انهيار المنظومة الصحية في غزة يهدد آلاف الجرحى والمرضى

توقف المستشفيات وقلة الأطباء يثيران المخاوف من موت أعداد أكبر مقارنة بالقصف

مخلفات طبية متناثرة خارج قسم الطوارئ في «المستشفى الإندونيسي» في شمال قطاع غزة بعد مداهمة من القوات الإسرائيلية (أ.ف.ب)
مخلفات طبية متناثرة خارج قسم الطوارئ في «المستشفى الإندونيسي» في شمال قطاع غزة بعد مداهمة من القوات الإسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

انهيار المنظومة الصحية في غزة يهدد آلاف الجرحى والمرضى

مخلفات طبية متناثرة خارج قسم الطوارئ في «المستشفى الإندونيسي» في شمال قطاع غزة بعد مداهمة من القوات الإسرائيلية (أ.ف.ب)
مخلفات طبية متناثرة خارج قسم الطوارئ في «المستشفى الإندونيسي» في شمال قطاع غزة بعد مداهمة من القوات الإسرائيلية (أ.ف.ب)

لا يمكن رسم صورة لحجم المأساة في غزة بفعل الحرب الإسرائيلية، والتي لا تتوقف عند الرقم الكبير للضحايا وحجم التدمير الهائل، وتتعدى النقص في كل شيء أساسي، مثل الكهرباء والماء والغذاء والوقود، إلى الخشية من تضاعف أرقام ضحايا هذه الحرب، بسبب انهيار المنظومة الصحية في وضع يوجد فيه عشرات آلاف الجرحى والمرضى، ووضع يساعد في انتشار أمراض معدية محتملة.

وتعمدت القوات الإسرائيلية منذ بداية الحرب استهداف المستشفيات، قبل أن تقتحمها في مدينة غزة وشمال القطاع، وتقوم بإخراجها عن الخدمة نهائياً، بعد قصف وتدمير وتخريب وإجبار الأطباء والمرضى والنازحين على مغادرتها، ما ترك هؤلاء في مهب الريح، من دون مستشفيات، ومن دون أطباء، ومن دون أدوية.

من استهداف مجمع «الشفاء» (رويترز)

وعانى إسماعيل صقر (39 عاماً) من سكان حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، بعد إصابته قبل نحو أسبوع ونصف بشظية صاروخ إسرائيلي استهدف منزلاً مجاوراً لمنزله، طويلاً، حتى تمكن من الحصول على علاج مناسب، لكنه مؤقت، في محاولة للحفاظ على يده ومنع بترها.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن أشقاءه بذلوا جهداً كبيراً من أجل أن يحصل على علاج فوري بعد إصابته، لكن ذلك كان شبه مستحيل في «مستشفى المعمداني» الذي ظل يعمل في مدينة غزة جزئياً في ظل نقص الكوادر الطبية والمستلزمات.

في كل مرة، كان موعد علاج صقر يتأجل في المستشفى، فاضطر إخوته لمضاعفة جهودهم، وعبر شبكة علاقات واسعة، اتفقوا مع طبيب عظام للقيام بالعملية الجراحية في «مستشفى كمال عدوان» شمال القطاع، في محاولة لمنع بتر يده اليمنى.

طفلة تنتظر تلقي العلاج في مستشفى «الشفاء» بمدينة غزة (أ.ف.ب)

استمرت عملية صقر 3 ساعات حتى نجح الأطباء في تثبيتها مؤقتاً، وأوصوهم بضرورة نقله للعلاج بالخارج إذا لم يرد توديع يده. وقال شقيقه أحمد إنه بعد معاناتهم الطويلة جراء إصابة شقيقهم، عليهم أن يختبروا معاناة أكبر في نقله للخارج. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكن أن تحصل على حقك في العلاج هنا بشكل طبيعي. كثيرون ماتوا أثناء محاولة ذلك. الوضع مأساوي».

ويحتاج 35 ألف جريح، وفق وزيرة الصحة الفلسطينية مي الكيلة، للعلاج بشكل مستعجل، لكن لم ينقل منهم سوى 470 إلى مستشفيات مصرية. وقال الناطق باسم وزارة الصحة في غزة أشرف القدرة، إن الآلية المتبعة في إخراج الجرحى للعلاج خارج القطاع بطيئة للغاية، ولا تتماشى مع الأعداد الكبيرة من الحالات الخطيرة والحرجة والحروق الشديدة التي من المفترض أن تخرج للعلاج، محذراً من أن «استمرار الآلية المتباطئة لإخراج الجرحى للعلاج بالخارج سيؤدي إلى فقد العشرات من الجرحى والمصابين لحياتهم».

وتوقفت جميع مستشفيات مدينة غزة باستثناء «المعمداني»، وجميع مستشفيات شمال القطاع باستثناء «كمال عدوان»، لكن مع وجود عدد قليل من الأطباء والممرضين، ونقص في كل شيء.

وكانت القوات الإسرائيلية قد أجبرت الأطباء والممرضين بعد اقتحامها المستشفيات في مدينة غزة وشمال القطاع، على مغادرتها ضمن قوافل طبية تقل المرضى والمصابين إلى مستشفيات جنوب القطاع التي لا تتسع لهذه الأعداد من الجرحى والمرضى، ولا تملك إمكانات المستشفيات في وسط وشمال القطاع.

دفن جثث فلسطينيين قُتلوا في الغارات الإسرائيلية على غزة بعد نقلهم من مستشفى «الشفاء» (رويترز)

بعض الأطباء اعتُقلوا، مثل محمد أبو سلمية، مدير «مجمع الشفاء الطبي»، أكبر مستشفى في قطاع غزة.

واشتكى مواطنون من أنهم، حتى بعد وصولهم إلى «المعمداني»، و«كمال عدوان» لم يتلقوا العلاج، لأنهم لم يجدوا أطباء متخصصين هناك، ولمسوا بأنفسهم النقص الحاد في المستلزمات الطبية والأدوية. وكانت وزارة الصحة قد أطلقت نداءً لكل طبيب أو ممرض بقي في وسط وشمال القطاع، للتوجه إلى «المعمداني» أو «كمال عدوان»، من أجل المساعدة في إنقاذ الناس.

وقالت مارغريت هاريس المتحدثة باسم «منظمة الصحة العالمية»، إن عدداً أكبر من سكان غزة معرضون للموت بسبب الأمراض مقارنة بالقصف، في حال لم تجرِ إعادة بناء النظام الصحي في القطاع بسرعة، وذكرت: «في نهاية المطاف، سنرى عدداً أكبر من الناس يموتون بسبب الأمراض مقارنة بالقصف إذا لم نتمكن من إعادة بناء هذا النظام الصحي»

وفعلاً كادت سامية حسان (61 عاماً)، التي عانت أياماً من وعكة صحية شديدة ألّمت بها، أن تفقد حياتها. واضطرت للجوء لطرق بدائية عبر توفير بعض المياه والملح والخل، لاستخدامها بديلاً للمحلول الطبي الذي كان يساعدها على تجاوز أزمتها الصحية.

وتقول حسان من سكان مخيم الشاطئ، ونازحة في مدرسة للإيواء شمال مدينة غزة، إن الظروف الصعبة التي مرت بها، دفعت أبناءها للتفكير في بدائل، من أجل سلامتها، وخشية فقدان حياتها.

طفلة فلسطينية تُدعى نور تتلقى الرعاية بعد إصابتها جراء القصف في غزة في مستشفى العريش بمصر (أ.ب)

وقال جميل حسان، نجل سامية لـ«الشرق الأوسط»: «كدنا نفقدها. ارتفع ضغط الدم، وكذلك معدل السكري لديها، ولم نجد أي مستشفى وأي علاج لها بعد تعمد الاحتلال تخريب كل المعدات في المستشفيات، بحثنا وسألنا ولجأنا إلى الطب البديل. كانت أياماً صعبة».

ورغم دخول بعض المواد الطبية ضمن المساعدات الإنسانية، فإنه لم يصل سوى القليل جداً منها إلى مناطق مدينة غزة، وشمال القطاع. ومن بين ما تفتقده المستشفيات والعيادات الطبية بمدينة غزة وشمال القطاع، التلقيحات الخاصة بالأطفال. ولم تجد سهير شعبان أي أنواع من التطعيمات المضادة للأمراض المنتشرة في فصل الشتاء. وكانت تتلقى مع أطفالها تطعيمات مضادة للإنفلونزا مع بداية الفصل.

ومخاوف الناس في القطاع مرتفعة اليوم أكثر، في ظل وجود وتحلل جثث تحت الأنقاض، وانتشار الروائح الكريهة، واختبار أمراض جلدية معدية، وتحذيرات خبراء من عودة أمراض سارية ومعدية. وقالت وزارة الصحة في غزة إنه لم يحدث حتى اللحظة حصر الإصابات والوفيات الموجودة تحت الأنقاض خلال فترة الهدنة، حيث ما زالت الاتصالات مقطوعة وصعبة بين المستشفيات.


مقالات ذات صلة

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

المشرق العربي مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

خاص إسرائيل تواصل تصفية نشطاء بارزين بـ«حماس» و«الجهاد»

تواصل إسرائيل استهداف نشطاء بارزين في «حماس» و«الجهاد الإسلامي» بقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون قادمون من رفح يصلون إلى مستشفى «ناصر» في خان يونس (رويترز) p-circle

غزة: 225 مسافراً عبر معبر رفح خلال أسبوع وسط قيود مستمرة

شهدت حركة السفر عبر معبر رفح البري عبور 225 مسافراً، خلال الفترة من الثاني إلى التاسع من الشهر الجاري.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي جانب من الدمار جرَّاء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ب) p-circle

إندونيسيا تستعد لإرسال 8 آلاف جندي إلى غزة دعماً لخطة ترمب

تستعد إندونيسيا لإرسال ما يصل إلى 8 آلاف جندي إلى غزة، دعماً لخطة السلام التي يطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

5 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة

كشف مسؤولون بقطاع الصحة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، جراء غارات جوية وإطلاق نار من جانب القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

تواصل إسرائيل حملتها لتصفية نشطاء بارزين في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، من خلال هجمات جوية تنفذها داخل مناطق غرب «الخط الأصفر»، مستغلة خروج عناصر مسلّحة من أنفاق رفح وتحييدهم، كحدث أمني تعدُّه خرقاً لاتفاق وقف النار، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف كانت قد رصدتها سابقاً.

وقُتل فلسطينيان، أمس، في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة هوائية كهربائية، وسط قطاع غزة، أحدهما هو عاصم أبو هولي، قائد وحدة النخبة في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي».

وكانت إسرائيل شنت، الاثنين، غارة على شقة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، مستهدفة 3 نشطاء بارزين في كتيبة بيت حانون، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس».

من جهة أخرى، جاءت ردود الفعل الأميركية على الإجراءات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية «خجولة»، مع تأكيد مسؤول في البيت الأبيض، لم يعلن عن اسمه، معارضة الرئيس دونالد ترمب، لعملية الضم، من دون انتقاد مباشر للإجراءات أو تلويح بأي خطوة رادعة.


تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».