصائل العراقية المسلَّحة القريبة من إيران. ويذكر أن السوداني، وهو مهندس زراعي عمل، في زمن النظام السابق الذي أعدم والده بتهمة الانتماء إلى حزب الدعوة، مديراً لفرع الزراعة في مسقط رأسه محافظة ميسان. وبعد احتلال العراق عام 2003 من قِبل الولايات المتحدة الأميركية، شغل مناصب رفيعة بدأت بتولّيه منصب قائمقام، ثم عُيّن محافظاً لميسان، فوزيراً لنحو 5 وزارات، قبل أن يتولى يوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) 2022 منصب رئيس الوزراء، على أثر تغلُّبه على نحو 14 مرشحاً من جيل «القادة الشباب» الشيعة.

يوصَف رئيس الوزراء العراقي، محمد شيّاع السوداني، بأنه إداري ناجح وحازم، ولم تظهر عليه، طوال فترة تولّيه مناصبه الوزارية، أي مؤشّرات فساد، بل يرى راصدو مسيرته أنه أظهر، بعد تولّيه رئاسة الوزراء، قدرات سياسية لافتة عبر التعامل مع ملفات سياسية واقتصادية طرحها بقوة عبر ما سمّاه «الدبلوماسية المنتجة».

وعلى الرغم من أن التحدي السياسي الأول الذي كانت كل التوقعات تشير إلى أنه سيواجهه، هو انسحاب «التيار الصدري»، بزعامة رجل الدين الشيعي الشاب والراديكالي مقتدى الصدر، فإن المفاجأة التي لم يكن يتوقّعها أحد هو صمت الصدر وتياره عن استهداف السوداني وحكومته، إذ استمر الصمت بينما لم تتوقف الانتقادات الحادّة التي دأب الصدر على توجيهها إلى قيادات «الإطار التنسيقي» الشيعي، الذي يُعدّ الكتلة البرلمانية الأكبر حجماً التي شُكلت منها حكومة السوداني.

أكثر من هذا، مع أن الصدر ذهب بعيداً في إطلاق الأوصاف على «الإطار التنسيقي»، بما في ذلك إطلاق لقب «بني العباس» على قيادات تلك الكتلة، فإنه لم يوجه أي نقد مباشر للسوداني وحكومته. وللعلم، كان الصدر، قبل انسحابه المدوّي من البرلمان في شهر يونيو (حزيران) 2022، قد خاض مع قوى «الإطار التنسيقي» معركة بدت وكأنها «معركة كسر عظم» داخل «المنطقة الخضراء»، وأعلن على الأثر انسحابه الكامل من العملية السياسية.

ازدحام وسط العاصمة العراقية بغداد (آ ف ب)

نار تحت الرماد

في أية حال، انسحاب الصدر وتياره، وما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات، بقي بمثابة «نار تحت الرماد» تهدّد الحكومة التي شكّلها «الإطار التنسيقي» الشيعي بوصفه الكتلة البرلمانية الأكثر نواباً، وبعد ذلك تحالف مع حلفاء الصدر السابقين ضمن تحالف «إنقاذ وطن»، وهما «الحزب الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني، وحزب «تقدّم» بزعامة محمد الحلبوسي. غير أنه طوال سنة كاملة لم يكن هناك أي احتكاك بين جمهور الصدر العريض، وبين الحكومة أو داعميها، وفي مقدمتهم ائتلاف «إدارة الدولة» الذي أصبح أكبر كتلة داعمة لحكومة السوداني في البرلمان بعدد نواب يبلغ 180 نائباً من مجموع أعضاء البرلمان العراقي، البالغ عددهم 329 عضواً.

التحدي الثاني

أما التحدي الثاني، الذي كان متوقعاً، والذي كانت تتحسّب له قوى «الإطار التنسيقي» من خَصمها القوي التيار الصدري وزعيمه، بدا بمثابة تحدٍّ مؤجَّل حتى حان وقت تفعيله قبل أقل من شهر، وعندها تحوَّل إلى البند الثاني في سلسلة التحديات التي تواجه حكومة السوداني وداعميها. فالقوى السياسية التي بدا أنها استفادت من انسحاب الصدر، ومن ثم صمته، وفي مقدمتها خصومه الشيعة (أي قوى الإطار التنسيقي) عملت بقوة على تأخير إجراء الانتخابات البرلمانية، والتركيز على الانتخابات البديلة التي هي مجالس المحافظات.

هذه المجالس، التي توقّف العمل بها منذ نحو 7 سنوات، أعادتها إلى العمل «المحكمة الاتحادية العليا»، مع أن إلغاءها كان أحد مطالب التظاهرات الجماهيرية الكبرى التي اندلعت في العراق، في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019، والتي أدت، في وقت لاحق، إلى إسقاط حكومة عادل عبد المهدي. إلا أن «المحكمة الاتحادية» أفتت فيما بعد بجواز عودتها بوصفها واردة بالنص في الدستور العراقي.

والواقع أن تأجيل الانتخابات البرلمانية بدا خياراً أساسياً لمعظم القوى السياسية، ولا سيما الشيعية منها، التي حصلت على 73 مقعداً إضافياً بعد انسحاب الصدر، وهو ما لا يمكنها الحصول عليه في حال أُجريت انتخابات جديدة. وبناءً عليه، رأت هذه القوى أن مِن مصلحتها إجراء انتخابات المجالس المحلية لكي تهيمن على الحكم المحلي بالكامل، عبر هيمنتها على مجالس المحافظات، بما في ذلك إقصاء عدد من المحافظين الذين لم يدخلوا في معطف أي من هذه القوى.

لذا غَدَت الرهانات المتقابلة والتداعيات المحتملة، مع اقتراب موعد إجراء تلك الانتخابات يوم 18 ديسمبر (كانون الأول) 2023 الحالي، ثم مع إعلان الصدر لجمهوره بمقاطعة تلك الانتخابات، التحدي الثاني أمام حكومة السوداني. أضف إلى ذلك أن الحكومة تُعِد العُدة بعد أقل من شهرين من قطف ثمار عدد من المشروعات المهمة التي أمكنها إنجازها، ومن بينها عدد من مشروعات فك الاختناقات المرورية في العاصمة بغداد، التي تحوّلت الآن إلى ورشة عمل من أجل إكمال تلك المشروعات.

في المقابل، مع أنه لا توجد مؤشرات على إمكانية إقدام «التيار الصدري» بتصعيد قد يؤدي إلى عرقلة إجرء تلك الانتخابات، تظل المخاوف قائمة من إمكانية حصول أمر قد يؤدي إلى خلط الأوراق، وربما يضع الحكومة في مأزق سياسي لا تريد الوقوع فيه، ما دامت تجد نفسها قطعت شوطاً مهماً على صعيد إنجاز ما وعدت به الناس.

أمر آخر مهم هو أنه بينما تُراهن الحكومة على إحجام الصدر عن محاولة عرقلة هذا المسار، وهو الذي يرفع شعار الإصلاح ومحاربة الفاسدين الذي تقول الحكومة الحالية إنها تلتزم به، فإن خصوم الصدر في قوى «الإطار التنسيقي» ليسوا مطمئنين إلى إمكانية سماحه لهم بالهيمنة على مجالس المحافظات، كما هيمنوا على البرلمان بعد انسحابه.

ومن ثم، فبين الرهانات على ألا يحصل عرقلات وتسير الانتخابات بصورة طبيعية... وبين التداعيات المحتملة لأية عرقلة قد تعني اضطرار الحكومة لتطبيق القانون الضعيف أصلاً في العراق، تجد حكومة السوداني نفسها أمام مأزق سياسي على صعيد مواجهة هذا التحدي.

الفصائل أم «أمراء الحرب»؟

وأخيراً نصل إلى التحدي الثالث.

التحدي الثالث الذي بات يواجه حكومة السوداني، بل مجمل الأوضاع العامة في العراق - سياسياً واقتصادياً - هو المتغيّر الذي لم يكن محسوباً حتى يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عندما اندلعت حرب غزة وبدأت الفصائل العراقية المسلّحة تتحرك، بعد «هدنة» استمرت أكثر من سنة.

هذه «الهدنة» كانت قد جعلت الحكومة تشرع في اتخاذ مزيد من الإجراءات على صعيد تطبيق البرنامج الحكومي. ومع أن موقف الفصائل المسلَّحة حيال الوجود الأميركي في العراق، وطريقة التعامل معه بعد أحداث غزة، ما كان موحّداً... فإنه أضحى الآن موضع قلق، وبالأخص، لجهة الرد الأميركي المحتمل ضد هذه الفصائل، أو الحكومة العراقية بشكل عام، أو كيفية احتواء الأزمة في حال حصلت تداعيات في الشارع.

حقيقة الأمر أن العراق الآن على مشارف انتخابات محلية تبدو مصيرية لغالبية القوى السياسية. والفصائل التي أعلنت أنها «حرّرت العراق عسكرياً»، طبقاً لبيان صَدَر عن قيادة إحدى هذه الفصائل - وهي «النجباء» - بدأت بقصف القواعد الأميركية في العراق، بينما تكرر الحكومة العراقية تحمُّلها مسؤوليتها حيال حماية البعثات الدبلوماسية والمستشارين الأميركيين الموجودين في العراق بطلب من الحكومة العراقية. وما يجدر ذكره، في هذا السياق، أنه بينما بَدَت الفصائل المسلَّحة التي لديها تمثيل سياسي في البرلمان والحكومة مثل «عصائب أهل الحق»، و«بدر»، وغيرها أكثر انسجاماً مع موقف الحكومة، يلاحَظ أن فصائل أخرى تلتزم بموقف الحكومة؛ أبرزها «النجباء»، و«كتائب حزب الله»، و«كتائب سيد الشهداء»... وفصائل أخرى تحت عناوين وذرائع مختلفة.

في ضوء هذا الواقع، لعل الانقسام الحاصل بين الفصائل التي تؤيد موقف الحكومة حيال حرب غزة، فضلاً عن تأكيدها الدائم حماية البعثات الدبلوماسية والتحالف الدولي في العراق، والفصائل التي أعلنت الحرب على الأميركيين داخل العراق، شجع مستشار رئيس الوزراء للشؤون الخارجية على تصنيف بعض قادة هذه الفصائل «أمراء حرب»، وهذه تسمية جديدة ما كانت تُستخدم في السابق.

وفي مقابل ما ذُكر، فإن حكومة السوداني أدانت أخيراً عملية قصف الطيران الحربي الأميركي مواقع عدد من هذه الفصائل في منطقة جرف الصخر، جنوب بغداد، لكن اللافت أن تلك الإدانة لم ترْقَ إلى مستوى تقديم الإحتجاج الرسمي، مثلما علّقت أطراف عراقية مناوئة للوجود الأميركي في العراق. ذلك أن «اللغة الدبلوماسية» التي كُتب بها البيان بدقة وعناية بدت كما لو كانت تسير على حبل مشدود بين واشنطن من جهة، والفصائل المسلّحة من جهة أخرى. وربما يفسَّر هذا الأمر بتأكيد الحكومة العراقية المستمر حاجتها إلى التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، فضلاً عن تمسك الحكومة باتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقَّعة بين بغداد وواشنطن عام 2008.

من جانب آخر، لا تستطيع الحكومة المُضي قدماً باتجاه مزيد من التصعيد مع هذه الفصائل؛ لأسباب عاطفية تتصل مرةً بالحرب في غزة، ومرة ثانية بتداخل المواقف بين ما يتخذه العراق من إجراءات لدعم الشعب الفلسطيني، وموقفه من الوجود الأميركي في العراق، وهذا على الرغم من الانحياز الأميركي الكامل لإسرائيل في أحداث غزة.

وحقاً، اكتفت اللهجة التي تضمّنها البيان الحكومي العراقي بما هو وارد في بيانات ذات لمسة دبلوماسية معتادة بين الدول... حتى وإن بَدَت شديدة أحياناً، ذلك أن البيان يقول: «ندين بشدة الهجوم الذي استهدف منطقة جُرف الصخر، والذي جرى دون علم الجهات الحكومية العراقية؛ ما يُعدّ انتهاكاً واضحاً للسيادة، ومحاولة للإخلال بالوضع الأمني الداخلي المستقر، فالحكومة العراقية هي المَعنية حصراً بتنفيذ القانون، ومحاسبة المخالفين». وهنا، القول بأن الهجوم وقع دون علم الحكومة العراقية بدا رسالة احتجاج لواشنطن، فمن جهة يثير مسألة أنه وقع دون علمها رغم أن اتفاقية الإطار الإستراتيجي تُلزمها بذلك. ومن جانب آخر، بدا أشبه برسالة «طمانة» للفصائل المسلَّحة بأن الحكومة لم تمنح واشنطن «الضوء الأخضر» بأي شكل من الأشكال، وهو ما عدّته انتهاكاً للسيادة.

ليس هذا فحسب، بل إن البيان الحكومي كان قد كرَّر الترحيب بالتحالف الدولي، في سياق القول إن «وجود التحالف الدولي في العراق هو وجود داعم لعمل قواتنا المسلَّحة عبر مسارات التدريب والتأهيل وتقديم الاستشارة، وأن ما جرى يُعدّ تجاوزاً واضحاً للمهمة التي توجد من أجلها عناصر التحالف الدولي لمحاربة (داعش) على الأراضي العراقية؛ لذلك فإنها مدعوّة إلى عدم التصرف بشكل منفرد، وأن تلتزم سيادة العراق التي لا تهاون إزاء خرقها بأي شكل كان».

فؤاد حسين (رويترز)

تعايش حرج ومحيّر بين سلطات بغداد والوجود العسكري الأميركي

> في حالات ومواقف كتلك التي يشهدها العراق، غالباً ما تُصدر القوى السياسية بيانات هي الأقرب لما يمكن تسميته «إسقاط الفرض» أكثر مما يعبر عن حقيقة مواقفها، وذلك ما دامت الحاجة قائمة للتعبير عن مواقف معينة أمام وسائل الإعلام والرأي العام.

وبناء عليه، فإن البيانات التي صدرت أخيراً عن عدد من القيادات العراقية الشيعية تحديداً، تراوحت بين أمرين:

- شدة اللهجة عبر تكرار الدعوة للحكومة بتنفيذ قرار البرلمان الصادر عام 2020 بإخراج القوات الأميركية من البلاد.

- محاولة التوفيق بين التنديد والدبلوماسية.

هادي العامري، زعيم تحالف «الفتح»، وقيس الخزعلي زعيم «عصائب أهل الحق»، كانا في طليعة الداعين إلى إخراج الأميركيين. وهذه الدعوة تكررت عشرات المرات، طوال السنوات الماضية. وفي المقابل، حاول زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي - ولا يزال - بين التنديد وبين ترك مساحة للعمل الدبلوماسي، وهذا ما ظهر عبر تأكيده، في البيان الذي أصدره، أن «الحكومة العراقية ملتزمة بحماية البعثات الدبلوماسية»، وهو ما يعني أن التعهد قائم لجهة حماية البعثات، ولكن ليس بالضرورة القواعد التي يتمركز فيها الأميركيون.

أما على صعيد البعثات الدبلوماسية، فإن السفارة الأميركية، التي تحتل المساحة الأكبر داخل «المنطقة الخضراء» المحصَّنة والمُطلّة على نهر دجلة، لم تتعرض لأي قصف من أي نوع، طوال فترة التصعيد الأخيرة، ثم إن السفارة نفسها لم تُطلق، ولو من باب التجريب، منظومة «سيرام» التي تحمي مقر السفارة، مثلما كانت تفعل سابقاً حين كانت هدفاً للفصائل التي كانت تنفي مسؤوليتها وعلمها بتلك الضربات، ولا سيما أيام حكومة رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي.

من جهته، بدا وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين حائراً حين استقبل السفيرة الأميركية في بغداد، إلينا رومانسكي، بل إن رومانسكي بدت هي الأخرى حائرة في كيفية التعامل مع أزمة التصعيد الأخيرة، بعدما وسّعت الفصائل المسلَّحة نطاق هجماتها، وإن كانت لم تطاول السفارة، ولا سيما، بعدما وسّعت واشنطن، في مقابل ذلك، نطاق الضربات لتصل إلى عقر دار تلك الفصائل.

الوزير حسين، وفق البيان الذي صدر عقب لقائه مع السفيرة رومانسكي، لم يُسلّمها رسالة احتجاج دبلوماسية، وهذا جانب أخذه عليه عدد من الأطراف السياسية العراقية المقرَّبة من الفصائل، ما يوحي بأن بغداد، وإن كانت قد أدانت الهجمات، فإن لهجتها الدبلوماسية لم تبلغ حد الاحتجاج الرسمي. والحقيقة أن البيان، الذي صدر، الخميس الماضي، اكتفى بالقول إن وزير الخارجية فؤاد حسين أكد رفض بلاده «التصعيد الأميركي الأخير»، المتمثل بقصف موقعين تابعين للفصائل المسلَّحة ضمن «الحشد الشعبي»، معتبراً ذلك «تجاوزاً لسيادة العراق». وهذا بينما هاجمت الفصائل مجدداً قاعدة حرير، التي تضم جنوداً أميركيين في أربيل بإقليم كردستان. وجاء في نص البيان أن «الوزير أكد للسفيرة رفضه التصعيد الأخير الذي شهدته الساحة العراقية، خلال اليومين الماضيين». وشدد على أنه «تصعيد خطير، وفيه تجاوز على السيادة العراقية، التي نلتزم بصونها وحفظها، وفق الواجبات الدستورية والقانونية للحكومة». وأكد «إدانة حكومة العراق الهجوم الذي استهدف منطقة جُرف الصخر، والذي جرى دون علم الجهات الحكومية العراقية»، عادّاً ذلك انتهاكاً واضحاً للسيادة العراقية، وأنه «مرفوض بالاستناد للسيادة الدستورية العراقية والقانون الدولي».‏



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.