سينما شانتال أكرمان التي أخرجت أفلامها بأنفاسها

أفلامها لا تنضوي تحت شروط السرد الروائي ولكنها لا تنتمي إلى التسجيل أيضاً

شانتال أكرمان،  من «جين ديلمان» أحد أفلام أكرمان الأولى
شانتال أكرمان، من «جين ديلمان» أحد أفلام أكرمان الأولى
TT

سينما شانتال أكرمان التي أخرجت أفلامها بأنفاسها

شانتال أكرمان،  من «جين ديلمان» أحد أفلام أكرمان الأولى
شانتال أكرمان، من «جين ديلمان» أحد أفلام أكرمان الأولى

شانتال أكرمان، المخرجة التي اعتدنا اعتبارها فرنسية، أخرجت 47 فيلما بأطوال مختلفة منذ أن اختارت السينما مجالاً تعبر من خلاله عن همومها الاجتماعية والثقافية سنة 1968 وحتى العام الحالي الذي هو آخر أعوام حياتها إذ ماتت عن 65 سنة في الرابع من الشهر الحالي.
حياتها لا تخلو من مناطق غرابة كما حال اهتماماتها وأشكالها التعبيرية في أفلامها. وُلدت في مدينة بروكسل (بلجيكا) وتعلّقت بالسينما تأثرًا بجان - لوك غودار وبطريقته في صياغة الفيلم المختلف حتى عن أترابه في سينما «الموجة الجديدة» التي وُلدت على صفحات مجلة «كاييه دو سينما» نظريًا وترعرعت عمليًا من عام 1959.
* أداء غير تمثيلي
بعض غرابة حياتها يعود إلى أنها لم تندمج تمامًا مع مجتمعها وبرهنت أفلامها التي أخرجتها عن هذا التباعد. أسلوبها يمكن وصفه بالتجريبي لكنه ليس تجريبيًا فوضويًا وليس تجريبيًا مثاليًا أو نموذجيًا. في الحقيقة، يمكن القول إن سينماها ليست تجريبية على نحو فعّال بالمقارنة مع ما هو متداول من مفهوم هذه السينما: أعمال حرّة التصرّف الشكلي وتستخدم التصوير والموضوع والمونتاج ليس تبعًا للمتوقع بل للمؤلّف ومع نبذ فكرة تقديم حكاية تُروى لأنها في الأساس ترفض الانضواء تحت شروط السرد الروائي ولو أنها، في الوقت ذاته، لا تنتمي إلى الفيلم التسجيلي.
لكن سينما أكرمان تحمل من تلك التجريبية الوجهة الطليعية. هي بدورها ليست محكومة بسرد متسلسل ولا برغبة إيضاح المفارقات عبر نقاط متوالية على نحو يربط بين نقاط الحدث أو الفكرة، بل متحررة في أكثر من جانب وفي مقدّمتها الولاء لسرد متواصل النبرة. بديلها تحبيذ سرد المشهد وليس الفيلم، والإيعاز بالفكرة وليس بالمضمون كله. لذلك فإن أعمالها تنضح بغموض الدوافع وغموض النتائج قدر الإمكان.
في الوقت ذاته نجد أفلامها، مثل «جين ديلمان» و«أخبار من الوطن» و«أنا، أنت، هو، هي» و«طوال الليل» وهي بعض أفلامها من السبعينات والثمانينات، تحتفي بالأداء غير التمثيلي. هناك ممثلون لكن ليس هناك تمثيل. حدث من دون دراما. «جين ديلمان» (1975) نفسه عبارة عن ثلاث ساعات من العرض يحتوي على وضع لأرملة نراها تحضّر الطعام. تتكلم. تتحرك في المطبخ وسواه ثم تستقبل رجلا تمارس معه الحب لقاء المال. في الوقت الذي على المشاهد أن يتمتع بصبر طويل وهو يشاهد عملاً يحتوي على بداية تستمر حتى النهاية من دون تطور درامي أو فني، فإن العمل بذاته تجسيد لمنوالها في باقي أعمالها قبله وبعده.
مثل أعمال أخرى لها من تلك الفترة، فإن بطلتها تعيش بحرية كاملة داخل بيتها والعالم الخارجي غائب. يستطيع المشاهد اعتبار أن حريّة المرأة، سواء أكان هذا الاعتبار مصيبًا أو مخطئًا، الكاملة هي في مكانها المحدود (المطبخ في حالات كثيرة) أما العالم الخارجي فهو عندما تخسر حريّتها. وفي هذا الصدد هناك الكثير مما يُقال لنا انتقادًا للعالم أكثر منه انتقادًا للمرأة.
* داخل البيت
والميزة الفنية الأبرز في أعمالها هي تلك النابعة من المساحة التي تفردها للموضوع، داخل البيت أو خارجه (لديها أفلام تسجيلية عن فنادق نزلت فيها) لكن هذه الميزة هي أكثر بروزًا في الأفلام التي تنص على مشاهد داخلية فقط حيث بطلاتها يتصرّفن ضمن هذه المساحة كونهن يدركن أنه العالم الخالي من المستوطنين الآخرين (إلا ما شاءت اختيارهم لدخوله).
حياة شانتال أكرمان لم تكن أقل غرابة مما يرد في هذا الفيلم الذي جمع لها إعجابًا كبيرًا بين نقاد السينما ومتذوقيها. لقد مارست أعمالاً كثيرة في حياتها لأجل أن تموّل أفلامها. المرأة في هذا الفيلم ليست هي تحديدًا، لكن هي إيحاء محتمل بما اضطرت لتقوم به لأجل إنتاجه. قبل ثلاث سنوات من تحقيقها له عملت بائعة تذاكر لصالة أفلام «بورنو» في نيويورك.
المنتجون الفرنسيون اكتشفوا مبكرين أن أفلامها لا تبيع. ومع أنها أفلام شبه بيتية الصنع وبالتالي قليلة التكاليف، إلا أن قلة التكلفة ليست كافية لكي يقف المنتجون صفًا طويلاً لعرض تمويلهم.
كونها ابنة ناجَين بولنديين من الهولوكوست طبع رؤيتها إلى حد بعيد ولو أن الفيلم الذي قررت على أثره أن تصبح مخرجة كان فيلم غودار الرائع «بييرو المجنون» (1965)، عبّرت عن شعورها كونها وليدة تاريخ عنيف من دون أن تتناول التجربة ذاتها بأعمال مباشرة. ما ساد أعمالها (الأولى على الأخص) تعاملها مع رؤية ذاتية لعالم خارج حدود البيت أو المكان لا تستحق أن تعيش فيه. تاريخ كابوسي يجهز على الحب بين الشخصيات التي تتناول المخرجة ملامح من سالف سنواتهم. هذا يتبدّى منذ فيلمها الأول «فجّر مدينتي» (1968) المصوّر بالأبيض والأسود. الكاميرا تصوّرها ترقص في مطبخها وتغني وتبدو لنا سعيدة كما لو أنها تبتهج لحدث سيقع. الحدث يأتي في نهاية الدقائق الثلاث عشر من الفيلم عندما تضع رأسها فوق موقد الغاز المشتعل. قطع لشاشة سوداء وانفجار كبير. ينتهي الفيلم.
ربما أكثر أفلامها اقترابًا من تجربة الهولوكوست كان فيلمها الأخير «هذا ليس فيلما بيتيًا» (No Home Movie) الذي أنجزته سنة 2014 (يعرض حاليًا في نيويورك) حيث جلست وأمها العجوز لتتحدث وإياها عن تجربتها الخاصّة.
هذا الفيلم لم يستقبل جيّدًا عندما عرضه مهرجان لوكارنو. المشكلة التي احتواها هي المشكلة الدائمة في معظم ما أنجبته من أفلام: عرض طويل الأمد بلا اعتراف بضرورة حياكة فنية تتجاوز الوضع الماثل في الصورة.
وفي الواقع أفلام أكرمان التي تم تقديرها من قِبل النقاد الأوروبيين ومن الذين يوافقونهم في الرأي والاتجاهات الفنية، ليست كلها مثيرة للاهتمام من زاوية سينمائية بحتة. هناك بالتأكيد ما يتابعه المشاهد لكن ليس ما يثيره بالضرورة. تأليف أهمية الفيلم تبعًا للنتيجة الكلية وليس لأن مشاهد الفيلم المتوالية مهمّة بحد ذاتها هو أكثر من مجرد وجهة نظر في الأسلوب. هي، بالتأكيد، تأخير الحكم للربع ساعة الأخيرة أو نحوها من بعد استيفاء التفاصيل المملّة بالكامل مع محطات قليلة من المستجدات طوال الوقت. هذا يتضح في «أخبار من الوطن» (1977) و«لقاء آنا» (1978) و«كل الليل» (1982) و«أمضت ساعات طويلة تحت أضواء الشمس» (1985) و«ليلة ويوم» (1991) من بين أخرى.
* سياقات
على ذلك، فإن أفلامها تؤلّف معًا سياقات مهمّة لهواة السينما بشكل عام. من بين هذه السياقات اهتمامها بالمرأة دون سواها إذ قدّمتها في معظم أفلامها كانعكاس للإنسان المتأزم وللمجتمع الذي يفرض على حياة «بطلتها» نوع ونوعية حياتها حيث هناك شعور بشيء مفقود وآخر بشيء لا يمكن أن يتبلور لأكثر مما يتيحه الفيلم وهو قليل.
ومن بينها أيضًا، أن أفلامها، على نحو عام، هي كناية عن جسم واحد من الأعمال تعددت تحت عناوين مختلفة وبقيت مضامينها واحدة. في هذا الشأن شانتال أكرمان ليست استثناء على الإطلاق فأجسام معظم أفلام ألفرد هيتشكوك وجان - لوك غودار وفرنسوا تروفو ومايكل أنجلو أنطونيوني وسواهم من الكبار واحدة، لكنها وردت تحت عناوين مختلفة.
السياق الثالث هو أن أعمالها دائمًا ما كانت، وبقيت، فردية ليس من حيث الاهتمام الذي دفع بالمخرجة لاختيار الموضوع واختيار كيفية التعبير عنه فقط، بل من حيث مجمل مكوّناته واهتماماته أيضًا. حتى أعمالها الأحدث، مثل «حماقة ألماير» (رواية جوزف كونراد الأولى) و«الحبيسة» عن نص لمارسل بروست، تحوّلت تبعًا لرؤيتها إلى أفلام ذات بؤرة فردية تخصها هي ولا تخص - بالضرورة - مؤلّفيها.
عندما سئلت ذات مرّة عن كيف أخرجت أحد أفلامها الأميركية (وهي صوّرت في نيويورك أكثر من فيلم) قالت: «صوّرت تبعًا لأنفاسي. حين اكتشفت أنني توقفت عن التنفس أدركت أن علي أن أغير المشهد». هذا بحد ذاته دليل على أنها ناوأت السينما في اتجاهاتها وأفردت لذاتها فيما حققته مساحة أكبر مما يمكن أن يهضمه كل متذوق أو أن يعتبره الجميع فنّا كبيرًا.



ريما المسمار: تنوُّع الأصوات شرط لتطوُّر السينما العربية

من «المحطة» (سكرين بروجكت)
من «المحطة» (سكرين بروجكت)
TT

ريما المسمار: تنوُّع الأصوات شرط لتطوُّر السينما العربية

من «المحطة» (سكرين بروجكت)
من «المحطة» (سكرين بروجكت)

أضافت ريما المسمار صوتاً ثقافياً لامعاً عندما بدأت كتابة النقد السينمائي في أواخر التسعينات ومطلع العشرية الأولى من هذا القرن. لم يكن صوتاً نسائياً فقط، بل كان صوتاً يعكس ثقافتها وحبَّها للسينما وجدِّية طرحها. هذا قبل أن تتسلَّم الإدارة التنفيذية للصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق» عام 2016. ومنذ ذلك الحين أصبح حضورها أكبر على مستوى العمل السينمائي. تركت النقد، وهي تدرك أهميته في تأسيس كيان سينمائي أشمل، وتصفه بأنه «جزء سياسي من ثقافة السينما».

ريما المسمار المديرة التنفيذية للصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق» (غيتي)

«شورت شورتيز»

> إذا نظرنا إلى السنوات الخمس الماضية على الأقل، ما أبرز إنجازات «آفاق» من وجهة نظرك؟

- يتمثَّل أحد أبرز إنجازات «آفاق» في الاستمرار بدعم الفنون والثقافة في ظل ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية صعبة جداً، لضمان استمرار الفنانين وصانعي الأفلام في تطوير أعمالهم وسرد قصصهم ومشاركتها مع جماهير داخل المنطقة وخارجها. كما عملت «آفاق» على توسيع دورها من مؤسسة مانحة إلى جهة تبني منظومة ثقافية متكاملة تشمل التدريب والإرشاد والبحث والدعم المؤسسي. إضافة إلى ذلك، فقد ساهمت «آفاق» في تعزيز شراكات إقليمية ودولية لدعم الفنانين والممارسين الثقافيين في مختلف التخصصات، مما انعكس على ارتفاع حضور الأفلام والمبدعين العرب في المهرجانات والمنصات العالمية، وتعزيز حضور السرد العربي على المستوى الدولي.

> أخيراً، قدَّمت «نتفليكس» النسخة الثالثة من «نساء في عالم السينما» التي أنتجتها «آفاق». ما نتائج النسختين السابقتين التي أدَّت إلى استمرار هذا التعاون؟

- أظهرت نجاحات النسختين السابقتين وجود حاجة واضحة إلى دعم دائم لصانعات الأفلام العربيات الصاعدات. استفادت المشاركات ليس فقط من التدريب، بل أيضاً من الإرشاد المهني وتبادل التجارب والرؤى الإبداعية، والتعرُّف إلى شبكات المبدعين في المجال. كما واصل عدد من المشاركات تطوير مشروعاتهن بشكل احترافي بعد انتهاء البرنامج، مثل الأردنية عائشة شحالتوغ، مخرجة «ثورة غضب» الذي طُوِّر ضمن إحدى النسخ السابقة، واختير مؤخراً للعرض الأول في آسيا ضمن مهرجان «شورت شورتيز» السينمائي الآسيوي في اليابان. ويعكس استمرار التعاون بين «نتفليكس» و«آفاق» التزاماً مشتركاً بدعم المواهب النسائية العربية، وتمكين أصوات جديدة من الوصول إلى المشهد السينمائي.

> تبعاً لذلك، كيف ترين قدرة السينما العربية الجديدة على استيعاب المواهب النسائية أمام الكاميرا أو خلفها؟

- شهدت السينما العربية تقدماً ملحوظاً في السنوات الأخيرة من حيث الحضور والمشاركة، إذ أصبح مزيد من النساء يعملن في الإخراج والكتابة والإنتاج والمجالات التقنية التي كانت أقل إتاحة سابقاً. كما باتت السينما في المنطقة أكثر تقبلاً لوجهات النظر الجديدة والتجارب المختلفة، مما يخلق مساحة أكثر ملاءمة لقصصٍ تقودها النساء. مع ذلك، لا تزال هناك تحديات تتعلق بالتمويل والاستمرارية وفرص الإرشاد والتطوير المهني. ويبقى التغيير الحقيقي مرتبطاً بتمثيل النساء، ليس فقط إبداعياً، بل أيضاً على المستوى البنيوي داخل الصناعة.

> هل ترين أن دور «آفاق» مكرَّس لخدمة المرأة في السينما، أم أنه دور يهدف أيضاً إلى تعزيز حضور السينما العربية ككل؟

- تتجاوز رسالة «آفاق» دعم النساء فقط، فهي تهدف أساساً إلى تعزيز الفنون والثقافة بجميع أشكالها في العالم العربي. ويأتي دعم صانعات الأفلام ضمن رؤية أوسع لبناء منظومة ثقافية أكثر شمولاً وتنوعاً واستدامة. فالسينما العربية لا يمكن أن تتطوَّر بشكل كامل إذا بقيت بعض الأصوات غير ممثَّلة بالشكل الكافي. وبالتالي، تُسهم مبادرات مثل «مختبر الفيلم القصير» في تعزيز تمثيل النساء، وفي الوقت نفسه في تطوير السينما العربية ككل.

«ثورة غضب» (نتفليكس)

منظومة نسائية

> هل تشجيع الخبرات والمواهب النسائية، في نظرك، مسألة منفصلة عن وضع السينما العربية عامة؟

- من وجهة نظري، هما مترابطان بشكل عميق. فدعم صانعات الأفلام جزء من تعزيز صحة وتنوع المنظومة السينمائية بأكملها. فكلما زاد تمثيل الأصوات المختلفة، أصبحت الصناعة أكثر ثراءً وديناميكية، وأكثر تعبيراً عن المجتمع. كما أن تشجيع مشاركة النساء يُسهم في توسيع نطاق سرد القصص وإثراء السرديات الثقافية.

> من هنَّ مخرجات وكاتبات المستقبل من خلال متابعتك لنشاطاتهن في السنوات الأخيرة؟

- هناك جيل لافت من صانعات الأفلام الصاعدات في المنطقة اليوم، لا يتميز فقط بجودة الأعمال، بل أيضاً بتنوع الأصوات والموضوعات والأساليب السينمائية. ومؤخراً، في مهرجان «كان» العام الحالي، عُرضت 3 مشروعات كانت قد تلقَّت الدعم من «آفاق» بقيادة نسائية، من بينها المخرجة سارة ريما التي عُرض فيلمها «مقنين» (À quoi rêvent les Maknines) بوصفه الفيلم الجزائري الوحيد المشارك في مهرجان «كان» هذا العام. كما شاركت سارة إسحاق بفيلمها «المحطة»، وهو أول فيلم يمني يُعرض في مهرجان «كان». وقد برز أيضاً عدد من المخرجات اللواتي يقدمن أعمالاً جريئة ومختلفة. لكن الأهم من ذكر أسماء محددة هو الإقرار بأن ظهور هذا الجيل بأكمله يُعيد تشكيل مستقبل السينما العربية بشكل جماعي.

> نشأتِ ناقدة سينمائية معروفة قبل دخولك هذا المعترك. هل هناك من حنين إلى ممارسة النقد السينمائي بوصفه جزءاً أساسياً من الثقافة السينمائية؟

- يظل النقد السينمائي جزءاً أساسياً من ثقافة السينما، لأنه يخلق مساحة للتأمل والحوار والتفاعل العميق مع الأفلام. كما يُساعد النقد في وضع السينما ضمن سياقات اجتماعية وسياسية وفنية أوسع. ورغم أن دوري اليوم مختلف، فإن هذا البعد النقدي ما زال يؤثر في طريقة تفكيري تجاه السينما والسرد والإنتاج الثقافي.

تؤكد ريما أن 3 مشروعات مدعومة من «آفاق» بقيادة نسائية شاركت في مهرجان «كان» هذا العام


4 أفلام أنيميشن من مهرجان «أنيسي» الفرنسي

«عازفة الكمان» (ملف مهرجان أنيسي)
«عازفة الكمان» (ملف مهرجان أنيسي)
TT

4 أفلام أنيميشن من مهرجان «أنيسي» الفرنسي

«عازفة الكمان» (ملف مهرجان أنيسي)
«عازفة الكمان» (ملف مهرجان أنيسي)

THE VIOLINIST

• إخراج: راؤول غارسيا، وإرفين هان

(جيد)

• إسبانيا، سنغافورة (2026) | جائزة أفضل فيلم أنيميشن طويل في مهرجان «أنيسي»

على عكس ما تعرضه صالات السينما من أفلام «الأنيميشن» تكاد تتساوى في السقوط بين القبول والركاكة، تزخر أفلام مهرجان «أنيسي»، المتخصص في سينما «الأنيميشن»، بعدد وفير من الأعمال التي تقوم على تفاعل لافت بين الرسم والتسجيل، وبين الرسم والدراما. وهي ليست أفلاماً للتسلية؛ ولذلك تتحرر من هاجس الترفيه.

يُعد «عازفة الكمان» أحد أفضل هذه الأفلام. فهو فيلم درامي يدور حول امرأة تُدعى (فَي) وصبي يُدعى (كاي)، ويتتبع تاريخهما المتشابك مع فترة الغزو الياباني لسنغافورة. الموسيقى والاحتلال هما وجها هذه الحكاية: الأول يمثل الأمل وما يرافقه من حزن، والآخر يكشف عن أثر الغزو في المجتمع عموماً، وفي حياة «فَي» على وجه الخصوص.

لكن الفيلم ليس على المستوى نفسه طوال مدته. فمن ناحية، يقدّم معالجة بصرية جيدة للفترة التاريخية، ومن ناحية أخرى يتراجع مستواه عندما يحاول التوسع في الشخصيات الثانوية؛ إذ يعاملها باهتمام وإتقان أقل.

A NEW DAWN

• إخراج: يوشيتوشي شينوميا

• اليابان (2026)

دراما عن شاب يواجه التقدُّم

(وسط) شهد هذا الفيلم عرضه العالمي الأول في مهرجان برلين الأخير. وهو دراما تتخللها مقاطع غنائية كثيرة، فضلاً عن أحداث تتمحور حول بطله كيتارو، الذي يفاجأ بقرار حكومي يقضي بهدم مصنع للألعاب النارية توارثته عائلته جيلاً بعد جيل. والغاية من ذلك شق طريق يربط هذه المدينة الصغيرة بمدن أخرى. يقرر كيتارو مقاومة القرار.

وسرعان ما يطرح المخرج يوشيتوشي شينوميا، في أول أفلامه الروائية الطويلة، العلاقة بين تمسّك الشاب بإرثه التاريخي، وبين فكرة الانتقال إلى المستقبل. وعلى المشاهد أن يكون محباً للغناء الياباني حتى يتفاعل مع هذا الجانب من الفيلم؛ إذ يشكّل الغناء عنصراً رئيسياً يكاد، إلى جانب الرغبة في توفير أجواء جمالية، يحوّل الحكاية نفسها عنصراً ثانوياً.

«فجر جديد» (ملف مهرجان أنيسي)

THE OBSESSED

• إخراج: واتارو تاكاهاشي

• اليابان (2026)

فانتازيا توفِّر أقل مما تطمح إليه

(وسط)

تتكرر في هذا الفيلم بعض المشكلات التي شابت «فجر جديد» (أعلاه)، مع أنه يمتلك حكاية أكثر إثارة للاهتمام. يدور «الاستحواذ» حول شاب ياباني يُدعى جوزيبي، مهووس بعادات واهتمامات متباينة؛ فهو محقِّق خاص حين يشاء، وجامع فراشات حين يرغب، ومغنٍ في سائر الأوقات. ولو أن المخرج أحسن الموازنة بينها، ورسم خيطاً درامياً واضحاً يربط هذه الاهتمامات ويبررها نفسياً أو درامياً، لبلغ الفيلم مستوى أعلى من مجرد إثارة الغموض حول بطله.

وكما في «فجر جديد»، تطغى الرغبة في إبراز الجماليات البصرية وتنفيذ الأفكار، على الحكاية التي تتحول عنصراً ثانوياً مقارنة ببناء الأجواء. أما الرسم، فيخفق، بحد ذاته، في تقديم إنجاز فني متكامل.

«الـ58» (ملف مهرجان أنيسي)

58th

• إخراج: كارل جوزيف إ. بابا

• الفلبين (2026)

تاريخ سياسي يعود رسماً

(جيد)

في 22 نوفمبر (تشرين الثاني)، وقعت، نتيجة خلاف بين سياسيين في مقاطعة ماغوينداناو بالفلبين، مجزرة مروعة ذهب ضحيتها 58 شخصاً، معظمهم من الصحافيين الذين كانوا يغطون الانتخابات المحلية. يعود الفيلم إلى تلك الحادثة ليركز على ابنة أحد الضحايا، وهي تستعيد ذكرى والدها، ومن خلاله تلك الأحداث.

إنها رينافي موماي، ابنة المصور الصحافي رينالدو موماي، الشخص الوحيد بين الضحايا الـ58 الذي ما زالت جثته مفقودة. ويتخذ الفيلم من رينافي، إلى جانب شخصية مخرج يظهر داخل الأحداث، مدخلاً للعودة إلى الماضي. ولا يخوض في التفاصيل أو يحلل ملابسات الواقعة، لكنه لا يحيد عن هدفه في استحضارها وتسليط الضوء عليها.

وقد أُولي هذا الفيلم عناية كبيرة على صعيد رسم الشخصيات والبيئة المحيطة. استخدم المخرج التصوير الحي، ثم حوّل مشاهده إلى رسوم متحركة، على غرار فيلمي المخرج الأميركي ريتشارد لينكليتر «حياة يقظة» (2001) و«سكانر داركلي» (2006).

ويمنح هذا الأسلوب العمل صلة بالواقع، لكنه يبقى غير مبرر فنياً، ولا ينتمي انتماءً كاملاً إلى فن الرسوم المتحركة. وإلى جانب ذلك، فإن الفيلم منفذ بواقعية شديدة، وتتناسب حكايته مع فيلم روائي مصور بالكاميرا الحية. ومع ذلك، فإن اختيار المخرج تقديمه في قالب أنيميشن يُعد خطوة جريئة، تضاهي في جرأتها أهمية الموضوع الذي يتناوله.


10 أفلام ميَّزت النصف الأول من العام الحالي

رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)
رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)
TT

10 أفلام ميَّزت النصف الأول من العام الحالي

رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)
رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)

حسبة سريعة لأفضل 10 أفلام (من وجهة نظر كاتب هذه السطور) تمّت مشاهدتها منذ مطلع العام. تكشف هذه القائمة، إلى حدٍّ ما، عن استمرار الثراء في تناول الموضوعات الهادفة بأساليب فنية تستحق التقدير، رغم تحديات الذكاء الاصطناعي وطغيان أفلام الأبطال الخارقين وأشكال الترفيه الخالية من القيمة.

الأب وابنه في «الجكارندا» (لو فيلم بيلبوكيه)

1- «الجاكراندا»

إخراج: حسن فرحاني (الجزائر)

رحلة وثائقية يقوم بها المخرج في ذاكرة وحياة والده الكاتب الجزائري أمزيان فرحاني. العنوان هو اسم تلك الأشجار الجميلة التي يحنّ إليها الأب ضمن ما يفتقده من عالم مضى في مدينة تغيّرت عمّا كانت عليه. ليس الفيلم نوستالجيا تكتفي بالمشاعر وتتجنّب العمق، بل هو مزج بين حياة الكاتب ومدينته، يحمل كلٌّ منهما تاريخه ويمضي في مساره.

2- «خروج آمن»

إخراج: محمد حمّاد (مصر)

دراما تدور حول شاب يعمل حارساً لمبنى سكني، محاطاً دوماً بالمشاغل والمشكلات التي يفرضها عليه محيطه. سمعان (يؤديه بإتقان مروان وليد) يعيش مخاوف ووحدة قاسيتين في واقع لا يقل قسوة. لا بطولات ولا انتصارات، ولا حتى إنجازات، في عالم صغير مغلق. يعتمد المخرج إيقاعاً لا يخون رتابة البيئة وطبيعتها، ويعالج بمهارة مخاوف بطله من البيئة الاجتماعية التي تثقل كاهله.

3- «لمن يجرؤ»

إخراج: دانيال عربيد (لبنان، فرنسا)

هذا أفضل فيلم أخرجته دانيال عربيد إلى اليوم. امرأة تنقذ شاباً سودانياً يصغرها بسنوات عدة من اعتداء بدني. تنمو العلاقة العاطفية بينهما سريعاً، إذ يحتاج كلٌّ منهما إلى الآخر في مواجهة رفض المجتمع من منطلق عنصري. هيام عبّاس ما زالت تقدّم جديداً جيداً مع كل دور تؤديه. هي امرأة قوية وعنيدة في مواجهة محيطها الاجتماعي.

فيكتوريا لوينغو وخافيير باردم في «المحبوبة» (كاباللو فيلمز)

4- The Beloved

إخراج: رودريغو سوروغويَن (إسبانيا)

دراما عن مخرج سينمائي صارم (خافيير باردم)، يطلب من ابنته الممثلة أداء بطولة فيلمه المقبل. تنتقل العلاقة المتوترة بينهما في الحياة إلى الفيلم داخل الفيلم الذي نشاهده. يحمل عمل المخرج سوروغويَن سمات موهبة بصرية لافتة؛ فمشاهده حادّة لكنها صادقة، وخافيير باردم يوفّر، بحد ذاته، متعة فنية جمّة.

5- Fatherland

إخراج: بافل بافليكوفسكي

جزء من سيرة حياة الروائي توماس مان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ومحاولته الخروج من أزمات البحث عن الهوية والمكان معاً. يحيط الفيلم بالتوتر القائم بين مان (هانز زيشلر) وبين ابنته (ساندرا هولر). ‬ قد لا يصل الفيلم إلى مستوى أعمال بافليكوفسكي السابقة، لكنه يقترب منها.

6- Flies

إخراج: فرناندو إيميك (المكسيك)

دراسة لشخصية امرأة تجاوزت سن الشباب (ترستينا سانشير)، تعيش وحيدة وتعتمد على نفسها في كل شيء. تضطر إلى تأجير غرفة في منزلها لرجل ترقد زوجته في مستشفى قريب. وتشترط عدم وجود أطفال في الغرفة، لكن الرجل يضطر إلى جلب طفله معه. عندئذٍ تكتشف المرأة معنى لحياة افتقدتها طويلاً. حوار مقتصد وإخراج يعتمد أساساً على دلالات الصورة.

7- In Waves

إخراج: فيونغ ماي نغيووِن (فرنسا)

رسوم متحركة متقنة تقنياً وثريّة الألوان، تنساب بسلاسة لتحكي قصة شاب لا يجيد رياضة ركوب الأمواج، إلى أن تساعده فتاة على اكتسابها. تتغيّر حياته كما لو كان بحاجة إلى يد ترفعه من البراءة إلى الثقة بالنفس. يختلف الفيلم لا في حكايته فحسب، بل أيضاً في أسلوبه الموجّه إلى الراشدين.

تعكس القائمة تنوعاً جغرافياً وفنياً لافتاً يمتد من الجزائر إلى تشيلي

8- The Loneliest Man in Town

إخراج: راينر فريمل وتيزا فيكو (النمسا)

بطل هذا الفيلم رجل تأثر بأغاني «البلوز» التي أدمن سماعها، ويغني ما يحفظه منها في حانة صغيرة أمام جمهور محدود. يعيش وحيداً بلا عائلة ولا أهل ولا أصدقاء، إلى أن يقرر الهجرة إلى أميركا في نهاية الفيلم. إخراج مقتصد لمشاهد لا تؤلف حكاية متكاملة بقدر ما ترسم ملامح حياة رجل وحيد.

9-Project Hail Mary

إخراج: فيل لورد وكريستوفر ميلر

(الولايات المتحدة)

فيلم خيال علمي عن رحلة فضائية يقودها رايان غوسلينغ لمنع جرمٍ كوني يهدد بحجب أشعة الشمس عن الأرض. يجمع الفيلم بين التشويق والمؤثرات البصرية المتقنة وحكاية مؤثرة عن الصداقة، مقدّماً متعة لهواة الخيال العلمي ومعالجة قادرة على استقطاب جمهور أوسع.

10- The Red Hangar

إخراج: خوان بابلو سالاتو (تشيلي)

ضابط مشرف على حظيرة طائرات في تشيلي عام 1973، يجد نفسه تحت سلطة قيادة عسكرية تشن حملة اعتقالات واسعة إثر الانقلاب الذي أطاح بالسلطة السابقة. يتحوّل المكان إلى سجن ومركز للتعذيب، ما يضع الضابط أمام خيارات صعبة. يلتقط المخرج هذه اللحظة المفصلية ويبني عليها ما يدور في أعماق شخصيته.