أندرو موشن: الكتابة سبيلي للخطو خارج الزمن

شاعر البلاط البريطاني السابق يتحدث عن تجربته الشعرية

أندرو موشن
أندرو موشن
TT

أندرو موشن: الكتابة سبيلي للخطو خارج الزمن

أندرو موشن
أندرو موشن

تكتسب كتابات الشعراء عن تجربتهم الشعرية قيمة خاصة قد لا تتوافر في كتابات النقاد المحترفين وأساتذة الأدب الأكاديميين؛ ذلك أن كتابة الشاعر عن فنه تجيء ثمرة معايشة حميمة لهذا الفن، وخبرة شخصية مباشرة بمسالك الشعر وشعابه ومضايقه على نحو يبرأ من التجريد الجاف والتنظير البارد.

وأحدث شهادة من هذا القبيل يقدمها كتاب صادر في هذا العام (2023) عنوانه «النوم على الجزر: حياة في الشعر» (Sleeping on Islands: A Life in Poetry). صدر عن دار «فيبروفيبر» للنشر بلندن، من تأليف الشاعر والروائي والناقد الإنجليزي أندرو موشن (Andrew Motion) الذي شغل في الفترة 1999- 2009 منصب شاعر البلاط في المملكة المتحدة، وهو أحد مؤسسي «محفوظات (أرشيف) الشعر» على الشبكة العنكبوتية الدولية. ويعيش حالياً في مدينة بولتيمور بالولايات المتحدة الأميركية، وذلك منذ تعيينه أستاذاً للفنون بجامعة جونز هوبكنز في 2015.

وموشن غزير الإنتاج، له عدد من الدواوين الشعرية. وفي أدب السير والتراجم: «فيليب لاركين: حياة كاتب» و«كيتس». وفي أدب المقالة والسيرة الذاتية والتأملات: «في الدم: مذكرات عن طفولتي». وفي النقد الأدبي: «شعر إدوارد توماس» و«فيليب لاركين». كما حرر قصائد مختارة للشعراء وليم بارنز وتوماس هاردي وجون كيتس وشعراء الحرب العالمية الأولى.

غلاف الكتاب

يتخذ كتاب «النوم على الجزر» شكل فقرات قصار تفصل بينها خطوط وتنتقل في الزمان والمكان جيئة وذهاباً في الفترة ما بين 1970 - 2021، فقد تبدأ إحدى الفقرات مثلاً في عام 2000 ثم ترتد إلى الوراء رجوعاً إلى عام 1976، وهكذا، مما يولد شعوراً بتدفق الزمن وجريانه وآليات الذاكرة التي تربط بين الماضي والحاضر وتعتمد على تداعي الأفكار واتصال تيار الشعور.

في مقدمته، يقول موشن إن كتابه هذا امتداد لكتابه السابق: «في الدم: مذكرات عن طفولتي»؛ إذ إن ذلك الكتاب سجل طفولته حتى سن السابعة عشرة. وهو هنا يواصل القصة ابتداء من ذلك العمر؛ أي إننا نلتقي به هنا شاباً يافعاً ورجلاً في منتصف العمر وشيخاً. وتتوقف القصة عند ربيع 2020. والفارق بين الكتابين أن «في الدم» كان مكتوباً باستخدام الفعل المضارع من وجهة نظر الطفل، محملاً بطزاجة الرؤية وطرافتها، أما «النوم على الجزر» فمكتوب باستخدام الفعل الماضي من وجهة نظر الراشد، كما أنه أميل إلى الانتقاء من تفاصيل الحياة؛ فهو يركز على مسيرته الشعرية ولقاءاته وصداقاته وعلاقاته بسواه من الشعراء، وأغلبهم الآن قد طوته يد المنون، ومن ثم كان بناء الكتاب أقرب إلى الطابع الشذري أو إلى جزر متناثرة في محيط الحياة. وهذا ما يفسر عنوان الكتاب: «النوم على الجزر».

حين منح موشن إجازة من التدريس بجامعة جونز هوبكنز لمدة عام، أغلق على نفسه باب مكتبه وقرر أن يستعرض ماضيه، فكان هذا الكتاب. وزاد من عزلته ظهور وباء «الكوفيد» وتوقف عجلات الحياة عن الدوران وانتشار الشعور بالحزن والإحباط في الحياة العامة والحياة الخاصة على السواء.

وفيما بين بداية الكتاب ونهايته نلتقي بموشن في مواقف مختلفة ولحظات تتراوح بين السعادة والشقاء، والنجاح والإخفاق، ولكنها كلها تجتمع على رسم صورة لحياة شاعر أثناء العقود الأخيرة من القرن العشرين والعقدين الأولين من الألفية الجديدة، حياة يشتبك فيها العام والخاص. وتقوم الأحداث الخارجية – سياسية وغيرها - في مؤخرة الصورة، ولكن البؤرة دائماً هي فن الشعر محور حياة موشن، بل مبرر وجوده ذاته.

وأهم علامات الطريق في حياة موشن، كما يسجلها، هي ما يلي: في الفترة الفاصلة بين انتهائه من المرحلة الثانوية والتحاقه بـ«كلية الجامعة» بجامعة أكسفورد التقى بفتاة تدعى جوانا صارت زوجته وهما ما زالا طالبين جامعيين. انتهى الزواج بالطلاق وأعقبته زيجتان أخريان. وبعد حصول موشن على الليسانس شرع في كتابة رسالة للماجستير عن الشاعر الإنجليزي إدوارد توماس تحت إشراف الشاعر والمحاضر جون فولر.

ومن الأحداث الشخصية التي يذكرها موشن أيضاً أن أباه أصيب بالسرطان في العظام (كان قد تزوج بعد وفاة الأم). وكما بدأ الكتاب بوفاة الأم فإنه ينتهي بوفاة الأب.

هذا عن الجوانب الشخصية من حياة موشن. أما عن الجوانب العامة ونشاطه الأدبي والوظائف التي تقلدها، فإنه يخبرنا بأنه بدأ ينشر قصائده في عدة مجلات ودوريات. وحصل على وظيفة محاضر في الأدب الإنجليزي بجامعة «هل»، وكان أمين مكتبتها هو فيليب لاركن لأكثر من عشرين عاماً. وفيما بعد استقال موشن من وظيفته في جامعة «هل» وعاد للعيش في أكسفورد، وتولى رئاسة تحرير مجلة «بويتري رفيو»، وغدا مشرفاً على برنامج للكتابة الإبداعية في كلية «هولواي الملكية» بجامعة لندن، واختير شاعراً للبلاط الملكي، ثم منح لقب «سير».

بدأ اهتمام موشن بالكتابة حين تعرف على مؤلف كتاب متواضع موضوعه ثعلب صغير، وبدأ يفكر في الموضوعات التي يمكن أن يكتب عنها، فكان أول ما تبادر إلى ذهنه هو حادثة موت أمه، مما قاده إلى التفكير في الموت بعامة وموت المحيطين به في الأسرة والمدرسة والمعارف بخاصة.

وبدأ ينظم الشعر – إلى جانب قراءته - وهو طالب في المدرسة الثانوية. وكان ناظر المدرسة، لحسن الحظ، محباً للشعر ومهتماً بصفة خاصة بشعر الحرب. واستهوته قصائد إدوارد توماس وإميلي دكنسن، لكن لماذا الشعر بوجه خاص؟ لمَ لا يختار شيئاً أكثر إدراراً للربح المادي؟ تراكمت هذه الأسئلة في ذهنه، ثم كان الجواب: «الشعر لأنه صوت المعاناة؛ لأنه قد يحفظ ذكرى أمي في كلمات؛ لأنه فرار من الماضي وإعلان استقلال؛ لأنه ذو سحر خاص وجمال لا يقاوم؛ لأن أشكاله دعوة إلى شعور أشد عمقاً وفكر أكثر دقة؛ لأنه يمثل التكثيف والاستقطار؛ لأنه ينتمي إلى كل إنسان؛ لأنه ابن عمومة للامعنى، وهو مع ذلك يقول الحقيقة بطريقة غير مباشرة؛ لأنه منعزل؛ لأنه يجعل العزلة سبيلاً للتواصل؛ لأنه - بتعبير بايرون - (شعور بعالم سابق ومستقبل)؛ لأنه لا يحوجه إلى أسباب أو أعذار؛ لأنه ليس شكلاً من أشكال المعنى وإنما هو طريقة للوجود».

سؤال آخر كان يطارده: كيف يغدو شاعراً حديثاً؟ كيف يحب عظماء الشعراء الموتى ويترك كلماتهم تتغلغل في مسامه ومع ذلك لا يكون مجرد صدى مردد لأصواتهم؟

صدر أول ديوان لموشن (وكان ديواناً صغيراً في خمسين صفحة) عن دار نشر «كاركانت» التي يشرف عليها الناقد مايكل شميت في 1978. كان الديوان مؤلفاً من ثلاثة أقسام: الأول قصائد متفرقة، والأوسط قصيدة قصصية طويلة نال عنها جائزة «نيودجيت» للشعر بجامعة أكسفورد، والثالث قصائد عن أمه.

ماذا كانت محركاته للكتابة؟ يقول: «كانت الكتابة كما يراها ذهني سبيلاً لرسم خريطة للزمن، لدوائره وخطوطه المستقيمة على السواء، وكانت الكلمات على الصفحة سبيلاً لقول: إني هنا». ويقول: «بدأت أكتب لأن الكتابة موقع يوفر لي الخصوصية؛ لأنها أعانتني على تعميق ما أشعر به (وأحياناً على فهم ذاتي بطريقة أفضل)»، فالقصائد «طريقة لتقبل ما هو محتوم، وأيضاً لإيقاف الزمن أو الخطو خارج الزمن».

ويعبر عن الصعوبات التي يواجهها الشاعر فيقول: «كانت الكلمات التي أريد أكثر ما أريد أن أستخدمها في قصائدي وراء متناولي دائماً»، إلى أن كان يوم شرع فيه في كتابة قصيدة عن ثياب أمه الراحلة (ظل أبوه عدة سنين يحتفظ بثياب زوجته، على سبيل الوفاء لذكراها، في علية البيت)، فإذا بالكلمات تواتيه وتستجيب لما يريد أن يقوله وكأنها استرجاع لذكرى.

وطموحه تعبر عنه الكلمات الآتية: «في ممارستي الشعرية كنت أطمح إلى توسيع نطاق العقيدة الغنائية، وأن أقاوم إغراء النظم حين أرتطم بخبرة شخصية حميمة كالحب أو الأسى أو الوحدة بحيث لا تعدو القصيدة أن تكون صرخة إيقاعية. وبدلاً من ذلك أردت أن أصطنع مقاربة أكثر موضوعية: أن أكتب قصائد قصصية يبدو على السطح أنه لا صلة لها بظروف حياتي الشخصية، مما يكفل أن تخرج واسعة النطاق متنوعة الاهتمامات، ولكنها تظل في الوقت ذاته مستلهمة من مشاعر شخصية قوية. أردت بمعنى آخر أن أكون انطوائياً وانبساطياً في آن، أن أوفق بين الغنائي والقصصي».

بدأ اهتمام موشن بالكتابة حين تعرف على مؤلف كتاب متواضع موضوعه ثعلب صغير... وبدأ يفكر في الموضوعات التي يمكن أن يكتب عنها

ومن الأجزاء الممتعة في كتاب موشن ما يرويه عن شعراء عصره الذين تعرف عليهم، وملاحظاته عن شخصياتهم ومظهرهم وسلوكهم، وصلاته بهم. من هؤلاء الشعراء و.هـ. أودن، وروبرت لويل، ووليم إمبسون، وشيمس هيني، وفيليب لاركن، وتد هيوز.

إن شهادة موشن في هذا الكتاب إضافة عصرية إلى شهادات سابقة عبر القرون. فنحن نتذكر؛ إذ نقرأه، القصائد التي نظمها هوراس اللاتيني وبوالو الفرنسي عن «فن الشعر». وفي الأدب الأميركي نسترجع مقالة للقاص والشاعر والناقد إدجار آلان بو، عنوانها «فلسفة الإنشاء» وصف فيها نظمه لقصيدته المسماة «الغراب»، وفي القرن العشرين شرح هارت كرين في بعض رسائله كيف نظم قصيدته «الجسر». وكتب أرشيبولد ماكليش قصيدة عنوانها «فن الشعر» ختمها بقوله: «على القصيدة أن تكون، لا أن تعني». وعربياً، كتب عدد من الشعراء من زوايا مختلفة عن حياتهم في الشعر: عبد الوهاب البياتي، ونزار قباني، وأدونيس، وصلاح عبد الصبور، ومحمد إبراهيم أبو سنة، وغيرهم. وفي كتاب أستاذ علم النفس الدكتور مصطفى سويف عن الإبداع الفني، في الشعر بخاصة، شهادات عدد من الشعراء والكتاب عن طرقهم في الكتابة، ومراحل تطورهم، والمؤثرات الذهنية والوجدانية والحياتية التي دخلت في تكوين أعمالهم.

وُلد موشن في لندن عام 1952 لأب حارب في الحرب العالمية الثانية وكان من الجنود الذين هبطوا على شاطئ نورماندي في 1944، وأم تدعى جيليان، وكان له أخ أصغر يدعى كيت التحق بكلية الزراعة، ثم اشتغل تاجر بذور. وتلعب الأم دوراً مهماً في هذه الذكريات، وكانت قد لقيت حتفها من جراء حادثة سقوط عن صهوة جواد ارتطم حافره المعدني برأسها، مما أحدث لها نزيفاً في المخ كانت فيه نهايتها بعد أيام قضتها في المشفى. وستخلف هذه الحادثة أثراً باقياً في وجدان موشن وفي قصائده.


مقالات ذات صلة

يونس أوعلي: المشهد الثقافي المغربي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة

ثقافة وفنون يونس أوعلي: المشهد الثقافي المغربي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة

يونس أوعلي: المشهد الثقافي المغربي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة

يرى الروائي المغربي يونس أوعلي أن جيل الروائيين الشباب في بلاده لا يشكل تياراً أدبياً متجانساً، بقدر ما يضم تجارب تتقاطع في أسئلتها وتختلف في رؤاها وأساليبها.

ميرزا الخويلدي (حوار)
ثقافة وفنون الشعر حين يختبئ في التفاصيل

الشعر حين يختبئ في التفاصيل

الشعر كامن في تفاصيل الحياة، وخلف أحداثها اليومية العابرة، في صخب الشوارع وعراك المارة.

عمر شهريار
يوميات الشرق الكاتب الفرنسي فيليب جاينادا الحائز على جائزة غونكور الأدبية عن روايته «المرأة المجهولة على رصيف جافيل» يقف عند نافذة مطعم دروان عقب حفل توزيع الجوائز في باريس (أ.ف.ب)

الفائز بجائزة غونكور الأدبية يدافع عن استخدامه «المرِح» للذكاء الاصطناعي

دافع الكاتب الفرنسي فيليب جاينادا عن استخدامه «المرِح» و«الساخر» والمحدود للغاية للذكاء الاصطناعي في روايته التي نالت جائزة غونكور الأدبية.

«الشرق الأوسط» (باريس )
كتب كاثرين جيزير-مورتون

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر

ندى حطيط
كتب «حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية

منى أبو النصر (القاهرة)

يونس أوعلي: المشهد الثقافي المغربي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة

يونس أوعلي
يونس أوعلي
TT

يونس أوعلي: المشهد الثقافي المغربي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة

يونس أوعلي
يونس أوعلي

يرى الروائي المغربي يونس أوعلي أن جيل الروائيين الشباب في بلاده لا يشكل تياراً أدبياً متجانساً، بقدر ما يضم تجارب تتقاطع في أسئلتها وتختلف في رؤاها وأساليبها. ويعتقد أن الرواية المغربية مطالبة باكتشاف عوالم اجتماعية وثقافية لم تنل نصيبها من الاهتمام، وتجاوز الموضوعات التي هيمنت على الكتابة الروائية لعقود.

وفي حوار مع «الشرق الأوسط»، ينتقد أوعلي ما يصفه بـ«الشللية» وشبكات المصالح في المشهد الثقافي المغربي، معتبراً أن الاغتراب قد يعيشه الكاتب داخل وطنه. كما يرى أن الجوائز الأدبية، رغم دورها في التعريف بالكتّاب، لا تصنع القيمة الفنية للأعمال ولا تضمن بقاءها.

وينتمي أوعلي إلى جيل الروائيين المغاربة الشباب، وقد برز اسمه بعد فوز روايته «أحلاس، ذاكرة أليمة المدى» بجائزة كتارا للرواية العربية عام 2021، في دورتها السابعة، ضمن فئة الروايات غير المنشورة. وفي روايته الأحدث «حقيبة علي اليونسي»، يواصل انشغاله بأسئلة الهوية والذاكرة وقيمة الإنسان، متناولاً علاقة الفرد بالسلطة والمجتمع، وصور التمييز والانتماء.

وفيما يلي نص الحوار:

* تنتمي إلى جيل لم يعِش التحولات الكبرى التي صنعت أدب الأجيال السابقة، لكنه ورث نتائجها. من أين يستمد جيلك مادته الروائية، من ذاكرته الخاصة أم من ذاكرة لم يعشها؟

- أظن أن الكاتب يستمد مادته الروائية مما عاشه بنفسه، ومما سمعه وقرأه، ومن الآثار التي خلّفتها الأحداث في حياة الآخرين. فنحن نرث نتائج تحولات لم نعشها، لكننا نتأثر بها، ونحاول من خلال الكتابة أن نمنح صوتاً لأناس بسطاء لم يلتفت التاريخ إلى حكاياتهم.

لذلك تتشكل مادتي الروائية من تفاعل ذاكرتي الشخصية مع ذاكرة أوسع، تبدأ من ذاكرة المغاربة وتمتد إلى ذاكرة الإنسان عموماً، وما عرفه من حروب ومآسٍ ومعاناة.

وأعتقد أن روايتي «حقيبة علي اليونسي»، الصادرة حديثاً، تجسّد هذا الامتداد، إذ تنطلق من سؤال قيمة الإنسان المغربي في نظر المسؤول، وتتسع لتطرح قيمة الإنسان الأفريقي في نظر الإنسان الغربي. ومن خلال ذلك، أحاول الدفاع عن الإنسان لذاته، بعيداً عن جنسيته أو انتمائه أو موقعه في ميزان القوة.

* في روايتك «أحلاس، ذاكرة أليمة المدى» حضور للتاريخ والمكان والذاكرة. هل تكتب الرواية لاستعادة ما غاب من الحكايات، أم لمساءلة الروايات التي استقرت في وعينا عن الماضي؟

- أكتب انطلاقاً من الرغبة في إعادة النظر في الذاكرة واكتشاف ما تركه الماضي في حياة الإنسان، أكثر من اهتمامي باستعادة الحكايات كما وقعت، أو مساءلة الروايات المستقرة عن الماضي لذاتها.

ومن قرأ روايتي الأولى «أحلاس، ذاكرة أليمة المدى» سيلاحظ انشغالي بما يتركه الماضي في الإنسان، خصوصاً مرحلة الطفولة، لأن الإنسان امتداد لطفولته. وقد حاولت تعقّب الطريقة التي تستمر بها بعض التجارب في التأثير في حياته، حتى حين يعتقد أنه تجاوزها. فالحدث قد ينتهي في الزمن، لكنه يظل حاضراً في قرارات الإنسان واختياراته.

* ما الذي تستطيع الرواية أن تقوله عن المجتمع المغربي ولا تستطيع الصحافة أو الكتابة التاريخية قوله؟

- تستطيع الرواية الاقتراب من المناطق الداخلية في حياة الإنسان، ومن التناقضات والمشاعر التي يصعب اختزالها في الوقائع والمعلومات. فالصحافة تنشغل بنقل الأحداث وتفسيرها، وتشتغل الكتابة التاريخية على الوثائق والسياقات، بينما يتيح التخييل استكشاف ما يجري داخل الشخصيات، وكيف تعيش الأحداث وتتأثر بها، وكيف تتغير مصائرها.

ولا يعني ذلك أن الرواية أقدر من غيرها على قول الحقيقة، وإنما لكل شكل من أشكال الكتابة أدواته وحدوده، والرواية تفتح إمكانات مختلفة لفهم المجتمع والإنسان.

الرواد وأسئلة الشباب

* عرفت الرواية المغربية أسماء أسست حضورها العربي، مثل محمد شكري والطاهر بن جلون ومحمد برادة. هل يشعر الروائي المغربي الشاب بأنه امتداد لهذا الإرث أم أنه يسعى إلى القطيعة معه؟

- أرى أن العلاقة مع التجارب السابقة لا تستلزم الاختيار بين الامتداد والقطيعة. فنحن نقرأ ما كتبه السابقون، ونتأثر، بوعي أو من دونه، ببعض أسئلتهم واختياراتهم، لكن لكل جيل ظروفه وأسئلته الخاصة.

المهم ألا تتحول أسماء الرواد إلى قوالب جاهزة للكتابة، وألا تتحول الرغبة في الاختلاف إلى قطيعة مع إرث أدبي أسهم في تشكيل ذائقتنا.

* هل يمكن الحديث اليوم عن جيل روائي مغربي يمتلك أسئلته الجمالية والفكرية، أم أننا أمام تجارب فردية لا يجمعها سوى التقارب العمري؟

- أميل إلى النظر إلى المشهد الروائي المغربي باعتباره فضاءً تتجاور فيه تجارب متعددة، أكثر من كونه جيلاً متجانساً. صحيح أن هناك أسئلة مشتركة تفرضها التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المغرب ويشهدها، لكن طرق التعامل معها تختلف من كاتب إلى آخر.

وقد يكون تقارب السن عاملاً في تشابه بعض الانشغالات، لكنه لا يكفي لصناعة جيل أدبي بالمعنى الجمالي والفكري. فما يمنح التجارب قيمتها هو ما تقترحه من موضوعات وأسئلة، لا انتماؤها إلى فئة عمرية بعينها.

* نشأ جيلك في زمن الإنترنت والهجرة وتحولات الهوية. كيف انعكست هذه التجارب على بناء الشخصيات الروائية، وعلى تصور الشباب المغربي لذاته وللعالم؟

- وسّع الإنترنت آفاق الاطلاع على العالم، وأتاح الاحتكاك بثقافات وتجارب مختلفة، بينما جعلت الهجرة والسعي إلى الفردوس المفقود أسئلة الانتماء أكثر تعقيداً، خصوصاً في المجتمع المغربي.

وقد حاولت تجسيد هذا التعقيد من خلال إحدى شخصيات «حقيبة علي اليونسي»، التي وجدت نفسها، بعد حياة أمضتها في التعصب والدفاع عن قيم الجمهورية الفرنسية، تنتمي إلى الفئة التي طالما حاربتها.

أردت من خلال هذه الشخصية مساءلة تصوراتنا الجاهزة عن الهوية والانتماء، وكيف يمكن أن تنقلب علاقة الإنسان بالآخر حين يكتشف أنه أقرب إليه مما كان يظن، وأن الحدود التي نرسمها بيننا وبين الآخرين قد تكون أقل صلابة مما نعتقد.

عموماً، لم يعد الإنسان يعيش هويته بالضرورة داخل حدود مكان واحد أو ذاكرة واحدة. فقد ينتمي إلى أمكنة متعددة، ويشعر بالغربة في بعضها رغم معرفته بها. وأعتقد أن هذه التحولات جعلت سؤال الهوية أقل ارتباطاً بالبحث عن تعريف ثابت، وأكثر اتصالاً بالتفاوض المستمر بين الذات والعالم.

عوالم على الهامش

* يعيش المجتمع المغربي بين تعدد لغوي وثقافي وتحولات اجتماعية. هل استطاعت الرواية المغربية الجديدة التعبير عن هذا التعقيد، أم أنها ما زالت أسيرة صور مألوفة عن المجتمع؟

- قدمت الرواية المغربية أعمالاً متنوعة في تعاملها مع التعدد الثقافي واللغوي والتحولات الاجتماعية، لكنني لا أعتقد أن أي مشهد أدبي يستطيع الإحاطة بكل تعقيدات المجتمع.

ما يزال هناك مجال واسع لاستكشاف تجارب تعيش على الهامش، سواء بسبب موقعها الجغرافي أو وضعها الاجتماعي أو خصوصيتها الثقافية.

وأظن أن من رهانات الرواية المقبلة، بعد تجاوز موضوع «سنوات الجمر والرصاص» الذي هيمن على الرواية المغربية لوقت طويل، الاقتراب من هذه العوالم، وتجاوز الصور الجاهزة، وإتاحة المجال لأصوات لا تحظى بالظهور الكافي.

* تبدو الهجرة والاغتراب والبحث عن الانتماء موضوعات حاضرة في الأدب المغربي. هل تغير معنى الاغتراب لدى جيلكم، بحيث أصبح ممكناً أن يشعر الإنسان بالغربة وهو داخل وطنه؟

- بالتأكيد، فالاغتراب لا يرتبط بالمسافة الجغرافية وحدها. قد يعيش الإنسان في المكان الذي وُلد فيه، لكنه يشعر بأنه بعيد عن المجتمع الذي ينتمي إليه، أو عاجز عن العثور على موقع ينسجم فيه مع ذاته وتطلعاته.

وقد يكون الاغتراب نتيجة التهميش أو غياب الفرص، أو الشعور بأن العالم الذي يعيش فيه لا يتيح له تحقيق إمكاناته. وهذا ما يحدث مع كثير من الروائيين الشباب في المغرب، خصوصاً أولئك الذين يرفضون منطق الشللية، ويتمسكون باستقلاليتهم بعيداً عن مشهد ثقافي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة.

قد يكون تقارب السن عاملاً في تشابه بعض الانشغالات، لكنه لا يكفي لصناعة جيل أدبي بالمعنى الجمالي والفكري

يونس أوعلي

الجوائز لا تصنع الأدب

* بعد فوزك بجائزة كتارا، هل شعرت بأن الجوائز العربية تمنح الكاتب فرصة للوصول إلى القراء، أم أنها تضعه أمام توقعات قد تؤثر في حريته الإبداعية؟

- بالنسبة إلى كاتب في بداية تجربته، يشكل الفوز بجائزة كتارا فرصة للتعريف به عربياً، والوصول إلى قراء يصعب بلوغهم في بداية الطريق. كما تؤدي الجوائز دوراً في لفت الانتباه إلى أعمال أدبية قد لا تحظى بالانتشار نفسه في غيابها.

لكنني، باعتباري قارئاً أولاً، أرى أن القيمة الفنية للعمل لا يحسمها التتويج، وإنما قدرته على الصمود أمام الزمن، ومواصلة إثارة الأسئلة والقراءات.

فالجوائز لا تصنع الأدب، ولا تضمن خلود الأعمال. ولذلك أكتب من دون توقعات مسبقة، ولا أريد أن تتحكم التوقعات التي قد تخلقها الجائزة في رواياتي اللاحقة، لأن ما يهمني هو ما تفرضه عليّ أسئلتي ومشروعي الروائي.

الرواية والحرية

* هل تكتب الرواية انطلاقاً من قضية تريد الدفاع عنها، أم من أسئلة لا تملك إجابات عنها؟ وأين تضع الحدود بين التزام الروائي بقضايا مجتمعه وحريته في تخيل العالم؟

- أكتب انطلاقاً من أسئلة أكثر مما أكتب دفاعاً عن أجوبة جاهزة، وأعتقد أن هذه هي مهمة الرواية.

تشغلني قضايا الظلم والهوية وقيمة الإنسان والحب والحزن، لكنني لا أريد تحويل رواياتي إلى خطاب يلقّن القارئ موقفاً محدداً، لأن العالم معقد، ولا مجال فيه لتقديم إجابات جاهزة عن كل شيء.

أفضل أن أضع الشخصيات في مواقف تكشف تناقضاتها، وأن أترك للحكاية فرصة اختبار الأفكار بدلاً من الاكتفاء بتأكيدها.

أما التزام الكاتب بقضايا مجتمعه، فلا أراه متعارضاً مع حريته في التخييل. يمكن للروائي أن ينشغل بواقعه من دون أن يصبح أسيراً له، وأن يستلهم أسئلته من المجتمع من دون أن يتحول عمله إلى بيان.

بالنسبة إليّ، أعتبر الكتابة مساحة للحرية والاكتشاف، ومحاولة لفهم بؤس العالم وتعقيداته. لا أملك إجابات حاسمة عن القضايا التي أكتب فيها، لكنني أملك أسئلة كثيرة تدفعني إلى الكتابة.

 


الشعر حين يختبئ في التفاصيل

الشعر حين يختبئ في التفاصيل
TT

الشعر حين يختبئ في التفاصيل

الشعر حين يختبئ في التفاصيل

الشعر كامن في تفاصيل الحياة، وخلف أحداثها اليومية العابرة، في صخب الشوارع وعراك المارة. وكذا، تبدو القضايا الكبرى والأسئلة الوجودية قارة في أدق التفاصيل، متشظية ومنثورة في ما هو مهمل ومعيش. إن ما نتصوره جليلاً، نجده منبثاً في كل ما نظنه مبتذلاً وعابراً. هذا ما تومئ به قصائد ديوان «أقشِّر الاستعارات لكي أكوّن النص»، للشاعر المصري أمجد ريان؛ لذا تبدو مهمة الشاعر، هنا، كي يكتب قصيدته، وعلى عكس الشائع، هي أن يقشر الاستعارات، حتى يصنعها ويبتكرها، ويزيل طبقات من ركام اللغة والمجازات، ليكتشف الشعر المختبئ كلؤلؤة، في دهاليز العالم والحكايات وفي ممارسات البشر، محاولاً الإمساك بما يمور به العالم من سيولة واندياح.

الديوان الذي صدر في القاهرة عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» لا يتبنى منطق الثنائيات الضدية بصبغته البنيوية الحداثية، ويميل أكثر إلى مفهوم ينتمي إلى استراتيجيات ما بعد الحداثة وهو «التكملة»، بمعناها لدى الفيلسوف الأميركي، المصري الأصل إيهاب حسن، أو ربما مفهوم «الحلول»، بحمولاته الصوفية، فاليومي ليس مناقضاً للفلسفي، والعابر المعيش ليس متعارضاً مع الوجودي؛ فكل طرف من أطراف الثنائي يكمل نقيضه، ويحل فيه، حتى يصعب الفصل بينهما، بل إن غياب طرف يعني غياب الآخر المقابل له. يتجلى هذا التضافر في قوله:

«سيقان هزيلة تملأ الشارع

بطوله وعرضه،

وأنا أمشي تحت جدران الفقراء

ممتلئاً بالحنين

لمعرفة بدايات الإنسان

وأسراره التاريخية»

فالانتقال يأتي سلساً وطبيعياً، من وصف ما يحدث في الشارع ومرور الناس فيه، بوصفه حدثاً عادياً ويومياً، هذا الوصف يبدو محايداً وتسجيلياً للوهلة الأولى، لكنه مسكون بموقف آيديولوجي وإنساني متعاطف معهم، ومع ما يعانونه من هزال، ومن هنا ينتقل الشاعر من وصف الخارج إلى وصف نفسه كواحد وسط هذه الجموع، لكنه منحاز سياسياً واجتماعياً إلى طبقة الفقراء، الذين يسير تحت جدرانهم وفي ظلالها، لتبرز الحمولة السياسية والقناعات الآيديولوجية، ومن هذين المستويين - اليومي والسياسي - ينتقل إلى مستوى ثالث أكثر اختلافاً، وهو المستوى الوجودي، الذي تبحث فيه الذات الشاعرة في أسئلة الوجود، ومعرفة بدايات الإنسان وأسراره وتاريخه. هكذا يبدو العالم لدى الشاعر كلاً ملتبساً، لا يمكن تجزئته، ولا فصل أحد مناحيه عن الأخرى.

هذا الخلط والتداخل المركزي في الديوان، وفي رؤية الشاعر، يجعل معظم القصائد تنبثق مكانياً داخل البيت، وفي غرفة المعيشة، حيث يكون متكئاً على الكنبة، أو يشاهد التلفاز، أو يشاهد العالم من شرفته، هذه الشرفة التي يلجأ إليها كثيراً، فهي نافذته على الحياة وصخبها وتفاعلاتها، وتعد وسيلة تواصله مع العالم في مرحلة الشيخوخة، مدققاً في أصغر تفاصيل البشر من موقعه المتأمل، دون أن يملك القدرة على تغيير الواقع، أو حتى تفسيره؛ فكل ما في جعبته هو مجموعة تساؤلات كبرى، ومن ثم لا يميز نفسه عن الناس العاديين «وما زلت على المنضدة المنخفضة أقول لنفسي: «أنا مثل بقية الناس، خالي الوفاض... لا أملك أي شيء... سوى تلك البؤرة في القلب»؛ فالشاعر هنا يفقد كل ما يمكن أن يجعله في مكانة أعلى، ليس له سلطة، وليس «زرقاء اليمامة»، بل واحد من الناس، فقط يملك بؤرة صغيرة في القلب، تجعله يستشعر ما يدور حوله بشكل أكثر رهافة، ويمسك بما هو أصيل وجوهري في الوجود الإنساني، حتى لو كان متشظياً ومتناثراً في زحام الحياة.

هذا الشاعر، الإنسان العادي، وفي خضم مراوحته بين الثنائيات، كثيراً ما يستحضر مشاهد من طفولته، فالطفولة تظل حاضرة في الشيخوخة، ومتداخلة معها، فهو في شيخوخته ما زال ينظر للعالم بعين الطفل المندهش. وتتجاور لديه الأزمنة، كما تتجاور الأمكنة، فتبرز «عزبة الصفيح» في عشوائيات القاهرة، التي تمثل مكان الطفولة وسط الفقراء المعدمين، مع مدينة «ست» الفرنسية التي زارها شاعراً، فلا أفضلية لمكان على آخر، ولا زمن على غيره؛ «فالزمان دائرة يصب آخرها في أولها، ولا يوجد في الأصل شيء قابل للفهم». إنه ينظر للعالم بوصفه سرديات متجاورة، لكل منها الحق في الوجود، يقول بشكل لافت:

«الماضي حكايات، والمستقبل حكايات

والأحداث متناثرة في كل اتجاه

وخلف الجدران والنوافذ:

ولدت حكايات لا أول لها ولا آخر

وولدت الأسرار والنكات والخزعبلات

ولولا هذا ما استمر الواقع الآدمي

الحزن حكاية، والجسد حكاية

الزمن حكاية، والأبواب حكاية

وكل شيء حاضر وغائب».

ينشغل الشاعر في كثير من قصائد الديوان بتقديم مفهومه للكتابة، ومفهومه للشعر، بما يجعل كثيراً من النصوص تقترب من «الميتا شعر»، هذا المفهوم يمزج بين المصادفة والعبثية والفوضى، فهي غير محكومة بخطة مسبقة، ولا بتصورات جاهزة عن ما هو الشعر، بل كل ما يبتغيه هو التعبير عن الذات، وتتكرر التعريفات كثيراً بنفس المعنى في أكثر من موضع داخل كثير من القصائد، فمرة يقول: «حين أبدأ الكتابة، لا أعلم ما الذي سأكتبه»، ومرة أخرى: «لا أعرف كيف أكتب... والكتابة عندي محض مصادفات»، ومرة ثالثة: «ليس للكتابة أي شروط لدي، بل أبدأ بالتعبير عن نفسي بشكل مباشر، وأريد أن أنطلق من المحلية إلى الكون». وليس من المصادفة أنه لم يقل من المحلية إلى العالمية، فهو ليس منشغلاً بهذا الوهم الاستهلاكي الذي يستنزف كثيراً من الشعراء والمثقفين.

 يستحضر الشاعر مشاهد من طفولته، فالطفولة تظل حاضرة في الشيخوخة، وهو لا يزال ينظر للعالم بعين الطفل المندهش

ما يهم الذات الشاعرة هنا هو الكون؛ وفهم أسراره وخباياه، والوصول إلى معنى الوجود الإنساني، وهو ما يؤكد على الحمولة الفلسفية لمفردة الكون، التي تؤرق الشاعر حقاً، وليس الحمولة الدعائية عن الشاعر العالمي التي لا ينشغل بأوهامها. هذا التوق لفهم فلسفة الوجود نرى ترجمته الأسلوبية في التكرار المدهش لمفردات مثل «الناس»، و«الوجود»، و«الإنسان»، وهذه الأخيرة تحتل الصدارة في عدد التكرارات داخل متن الديوان، فالإنسان وسعادته هما المرتكز والمبتغى من رؤية الشاعر، لكنه في النهاية مغلوب على أمره، ذات ضئيلة، تعيش على حافة كل شيء «أقف أمام العدسة التي تكبر وجهي عشرات المرات، بينما أنا صغير... للدرجة التي قد أذوب فيها وأتلاشى». وككل الشعراء، لا يملك سوى الشعور بالحسرة، على ما آل إليه العالم من توحش:

«أكتفي بالحسرة التي حصلتها اليوم،

فلا مكان لحسرة أخرى

أنا الشاعر الغني بالأحاسيس السيالة،

ولكنني - مثل أقراني الشعراء -

مفلس لدرجة الفضيحة.

والإنسان دائماً على حافة التوهج

وعلى حافة الانطفاء».


جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.