بن لادن لقيادي {القاعدة} الوحيشي: لا بد أن يبقى اليمن هادئًا وندخره جيشًا احتياطيًا

{الشرق الأوسط} تنشر رسائله.. وشفرته: عليكم برأس الأفعى

مصطفى أبو اليزيد قيادي القاعدة في شريط  لمؤسسة «سحاب»
مصطفى أبو اليزيد قيادي القاعدة في شريط لمؤسسة «سحاب»
TT

بن لادن لقيادي {القاعدة} الوحيشي: لا بد أن يبقى اليمن هادئًا وندخره جيشًا احتياطيًا

مصطفى أبو اليزيد قيادي القاعدة في شريط  لمؤسسة «سحاب»
مصطفى أبو اليزيد قيادي القاعدة في شريط لمؤسسة «سحاب»

كان أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة، مستغرقًا في إصدار تعليماته عبر وصايا مشفّرة على ذاكرة إلكترونية، محذّرًا من «الدرون» (الطائرات من دون طيار) الأميركية إبان عملية خروج نجليه محمد وحمزة وزوجته من إيران. وتخيّر الليالي والأيام الغائمة في بيشاور لتبادل رسائله، عبر وسطاء مأمونين من الأنصار من أهل باكستان وأفغانستان. وكان يتم إجراء اللقاءات في أسواق مغلقة مغطاة، بل إنه في إحدى الرسائل قال: «(الدرون) لن تنال منكم ما لم تقعوا في أخطاء بشرية»، إلا أنه في ذلك الوقت ما كان يعلم أن الأقمار الصناعية الأميركية تراقبه على مدار الساعة قبل شهور من مقتله يوم 2 مايو (أيار) 2011 في مدينة أبوت آباد الباكستانية، حيث التقطت وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) الأميركية آلاف الصور له وهو يتحرك في باحة منزله.
وتكشف رسائل أسامة بن لادن، التي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخ منها، أنه كان على الدوام مسكونًا بهاجس الأمن، وكان يصدر تحذيراته ووصاياه لرجاله وكبار قادته، مثل سعيد المحاسب (مصطفى أبو زيد)، الذي قتل بغارة من طائرة «درون» في وزيرستان ليخلفه الشيخ محمود (عطية الله) القيادي الليبي، وكذلك أبو بصير (ناصر الوحيشي) زعيم التنظيم في جزيرة العرب - الذي قتل أيضًا في يونيو (حزيران) الماضي، وخلفه قاسم الريمي، وعزام الأميركي (المتخصّص بترجمة خطاباته في المناسبات الكبرى إلى الإنجليزية).
كل هؤلاء كانوا يصغون لتعليماته وينفذونها. لكن وفق «أصوليين» قريبين من شؤون «القاعدة» في العاصمة البريطانية لندن، فإن بن لادن كان يهيم في الوقت ذاته بضرب «رأس الأفعى» أو تخطيط ضربات وهجمات جديدة ضد أميركا بعد هجمات سبتمبر (أيلول) 2001.
ويقول متخصصون في «الجماعات الأصولية»، لـ«الشرق الأوسط»، إن عملية الكوماندوز التي نفذت على مخبأ بن لادن وقتلته لم تضم فقط القوة العسكرية، بل بجانب الجنود الخمسين الذين شاركوا هناك ضمت نحو عشرين من عملاء «سي آي إيه» كانت مهمتهم وضع اليد على الكنز السرّي لأرشيف بن لادن. خلال 40 دقيقة صادر هؤلاء 10 آلاف صفحة، و15 كومبيوترا، وعشر أسطوانات، ومئات من قطع الذاكرة الإلكترونية (يو إس بي)، ودفاتر صغيرة في حجم كف اليد كان يدوّن فيها بن لادن مذكراته وملاحظاته ومفاتيح وأفكارا لمستقبل التنظيم.
ووفق «الأصوليين» الذين اطلعوا على نسخ من الرسائل فإنها في مجملها نصائح أمنية وتوجيهات من وإلى، أي من بن لادن إلى القيادات العليا في التنظيم، وأن الرسائل كانت تسلّم عبر طرف ثالث باليد في ذاكرة إلكترونية مشفرة، ولم يحدث أن التقى بن لادن مع نائبه أيمن الظواهري أو عطية الله الليبي أو الوحيشي أو عزام الأميركي منذ سقوط دولة طالبان نهاية عام 2001، ومغادرتهم تورا بورا، إذ توجه كل منهم إلى مخبأ ومقر آمن.
ويشير هؤلاء أن وسطاء «القاعدة» في نقل الرسائل كانوا من الأنصار المأمونين، أي من أهل باكستان وأفغانستان، وهم الذين تولوا استئجار المنازل لقيادات «القاعدة» في باكستان وفي داخل الشريط الحدودي، مثل «أبو أحمد الكويتي» (رسول بن لادن) في أبوت آباد.
وتتضمن مجموعة الرسائل إلى بن لادن نصائح عن الأماكن الآمنة، منها تسليم الرسائل في أسواق مسقوفة، أي مغطاة، كي لا تتمكن «الدرون» من متابعة عناصر «القاعدة» أثناء «التسليم والتسلم». إذ يقول بن لادن في إحدى تلك الرسائل: «تخيروا الليالي الغائمة، ومعظم أيام بيشاور الحدودية غائمة. (الدرون) لا تستطيع أن تنال منكم إلا بخطأ بشري». وفي رسالة للقيادي الليبي عطية الله نصحه بألا يسمح بزيارة لأكثر من شخصين. ويضيف بن لادن: «أنا في مكان جالس هنا تسع سنوات، ومطبق التعليمات الأمنية على نفسي بلا ضجر أو ملل».
وعطية الله - أو عطية عبد الرحمن - هو جمال إبراهيم شتيوي المصراتي، رسول بن لادن إلى الإيرانيين، ولقد قتل في غارة أميركية في وزيرستان الشمالية عام 2010 بعدما رصدت واشنطن لرأسه مليون دولار. وكان بن لادن قد عينه ممثلا له في إيران لتجنيد المسلحين وتسهيل التواصل مع «جماعات إسلامية» أخرى لتنفيذ المخططات الإرهابية. وهو الفقيه الشرعي وخبير المتفجرات الذي تلقى العلوم الشرعية في موريتانيا من قدامى المقاتلين في أفغانستان. ومن مؤلفاته «رؤية كاشفة: حزب الله اللبناني والقضية الفلسطينية»، وعرض خلاله على المواقع المقربة من «القاعدة» للموقف من حزب الله وارتباطه بإيران، وحاول تقديم شرح لأهدافه.
وبرز اسم عطية الله كثيرا خلال الفترة التي كان فيها أبو مصعب الزرقاوي يتولى قيادة تنظيم القاعدة في العراق قبل مقتله عام 2006. ويقال إن الزرقاوي قدمه ووطد موقعه لحاجته إلى معرفته بالعلوم الدينية. ويعتقد البعض أن عطية الله، وهو اسم كنية، هو نفسه لويس عطية الله، واسمه الحقيقي جمال، وتخصص في الدفاع عن وجهة نظر تنظيم القاعدة بمشاركات في المواقع الإسلامية.
وفي رسالة أخرى يقول بن لادن: «ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار عند اختيار المناطق التي سيكون فيها الإخوة داخل باكستان ألا تكون من الأماكن التي تعرضت للفيضانات أو المحتمل تعرضها في المستقبل».
وفي رسالة إلى عطية الله يتحدث بن لادن عن ابنه حمزة، فيقول: «جزاكم الله على سعيكم لإخراجه من إيران، وأما بخصوص الخيارات فإنني أرى الخيار الثالث، وهو أن يخرج بأسرع ما يمكن إلى بلوشستان، على أن تكون طريقا للوصول إلى السند، ولا يقابل أيًا من الإخوة هناك، وبعد وصوله سيتصل بشخص في بيشاور، أرفقنا رقم هاتفه في رسالة إلى حمزة، ليتفق معه على مكان محدد في بيشاور، وهو شخص مضمون، وقد أبلغنا بأن حمزة سيتصل به وسيكون اسمه أحمد خان، وأن طريقة الخروج ستصل إلى حمزة بالتفاصيل».
ويضيف بن لادن في رسالته: «أما في ما يخص تلقيه للتدريبات، ريثما ترتبون له الخروج، فأرى أن يكمن في هذه المرحلة، ويؤجل التدريب إلى فرصة أخرى، فلا يخرج إلا لضرورة ملحة، وقد أشرت للشيخ سعيد رحمه الله من قبل بضرورة إبعاد غير المعنيين بالعمل ما دام في العمل احتمال خطر، فإبعاد الأطفال من باب أولى، بعد إصدار (سحاب) لشريط ظهر فيه طفل إلى جانب أحد الإخوة، وهو يعد متفجرات، وقد وجهت تعميما بهذا الشأن إلى الإخوة (ملاحظة في هذه الشريحة رقم هاتف أحد الإخوة ضمن رسالة حمزة، فأرجو أن يسجل حمزة الرقم على ورق قبل كسر الشريحة خشية وقوع الرقم)!».
ويتطرق بن لادن إلى الاتصالات بين نجليه محمد وحمزة، فيقول: «حبذا أن يتصل أحد الإخوة في الأماكن التي لا تخشون أمنيا الاتصالات فيها، ويبلغ محمد بأن والده يطلب منه أن يذهب هو ووالدته وإخوته جميعا بأسرع ما يمكن إلى قطر، ويقيموا فيها إلى أن يأتي الفرج، وهو قريب بإذن الله، وإن تعذر الذهاب بعد الأخذ بجميع الأسباب لتحقيقه يذهبون إلى الحجاز».
ويطلب بن لادن من رسوله محمود عطية الليبي في ما يتعلق بالأموال: «حبذا أن تفيدني عن المبالغ القادمة، من داخل باكستان ومن خارجها، مع ذكر المبالغ الواردة من كل قطر على حدة».
وضمن الاحتياطات الأمنية والنصائح التي لم يتوقف بن لادن عن إسدائها في رسائله يقول: «ثبت أن التكنولوجيا الأميركية، وأجهزتها، لا تستطيع القبض على أي من الإخوة، إن لم يرتكب خطأ أمنيا، يدلهم عليه، فالتزامه بالتعليمات الأمنية يجعل تقدمهم التكنولوجي خسارة وحسرة عليهم». ويؤكد بن لادن لمحمود: «أما الذين جربت أنهم قادرون على الانضباط، فترتب لهم منازل في أطراف الأحياء، لبعدها النسبي عن الناس، مما يقلل مخاطر أمنية كثيرة، ويكونون مع مرافقين أمناء، ويكون للمرافقين غطاء عمل، كأنهم يعيشون منه، خاصة الذين يكون بجوارهم جيران يراقبونهم».
ومن المسائل الأخرى التي لم تغب عن ذهن زعيم «القاعدة» الأطفال العرب في بيئة غريبة عنهم، فيقول في رسالة أخرى: «من أهم المسائل الأمنية في المدن ضبط الأولاد، بألا يخرجوا من البيت إلا للضرورات الملحة، كالعلاج، مع الحرص على تعليمهم اللغة المحلية، وألا يخرجوا في ساحة المنزل إلا ومعهم كبير قادر على ضبط أصواتهم، ونحن بفضل الله نلتزم هذه التعليمات، منذ تسع سنوات، ولم يصلني أن أحدا من الإخوة، الذين اعتقلوا بعد الأحداث، اعتقل وهو ملتزم بها».
وتمت كتابة رسائل بن لادن للقيادات العليا من التنظيم في الفترة ما بين سبتمبر 2006 وأبريل 2011 على حاسب آلي أو بخط اليد، وتبلغ 175 صفحة باللغة العربية (195 صفحة باللغة الإنجليزية)، وتم نشرها على موقع «مركز مكافحة الإرهاب» التابع للأكاديمية العسكرية في وست بوينت. وبحسب مسؤولين أميركيين ما زال هناك الآلاف من وثائق بن لادن قيد المراجعة الأمنية، في عهدة «سي آي إيه» لم تر النور بعد.
ونفى الباحث المصري د. هاني السباعي، مدير مركز المقريزي للدراسات بلندن، لـ«الشرق الأوسط»، أن بن لادن كان مترددًا تجاه مساعدة نائبه أيمن الظواهري، ويميل أكثر إلى عطية عبد الرحمن الليبي، وهو أحد المتشددين الذين برزوا في الجزائر في التسعينات، والذي بدعم من بن لادن بدأ في وضع قواعد سلوك لـ«القاعدة» والجماعات المرتبطة بها، محذرًا من أن قتل المسلمين الأبرياء سيؤذي المنظمة وينتهك الشريعة، إذ يرى أن قتل الأميركيين حتى من غير المقاتلين، أي من المدنيين، سيبقى مسموحًا به وحتى إنه ملزم.
ويكشف السباعي أن عطية الله كان رسول بن لادن إلى نائبه الظواهري، وبسبب المحاذير الأمنية ندرت الرسائل بين الطرفين، مشيرا إلى أن بن لادن كان مثل جنرال عسكري أو خبير أمني كبير، مهتم للغاية بالاحتياطات والتعاليم التي يجب أن يلتزم بها قياداته من جهة نقل الرسائل في أسواق مغلقة، وفي أيام تكثر فيها الغيوم. ونقل عن بن لادن قوله إنه موجود في مكان لم يتحرك منذ سنوات.
ويضيف السباعي، الذي اطلع على وثائق «القاعدة»، أن بن لادن كان يطالب بتعلم اللغات المحلية مثل الداري والبشتو، خصوصا بالنسبة للأطفال. وتطرق إلى انتقاد بن لادن لشريط فيديو لسعيد المحاسب، القيادي المصري، وفي الشريط يظهر طفل صغير، ويستشهد بوصايا بن لادن لقياداته: «عدم لعب الأطفال بصوت عال في ساحات المنازل، لأن لغتهم وصراخهم سيكشفان عن أصولهم العربية».
وفي أكثر من موضع يحذر بن لادن من الإجراءات الأمنية وضرورة الالتزام، وفي موضع نقل ابنه حمزة مع أمه من إيران كان يؤكد على ضرورة الفصل بين محمد وحمزة، وتبديل السيارات عدة مرات في أنفاق مغلقة، وأخذ الاحتياطات الأمنية وتجنب الحركة إلا في ضرورة ملحة، خصوصا القيادات الظاهرة على الإعلام، وأن تتجنب هذه القيادات لقاء الناس، وضرورة الابتعاد عن المطاعم ومحطات الوقود، وتزويد السيارات بالوقود قبل الرحلة، كونها من أساليب الاستخبارات، ووضع عناصر تعمل في محطات الوقود والمطاعم والاستراحات والمقاهي لجمع المعلومات.
وكان بن لادن، وكنيته بين رجاله أبو عبد الله وازموراي، بحسب توقيعه للرسائل، يحرص على التركيز على «رأس الأفعى» كما ورد في رسالة إلى أبو بصير الوحيشي «عدم استهداف الجيش والشرطة، ومرادنا هم الأميركيون الذين يقتلون أهلنا في غزة وفي غيرها من بلاد الإسلام، والتأكيد على العسكر بأن يحذروا ألا يكونوا دروعا تحمي الصليبيين».
وفي رسالة إلى أبو بصير الوحيشي، زعيم التنظيم في اليمن، يقول بن لادن: «أميركا هي العدو الأكبر رغم استهدافها واستنزافها عسكريا واقتصاديا قبل الحادي عشر وبعده، إلا أنها ما زالت تمتلك من المعطيات ما يمكنها من إسقاط أي دولة نقيمها، ولكم عبرة في إسقاط دولة طالبان. إن استنفار الخصوم في اليمن لا يقارن باستنفارهم في أفغانستان، فاليمن بالنسبة للأعداء كالذي هدده خطر داخل بيته، فهو قلب الخليج أكبر مخزون نفطي في العالم، فلا نرى أن نزج بأنفسنا وأهلنا في هذا الأمر في هذا الوقت قبل أن تتهيأ الأوضاع، فنكون كالذي يبني في مجرى سيل فإذا سال اجتاح البناء وأسقطه، فإنني أرى أن يبقى اليمن هادئا وندخره كجيش احتياطي للأمة، وبما أننا لا نرى التصعيد، لأننا ما زلنا في مرحلة الإعداد، فليس من المصلحة التسرع على إسقاط النظام، فهو رغم رداءته وسوء إدارته فإنه أخف ضررا، وعلي عبد الله صالح عاجز عن قمع النشاط الإسلامي، وهو رجل غير إسلامي وموالٍ للغرب».
ويضيف بن لادن في رسالة: «كان بمثابة مظلة لنشاطات الإخوان والسلفية والسلفية الجهادية». وفي الرسالة المطولة نفسها إلى أبو بصير يطالب بن لادن بأن «تكون قيادات الصف الأول من العناصر الممحصة تمحيصا جيدا، مع الحرص على أن يكون أحد قيادات التنظيم البارزين من الجنوب اليمني. وأما مسألة التخلي عن السلاح فغير واردة البتة، فبالكتاب والحديد يُنصر الدين». كما يشير: «هو جزء من كياننا ومن تاريخنا، والرجل من غير سلاح لا شك أنه منتقص، والذين تركوا السلاح أصبحوا لا وزن لهم».
وركز بن لادن على رأس الكفر «أميركا» في أكثر من مناسبة ومقطع في رسائله إلى كبار قواده، باعتبار أن «العدو الأكبر خير وأولى»، وهي «أوضح كفرا وأعظم ضررا في هذه المرحلة».
وفي موضع آخر من الرسائل يقول بن لادن: «لا بد من توضيح السياسات العامة لـ(القاعدة) في التركيز على أميركا، وهو أن أعداء الأمة اليوم كشجرة خبيثة، ساقها أميركية قطرها 50 سم، وفروعها كثيرة متفاوتة الأحجام، منها دول الناتو وكثير من الأنظمة في المنطقة، ونحن نريد إسقاط هذه الشجرة بنشرها، في حين أن قوتنا محدودة، فطريقنا السليم والفعال لإسقاطها هو بتركيزنا المنشار على أصلها الأميركي»، وعد اللجوء إلى نشر الفروع الأخرى مثل البريطاني «تشتيتًا لجهدنا وطاقاتنا، ولو بقي النشر في عمق الساق الأميركي إلى أن يسقط فسيسقط الباقون بإذن الله».
وهنا يشير الدكتور السباعي إلى أن بن لادن كان مهتما بجانب المحاذير الأمنية بتغيير خطاب «القاعدة»، إذ يقول في أحد المقاطع: «لا بد من تطوير خطاب (القاعدة)، على أن يكون هادئا رصينا مقنعا، واضحا ملامسا لقضايا الجماهير، لا ينفر جماهير الأمة والرأي العام، وقد يستشهد بعض الإخوة بالأقوال الحادة للسلف (رضي الله عنهم)، أما في مثل حالنا اليوم فهو وضع مختلف، إذ ينبغي مراعاة الفرق بين حالة القوة وحالة الضعف».
ويضيف السباعي أن «بن لادن كان مهتما في رسائله باستخدام كلمات وعبارات تؤدي المطلوب، كاستخدام كلمة (وكلاء) بدلا من (عملاء)». ومضى بن لادن قائلا بحسب السباعي: «المطلوب أن نوصل الحق إلى الناس بألطف عبارة، فبعض الذوق العام ينفر من كلمة (عميل) ويعتبرها شتيمة، مع التأكيد على تجنب الكلمات التي ستؤثر سلبا على تعاطف الأمة معنا، ويجب أن نعرف أننا في خضم حملة عالمية لتشويه صورة (القاعدة)، بوصفها بما ينفر المسلمين منها، فلا بد من مراعاة الدقة في الكلمات والإصدارات، حتى لا نثبت في أذهان المسلمين بعض ما اتهمنا به الأعداء، من أننا متوحشون مستبدون نستلذ بسفك الدماء، ولا يخفى أن الأمة هي مدد وغطاء لنا، لذا يجب أن نترفق بالناس، بالطرح الشائق مع تجنب الهجوم الصارخ والنقد الساخر أو تحقير الخصوم».
ويصف بن لادن في موضع آخر من رسائله القنوات الفضائية بأنها «أشد من الشعراء الهجائين في العصر الجاهلي، فإن ركزت القنوات على شخص ما فإنها تريد التأثير عليه، وإننا اليوم تعادينا مع معظم القنوات، وأما (الجزيرة) فقد تقاطعت مصالحها مع مصالحنا، فقد يكون من المفيد ألا نمدحها أو نستعديها، مع أنها قد تحصل منها بعض الأخطاء ضدنا، إلا أنها محدودة. من الحكمة ألا نستعدي شعراء العصر الحديث ما لم تكن هناك ضرورة».
وفي رسالة أخرى يعزي بن لادن نفسه بوفاة سعيد المحاسب مسؤول «القاعدة» عن العمليات، وهو مصطفى أبو اليزيد الذي تمتد مسؤولياته من العمليات إلى جمع الأموال، والذي قتل في ضربة جوية صاروخية على المناطق القبلية في باكستان عام 2010.
ويقول بن لادن في رسالة إلى عطية الله: «أمضى سعيد المحاسب رحمه الله قرابة ثلاثة عقود وهو في ساحات القتال نصرة لدين الله، نحسبه والله حسيبه، وصمد صمود الجبال الراسيات ضد الحملات على وزيرستان صمودًا وصبرًا بقناعة ورضا واستعذاب، فلا شكوى ولا تسخط، حتى وإن هددت حياته وحياة فلذات كبده، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا. كما أعزي نفسي وإياكم في أخوينا الكريمين أبو عمر البغدادي وأبو حمزة المهاجر اللذين قضيا نحبهما. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يأجرنا في مصيبتنا ويخلفنا خيرًا منها». ويضيف: «وابتداءً أحيطكم علما بأنه قد تم تعيينك خلفًا للشيخ سعيد، رحمه الله، لمدة عامين من تاريخ وصول رسالتي هذه إليكم. أرجو الله سبحانه وتعالى أن يعينكم على القيام بهذه المسؤولية خير قيام، وأن يزيدكم توفيقًا وتمسُّكًا بالصبر والتقوى وبمحاسن الأخلاق التي إن تمسَّك بها أمير صلح حال رعيته». ويضيف أن: «من خير الناس أجمعهم للناس، ومن أهم ما يجمع الناس ويحافظ على بقائهم مع أميرهم حلمه وعفوه وعدله وصبره وحسن تعامله معهم ومداراته لهم وعدم تحميلهم من الأمر ما لا يستطيعون. ومما ينبغي أن نأخذه بعين الاعتبار ونتذكره دائمًا أن إدارة الناس في مثل هذه الظروف أمر يستدعي زيادة في الحكمة والحلم والعفو والصبر والأناة، فهو ظرف معقد بمعظم المقاييس».

مصطفى أبو اليزيد قيادي القاعدة في شريط لمؤسسة «سحاب»



«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended


لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.