المعارضون السوريون يواجهون واقعاً جديداً وسط الغارات الجوية الروسية

تحذيرات من أن يؤدي التدخل العسكري الروسي إلى تعزيز قوة المتطرفين على حساب المعتدلين

أحد العاملين في الدفاع المدني ينتزع قنبلة لم تنفجر سقطت من الطيران الروسي في قرية معصران بريف إدلب شمال سوريا (رويترز)
أحد العاملين في الدفاع المدني ينتزع قنبلة لم تنفجر سقطت من الطيران الروسي في قرية معصران بريف إدلب شمال سوريا (رويترز)
TT

المعارضون السوريون يواجهون واقعاً جديداً وسط الغارات الجوية الروسية

أحد العاملين في الدفاع المدني ينتزع قنبلة لم تنفجر سقطت من الطيران الروسي في قرية معصران بريف إدلب شمال سوريا (رويترز)
أحد العاملين في الدفاع المدني ينتزع قنبلة لم تنفجر سقطت من الطيران الروسي في قرية معصران بريف إدلب شمال سوريا (رويترز)

واصلت جماعات المعارضة السورية، التي تعرف بكونها مدعومة من الولايات المتحدة، قتالها ضد الجيش النظامي السوري خارج مدينة حماه لعدة شهور، غير أن لاعبا جديدا قد انضم إلى الحلبة، وهو المقاتلات الحربية الروسية، التي تكررت غاراتها لقصف المواقع الأمامية للجماعة المتمردة، متبوعة بضربات جوية من المقاتلات التابعة للنظام السوري.
وخلقت الحملة الجوية الروسية، التي تعبر أسبوعها الأول، واقعا جديدا بالنسبة للمعارضة السورية، حيث يقول المقاتلون إن الهدف من تلك الغارات الجوية هو إضعاف قوات المعارضة في مواجهة قوات بشار الأسد، وليس فقط سحق قوات تنظيم داعش وغيره من المسلحين المتطرفين كما تزعم موسكو.
وتمكنت الغارات الجوية الروسية، الأقوى بطبيعة الحال من مثيلاتها السورية، من ضرب مواقع مهمة على عدة جبهات رئيسية، حتى إنها هاجمت قواعد المعارضة على طول الحدود السورية التركية، وهي المنطقة التي اعتبرتها المعارضة آمنة بصورة نسبية نظرا لتجنب القوات الجوية السورية الطيران فيها.
تحتم إثر ذلك على عدد من فصائل المعارضة، من المعتدلين والمتطرفين والراديكاليين على حد سواء، إخلاء بعض قواعدهم ونقل الأسلحة ومخازن الذخيرة، وفقا لتصريحات بعض نشطاء المعارضة وقادتها. ويطالبون الآن جهات الدعم الإقليمي، مثل دول الخليج العربي وتركيا، بتعزيز إسنادهم بما في ذلك توفير المزيد من الأسلحة المتطورة مثل الصواريخ المضادة للطائرات.
ويحذر الكثير من المراقبين من أن التدخل العسكري الروسي من شأنه تعزيز قوة المتطرفين، من شاكلة تنظيم داعش والفرع التابع لتنظيم القاعدة في سوريا، عن طريق حشد الناس إلى صفوفهم، في الوقت الذي تتعرض فيه القوات المتمردة المعتدلة للمزيد من الإضعاف بالفعل.
يقول اللواء جميل الصالح، قائد «تجمع العزة»، إنه تعين على قواته إعادة الانتشار في مناطق آمنة بعد تعرض 22 فردا منها للإصابة المباشرة إثر الغارات الجوية الروسية، لكنهم لم ينسحبوا من خطوط المواجهة في بلدة اللطامنة إلى الشمال من حماه. وكانت الغارات الجوية تهدف بمنتهى الوضوح إلى نقل تلك المنطقة لسيطرة الحكومة السورية، كما أفاد اللواء الصالح.
وتابع اللواء الصالح، الذي انشق عن الجيش النظامي السوري، قائلا لوكالة «أسوشييتد برس» الإخبارية: «يود النظام السوري لو أنه تمكن من استعادة تلك المنطقة بعد الخسائر الفادحة التي مني بها هناك». وأضاف أن الجيش السوري النظامي يبغي تحقيق أي انتصارات عسكرية من أجل «رفع الروح المعنوية لقوات النظام والشبيحة»، في إشارة إلى وحدات الميليشيات الموالية للنظام الحاكم.
وتعد روسيا هي الحليف الأقدم لنظام بشار الأسد، وتصر في مزاعمها على أن حملتها الجوية الأخيرة ليس الهدف منها إلا سحق المسلحين المتشددين. وتقول إنها تستهدف مواقع تنظيم داعش وغيره من الجماعات المتطرفة مثل جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، والجماعات ذات النزعة المتشددة على غرار «أحرار الشام». ونالت بعض الغارات الجوية بالفعل من المواقع التابعة لتنظيم داعش. فقد صرح يوم الثلاثاء الماضي المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي يراقب تطورات الحرب في سوريا عن كثب، بأن المقاتلات الروسية نفذت خلال الساعات الـ24 الماضية 34 غارة جوية في وحول مدينة تدمر السورية، والتي تخضع الآن لسيطرة تنظيم داعش، كما نفذت غارات أخرى خارج مدينة الرقة التي يتخذ منها التنظيم الإرهابي عاصمة له.
غير أن أحد النشطاء التابعين للتنظيم الإرهابي نفى وقوع أي إصابات جراء الغارات الروسية على مواقع التنظيم. وأضاف متحدثا عبر «سكايب» بغير الكشف عن هويته: «إننا نستفيد كثيرا من تلك الحرب ومن تحالفات أعدائنا».
ركزت القوات الروسية، عبر أكثر من 100 طلعة جوية منذ يوم الاثنين الماضي، على محافظة إدلب الواقعة إلى شمال غربي البلاد، وعلى مدينتي حمص وحماه الرئيسيتين، أي كل المناطق الاستراتيجية للقتال ما بين قوات المعارضة والقوات الحكومية. ويقول المرصد السوري لحقوق الإنسان إن أغلب الغارات الجوية وجهت ضرباتها إلى مواقع جيش الفتح، وهو التنظيم الكبير الذي تنضوي تحته جبهة النصرة وقوات أخرى ذات آيديولوجيات إسلامية، كما يضم بعض الفصائل المعتدلة الأخرى، مثل الجيش السوري الحر المدعوم من الغرب.
وأكدت ماريا زاخاروفا، المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية، يوم الثلاثاء أن الحملة الجوية لبلادها في سوريا لا تستهدف إلا مواقع الجماعات المتطرفة فقط. غير أنها أشارت في معرض كلامها إلى أن الحملة الجوية تشمل كذلك طيفا واسعا من الفصائل تحت ذلك التصنيف. وأضافت من موسكو: «تلك الجماعات ذات طبيعة مائعة وتختلف توجهاتها باختلاف الأوقات. فإذا كان العنصر يتحدث مثل الإرهابيين، ويتصرف مثلهم، ويقاتل مثلهم، فهو إرهابي لا محالة»، مشيرة إلى عبارة كان رئيسها سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، قد استخدمها الأسبوع الماضي في الأمم المتحدة.
أما وليد المعلم، وزير الخارجية السوري، فقد أشار خلال مقابلة أذيعت يوم الاثنين الماضي عبر قناة «الميادين» ومقرها بيروت، إلى قرارات مجلس الأمن الدولي التي تدين تنظيم داعش الإرهابي، وجبهة النصرة، والجماعات الموالية لتنظيم القاعدة، من واقع أنها تعتبر مبررا كافيا لاستهدافها بواسطة الحملة الجوية الروسية، على الرغم من أن تلك القرارات الأممية لا تخول استخدام القوة العسكرية ضد تلك التنظيمات.
وقال المعلم خلال المقابلة «إذا وجهت الضربات ضد (داعش)، أو جبهة النصرة، أو أحرار الشام، فما زلنا نعمل ضمن قرارات مجلس الأمن الدولي». غير أن القرار الأممي لا يذكر جماعة «أحرار الشام» على وجه التحديد، لكن الحكومة السورية تتعامل مع كل الفصائل المتمردة من واقع أنها جماعات «إرهابية». وأشار إلى أن حكومته كانت تتبع الحجة الدافعة بأن مجموعة كبيرة من الجماعات تعتبر من زاوية النظام الحاكم أهدافا محتملة بموجب القرارات الأممية.
ونقلت صحيفة «الأخبار» اللبنانية وثيقة الصلة بالحكومة السورية عن مسؤول عسكري سوري كبير لم تكشف عن هويته قوله: «إن كل من يحمل السلاح في وجه الجيش السوري هو من الأهداف المحتملة» بالنسبة للجانب الروسي. وتابع بقوله إن الضربات الجوية كانت تستهدف مواقع المتمردين في المناطق التي تربط أقاليم إدلب وحماه وحمص، وإن الحملة الجوية نجحت في تأمين اللاذقية - المدينة الساحلية والإقليم الذي يعد معقل الأسد ومعقل الطائفة العلوية المتفرعة عن الشيعة.
وقال اللواء المتقاعد هشام جابر من الجيش اللبناني، والمطلع على الشأن العسكري السوري، إن هدف الحملة الجوية الروسية هو تطهير المنطقة المركزية من المعارضين لحماية المناطق الساحلية من خطرهم. وأضاف أن الجيش السوري سوف ينتقل لاحقا إلى العمليات البرية، تحت الغطاء الجوي الروسي. ويدرك الجانب الروسي أنه لا يمكنه استعادة وضعية نظام الأسد على ما كان عليه قبل الحرب، كما تابع يقول: «إنهم يريدون للجانب السوري الجلوس إلى طاولة المفاوضات واقفا على رجليه وليس جالسا على كرسي متحرك».
وتتبع الغارات الجوية السورية مثيلاتها الروسية في المناطق نفسها، كما يقول النشطاء. غير أن الغارات الروسية، على الرغم من ذلك، تعتبر أكثر قوة وعنفا من السورية. وقال أسعد كنجو، وهو ناشط من الشمال ويعيش في تركيا، إن الروس يستخدمون معلومات الاستهداف التي تستخدمها الحكومة السورية نفسها.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.