اليمين المتطرف يعزز مواقعه في أوروبا ومخاوف من هيمنته على الانتخابات الأوروبية المقبلة

قاعدته الآيديولوجية: الدفاع عن الهوية ومعاداة الإسلام ورفض الهجرات

مبنى المفوضية الأوروبية في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)
مبنى المفوضية الأوروبية في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)
TT

اليمين المتطرف يعزز مواقعه في أوروبا ومخاوف من هيمنته على الانتخابات الأوروبية المقبلة

مبنى المفوضية الأوروبية في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)
مبنى المفوضية الأوروبية في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)

أحدث فوز «حزب الحرية» الهولندي الذي يتزعمه خيرت فيلدرز، اليميني الشعبوي المتطرف المعادي جهاراً للإسلام وللمهاجرين وللاتحاد الأوروبي، زلزالاً سياسياً داخل الاتحاد، وأثار مخاوف جدية من تواصل انهيار لعبة الدومينو السياسية، التي تشهد في السنوات الأخيرة وصول اليمين المتطرف بتنوعاته إلى السلطة، سواء أكان منفرداً أو بالتحالف مع أحزاب تقليدية.





والاختراق غير المسبوق الذي حققه الحزب المذكور الذي تسلل إلى الندوة البرلمانية في هولندا منذ 25 عاماً، وإن جاء مفاجئاً وصادماً، فإنه يعكس انزلاقاً متواصلاً للناخبين الأوروبيين نحو الآيديولوجية اليمينية المتطرفة. وعلى مسافة 7 أشهر من الانتخابات الأوروبية التي ستجرى في البلدان الـ27 ، ينتاب الخوف كثيراً من السياسيين والمسؤولين من حصول «انقلاب» برلماني نتيجة فقدان الأحزاب التقليدية من اليمين والوسط والخضر الأكثرية النيابية، ما سينعكس على سياسة النادي الأوروبي الداخلية والخارجية.

البرلمان الأوروبي يدين إيران (د.ب.أ)

وبعد «البريكست» الذي شهد خروج بريطانيا رسمياً من الاتحاد في بداية عام 2021، برزت مخاوف من أن تسلك هولندا المسار نفسه، إذ بدأ الحديث عن «الهركست». والفارق بين بريطانيا وهولندا أن الثانية كانت من مؤسسي الاتحاد الأوروبي ومن أكثر الداعمين لتحولاته المختلفة خلال العقود التي انقضت على وجوده، والتي أفضت إلى صورته الراهنة.

خفر السواحل البريطاني ينقذ مهاجرين في قناة المانش (أ.ف.ب)

بانتظار معرفة ما إذا كان خيرت فيلدرز، الذي احتل حزبه المرتبة الأولى في البرلمان بحصوله على 37 مقعداً (من أصل 150 مقعداً)، سينجح في تشكيل تحالف حكومي، فإنه على أي حال قلب التوازنات السياسية في هولندا، وقزّم التحالف اليساري برئاسة مارك روته، زعيم الحزب الشعبي من أجل الحرية والديموقراطية، الذي أمضى 13 عاماً رئيساً لحكومة بلاده. واختصر خيرت فيلدرز الوضع السياسي الجديد في هولندا بجملة واحدة، إذ قال عقب انتصاره: «لم يعد من الممكن تجاهل حزب الحرية... سوف نحكم البلاد».

خيرت فيلدرز يحيي أنصاره خلال اجتماع في لاهاي، الخميس (أ.ف.ب)

تحل صدمة فيلدرز بعد صدمة أخرى لا تقل أهمية، وتتمثل بوصول جيورجيا ميلوني، قبل عام (وتحديداً في 22 أكتوبر - تشرين الأول 2022) إلى رئاسة الحكومة الإيطالية. ميلوني ترأس حزب «إخوة إيطاليا» منذ عام 2014، وقد انتخبت نائبة منذ عام 2006 وشغلت منصباً وزارياً لـ3 سنوات زمن حكومة سيلفيو برلسكوني. و«إخوة إيطاليا» الذي رأى النور في عام 2012 حزب يميني شعبي متطرف، وريث إلى حد ما التيار الفاشي الإيطالي، وعناوينه السياسية معاداة المهاجرين والتطرف القومي الإيطالي وأطلسي الهوى والتشكيك بالبناء الأوروبي من غير أن يصل ذلك إلى الرغبة في الخروج من الاتحاد.

جيورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، خلال حضورها جلسة لمجلس الشيوخ، 23 نوفمبر (أ.ف.ب)

ويدعو الحزب إلى المحافظة على «الهوية الإيطالية» بوجه ما يعتبره مخاطر تراجعها بفعل تدفق الهجرات غير الأوروبية، وخصوصاً الإسلامية. ومنذ وصولها إلى السلطة، سعت ميلوني إلى «تجميل» صورة حزبها لسببين؛ أولهما أنها تقود حكومة ائتلافية، والثاني حاجة إيطاليا التي تعاني من وضع اقتصادي صعب للأموال الأوروبية.

لا يصح الحديث عن صعود اليمين المتطرف في أوروبا من غير التوقف عند حالة المجر، التي حكمها فيكتور أوربان بيد من حديد ما بين عام 1998 وعام 2010 ثم من عام 2013 حتى اليوم من غير انقطاع.

المستشار الألماني أولاف شولتس مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (رويترز)

أوربان يتكئ على حزبه «الاتحاد المدني المجري» المعادي لأوروبا التي يتسبب لها بالصداع منذ وصوله إلى السلطة. ودأب أوربان، المتهم بنسف الديموقراطية وخنق الحريات والابتعاد عن دولة القانون، بالوقوف بوجه سياسات الاتحاد، خصوصاً في ملف الهجرات ودعم أوكرانيا والتوجه إلى قبول عضويتها سريعاً. ولم يتأخر قبل أيام قليلة عن الإعلان أنها «ما زالت على بعد سنوات ضوئية» من الانضمام إلى النادي الأوروبي، كما تميز بمواقفه القريبة من روسيا في حربها على أوكرانيا، ما يشكل إلى حد بعيد انفصالاً عن سياسة الاتحاد، الذي عاقبه بتجميد 28 مليار يورو من الأموال الأوروبية المخصصة لبودابست.

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبيل اجتماعهما في بكين (إ.ب.أ)

لا تكتمل صورة التقدم المتسارع لليمين المتطرف إلا مع الإشارة إلى أن سلوفاكيا انضوت الشهر الماضي تحت راية اليمين المتطرف، مع وصول روبيرت فيتسو إلى السلطة فيها، على رأس حزبه القومي الاشتراكي متحالفاً مع حزبين؛ اليميني المتطرف «إس إن إس»، واليسار المتطرف «هيلاس ـ إس دي». وروبيرت فيتسو قريب جداً من أوربان، وينهج السياسة نفسها في الداخل والخارج.

روبيرت فيتو (يسار الصورة) رئيس وزراء سلوفاكيا في لقاء مع نظيره التشيكي في براغ (أ.ف.ب)

ففي الداخل ينهج سياسة شعبوية. وفي الخارج يعارض تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا ويحابي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ومن جهة ثانية، تتعين الإشارة إلى أن اليمين المتطرف جزء من التحالفات الحكومية في كل من فنلندا وليتوانيا والسويد، أو يدعم حكوماتها، ما يعني قدرته على التأثير على السياسات المتبعة. ثم إن اليمين المتطرف يتأهب للانقضاض على السلطة في ألمانيا حيث حزب «البديل لألمانيا» يحتل المرتبة الثانية في البلاد، وفق استطلاعات الرأي، حيث يحصل على 21 بالمائة من الأصوات.

وبيّنت الانتخابات الإقليمية التي جرت الشهر الماضي في ولايتي بافاريا وهس إحراز «البديل لألمانيا» تقدماً واضحاً في نسبة الأصوات التي حصل عليها. بيد أن الخطر الأكبر قد يأتي من فرنسا حيث إن مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن واجهت الرئيس إيمانويل ماكرون في الدورة الثانية من انتخابات عام 2017 و2022. وتبين استطلاعات الرأي أن حزبها «التجمع الوطني» آخذ في التقدم، وسبق له أن احتل المرتبة الأولى في الانتخابات الأوروبية السابقة، وهو يتأهب لإنجاز مشابه في الانتخابات المقبلة. وفي أي حال، فإن انتخابات يونيو (حزيران) المقبل، على المستوى الأوروبي، سوف تشكل الاختبار الحقيقي لمدى قدرة اليمين المتطرف على مواصلة التقدم.

مارين لوبن، زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، في لشبونة، ساعية للوصول إلى الرئاسة في فرنسا، 24 نوفمبر (أ.ف.ب)

يقول الباحث السياسي جيل إيفالدي، المتخصص بتاريخ الأحزاب الأوروبية الشعبوية والقومية اليمينية المتطرفة، إن «الزمن الحاضر يعكس وجود دينامية قوية لليمين المتطرف، وذلك منذ أزمة الهجرات الكبرى التي شهدها عام 2015، خصوصاً في دول أوروبا الشرقية».

ويؤكد إيفالدي أن اليمين المتطرف يتقدم ويقوي مواقعه منذ 40 عاماً، ولكن الجديد أنه في السنوات الأخيرة أخذ يتبدل ويطبع صورته، ما يعكس رغبته بالوصول إلى السلطة، وليس البقاء على الهامش في المعارضة.

ويربط الباحث الفرنسي بين الدينامية الاستثنائية لليمين المتطرف في السنوات الأخيرة، وبين الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي ترافقت مع تفشي وباء «كوفيد 19» حيث استغلت الأحزاب اليمينية الصعوبات المرتبطة بالوباء ضد الحكومات القائمة. بيد أن الخيط الجامع والقاعدة الآيديولوجية لكافة الأحزاب اليمينية المتطرفة يتمثلان في الدفاع عن الهوية الأوروبية ومعاداة الإسلام ورفض الهجرات والربط بينها وبين الاعتداءات الإرهابية التي عرفها كثير من البلدان الأوروبية.

مظاهرات مناوئة لزعيم اليمين المتطرف في أمستردام، 24 نوفمبر (رويترز)

وما زالت هذه القاعدة الآيديولوجية تتنامي اليوم، ولا يعتقد أن الأحزاب المعنية سوف تتخلى عنها، بل إن الأحزاب التقليدية آخذة إلى حد بعيد باستنساخ مقولات اليمين المتطرف، ما يعكس التحولات العميقة في الرأي العام. والملفت أن هذه التحولات الأكثر إثارة تظهر في بلدان شمال أوروبا التي كانت الأكثر انفتاحاً بالنسبة للهجرات، وتقبل التنوع الثقافي والديني، وهي تنهج اليوم خطاً متشدداً وتفتح الباب أمام صعود اليمين المتطرف.


مقالات ذات صلة

موريتانيا: المعارضة تناقش «دليل الحوار» المقترح من السلطة

شمال افريقيا جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)

موريتانيا: المعارضة تناقش «دليل الحوار» المقترح من السلطة

قررت أحزاب المعارضة الموريتانية عقد اجتماع (الخميس)، لمناقشة وثيقة قدمتها السلطة بوصفها «الدليل المرجعي لتنظيم الحوار الوطني» الذي دعا له الرئيس الموريتاني.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)

تيتيه تبدي «تفاؤلاً حذراً» بتجدد العملية السياسية في ليبيا

عبّرت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن «تفاؤل حذر» بأن هذا البلد العربي الأفريقي يمكن أن يعبر بنجاح من مفترق طرق حاسم مع تجدد العملية السياسية

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا أمين الجامعة العربية أحمد أبو الغيط يتوسط صالح والمنفي وتكالة في اجتماع سابق بمقر الجامعة بالقاهرة مارس 2024 (مجلس الدولة)

المنفي وصالح وتكالة يخلطون أوراق الأزمة الليبية بـ«خريطة طريق» جديدة

في خطوة وصفت بأنها تستهدف قطع الطريق على «المبادرة الأميركية» والإبقاء على الكرة في ملعب القوى المحلية اتفق رؤساء «المجالس الثلاثة في ليبيا» على «خريطة طريق».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا أطر سلطة الانتخابات يتابعون مجريات الحملة الانتخابية (السلطة)

الجزائر: المرشحون لـ«التشريعية» أمام تحدي إقناع الناخبين بجدوى التصويت

وجَّهت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» ما يشبه تحذيراً إلى المترشحين، يخص مخلفات قانونية محتملة قد تؤدي إلى عقوبات قضائية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الولايات المتحدة​ المرشح لمنصب حاكم جورجيا ريك جاكسون مع مؤيديه خلال متابعة نتائج جولة الإعادة الانتخابية في أتلانتا (أ.ب)

مرشحو ترمب يحققون فوزاً لافتاً في «تمهيديات الجمهوريين»

حقق مرشحو الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، فوزاً ساحقاً في 3 عمليات انتخابية تمهيدية لمجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري، لكنه واجه صعوبات بسباقات أخرى في جورجيا...

علي بردى (واشنطن)

قادة الاتحاد الأوروبي يتفقون على تمديد عقوبات ضد روسيا لمدة 12 شهراً

قادة الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع اليوم الخميس في قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل (ا.ب)
قادة الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع اليوم الخميس في قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل (ا.ب)
TT

قادة الاتحاد الأوروبي يتفقون على تمديد عقوبات ضد روسيا لمدة 12 شهراً

قادة الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع اليوم الخميس في قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل (ا.ب)
قادة الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع اليوم الخميس في قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل (ا.ب)

اتفق ​قادة الاتحاد الأوروبي، اليوم (الخميس)، على تمديد عقوبات مفروضة ‌على ‌روسيا ​بسبب ‌حربها ⁠ضد أوكرانيا ​لمدة 12 ⁠شهراً.

ويمثل القرار الذي اتُخذ ⁠خلال ‌قمة عقد ‌في ​بروكسل، المرة ‌الأولى ‌التي يتم فيها تمديد العقوبات ‌التي تستهدف قطاعات معينة من الاقتصاد ⁠الروسي ⁠لمدة عام كامل.

وكانت هذه العقوبات تجدد في السابق كل ​ستة ​أشهر.


أوكرانيا تستهدف مصفاة نفط كبرى في أكبر هجوم على موسكو منذ أعوام

قال عمدة موسكو سيرغي سوبيانين إن عدة طائرات مسيرة استهدفت مصفاة نفط موسكو الواقعة في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة (إ.ب.أ)
قال عمدة موسكو سيرغي سوبيانين إن عدة طائرات مسيرة استهدفت مصفاة نفط موسكو الواقعة في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة (إ.ب.أ)
TT

أوكرانيا تستهدف مصفاة نفط كبرى في أكبر هجوم على موسكو منذ أعوام

قال عمدة موسكو سيرغي سوبيانين إن عدة طائرات مسيرة استهدفت مصفاة نفط موسكو الواقعة في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة (إ.ب.أ)
قال عمدة موسكو سيرغي سوبيانين إن عدة طائرات مسيرة استهدفت مصفاة نفط موسكو الواقعة في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة (إ.ب.أ)

نفّذت أوكرانيا، الخميس، هجوماً بطائرات مسيّرة على موسكو، في أكبر استهداف للعاصمة الروسية منذ سنوات، مما أدى إلى اندلاع حرائق داخل المدينة وفي محيطها، وشمل الهجوم مصفاة نفط كبرى وتسبب بإجلاء ركاب من أكبر مطارات العاصمة، فيما حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في رسالة صوتية قائلاً: «إذا احترقت أوكرانيا، فستحترق موسكو».

مصفاة نفط تابعة لشركة «غازبروم» الروسية في موسكو واقعة على مشارفها الجنوبية الشرقية (أ.ف.ب)

وأكد مسؤولون روس الهجوم غير المسبوق على العاصمة الروسية، واعتبرته وكالة «تاس» الروسية للأنباء الأكبر على موسكو منذ عامين على الأقل. وقال عمدة موسكو، سيرغي سوبيانين، إن عدة طائرات مسيرة استهدفت مصفاة نفط موسكو الواقعة في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة، وللمرة الثانية خلال أسبوع، وأعلنت وزارة النقل الروسية عن تعليق الرحلات الجوية في المطارات الأربعة الرئيسية في العاصمة.

وهدّدت روسيا بشن مزيد من الضربات على أوكرانيا، الخميس، بعدما استهداف موسكو. ورداً على سؤال حول الهجوم، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ⁠الخميس، ​إن روسيا ⁠ستنفذ «ضربات ⁠منسقة واسعة ‌النطاق ‌بشكل ​منتظم» ‌عقب الهجوم ‌الأوكراني. وقال إن الرئيس فلاديمير بوتين سبق أن أعلن أن موسكو «ستشن ضربات واسعة النطاق بشكل منتظم» على أوكرانيا، لافتاً إلى أن الجيش الروسي «ينفذ ذلك وسيواصل القيام به»

وقال الرئيس الأوكراني إن الهجمات المكثفة بالطائرات المسيرة على روسيا جاءت رداً على غارة ألحقت أضراراً بدير تاريخي في كييف، هذا الأسبوع، مضيفاً أن «موسكو ستحترق» إذا استمرت الهجمات الروسية. وأضاف: «نحن لا نريد هذه الحرب، ولم نرغب فيها أبداً، والجميع يعلم ذلك، وشركاؤنا يعلمون ذلك». وقال زيلينسكي إن «الأهم هو أن يبدأ الشعب الروسي أن يشعر بأن شخصاً واحداً، بوتين، يخوض هذه الحرب، في حين يدفع الناس العاديون الثمن كاملاً»، مضيفاً في تسجيل صوتي: «لا نريد هذه الحرب ولم نردها أبداً... لكن إذا كانت أوكرانيا تحترق، فموسكو ستحترق أيضاً».

واستخدمت أوكرانيا عشرات الطائرات المسيرة في الهجوم الليلي. وقالت «وكالة الصحافة الفرنسية» إن مراسليها شاهدوا أعمدة كبيرة من الدخان الأسود في سماء موسكو، بينما شوهدت ألسنة اللهب تشتعل في قسم من منشأة نفطية في منطقة كابوتنيا الجنوبية، واستمر الحريق في المصفاة طوال الفترة الصباحية.

بوتين ⁠خلال اجتماع مع ⁠مسؤولين ‌عسكريين ‌الجمعة ⁠(رويترز)

وأظهرت صور ومقاطع مصورة نشرتها وسائل إعلام روسية اندلاع حرائق هائلة في المصفاة، الواقعة على بعد نحو 15 كيلومتراً (9 أميال) من الكرملين. وجاء الهجوم بعد ساعات من إعلان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنه أجرى «اتصالاً تنسيقياً مهماً» مع رئيسي الولايات المتحدة وفرنسا، وأنه حصل على تعهدات رئيسية بتقديم المزيد من الدعم من قمة مجموعة السبع خلال الأسبوع الحالي.

وقال زيلينسكي إنه أجرى اتصالاً آخر مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا. وكتب زيلينسكي على منصة «إكس»، في وقت متأخر من مساء الأربعاء: «كان اتصالاً تنسيقياً مهماً يمكن أن يحدث تغييراً كبيراً»، دون أن يقدم مزيداً من التفاصيل. وأضاف: «أشكر الرئيس ترمب على اهتمامه بأوكرانيا واستعداده للمساعدة في تقريب السلام». وكان زيلينسكي التقى ترمب وماكرون على هامش قمة مجموعة السبع في مدينة إيفيان الفرنسية، حيث كانت الحرب في أوكرانيا من بين الموضوعات التي نوقشت خلال القمة.

بوتين في قمة «آسيان» (أ.ف.ب)

وقال مسؤولون أوكرانيون، في ساعة مبكرة من صباح الخميس، إن روسيا أطلقت عدة صواريخ على أهداف داخل أوكرانيا، بما في ذلك العاصمة كييف. وقال الحاكم العسكري لكييف، تيمور تكاتشينكو، عبر تطبيق «تلغرام»: «العدو يهاجم العاصمة بصواريخ باليستية». وسمع دوي عدة انفجارات في وسط كييف، وفق ما أفاد مراسل لـ«وكالة الأنباء الألمانية». وقالت القوات الجوية الأوكرانية إن صاروخين على الأقل كانا في طريقهما نحو كييف، بينما تم توجيه صاروخ آخر إلى منطقة بولتافا وسط البلاد.

وتتزامن هذه الضربات مع استضافة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قادة من جنوب شرقي آسيا ضمن قمة روسيا (آسيان) المنعقدة في مدينة كازان التي تبعد نحو 700 كيلومتر شرق موسكو. وبعد ساعات من الهجوم، ظهر بوتين في صورة جماعية مع عدد من القادة خلال القمة، من دون أن يتطرق في كلمته الافتتاحية إلى الضربة الأوكرانية.

ويحرص بوتين منذ سنوات على إبراز الاستقرار في روسيا، رغم التداعيات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الحرب المستمرة على أوكرانيا منذ أربع سنوات. وبعد أن شنت كييف هجمات مماثلة على سانت بطرسبرغ في وقت سابق من هذا الشهر، ووعد بوتين بتعزيز الدفاعات الجوية. وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، فرضت الهيئة الفيدرالية للطيران في روسيا حظراً على المسيرات المدنية والطائرات الخفيفة حول المجال الجوي لموسكو، على خلفية هذه الهجمات.

قالت السلطات الروسية إن أكثر من 200 مسيرة أوكرانية هاجمت موسكو (إ.ب.أ)

وقال يوري أوشاكوف، مستشار الكرملين للشؤون الخارجية، الخميس، إن القادة الأوروبيين ربما يكونون قد «شحنوا» الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأفكار مضرة خلال قمة مجموعة السبع التي عقدت هذا الأسبوع، لكنه أشار إلى أن ترمب زعيم قوي يتمسك بأفكاره.

وذكر ترمب أن على روسيا أن تعقد سلاماً مع أوكرانيا، بعد أن عقد لقاء «جيداً جداً» مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الثلاثاء. وبثت التصريحات تفاؤلاً حذراً بين قادة مجموعة السبع بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام.

وأضاف أوشاكوف أنه يعتقد أن ترمب تلقى معلومات مضللة حول الوضع في أوكرانيا خلال القمة، وأن موسكو لا تزال تنتظر زيارة من مبعوثَي ترمب - ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر - على الرغم من عدم تحديد موعد لذلك حتى الآن.

عدة طائرات مسيرة استهدفت مصفاة نفط موسكو الواقعة في الضواحي الجنوبية الشرقية للعاصمة (أ.ف.ب)

وتابع أوشاكوف للتلفزيون الحكومي الروسي: «يمكن الافتراض أن ترمب قد تم شحنه... بأفكار مضرة. وندرك أن الأوروبيين يمارسون تأثيراً غير مفيد في هذا الصدد».

ومضى قائلاً: «ترمب سياسي قوي ويتمسك بآرائه. لقد علق على بعض الأمور وأبقى أموراً أخرى لنفسه. فلننتظر ونرَ كيف ستتطور الأمور».

وأكد زيلينسكي وحلفاؤه الأوروبيون لترمب أنهم يعتقدون أن حظوظ أوكرانيا في ساحة المعركة تحسنت بفضل توغلاتها بطائرات مسيرة في روسيا. وقال أوشاكوف إن هذا «غير صحيح على الإطلاق».

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيسة الوزراء يوليا سفيريدنكو يتفقدان كنيسة «دير كييف بيشيرسك لافرا» التي أصيبت بهجوم روسي على كييف أمس (أ.ف.ب)

وقال وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيها، عبر منصة «إكس»، إن «أحد أكثر الأسئلة تداولاً بين سكان موسكو هذا الصباح: ماذا يحدث؟ أستطيع أن أجيب: لقد شنت بلادكم حرباً عدوانية ضد بلادنا. ولسنوات، وهي تقتل شعبنا. والآن بعدما عرفتم ما يحدث، اسألوا بوتين متى يعتزم إنهاء هذه الحرب».

من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن دفاعاتها الجوية أسقطت 555 طائرة مسيرة أوكرانية فوق مناطق متعددة، خلال الليل، حيث تم اعتراض نحو 200 طائرة لدى اقترابها من العاصمة الروسية

ودعا زيلينسكي أوروبا والولايات المتحدة إلى زيادة الضغط على روسيا من خلال فرض عقوبات على قطاعي الدفاع والطاقة الروسيين، وعلى الاقتصاد الروسي بشكل عام، لإجبار الرئيس فلاديمير بوتين على إنهاء الحرب. وتابع: «على الجميع ممارسة الضغط على بوتين: الأوكرانيون وجميع الأوروبيين دون استثناء والأميركيون والروس، حان وقت الاستفاقة وممارسة الضغط على زعيمهم».

ومن المقرر أن يتوجه زيلينسكي إلى بروكسل في وقت لاحق الخميس، لإجراء محادثات مع قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك مناقشات حول إمكانية إنشاء منظومة دفاعية قارية للحماية من الصواريخ الباليستية.

بناية تعرضت للهجوم الأوكراني بالمسيرات (رويترز)

ويلتقي قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، الخميس، في قمة تستمر يومين تركز على الدعم لأوكرانيا، والموازنة المقبلة طويلة الأمد للاتحاد الأوروبي والتحديات الاقتصادية العالمية. وشهدت أوكرانيا موجة من الدعم الجديد من الاتحاد الأوروبي بعدما رفعت المجر اعتراضها على العديد من المبادرات التي تتراوح بين افتتاح محادثات انضمام رسمية وتبني قرض قيمته 90 مليار يورو (104.5 مليار دولار) لكييف.


بريطانيا تورّد لأوكرانيا 150 ألف طائرة مُسيرة ضمن حزمة تمويل

مُسيّرة أوكرانية (رويترز)
مُسيّرة أوكرانية (رويترز)
TT

بريطانيا تورّد لأوكرانيا 150 ألف طائرة مُسيرة ضمن حزمة تمويل

مُسيّرة أوكرانية (رويترز)
مُسيّرة أوكرانية (رويترز)

قال دان جارفيس، وزير الدفاع البريطاني، اليوم الخميس، خلال اجتماع مجموعة الاتصال المعنية بالدفاع عن أوكرانيا في بروكسل، إن بلاده ستُزود أوكرانيا بطائرات مُسيرة يبلغ عددها 150 ألفاً، بحلول نهاية عام 2026، ضِمن حزمة تمويل بقيمة 752 مليون جنيه إسترليني (996 مليون دولار).

وتضم الحزمة، التي يموّلها قرض بريطاني لأوكرانيا بقيمة 2.26 مليار جنيه إسترليني، 350 صاروخاً للدفاع الجوي، إضافة إلى أنظمة رادار أرضية.

وهذا القرض مدعوم بعائدات أصول سيادية روسية مجمَّدة.

والتقى جارفيس، الذي شارك في رئاسة الاجتماع مع نظيره الألماني، بوزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، ووزراء دفاع آخرين؛ بينهم وزيرا الدفاع الفرنسي والأوكراني.