المعارضون السوريون يواجهون واقعاً جديداً وسط الغارات الجوية الروسية

تحذيرات من أن يؤدي التدخل العسكري الروسي إلى تعزيز قوة المتطرفين على حساب المعتدلين

أحد العاملين في الدفاع المدني ينتزع قنبلة لم تنفجر سقطت من الطيران الروسي في قرية معصران بريف إدلب شمال سوريا (رويترز)
أحد العاملين في الدفاع المدني ينتزع قنبلة لم تنفجر سقطت من الطيران الروسي في قرية معصران بريف إدلب شمال سوريا (رويترز)
TT

المعارضون السوريون يواجهون واقعاً جديداً وسط الغارات الجوية الروسية

أحد العاملين في الدفاع المدني ينتزع قنبلة لم تنفجر سقطت من الطيران الروسي في قرية معصران بريف إدلب شمال سوريا (رويترز)
أحد العاملين في الدفاع المدني ينتزع قنبلة لم تنفجر سقطت من الطيران الروسي في قرية معصران بريف إدلب شمال سوريا (رويترز)

واصلت جماعات المعارضة السورية، التي تعرف بكونها مدعومة من الولايات المتحدة، قتالها ضد الجيش النظامي السوري خارج مدينة حماه لعدة شهور، غير أن لاعبا جديدا قد انضم إلى الحلبة، وهو المقاتلات الحربية الروسية، التي تكررت غاراتها لقصف المواقع الأمامية للجماعة المتمردة، متبوعة بضربات جوية من المقاتلات التابعة للنظام السوري.
وخلقت الحملة الجوية الروسية، التي تعبر أسبوعها الأول، واقعا جديدا بالنسبة للمعارضة السورية، حيث يقول المقاتلون إن الهدف من تلك الغارات الجوية هو إضعاف قوات المعارضة في مواجهة قوات بشار الأسد، وليس فقط سحق قوات تنظيم داعش وغيره من المسلحين المتطرفين كما تزعم موسكو.
وتمكنت الغارات الجوية الروسية، الأقوى بطبيعة الحال من مثيلاتها السورية، من ضرب مواقع مهمة على عدة جبهات رئيسية، حتى إنها هاجمت قواعد المعارضة على طول الحدود السورية التركية، وهي المنطقة التي اعتبرتها المعارضة آمنة بصورة نسبية نظرا لتجنب القوات الجوية السورية الطيران فيها.
تحتم إثر ذلك على عدد من فصائل المعارضة، من المعتدلين والمتطرفين والراديكاليين على حد سواء، إخلاء بعض قواعدهم ونقل الأسلحة ومخازن الذخيرة، وفقا لتصريحات بعض نشطاء المعارضة وقادتها. ويطالبون الآن جهات الدعم الإقليمي، مثل دول الخليج العربي وتركيا، بتعزيز إسنادهم بما في ذلك توفير المزيد من الأسلحة المتطورة مثل الصواريخ المضادة للطائرات.
ويحذر الكثير من المراقبين من أن التدخل العسكري الروسي من شأنه تعزيز قوة المتطرفين، من شاكلة تنظيم داعش والفرع التابع لتنظيم القاعدة في سوريا، عن طريق حشد الناس إلى صفوفهم، في الوقت الذي تتعرض فيه القوات المتمردة المعتدلة للمزيد من الإضعاف بالفعل.
يقول اللواء جميل الصالح، قائد «تجمع العزة»، إنه تعين على قواته إعادة الانتشار في مناطق آمنة بعد تعرض 22 فردا منها للإصابة المباشرة إثر الغارات الجوية الروسية، لكنهم لم ينسحبوا من خطوط المواجهة في بلدة اللطامنة إلى الشمال من حماه. وكانت الغارات الجوية تهدف بمنتهى الوضوح إلى نقل تلك المنطقة لسيطرة الحكومة السورية، كما أفاد اللواء الصالح.
وتابع اللواء الصالح، الذي انشق عن الجيش النظامي السوري، قائلا لوكالة «أسوشييتد برس» الإخبارية: «يود النظام السوري لو أنه تمكن من استعادة تلك المنطقة بعد الخسائر الفادحة التي مني بها هناك». وأضاف أن الجيش السوري النظامي يبغي تحقيق أي انتصارات عسكرية من أجل «رفع الروح المعنوية لقوات النظام والشبيحة»، في إشارة إلى وحدات الميليشيات الموالية للنظام الحاكم.
وتعد روسيا هي الحليف الأقدم لنظام بشار الأسد، وتصر في مزاعمها على أن حملتها الجوية الأخيرة ليس الهدف منها إلا سحق المسلحين المتشددين. وتقول إنها تستهدف مواقع تنظيم داعش وغيره من الجماعات المتطرفة مثل جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، والجماعات ذات النزعة المتشددة على غرار «أحرار الشام». ونالت بعض الغارات الجوية بالفعل من المواقع التابعة لتنظيم داعش. فقد صرح يوم الثلاثاء الماضي المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي يراقب تطورات الحرب في سوريا عن كثب، بأن المقاتلات الروسية نفذت خلال الساعات الـ24 الماضية 34 غارة جوية في وحول مدينة تدمر السورية، والتي تخضع الآن لسيطرة تنظيم داعش، كما نفذت غارات أخرى خارج مدينة الرقة التي يتخذ منها التنظيم الإرهابي عاصمة له.
غير أن أحد النشطاء التابعين للتنظيم الإرهابي نفى وقوع أي إصابات جراء الغارات الروسية على مواقع التنظيم. وأضاف متحدثا عبر «سكايب» بغير الكشف عن هويته: «إننا نستفيد كثيرا من تلك الحرب ومن تحالفات أعدائنا».
ركزت القوات الروسية، عبر أكثر من 100 طلعة جوية منذ يوم الاثنين الماضي، على محافظة إدلب الواقعة إلى شمال غربي البلاد، وعلى مدينتي حمص وحماه الرئيسيتين، أي كل المناطق الاستراتيجية للقتال ما بين قوات المعارضة والقوات الحكومية. ويقول المرصد السوري لحقوق الإنسان إن أغلب الغارات الجوية وجهت ضرباتها إلى مواقع جيش الفتح، وهو التنظيم الكبير الذي تنضوي تحته جبهة النصرة وقوات أخرى ذات آيديولوجيات إسلامية، كما يضم بعض الفصائل المعتدلة الأخرى، مثل الجيش السوري الحر المدعوم من الغرب.
وأكدت ماريا زاخاروفا، المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية، يوم الثلاثاء أن الحملة الجوية لبلادها في سوريا لا تستهدف إلا مواقع الجماعات المتطرفة فقط. غير أنها أشارت في معرض كلامها إلى أن الحملة الجوية تشمل كذلك طيفا واسعا من الفصائل تحت ذلك التصنيف. وأضافت من موسكو: «تلك الجماعات ذات طبيعة مائعة وتختلف توجهاتها باختلاف الأوقات. فإذا كان العنصر يتحدث مثل الإرهابيين، ويتصرف مثلهم، ويقاتل مثلهم، فهو إرهابي لا محالة»، مشيرة إلى عبارة كان رئيسها سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، قد استخدمها الأسبوع الماضي في الأمم المتحدة.
أما وليد المعلم، وزير الخارجية السوري، فقد أشار خلال مقابلة أذيعت يوم الاثنين الماضي عبر قناة «الميادين» ومقرها بيروت، إلى قرارات مجلس الأمن الدولي التي تدين تنظيم داعش الإرهابي، وجبهة النصرة، والجماعات الموالية لتنظيم القاعدة، من واقع أنها تعتبر مبررا كافيا لاستهدافها بواسطة الحملة الجوية الروسية، على الرغم من أن تلك القرارات الأممية لا تخول استخدام القوة العسكرية ضد تلك التنظيمات.
وقال المعلم خلال المقابلة «إذا وجهت الضربات ضد (داعش)، أو جبهة النصرة، أو أحرار الشام، فما زلنا نعمل ضمن قرارات مجلس الأمن الدولي». غير أن القرار الأممي لا يذكر جماعة «أحرار الشام» على وجه التحديد، لكن الحكومة السورية تتعامل مع كل الفصائل المتمردة من واقع أنها جماعات «إرهابية». وأشار إلى أن حكومته كانت تتبع الحجة الدافعة بأن مجموعة كبيرة من الجماعات تعتبر من زاوية النظام الحاكم أهدافا محتملة بموجب القرارات الأممية.
ونقلت صحيفة «الأخبار» اللبنانية وثيقة الصلة بالحكومة السورية عن مسؤول عسكري سوري كبير لم تكشف عن هويته قوله: «إن كل من يحمل السلاح في وجه الجيش السوري هو من الأهداف المحتملة» بالنسبة للجانب الروسي. وتابع بقوله إن الضربات الجوية كانت تستهدف مواقع المتمردين في المناطق التي تربط أقاليم إدلب وحماه وحمص، وإن الحملة الجوية نجحت في تأمين اللاذقية - المدينة الساحلية والإقليم الذي يعد معقل الأسد ومعقل الطائفة العلوية المتفرعة عن الشيعة.
وقال اللواء المتقاعد هشام جابر من الجيش اللبناني، والمطلع على الشأن العسكري السوري، إن هدف الحملة الجوية الروسية هو تطهير المنطقة المركزية من المعارضين لحماية المناطق الساحلية من خطرهم. وأضاف أن الجيش السوري سوف ينتقل لاحقا إلى العمليات البرية، تحت الغطاء الجوي الروسي. ويدرك الجانب الروسي أنه لا يمكنه استعادة وضعية نظام الأسد على ما كان عليه قبل الحرب، كما تابع يقول: «إنهم يريدون للجانب السوري الجلوس إلى طاولة المفاوضات واقفا على رجليه وليس جالسا على كرسي متحرك».
وتتبع الغارات الجوية السورية مثيلاتها الروسية في المناطق نفسها، كما يقول النشطاء. غير أن الغارات الروسية، على الرغم من ذلك، تعتبر أكثر قوة وعنفا من السورية. وقال أسعد كنجو، وهو ناشط من الشمال ويعيش في تركيا، إن الروس يستخدمون معلومات الاستهداف التي تستخدمها الحكومة السورية نفسها.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.