سينما شانتال أكرمان التي أخرجت أفلامها بأنفاسها

أفلامها لا تنضوي تحت شروط السرد الروائي ولكنها لا تنتمي إلى التسجيل أيضاً

شانتال أكرمان،  من «جين ديلمان» أحد أفلام أكرمان الأولى
شانتال أكرمان، من «جين ديلمان» أحد أفلام أكرمان الأولى
TT

سينما شانتال أكرمان التي أخرجت أفلامها بأنفاسها

شانتال أكرمان،  من «جين ديلمان» أحد أفلام أكرمان الأولى
شانتال أكرمان، من «جين ديلمان» أحد أفلام أكرمان الأولى

شانتال أكرمان، المخرجة التي اعتدنا اعتبارها فرنسية، أخرجت 47 فيلما بأطوال مختلفة منذ أن اختارت السينما مجالاً تعبر من خلاله عن همومها الاجتماعية والثقافية سنة 1968 وحتى العام الحالي الذي هو آخر أعوام حياتها إذ ماتت عن 65 سنة في الرابع من الشهر الحالي.
حياتها لا تخلو من مناطق غرابة كما حال اهتماماتها وأشكالها التعبيرية في أفلامها. وُلدت في مدينة بروكسل (بلجيكا) وتعلّقت بالسينما تأثرًا بجان - لوك غودار وبطريقته في صياغة الفيلم المختلف حتى عن أترابه في سينما «الموجة الجديدة» التي وُلدت على صفحات مجلة «كاييه دو سينما» نظريًا وترعرعت عمليًا من عام 1959.
* أداء غير تمثيلي
بعض غرابة حياتها يعود إلى أنها لم تندمج تمامًا مع مجتمعها وبرهنت أفلامها التي أخرجتها عن هذا التباعد. أسلوبها يمكن وصفه بالتجريبي لكنه ليس تجريبيًا فوضويًا وليس تجريبيًا مثاليًا أو نموذجيًا. في الحقيقة، يمكن القول إن سينماها ليست تجريبية على نحو فعّال بالمقارنة مع ما هو متداول من مفهوم هذه السينما: أعمال حرّة التصرّف الشكلي وتستخدم التصوير والموضوع والمونتاج ليس تبعًا للمتوقع بل للمؤلّف ومع نبذ فكرة تقديم حكاية تُروى لأنها في الأساس ترفض الانضواء تحت شروط السرد الروائي ولو أنها، في الوقت ذاته، لا تنتمي إلى الفيلم التسجيلي.
لكن سينما أكرمان تحمل من تلك التجريبية الوجهة الطليعية. هي بدورها ليست محكومة بسرد متسلسل ولا برغبة إيضاح المفارقات عبر نقاط متوالية على نحو يربط بين نقاط الحدث أو الفكرة، بل متحررة في أكثر من جانب وفي مقدّمتها الولاء لسرد متواصل النبرة. بديلها تحبيذ سرد المشهد وليس الفيلم، والإيعاز بالفكرة وليس بالمضمون كله. لذلك فإن أعمالها تنضح بغموض الدوافع وغموض النتائج قدر الإمكان.
في الوقت ذاته نجد أفلامها، مثل «جين ديلمان» و«أخبار من الوطن» و«أنا، أنت، هو، هي» و«طوال الليل» وهي بعض أفلامها من السبعينات والثمانينات، تحتفي بالأداء غير التمثيلي. هناك ممثلون لكن ليس هناك تمثيل. حدث من دون دراما. «جين ديلمان» (1975) نفسه عبارة عن ثلاث ساعات من العرض يحتوي على وضع لأرملة نراها تحضّر الطعام. تتكلم. تتحرك في المطبخ وسواه ثم تستقبل رجلا تمارس معه الحب لقاء المال. في الوقت الذي على المشاهد أن يتمتع بصبر طويل وهو يشاهد عملاً يحتوي على بداية تستمر حتى النهاية من دون تطور درامي أو فني، فإن العمل بذاته تجسيد لمنوالها في باقي أعمالها قبله وبعده.
مثل أعمال أخرى لها من تلك الفترة، فإن بطلتها تعيش بحرية كاملة داخل بيتها والعالم الخارجي غائب. يستطيع المشاهد اعتبار أن حريّة المرأة، سواء أكان هذا الاعتبار مصيبًا أو مخطئًا، الكاملة هي في مكانها المحدود (المطبخ في حالات كثيرة) أما العالم الخارجي فهو عندما تخسر حريّتها. وفي هذا الصدد هناك الكثير مما يُقال لنا انتقادًا للعالم أكثر منه انتقادًا للمرأة.
* داخل البيت
والميزة الفنية الأبرز في أعمالها هي تلك النابعة من المساحة التي تفردها للموضوع، داخل البيت أو خارجه (لديها أفلام تسجيلية عن فنادق نزلت فيها) لكن هذه الميزة هي أكثر بروزًا في الأفلام التي تنص على مشاهد داخلية فقط حيث بطلاتها يتصرّفن ضمن هذه المساحة كونهن يدركن أنه العالم الخالي من المستوطنين الآخرين (إلا ما شاءت اختيارهم لدخوله).
حياة شانتال أكرمان لم تكن أقل غرابة مما يرد في هذا الفيلم الذي جمع لها إعجابًا كبيرًا بين نقاد السينما ومتذوقيها. لقد مارست أعمالاً كثيرة في حياتها لأجل أن تموّل أفلامها. المرأة في هذا الفيلم ليست هي تحديدًا، لكن هي إيحاء محتمل بما اضطرت لتقوم به لأجل إنتاجه. قبل ثلاث سنوات من تحقيقها له عملت بائعة تذاكر لصالة أفلام «بورنو» في نيويورك.
المنتجون الفرنسيون اكتشفوا مبكرين أن أفلامها لا تبيع. ومع أنها أفلام شبه بيتية الصنع وبالتالي قليلة التكاليف، إلا أن قلة التكلفة ليست كافية لكي يقف المنتجون صفًا طويلاً لعرض تمويلهم.
كونها ابنة ناجَين بولنديين من الهولوكوست طبع رؤيتها إلى حد بعيد ولو أن الفيلم الذي قررت على أثره أن تصبح مخرجة كان فيلم غودار الرائع «بييرو المجنون» (1965)، عبّرت عن شعورها كونها وليدة تاريخ عنيف من دون أن تتناول التجربة ذاتها بأعمال مباشرة. ما ساد أعمالها (الأولى على الأخص) تعاملها مع رؤية ذاتية لعالم خارج حدود البيت أو المكان لا تستحق أن تعيش فيه. تاريخ كابوسي يجهز على الحب بين الشخصيات التي تتناول المخرجة ملامح من سالف سنواتهم. هذا يتبدّى منذ فيلمها الأول «فجّر مدينتي» (1968) المصوّر بالأبيض والأسود. الكاميرا تصوّرها ترقص في مطبخها وتغني وتبدو لنا سعيدة كما لو أنها تبتهج لحدث سيقع. الحدث يأتي في نهاية الدقائق الثلاث عشر من الفيلم عندما تضع رأسها فوق موقد الغاز المشتعل. قطع لشاشة سوداء وانفجار كبير. ينتهي الفيلم.
ربما أكثر أفلامها اقترابًا من تجربة الهولوكوست كان فيلمها الأخير «هذا ليس فيلما بيتيًا» (No Home Movie) الذي أنجزته سنة 2014 (يعرض حاليًا في نيويورك) حيث جلست وأمها العجوز لتتحدث وإياها عن تجربتها الخاصّة.
هذا الفيلم لم يستقبل جيّدًا عندما عرضه مهرجان لوكارنو. المشكلة التي احتواها هي المشكلة الدائمة في معظم ما أنجبته من أفلام: عرض طويل الأمد بلا اعتراف بضرورة حياكة فنية تتجاوز الوضع الماثل في الصورة.
وفي الواقع أفلام أكرمان التي تم تقديرها من قِبل النقاد الأوروبيين ومن الذين يوافقونهم في الرأي والاتجاهات الفنية، ليست كلها مثيرة للاهتمام من زاوية سينمائية بحتة. هناك بالتأكيد ما يتابعه المشاهد لكن ليس ما يثيره بالضرورة. تأليف أهمية الفيلم تبعًا للنتيجة الكلية وليس لأن مشاهد الفيلم المتوالية مهمّة بحد ذاتها هو أكثر من مجرد وجهة نظر في الأسلوب. هي، بالتأكيد، تأخير الحكم للربع ساعة الأخيرة أو نحوها من بعد استيفاء التفاصيل المملّة بالكامل مع محطات قليلة من المستجدات طوال الوقت. هذا يتضح في «أخبار من الوطن» (1977) و«لقاء آنا» (1978) و«كل الليل» (1982) و«أمضت ساعات طويلة تحت أضواء الشمس» (1985) و«ليلة ويوم» (1991) من بين أخرى.
* سياقات
على ذلك، فإن أفلامها تؤلّف معًا سياقات مهمّة لهواة السينما بشكل عام. من بين هذه السياقات اهتمامها بالمرأة دون سواها إذ قدّمتها في معظم أفلامها كانعكاس للإنسان المتأزم وللمجتمع الذي يفرض على حياة «بطلتها» نوع ونوعية حياتها حيث هناك شعور بشيء مفقود وآخر بشيء لا يمكن أن يتبلور لأكثر مما يتيحه الفيلم وهو قليل.
ومن بينها أيضًا، أن أفلامها، على نحو عام، هي كناية عن جسم واحد من الأعمال تعددت تحت عناوين مختلفة وبقيت مضامينها واحدة. في هذا الشأن شانتال أكرمان ليست استثناء على الإطلاق فأجسام معظم أفلام ألفرد هيتشكوك وجان - لوك غودار وفرنسوا تروفو ومايكل أنجلو أنطونيوني وسواهم من الكبار واحدة، لكنها وردت تحت عناوين مختلفة.
السياق الثالث هو أن أعمالها دائمًا ما كانت، وبقيت، فردية ليس من حيث الاهتمام الذي دفع بالمخرجة لاختيار الموضوع واختيار كيفية التعبير عنه فقط، بل من حيث مجمل مكوّناته واهتماماته أيضًا. حتى أعمالها الأحدث، مثل «حماقة ألماير» (رواية جوزف كونراد الأولى) و«الحبيسة» عن نص لمارسل بروست، تحوّلت تبعًا لرؤيتها إلى أفلام ذات بؤرة فردية تخصها هي ولا تخص - بالضرورة - مؤلّفيها.
عندما سئلت ذات مرّة عن كيف أخرجت أحد أفلامها الأميركية (وهي صوّرت في نيويورك أكثر من فيلم) قالت: «صوّرت تبعًا لأنفاسي. حين اكتشفت أنني توقفت عن التنفس أدركت أن علي أن أغير المشهد». هذا بحد ذاته دليل على أنها ناوأت السينما في اتجاهاتها وأفردت لذاتها فيما حققته مساحة أكبر مما يمكن أن يهضمه كل متذوق أو أن يعتبره الجميع فنّا كبيرًا.



مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)
براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)
TT

مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)
براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)

قد يبدو المشهد بالنسبة إلى مهرجانات السينما برَّاقاً. فما أجمل أن يكون هناك مهرجان كبير في كل دولة حول العالم، وأن يوجد أكثر من مهرجان يماثل «كان» و«برلين» و«فينيسيا» حجماً وأهمية. لكن ذلك مستحيل، ولسببين على الأقل: أولاً، لا تستطيع كل دولة إقامة مهرجان تقترب ميزانيته من ميزانيات تلك المهرجانات الكبرى. وثانياً، لا يوجد عدد كافٍ من الأفلام الكبيرة القادرة على تغذية جميع المهرجانات.

لذلك تتجه المهرجانات الأخرى المعروفة، مثل «روتردام»، و«سراييفو»، و«لندن»، و«كارلوفي فاري»، و«ثيسالونيكي»، و«لوكارنو» وغيرها، إلى التخصص في نوع معين من الأفلام أو في برامج محددة، أو إلى قبول أفلام أقل حظوة بالأضواء والحملات الدعائية المسبقة. يُضاف إلى ذلك أن استضافة الفنانين الكبار لمواكبة عروض أفلامهم تمثل تكلفة إضافية لا تستطيع بعض هذه المهرجانات تحمُّلها.

روني وكايت مارا في «باكينغ فاستارد» (هان واي فيلمز)

حظ أفضل

ليست المهرجانات الثلاثة الأكبر في العالم خالية من المشكلات، لكنها مشكلات مختلفة، يتقدمها التنافس على استقطاب الأفلام الجديدة للمخرجين الأكثر أهمية عالمياً. فمهرجانات «كان»، و«فينيسيا»، و«برلين» تتابع طوال العام أخبار المخرجين: من سيبدأ التصوير قريباً؟ ومن بدأه فعلاً؟ وهل سيكون الفيلم جاهزاً للمشاركة في المهرجان؟ وماذا عن هوليوود التي قلّلت خلال العامين الأخيرين من أهمية مهرجاني «كان» و«برلين» بالنسبة إليها؟ وهل سيقرر مخرج ما التوجه بفيلمه إلى مهرجان منافس؟

ثم ماذا عن الأزمات السياسية القائمة حول العالم، التي دفعت مهرجان «برلين» إلى تغيير إدارته قبل 3 سنوات، ثم هددت إدارته الجديدة بالتعرض للضغوط نفسها هذا العام؟

كل ذلك في وقت يقترب فيه موعد إطلاق الدورة المقبلة من مهرجان «فينيسيا» (الدورة 84) تحت إدارة ألبرتو باربيرا الذكية.

ومن حسن حظ هذا المهرجان الإيطالي أنه يأتي في مستهل موسم الجوائز السنوية. فالأفلام المشاركة فيه، سواء كانت أوروبية أو آسيوية أو أميركية، تحظى بفرصة أفضل للانتقال من «فينيسيا» إلى منصات الجوائز الكبرى، وتحديداً «الأوسكار» و«الغولدن غلوب».

لكن «فينيسيا» ليس وحيداً في هذا المجال؛ فهناك أيضاً منافسه الأول «كان». غير أن ما يمنح المهرجان الإيطالي أفضلية إضافية هو توقيته، إذ يُقام في الفترة التي يبلغ فيها السعي إلى دخول السباقات الأميركية ذروته، أي خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من كل عام.

في العام الماضي انتقلت 3 أفلام رئيسية من جزيرة الليدو، حيث يقام المهرجان، إلى سباق الأوسكار، هي: «صوت هند رجب» و«فرنكستاين» و«بوغونيا». وفي عام 2024 تسللت أفلام «جوكر 2» و«ما زلت هنا» و«ذا بروتاليست» إلى السباق نفسه. وقد تكرر هذا النمط خلال السنوات الخمس السابقة أيضاً، بما يؤكد أهمية المهرجان، ليس بالنسبة إلى الجوائز الأميركية فحسب، بل لصنّاع الأفلام أساساً.

سام روكويل (اليمين) وجون مالكوفيتش في «وايلد هورس 9» (بلو برنت بيكتشرز)

استكمال لما سبق

لن يختلف الأمر كثيراً هذا العام، خصوصاً إذا نجح باربيرا في استقطاب الأفلام الكبيرة التي تلوح في الأفق، ومن بينها أفلام جديدة لديفيد فينشر وفيرنر هرتزوغ وناني موريتي وتوم فورد.

وكان فورد قد عرض فيلمه السابق «رجل أعزب» (A Single Man) في دورة عام 2009، لينطلق منه إلى ترشيحات 58 مؤسسة سينمائية ونقدية حول العالم، من بينها الأوسكار. أما فيلمه الجديد «صرخة إلى السماء» (Cry to Heaven)، فيختلف عن سابقه بكونه دراما تاريخية تدور حول مغني الأوبرا غويدو مافيو.

ومن بين الأفلام المنتظر عرضها في «فينيسيا» هذا العام فيلمان يمكن اعتبارهما امتداداً لفيلمين سابقين. أولهما «مغامرات كليف بوث» (The Adventures of Cliff Booth) لديفيد فينشر، وهو تكملة لفيلم «حدث ذات مرة في هوليوود» الذي أنجزه كوينتن تارانتينو عام 2019، وعُرض للمرة الأولى في مهرجان «كان». ويقود بطولة الفيلم الجديد براد بيت، فيما تتولى شركته «بلان بي» إنتاجه.

أما الفيلم الثاني فهو «حسابات مجتمعية» (Social Reckoning) لآرون سوركين. والطريف في الأمر أن هذا العمل يُعد استكمالاً لفيلم «الشبكة الاجتماعية» (The Social Network) الذي أخرجه ديفيد فينشر عام 2010.

«فينيسيا» بوابة مهمة نحو «الأوسكار» و«الغولدن غلوب»

خسارة وربح

هناك أفلام أخرى مهمة مرشحة لغزو المهرجان الإيطالي، من بينها «باكينغ فاستارد» (Bucking Fastard) لفيرنر هرتزوغ، وهو فيلم روائي غريب عن شقيقتين (روني مارا وكايت مارا) تحفران نفقاً عبر جبل للوصول إلى الجهة الأخرى منه، اعتقاداً منهما بأن هناك أرضاً جديدة يسود فيها الحب الحقيقي.

وكان هذا الفيلم في متناول مهرجان «كان»، لولا أن المخرج الألماني قرر سحبه بعدما اقترح عليه المدير الفني للمهرجان، تييري فريمو، عرضه خارج المسابقة الرسمية. رفض هرتزوغ الاقتراح، وما خسره «كان» تحوَّل إلى مكسب لـ«فينيسيا».

وفوز آخر لـ«فينيسيا» على «كان» يتمثل في فيلم المخرج الإيطالي ناني موريتي الجديد «قلب جائع» (Hungry Heart). فبعد أن عرض موريتي أفلامه التسعة الأخيرة في «كان»، آثر هذه المرة تخصيص فيلمه الجديد للمنافسة في المهرجان الإيطالي.

ومن بين الأفلام الأخرى التي يبدو أنها ستُعرض في الدورة المقبلة، التي تُقام بين 2 سبتمبر (أيلول) و12 منه، فيلم «وايلد هورس 9» (Wild Horse 9) لمارتن ماكدونا، وهو فيلم تشويق أميركي يشارك في بطولته جون مالكوفيتش وتوم وايت وسام روكويل.

كذلك يُنتظر عرض فيلم «هنا يأتي الطوفان» (Here Comes the Flood) للإسباني فرناندو ميريليس، من بطولة روبرت باتينسون ودنزل واشنطن، وهو فيلم يدور حول خطة معقدة لسرقة مصرف.

وتبدو هذه الأفلام مرشحة بقوة منذ الآن، علماً بأن المهرجان سيعلن برنامجه الرسمي في 23 من الشهر المقبل.


شاشة الناقد: فيلم يمني وآخر فنزويلي وتسجيلي أميركي

«المحطة» (جورج فيلمز)
«المحطة» (جورج فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلم يمني وآخر فنزويلي وتسجيلي أميركي

«المحطة» (جورج فيلمز)
«المحطة» (جورج فيلمز)

المحطة ★★★☆إخراج: سارة إسحاق‫‬

اليمن - الأردن - فرنسا | النوع: دراما (2026)

عروض: أسبوع النقاد ـ مهرجان «كان»

على الرغم من أن فيلم سارة إسحاق يعرض وضعاً سياسياً ومجتمعياً عاماً يعيشه اليمنيون في ظل الميليشيات والحروب الأهلية وفوضى الحياة في بعض أقاليم اليمن، فإن المخرجة تتمتع بذكاء يجعلها لا تستغل قصتها لمعالجة الوضع سياسياً، ولا تسعى إلى تحويل آلام بطلتيها، ليال وشمس (منال المليكي وعبير محمد)، بعيداً عن الخط الإنساني الذي رسمته لفيلمها.

«المحطة» دراما عن امرأة تملك محطة بنزين خصصتها للنساء فقط. تعيش في بيت كبير مسيَّج له باب حديدي عريض. يدلُّنا الفيلم مباشرة على ما يعنيه ذلك من حرصها على تحييد نفسها عمَّا يدور في الجوار. هناك شباب مسلحون يتسلطون على شقيقها ليث لمجرد أنه أصغر من أن يقاوم.

وفي مشهدين متباعدين نراهم يتعرضون لأبرياء لا يقدرون على الدفاع عن أنفسهم. المشهد الثاني هو ذلك الذي يتعرض فيه ليث للضرب، فيهب صبي في الثالثة عشرة من عمره (طفل عملاق كما قالت عنه ليال) ويدافع عنه. الصبي، واسمه أحمد، كان قد ركب سيارة شقيقتها شمس عنوةً هارباً من التجنيد. لقاء ليال بأحمد يفتح الباب على تفاصيل العلاقة بينهما وبين شمس، ومخاطر الحياة في هذه البيئة العنيفة.

تبدو الدقائق العشرون الأولى عائمة، كما لو كانت تبحث عن مدخل للحكاية. وحال ولوجها، يسير الفيلم بخطوات واثقة ليعرض الإطارين: الداخلي (لبطلاته، ولنساء أخريات، ولشخصيتي ليث وأحمد)، والعام (الوضع القاسي بقسوة الصحراء التي تقع فيها الأحداث).

تعرف المخرجة كيف تستخرج أفضل ما يمكن لطاقمها من الممثلين توفيره من أداء. كل شيء في الفيلم يبدو حقيقياً، لأنه كذلك.

Death Has No Master ★★☆

إخراج: ‪جورج ثايلن أرمند‬

فنزويلا، إيطاليا | النوع: دراما (2026)

عروض: «نصف شهر المخرجين»

مهرجان «كان»

القصَّة هنا بسيطة، لكنها مشغولة بدوائر وخطوط متشابكة لا تخلو من التكلف. كارو (الإيطالية آسيا أرجنتو) تعود بعد غياب سنوات عديدة إلى المنزل القابع وسط أدغال فنزويلا. ترغب في بيعه، لكنها تكتشف أن المنزل الكبير محتل من قبل مجموعة من القاطنين من دون حق، بينهم صوفيا (دوغريكا توفار) المنحدرة من أصول أفريقية، التي تسكن فيه مع ابنها.

«الموت لا يعرف سيّداً» (فولوس فيلمز إيطاليا)

وصوفيا هي ابنة مشرف المنزل في أيام والد كارو.

يتسم اللقاء الأول بينهما بابتسامات حذرة، لكن التوتر يتصاعد بعد فترة قصيرة؛ فكارو تريد المنزل خالياً من السكان، بينما ترفض صوفيا الترحيل لأنها باتت جزءاً من المكان، وليس لديها مكان آخر تعيش فيه.

تكتشف كارو أن القانون يجيز لصوفيا والآخرين البقاء فيه، فيزداد الوضع سخونة والتباساً، وصولاً إلى نهاية دموية يفتقد فيها المخرج طريقاً آخر يختم الفيلم به.

ما هو بسيط يتمثل في ذلك الخط الأساسي: عودة امرأة إلى منزل والدها المهجور ومحاولتها طرد ساكنيه. أما ما هو معقد، فهو محاولة المخرج تزيين الحكاية بمشاهد أحلام وهواجس، ودفع الفيلم إلى الظهور بمظهر أكبر عبر إضافات تبقى ضعيفة الصلة بالحكاية نفسها.

بين ما هو بسيط وما هو معقد تكمن طروحات مثل تاريخ الاستيطان، والعنصرية بين ذوي الأصول الإسبانية ومن أتوا من وراء المحيط، وكذلك الفوارق بين الثراء والفقر. يقف المخرج في الوسط بين هذه الأبعاد، يعرضها ضمناً ولا يتخذ موقفاً واضحاً، باستثناء أن النهاية تشهد انتصار فريق على آخر.

All the Empty Rooms ★★☆

إخراج: جوشوا سفتل

الولايات المتحدة

النوع: تسجيلي قصير (2025)

عروض: منصّات

يعلن هذا الفيلم، الذي فاز هذا العام بجائزة أفضل فيلم تسجيلي قصير، منذ دقائقه الأولى حقيقة مروعة: ففي عام 1997 بلغ عدد حوادث العنف في المدارس الأميركية 17 حادثة، في حين أصبح عددها حالياً 132 حادثة في العام الماضي. لا يريد ستيف هارتمان، وهو صحافي يعمل في التلفزيون، البحث في أسباب انتشار ظاهرة العنف المسلح في المدارس، ولا ينشد تقديم ملفات ووثائق عن الموضوع، بل يُقابل عائلات فقدت أطفالها الصغار أو أبناءها في مقتبل العمر في حوادث إطلاق نار داخل المدارس.

«كل الغرف الخاوية» (نتفليكس)

يُشير العنوان إلى غرف نوم الضحايا التي حافظت كل عائلة عليها نظيفة ومرتبة. وهي نافذتها إلى ذكرى من فقدتهم.

هناك معالجة هادئة ومناسبة للموضوع، يلفها الحزن المنساب من الصور الفوتوغرافية والذكريات المنطوقة. لكن هارتمان لا ينسى نفسه أيضاً؛ إذ يقدم شخصه بوصفه إنساناً يحاول، من خلال الفيلم، إبقاء الذكرى حية. غير أن فاعلية ذلك تتعارض مع ظهوره المتكرر ولقطات وجهه القريبة، التي تمثل، ولو بقناعة محدودة، المشاعر المناسبة للحالات المعروضة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


رضا الباهي... مخرج البحث عن الهوية والذات

«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)
«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)
TT

رضا الباهي... مخرج البحث عن الهوية والذات

«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)
«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)

في عام 1976 أُقيمت دورة من مهرجان خُصص لما عُرف آنذاك بالسينما البديلة في بلدة بيت مري اللبنانية. حضر المهرجان عدد كبير من المخرجين العرب الذين كانوا قد بدأوا العمل على نوع مستقل من الأفلام يضمن لهم حرية أكبر في التعبير والإبداع. وجاءوا من سوريا، ولبنان، ومصر، وتونس، والمغرب، ومناطق عربية أخرى.

وكان من بين الحاضرين المخرج التونسي رضا الباهي الذي قدّم فيلمه الروائي الطويل الأول «شمس الضباع». وقد استُقبل الفيلم جيداً لأنه تناول قضية اجتماعية محورها اختلاف الثقافات والاهتمامات بين مستثمرين أجانب يعتزمون إقامة مشروعات سياحية ومواطنين تونسيين يعملون في الصيد ويتمسكون بتراثهم وتقاليدهم، وهي تقاليد ستصطدم، بلا ريب، بالغزو المفاجئ لثقافة مغايرة.

المواطنون والقادمون بعد 50 عاماً على تقديم هذا الفيلم في مهرجان بيت مري، عاد الباهي ليعرضه في احتفال خاص أُقيم في «قصر الثقافة» بالعاصمة التونسية قبل أيام. وقال لي إثر العرض: «كان الإقبال جيداً، وكانت المناسبة فرصة لاستعادة قضايا ما زالت حاضرة إلى اليوم، تتعلق بالهوية الوطنية وبالهوية المغايرة».

رضا الباهي (عليا فيلم)

يتحدث «شمس الضباع» عن ازدواجية المعايير، ويكشف عن بعض جوانب العلاقة غير المتكافئة بين الوافد وابن البلد، وكيف أن سياسة الانفتاح التي بدأ العمل بها في مطلع السبعينات قد تؤدي إلى صدام بين تقاليد راسخة وقيم جديدة وافدة.

هذا الطرح للاختلاف الثقافي والمجتمعي بين أبناء تونس والقادمين إليها للسياحة أو الاستثمار ظل هاجساً حاضراً في أعمال المخرج التونسي اللاحقة. وقد تجلى كذلك في فيلمه القصير «عتبات ممنوعة»، الذي يروي حكاية تونسي اعتدى جنسياً على سائحة أجنبية بعدما شاهدها تتجول وحيدة بملابس غير محتشمة. ومن خلال هذا العمل يدين الباهي محاولة الاستثمار في السياحة والصناعة في بلد يحتاج، قبل ذلك، إلى تطوير أوضاعه المعيشية ومفاهيمه الاجتماعية.

وعبر هذين الفيلمين بدأ الباهي يجذب الأنظار إليه عربياً وأوروبياً. ويقول: «عُرض (شمس الضباع) 3 أشهر متواصلة في باريس. هذا أمر لم يعد يحدث للأفلام غير الفرنسية، ولا للأفلام العربية على وجه الخصوص».

بعد 7 سنوات قدّم الباهي فيلمه الثالث «الملائكة» (1983)، الذي لم يكن تونسياً بالكامل؛ إذ جاء تمويله من الكويت ومصر، وشارك فيه ممثلون مصريون، من بينهم مديحة كامل، وكمال الشناوي، وليلى فوزي. وصحيح أن الأحداث دارت في تونس، لكن الشخصيات وحواراتها كانت مصرية في معظمها. ورأى نقاد تونسيون أن الدافع التجاري طغى على العمل، وأن النتيجة جاءت مخيبة للآمال.

هشام رستم ومهدي باهي في «صندوق عجب» (عليا فيلم)

المواطنون في عام 1989 قدّم الباهي فيلم «وشم على الذاكرة»، الذي عاد فيه إلى معالجة أحداث تونسية خالصة. وطرح الفيلم مسألة تعدد الهويات الثقافية داخل بلد منفتح على اتجاهات عدة.

تدور الأحداث في تونس المستقلة حديثاً عام 1955. ويفاجئ الاستقلال مجموعة من الشخصيات الأجنبية المقيمة في تونس؛ فيقرر بعضها الرحيل في حين يختار بعضها الآخر البقاء. وترتبط المغنية بيتي (جولي كريستي) بعلاقة مع بول (بن غازارا)، لكنه ليس الوحيد الواقع في حبها؛ إذ يشارك ابنه غير الشرعي ونيس (باتريك برويل) هذا الشعور، ما يخلق صدى واضحاً للعقدة الأوديبية الشهيرة.

والفيلم أكثر من مجرد قصة حب؛ لأن ما يدور في أرجائه من عواطف ورغبات يرتبط بمسائل الانتماء، وبالرغبة في التحرر من الماضي حتى قبل أن تتشكل ملامح المستقبل.

أما فيلمه التالي فكان «السنونو لا تموت في القدس» (1994)، الذي جلب للمخرج متاعب إعلامية جديدة لأنه اختار تصويره في فلسطين المحتلة. وبذلك أصبح أول مخرج عربي من خارج فلسطين يقدِم على هذه الخطوة. ولاحقاً أنجز زياد الدويري فيلم «الهجوم» (2012) الذي صُوّر هناك أيضاً.

ومنذ ذلك الحين قدّم الباهي 4 أفلام اختلفت موضوعاتها وحكاياتها، لكنها انتمت جميعاً إلى المنحى نفسه المرتبط بالهوية والانتماء.

كان أولها «صندوق عجب» (2002)، وهو أقرب أفلام الباهي إلى سيرته الذاتية. فمثل بطله، الذي أداه هشام رستم، تزوج الباهي من امرأة فرنسية هي ماريان باسلر، وسعى الاثنان إلى بناء شراكة عاطفية وأسرية دائمة قبل أن تتصاعد الخلافات الناجمة عن اختلاف الرؤى والاهتمامات.

أما مشروعه الأكثر طموحاً فجاء عام 2004 عندما قصد لوس أنجليس والتقى مارلون براندو، عارضاً عليه بطولة فيلم «براندو... براندو»، الذي يدور حول شاب تونسي يشبه براندو ويسعى إلى الاستعانة به لتحقيق حلم التمثيل في هوليوود. لكن وفاة براندو قبل اكتمال المشروع حالت دون إنجازه، فعاد الباهي في عام 2011 إلى تلك التجربة من خلال فيلم «دايماً براندو». وفي كلا العملين يتواصل البحث في مسألة الهوية وتبعات اللقاء غير المتكافئ بين الشرق والغرب.

وفي عام 2016 نقل المخرج اهتمامه إلى سوريا التي كانت لا تزال تعيش أتون حرب أهلية ضارية، فأنجز فيلم «زهرة حلب». ثم قدّم في عام 2022 أحدث أفلامه حتى الآن، وأحد أفضلها، وهو «جزيرة الغفران»، الذي عاد فيه إلى قضايا الهويات والقوميات، داعياً إلى التسامح والتفاهم بين الشعوب والثقافات.