الصين: قطاع الخدمات يتجاوز الصناعة ليصبح الأكبر مع تباطؤ النمو

وسط تحولات يعيشها ثاني أكبر اقتصاد في العالم

الصين: قطاع الخدمات يتجاوز الصناعة ليصبح الأكبر مع تباطؤ النمو
TT

الصين: قطاع الخدمات يتجاوز الصناعة ليصبح الأكبر مع تباطؤ النمو

الصين: قطاع الخدمات يتجاوز الصناعة ليصبح الأكبر مع تباطؤ النمو

يبدو أن الأيام التي كانت تعتمد فيها الصين على الصناعات التصديرية ومشاريع البنية التحتية كقاطرات للنمو الاقتصادي في البلاد ولت.
لقد أصبح قطاع الخدمات في الصين الآن أكبر من قطاعها الصناعي، كما تباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي، مما أحدث تحولات جذرية في الطلب الحالي والآجل على الطاقة في ظل عوامل تنموية وسياسية معقدة.
وبينما بلغت نسبة النمو في الناتج المحلي الإجمالي بالصين خلال الربع الثاني من هذا العام 7 في المائة، لم يتجاوز نمو الطلب على الطاقة في نفس الفترة 1.6 في المائة فقط. وينمو استهلاك النفط بواقع نصف المعدل الذي كان عليه قبل سنوات قليلة مضت، كما تراجع استهلاك الفحم في الشهور الأربعة الأولى من 2015 بمعدل سنوي بلغ 8 في المائة. وبحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز» توحي تلك الأرقام في الظاهر بأن تباطؤ الاقتصاد الصيني أكثر حدة مما تكشف عنه الإحصائيات الرسمية للناتج المحلي الإجمالي. لكن زو شيزو، مدير ورئيس وحدة «شينا إنرجي» في شركة «آي إتش إس إنرجي»، يقول إن الحقيقة ليست بهذه البساطة.
وقال السيد زو «إذا أمعنت النظر، يمكنك أن ترى نمطًا». ويضيف أن «هيكل الناتج المحلي الإجمالي مختلف تمامًا عن هيكل الطلب على الطاقة. إن هذه الأرقام ترسم صورة واضحة جدًا لتباطؤ استهلاك الطاقة في قطاع الصناعات الثقيلة».
ولأن الصناعات الثقيلة تسهم بنسبة كبيرة في استهلاك الطاقة، يصبح لأي تغيرات صغيرة في الاستهلاك تأثير كبير على البيانات الإجمالية. ويسهم التصنيع الثقيل بـ17 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي، بينما يمثل 41 في المائة من الطلب على الطاقة.
وأظهرت بيانات الربع الثاني من هذا العام تراجعًا سنويًا بلغ 0.9 في المائة في استهلاك قطاع الصناعات الثقيلة للطاقة، مقابل نمو الاستهلاك في قطاع الصناعات الخفيفة والقطاع التجاري بواقع 2.4 في المائة و8.7 في المائة على التوالي.
ويقول إدوارد سي تشو، وهو زميل كبير في برنامج الطاقة والأمن القومي بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن «مرت الصين بفترة استثنائية من النمو المرتفع في الطاقة، مدفوعة باستثمارات في الصناعات الثقيلة والبنية التحتية كثيفة الاستهلاك للطاقة.. وكان ذلك محتمًا له أن يتباطأ».
ويقول تشو إن الطلب الصيني على الطاقة ضخّم ومدد الدورات العالمية. وخلال الفترة التي شهدت ارتفاعًا في أسعار النفط، نمت الواردات الصينية بمعدل عال، وسجلت صعودًا بلغ مليون برميل يوميًا في 2010، نتيجة للإجراءات التحفيزية الحكومية التي جاءت ردًا على الأزمة المالية الأخيرة.
وأضاف: «والآن بعدما انخفضت أسعار النفط بأكثر من النصف، وتراجعت أسعار الفحم والغاز عالميًا، يبدو أن طلب الصين على الطاقة ونمو وارداتها يتباطأ بمعدل أقل من الأرقام الرسمية لنمو الناتج المحلي الإجمالي».
لقد مر الاقتصاد الصيني برحلة وعرة هذا العام، بالمقارنة بمعظم فترات السنوات الخمس والعشرين الماضية. ومن شأن ذلك أن يضع الاقتصاد في صدارة الأولويات على المدى القصير.
ويقول تاو وانغ، الباحث المقيم في برنامج الطاقة والمناخ بمركز كارنيغي - تسينغوا للسياسة العالمية في بكين، إن «آفاق الاقتصاد ستكون أقوى العوامل التي تشكل خطة الطاقة في الصين، لا سيما الخطة الخمسية المقبلة بين عامي 2016 و2020». يذكر أن العمل جار على استكمال الخطة التي من المتوقع تبنيها في مارس (آذار) 2016.
ويثير تراجع أسعار النفط مسائل أخرى. على سبيل المثال، تشكل آلية التسعير في شركات النفط الكبرى المملوكة للدولة سؤالاً صعبًا الآن، لكنه ليس بالصعوبة التي يكون عليها في بلد مثل روسيا، حيث تمثل إيرادات النفط أهمية حيوية للحكومة هناك. كما يتم طرح سؤال صعب آخر حول حجم الجهود التي تبذلها بكين لإنشاء احتياطيات استراتيجية وتجارية. ويقول تشو، في هذا الصدد، إنه «يبدو أن الصين تستغل تراجع الأسعار لإنشاء مخزونات نفطية استراتيجية، إلا أنه لا توجد بيانات كثيرة متاحة حول ذلك.. ويمثل توفر البيانات ودقتها وشفافيتها في الصين أمرًا مثيرًا للتحدي في العموم، بما في ذلك للسلطات نفسها».
وفيما يتعلق بالاستراتيجية النفطية والغازية لبكين في المدى القصير والمتوسط، يضيف تشو قائلا: «هناك ارتباك سياسي عام في هذه المرحلة، رغم أنه من المستبعد أن تتغير الأهداف طويلة الأجل المتمثلة في تنويع مصادر الطاقة ومساراتها».
وفي ظل أن المشاريع الكبرى لمد خطوط الأنابيب، التي تنفذها الصين بالتعاون مع روسيا وبلدان أخرى، دخلت بالفعل حيز التشغيل أو في طريقها إلى ذلك، بدأ أمن الطاقة، الذي كان في الماضي همًا أساسيا للصين، يتراجع أمام مشاكل أخرى أكثر إلحاحًا.
وقال وانغ «على المدى القصير، ستضاءل المخاوف بشأن تأمين إمدادات النفط والغاز». ويضيف أن اقتصاديات الصفقات والاستثمارات الحالية وسبل إصلاح قطاع النفط والغاز في البلاد في ضوء انخفاض أسعارهما - وأرباحهما - تتصدر المشهد في الوقت الحالي.
ونظرًا لقاعدة الاستهلاك الضخمة في الصين، تظل أحجام الطلب على النفط كبيرة. وتتوقع «آي إتش إس» أن تستمر الصين في لعب دور بارز في النمو العالمي لاستهلاك النفط، حيث ستسهم بما يتراوح بين 30 إلى 40 في المائة من النمو الجديد في الطلب على النفط حتى عام 2020.
وسجل العام الماضي نقطة تحول في استهلاك الفحم في المنطقة الساحلية بالصين، التي شهدت المرحلة الأولى من التنمية الاقتصادية المكثفة في أواخر سبعينات القرن الماضي. وقال زو من «آي إتش إس» إن استهلاك الفحم في منطقة الساحل بلغ ذروته في عام 2014، مع ارتفاع الاستهلاك في مناطق وسط وغرب البلاد.
وقال: «لقد بلغ الساحل الذروة لعدة أسباب، من بينها تباطؤ النمو وأيضًا الضغوط البيئية، التي كان من الصعب معها نشر محطات كهرباء تعمل بالفحم ومراجل صناعية جديدة». وأضاف أن استهلاك الفحم سيواصل، رغم ذلك، النمو ليبلغ أوجه عام 2020.
ويجري الآن إنشاء محطات جديدة في الداخل، لنقل الكهرباء إلى الساحل وخدمة احتياجات النمو للسكان المحليين أيضًا.
وبحسب تقرير «نيويورك تايمز» فإن الأيام التي كانت تعتمد فيها الصين على الفحم لإنتاج 75 في المائة من احتياجاتها من الكهرباء أوشكت على الانتهاء لسببين. الأول هو تحول اعتماد الاقتصاد على الصناعة، والتي تسهم حاليًا بـ80 في المائة من استهلاك الصين من الفحم. أما السبب الثاني فهو سياسي بحت، حيث اتفقت الصين والولايات المتحدة الأميركية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي على تقليص انبعاثات الغازات الدفيئة، مع تعهد الصين بأن تحقق ذروة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2030.
لقد ضخت الصين خلال السنوات الثلاثة الماضية استثمارات كبيرة وأولت اهتمامًا واسعًا بمصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية وطاقة المد والجزر. وتعد الصين أكبر مستثمر في هذه المصادر، إلا أنها شأنها شأن البلدان الأخرى، تكافح من أجل التعامل مع تحديات كثيرة من قبيل تمكين الشبكة الكهربائية من استيعاب التقطع في طاقة الرياح والشمس.
وقال السيد وانغ «قطاع الطاقة المتجددة ينمو بسرعة في الصين، رغم تباطؤ الاقتصاد.. الحكومة مصممة على جعله قطاعًا استراتيجيًا من أجل المستقبل، وسوف تزداد أهمية الدور الذي سيلعبه في نظام الطاقة الصيني خلال العقد المقبل».
لقد نالت الصين الاستحسان والثناء على الجهود التي تبذلها لدفع تقنيات الطاقة المتجددة قدمًا، لكنها تظل محدودة في ضوء الآثار الفورية على البيئة. وتسهم المصادر المتجددة بأقل من 1 في المائة من خليط الطاقة الحالي في الصين.
ويقول ريتشارد بروبيكر، مؤسس شركة الاستشارات «كوليكتيف ريسبونسبيلتي» ومقرها شنغهاي، إن تقليص الطلب عبر تحسين كفاءة استخدام الطاقة بالمباني في المدن الصينية، التي سيزداد عدد سكانها بواقع 300 مليون نسمة خلال العقد المقبل، لا بد أن يكون أحد الركائز التنموية.
ويضيف بروبيكر أن «المدن تحتاج بالفعل إلى البدء في تنفيذ برامج لتحسين كفاءة استخدام الطاقة، سواء كان ذلك من خلال الستائر الزجاجية أو نظم التكييف أو العزل أو وسائل أخرى.. هذه الاستثمارات يكاد يكون من المستحيل جمعها من خلال الاعتماد على المطورين أو المستثمرين وحدهم، لأن الدافع للاستثمار في هذه التقنيات يناسب المستثمرين المهتمين بالمكاسب قصيرة الأجل فقط».
وبخلاف الاستثمارات الكثيفة في مصادر الطاقة المتجددة، يحقق ضخ الأموال في تحسين كفاءة المباني عوائد أكبر، حسبما يؤكد بروبيكر.
ويعلق قائلا: «قلص حملها بواقع 40 في المائة، وستكون قد حققت إنجازًا في مجال تحسين استدامة الطاقة يفوق أي استثمارات في الطاقة الشمسية.. وساعتها يتم ضخ الاستثمارات في الطاقة المتجددة لتنظيف الإمدادات الباقية».



صندوق النقد الدولي يتوقع تباطؤ نمو اقتصاد اليابان جراء الحرب

ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)
ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي يتوقع تباطؤ نمو اقتصاد اليابان جراء الحرب

ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)
ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)

من المتوقع أن يتباطأ نمو الاقتصاد الياباني إلى 0.8 في المائة في عام 2026، تحت وطأة ضعف الطلب الخارجي، وتداعيات الصراع في الشرق الأوسط، وفقاً لما أعلنه صندوق النقد الدولي الذي أشاد بالمرونة الاقتصادية القوية لليابان في مواجهة الصدمات العالمية، لكنه أوصى بنك اليابان بمواصلة رفع أسعار الفائدة تدريجياً نحو مستوى محايد، لكبح التضخم الأساسي. وتأتي هذه التوقعات في وقت أبقى فيه بنك اليابان الباب مفتوحاً أمام مزيد من التشديد النقدي، مؤكداً أن تطبيع السياسة سيستمر إذا تحققت التوقعات الاقتصادية، والمالية، رغم المخاطر «الجديدة، والكبيرة» التي فرضتها الحرب على آفاق ثالث أكبر اقتصاد في العالم.

وذكر المجلس التنفيذي للصندوق، في ختام مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2026، أنه ينبغي على بنك اليابان «مواصلة تحريك سعر الفائدة نحو مستوى محايد»، لتحقيق مستهدف التضخم البالغ 2 في المائة، مؤكداً اتفاق أعضاء المجلس على أن البنك «يسحب سياسة التيسير النقدي بشكل مناسب».

وفي ظل حالة عدم اليقين الكبيرة بشأن الأوضاع الخارجية، شدد أعضاء المجلس على دعمهم لنهج «مرن، وشفاف، ويعتمد على البيانات»، مع التنبيه إلى ضرورة حماية القوة الشرائية للأسر التي بدأت تتآكل جراء التضخم السنوي، رغم الارتفاع التاريخي في الأجور الاسمية.

وكان المدير التنفيذي لبنك اليابان، كوجي ناكامورا أشار يوم الجمعة إلى أن أثر ارتفاع أسعار الوقود الناتج عن النزاع الإقليمي قد يكون أعمق من المرات السابقة؛ نظراً لاستعداد الشركات المتزايد لتمرير التكاليف إلى المستهلكين. وقد انعكست هذه التوترات الجيوسياسية مباشرة على قطاع الأعمال، حيث سجلت ثقة الشركات اليابانية في مارس (آذار) تدهوراً جماعياً شمل كافة القطاعات العشرة للمرة الأولى منذ عام 2023، متأثرة بقفزة تكاليف الشحن، والمدخلات اللوجيستية، وضعف الين بنسبة 2 في المائة منذ اندلاع الحرب، ما يضع طوكيو أمام اختبار صعب للموازنة بين التطبيع النقدي الذي يزكيه الصندوق، وحماية قطاع الخدمات الذي سجل أدنى نمو له في ثلاثة أشهر.

محافظ بنك اليابان كازو أويدا يحضر مؤتمراً صحافياً عقب اجتماع السياسة النقدية للبنك في طوكيو (رويترز)

إشادة بمرونة الاقتصاد

وفي تقييمهم للمرحلة المقبلة، أشاد المديرون التنفيذيون بالمرونة الاقتصادية القوية لليابان، لكنهم اتفقوا على أن الحرب في الشرق الأوسط تشكل مخاطر جديدة كبيرة على التوقعات، مؤكدين على ضرورة مواصلة إعادة بناء الاحتياطيات المالية، والمضي قدماً في تطبيع السياسة النقدية، ودفع إصلاحات سوق العمل لدعم مكاسب مستدامة في الأجور الحقيقية.

ورحب أعضاء مجلس الإدارة بجهود اليابان في ضبط أوضاعها المالية بعد الجائحة، مشددين على ضرورة اتباع موقف مالي أكثر حيادية على المدى القريب، وإجراء تعديلات مالية داعمة للنمو على المدى المتوسط، مدعومة بإطار مالي موثوق.

وبشأن خطة الحكومة اليابانية لخفض ضريبة الاستهلاك، شدد أعضاء المجلس على ضرورة أن «تستهدف أي إجراءات الأسر، والشركات الأكثر ضعفاً، وأن تكون مؤقتة، ومحايدة من حيث تأثيرها على الموازنة» لتجنب زيادة العجز المالي. كما دعا الصندوق إلى إصلاحات هيكلية تشمل إعادة تأهيل العمالة لمواجهة النزوح الوظيفي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، لضمان استمرار نمو الأجور الحقيقية، وصمود الاقتصاد أمام صدمات العرض الخارجية العنيفة.

لوحة مؤشر الأسهم معروضة داخل مبنى بينما تمر حركة المرور عند تقاطع شارع في طوكيو (إ.ب.أ)

الدين العام

فيما يخص ملف الدين العام، حمل بيان صندوق النقد الدولي تحذيراً صريحاً من المسار المستقبلي رغم الأداء المالي الجيد مؤخراً. وأوضح الصندوق أنه رغم أن الأداء المالي الأخير لليابان قد تجاوز التوقعات، فإنه من المنتظر أن يتسع العجز في عام 2026.

وحذر المديرون التنفيذيون من أن استمرار الارتفاع في الإنفاق على الفوائد، وتصاعد تكاليف الرعاية الصحية والخدمات طويلة الأجل الموجهة للسكان الذين يعانون من الشيخوخة، سيؤديان في نهاية المطاف إلى زيادة نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي اعتباراً من عام 2035.

ولمواجهة هذا السيناريو، شدد الصندوق على النقاط التالية:

- الحذر المالي: ضرورة تبني خطة مالية حازمة تضمن وضع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي على مسار نزولي مستدام.

- إطار مالي موثوق: دعا الصندوق إلى إجراء تعديلات مالية داعمة للنمو على المدى المتوسط، مدعومة بإطار عمل يضمن الحفاظ على ثقة الأسواق في ظل ضغوط الإنفاق طويلة الأجل.

- كفاءة الإنفاق: أوصى المديرون بتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي، وتعزيز تدابير تعبئة الإيرادات المستدامة لمواجهة «الفاتورة» المتزايدة لفوائد السندات، وتكاليف الرعاية الاجتماعية.


«رياح الشرق» تعصف بالتضخم الأميركي وسط توقعات لقفزة كبرى

شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)
شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)
TT

«رياح الشرق» تعصف بالتضخم الأميركي وسط توقعات لقفزة كبرى

شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)
شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)

يدخل الاقتصاد العالمي أسبوعاً حاسماً، حيث تجد الأسواق المالية نفسها محاصرة بين فكي كماشة: من جهة، بيانات التضخم الأميركي المرتقبة التي تعكس أثر صدمة الطاقة، ومن جهة أخرى، مرونة سوق العمل التي أظهرت انتعاشاً قوياً فاق التوقعات، مما يضع البنوك المركزية أمام معضلة تاريخية في تحديد مسار الفائدة.

قبل صدور بيانات التضخم المحورية، تلقى المستثمرون جرعة من التفاؤل الحذر مع صدور أرقام الوظائف لشهر مارس (آذار). فقد أضاف الاقتصاد الأميركي 178 ألف وظيفة، متجاوزاً التوقعات التي كانت تشير إلى 65 ألفاً فقط، وهو ارتداد قوي بعد شهر فبراير (شباط) الذي تضرر بفعل الإضرابات والعواصف الشتوية.

ومع انخفاض البطالة إلى 4.3 في المائة، تبدو الصورة وردية، غير أن التفاصيل تشير إلى تركز التوظيف في قطاعات محدودة مثل الرعاية الصحية والضيافة، بينما تعاني قطاعات أخرى من حالة جمود.

ويرى المحللون أن هذا الانتعاش قد يكون مؤقتاً، حيث يهدد استمرار الصراع في الشرق الأوسط بدفع أصحاب العمل نحو سياسات تقشفية نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود وضغوط الربحية.

وقال كبير استراتيجيي الاستثمار المشارك في شركة «مانوليف جون هانكوك»، ماثيو ميسكين: «سيكون من الصعب صرف انتباه السوق عن الشرق الأوسط وأسعار النفط والمخاطر الناشئة، فالمستثمرون يركزون على التطورات الجيوسياسية وأسعار الطاقة».

ساعة الحقيقة

تتجه الأنظار يوم الجمعة إلى صدور مؤشر أسعار المستهلكين، حيث تشير التوقعات إلى قفزة حادة في التضخم الرئيسي ليصل إلى 3.4 في المائة، وهو ارتفاع كبير مقارنة بنسبة 2.4 في المائة المسجلة في فبراير الماضي. هذا الفارق يعكس بشكل مباشر الأثر الأولي لارتفاع أسعار الوقود والطاقة العالمية منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، مما ينهي فترة الاستقرار النسبي التي شهدتها الشهور السابقة.

عامل بناء يعمل في منزل جديد قيد الإنشاء في مدينة ألهامبرا بولاية كاليفورنيا (أ.ف.ب)

وقال بنك «بي إن بي باريبا» في مذكرة استباقية لتقرير مؤشر أسعار المستهلكين: «نتوقع أن تظهر تأثيرات أسعار النفط على الوقود بدءاً من مارس».

«العدوى» التي تخشاها الأسواق

لا يتوقف القلق عند أسعار الطاقة فحسب، بل يمتد إلى التضخم الأساسي (الذي يستثني الغذاء والطاقة). فبعد أن استقر هذا المؤشر عند 2.5 في المائة في فبراير، تتوقع الأسواق ارتفاعه إلى 2.7 في المائة في مارس. هذا الارتفاع المستمر يشير إلى أن ضغوط التكلفة بدأت تتسرب إلى السلع والخدمات الأخرى، وهو ما يعزز من مخاوف «جمود التضخم» بعيداً عن مستهدفات «الاحتياطي الفيدرالي» (2 في المائة)، ويقلل من احتمالات خفض أسعار الفائدة في وقت قريب.

قبل صدور بيانات التضخم، سيحلل المستثمرون يوم الأربعاء محاضر اجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» الأخير لفهم كواليس القرار وتوجهات صانعي السياسة بشأن أسعار الفائدة. وتشير بيانات مجموعة بورصة لندن إلى أن أسواق المال الأميركية تتوقع حالياً ثبات أسعار الفائدة في الأشهر المقبلة، مع احتمال بنسبة 27 في المائة لخفضها بحلول نهاية عام 2026. وقال محللون إن قراءة مؤشر أسعار المستهلكين لشهر مارس «ستظهر التأثير الأولي لارتفاع أسعار الطاقة، حتى وإن كانت الولايات المتحدة بمنأى نسبياً عن هذا التأثير نظراً لكونها مُصدِّراً صافياً للنفط والغاز». ورجحوا أن يُولى اهتمام كبير للرقم الأساسي، الذي يستثني تكاليف الغذاء والطاقة المتقلبة، لفهم ما إذا كان التضخم ينتشر على نطاق أوسع في الاقتصاد.

كما ستصدر بيانات أخرى مهمة تشمل مسح (ISM) للخدمات يوم الاثنين، وطلبات الإعانة الأسبوعية يوم الخميس. وفي سوق السندات، ستختبر وزارة الخزانة الأميركية شهية المستثمرين عبر مزادات لبيع نوتات وسندات لآجال (3 و10 و30 عاماً)، وهي اختبارات حاسمة للعوائد في ظل حالة عدم اليقين.

عامل يملأ خزان سيارة في محطة وقود بشنغهاي (أ.ف.ب)

الصين وآسيا

خارج الولايات المتحدة، تعيش القوى الكبرى حالة استنفار مماثلة. إذ تترقب الأسواق يوم الجمعة أول تقرير كامل للتضخم في الصين منذ اندلاع الحرب. وتشير التوقعات إلى خروج مؤشر أسعار المنتجين من المنطقة السالبة ليصل إلى 0.5 في المائة بعد ثلاث سنوات من الانكماش، وهو ما يعكس انتقال ضغوط التكلفة العالمية.

وفي اليابان، يراقب البنك المركزي نمو الأجور والإنفاق المنزلي، بينما تستعد كوريا الجنوبية ونيوزيلندا والهند لاجتماعات بنوكها المركزية وسط توقعات بتثبيت الفائدة، مع تبني نبرة «حذرة» لمواجهة ضعف العملات المحلية أمام الدولار القوي.

الحي المالي في مدينة لندن (رويترز)

أوروبا وبريطانيا

تبدأ الأسواق الأوروبية أسبوعاً قصيراً بعد عطلة الفصح، مع التركيز على بيانات الإنتاج الصناعي في ألمانيا وإيطاليا. وفي بريطانيا، يبرز مسح «RICS» لأسعار المنازل يوم الخميس؛ حيث يخشى المستثمرون من أن يؤدي ارتفاع معدلات الرهن العقاري - مدفوعاً بتوقعات رفع الفائدة - إلى كبح الطلب في سوق الإسكان الذي بدأ يعاني بالفعل.

وتكتمل الصورة مع صدور بيانات التضخم في الفلبين وتايلاند والنرويج، وهي دول تتأثر بشكل مباشر بتقلبات إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط. وفي تايوان، رغم ضغوط التضخم، تظل صادرات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي هي صمام الأمان، مع توقعات بنمو صادراتها بنسبة قد تصل إلى 35.5 في المائة.


عوائد السندات الأميركية ترتفع مع مفاجأة الوظائف في مارس

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

عوائد السندات الأميركية ترتفع مع مفاجأة الوظائف في مارس

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية يوم الجمعة بعد أن أظهرت البيانات أن أكبر اقتصاد في العالم أضاف وظائف أكثر بكثير من المتوقع في مارس (آذار)، مما عزز التوقعات بأن «الاحتياطي الفيدرالي» سيُبقي أسعار الفائدة ثابتة لفترة أطول ولن يخفضها قريباً.

وارتفع عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 3.3 نقطة أساس بعد صدور بيانات الوظائف، ليصل إلى 4.347 في المائة. ومع ذلك، انخفضت عوائد السندات لأجل 10 سنوات خلال الأسبوع بنحو 9.4 نقطة أساس، متجهةً نحو تسجيل أكبر انخفاض أسبوعي لها منذ 23 فبراير (شباط)، وفق «رويترز».

كما صعد عائد السندات لأجل عامين، الذي يعكس توقعات أسعار الفائدة، بمقدار 5.2 نقطة أساس ليصل إلى 3.85 في المائة. وحتى الآن هذا الأسبوع، انخفضت عوائد السندات الأميركية لأجل عامين بمقدار 6 نقاط أساس، مسجلةً أكبر انخفاض أسبوعي منذ أواخر فبراير.

انتعاش سوق العمل وتراجع البطالة

أظهرت البيانات أن نمو الوظائف في الولايات المتحدة انتعش بأكثر من المتوقع الشهر الماضي، حيث أضيف 178 ألف وظيفة بعد انخفاض معدل التعديل نزولاً إلى 133 ألف وظيفة في فبراير، مدعوماً بانتهاء إضراب العاملين في مجال الرعاية الصحية وارتفاع درجات الحرارة. كما انخفض معدل البطالة بشكل طفيف إلى 4.3 في المائة، مقارنة مع 4.4 في المائة في الشهر السابق.

مع ذلك، قال المحللون إن التقرير لم يكن بالقوة التي بدا عليها.

وأوضح زاكاري غريفيث، رئيس قسم الائتمان ذي الدرجة الاستثمارية في شركة «كريديت سايتس» بمدينة شارلوت في ولاية كارولاينا الشمالية: «كان رد فعل سوق السندات أقل حدةً بعض الشيء. شهدنا مراجعات نزولية إضافية. بلغ مؤشر فبراير -133 ألف وظيفة، ما يشير بوضوح إلى وجود تقلبات كبيرة في هذه البيانات».

توقعات الأسواق المالية والسياسة النقدية

في آجال استحقاق أطول، ارتفعت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً بمقدار 2.4 نقطة أساس لتصل إلى 4.914 في المائة. إلا أن هذه العوائد انخفضت هذا الأسبوع بمقدار 7 نقاط أساس، مسجلةً أكبر انخفاض أسبوعي منذ 23 فبراير.

وأشارت تقديرات مجموعة بورصة لندن إلى أن العقود الآجلة لأسعار الفائدة الأميركية يوم الجمعة توقعت انخفاضاً طفيفاً في أسعار الفائدة بمقدار نقطة أساس واحدة فقط هذا العام، بانخفاض عن 7 نقاط أساس في وقت متأخر من يوم الخميس و55 نقطة أساس قبل اندلاع الصراع في الشرق الأوسط.

وقال غريفيث: «إن عتبة أي تعديلات في السياسة النقدية من قِبَل (الاحتياطي الفيدرالي) مرتفعة للغاية في الوقت الراهن. ربما هم في وضع الترقب والانتظار، لا سيما بعد أن تجاوزت بيانات الوظائف المعلنة التوقعات بأكثر من 170 ألف وظيفة، وهو رقم يفوق بكثير ما كان يتحدث عنه (الاحتياطي الفيدرالي) في ما يتعلق بمستوى التعادل للبطالة».