خبير اقتصادي أميركي: آسيا الوسطى يمكن أن تكون مقبرة التحالف الروسي الصيني

يقول ديفيد ميركل إنه يجب البحث عن فرص لزرع بذور الانقسام بين موسكو وبكين

الرئيسان الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين خلال حفل افتتاح منتدى «مبادرة الحزام والطريق» في بكين (أ.ف.ب)
الرئيسان الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين خلال حفل افتتاح منتدى «مبادرة الحزام والطريق» في بكين (أ.ف.ب)
TT

خبير اقتصادي أميركي: آسيا الوسطى يمكن أن تكون مقبرة التحالف الروسي الصيني

الرئيسان الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين خلال حفل افتتاح منتدى «مبادرة الحزام والطريق» في بكين (أ.ف.ب)
الرئيسان الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين خلال حفل افتتاح منتدى «مبادرة الحزام والطريق» في بكين (أ.ف.ب)

يمكن وصف العالم اليوم بأنه عالم تنافس بين الدول الكبرى في مناطق أوروبا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى وآسيا، في وقت يشهد معاناة الإنفاق الفيدرالي الأميركي في ظل العجز المزداد في الميزانية والمخاوف الأمنية المحلية الملحة على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة. ويرى الخبير الاقتصادي ديفيد ميركل، المدير الإداري لشركة «إنترناشونال إدفايزز للاستشارات العالمية»، الذي عمل نائباً لمساعد وزير الخارجية لشؤون أوروبا وأوراسيا، أن التقشف الذي اتسمت به السياسة الخارجية في عهد الإدارات الأميركية الأخيرة ساهم في حالة عدم الاستقرار السائدة، وتتعين معالجة ذلك بدعم أوكرانيا وإسرائيل وتايوان.

ومع ذلك تحتم الضرورة حشد الموارد الأميركية وتوجيهها نحو المصالح الحيوية.

الزعماء المشاركون في قمة التعاون الاقتصادي والمحيط الهادي بسان فرانسيسكو في صورة جماعية (رويترز)

ويقول ميركل في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية إنه يتعين مع سعي الولايات المتحدة لتعزيز تحالفاتها في أوروبا وآسيا البحث أيضاً عن فرص لزرع بذور الانقسام بين موسكو وبكين، وهي علاقة وصفت بأنها «بلا حدود» قبل غزو روسيا لأوكرانيا.

شي جينبينغ وفلاديمير بوتين... أكثر من مصافحة (د.ب.أ)

وقد تكون الجمهوريات السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى هي المكان المناسب لذلك. وهناك سابقة تاريخية لتصادم مصالح الدول الكبرى في آسيا الوسطى. فقد تقاتلت بريطانيا في العهد الفيكتوري مع روسيا القيصرية بشأن الخانات أواخر القرن التاسع عشر. كما أن الاشتباكات بين الجيش الأحمر السوفياتي وجيش التحرير الشعبي في ستينات القرن الماضي على طول الحدود عبر آسيا الوسطى نبهت الغرب إلى الانقسام الصيني السوفياتي.

وتعد الصين الصاعدة جمهوريات آسيا الوسطى الخمس (أوزبكستان، وكازاخستان، وتركمنستان، وطاجيكستان وقيرغزستان) دولاً مهمة لمبادرة «الحزام والطريق» التي تعد إحياءً لطريق الحرير القديم.

الزعيمان الصيني والروسي بين عدد من القادة المشاركين في «منتدى الحزام والطريق» (إ.ب.أ)

فربط الصين بالأسواق الأوروبية براً سيخفف من مخاوف بكين إزاء نقاط الاختناق البحرية وتعرضها لمضايقات قوة الأسطول الباسيفيكي الأميركي. واندفعت موسكو التي لم تقبل مطلقاً بدور أدنى تحت ظل واشنطن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي نحو مثل هذا الدور التابع مع بكين. وربما يعدُّ الكرملين أن هذا أمر لا يمكن تجنبه إلى حد كبير، لكنه غير مقبول في آسيا الوسطى.

قادة دول «منظمة الأمن الجماعي» خلال قمتهم في مينسك أمس (أ.ف.ب)

ويضيف ميركل أن موسكو وبكين تريان أن المنطقة تتطور في اتجاهين مختلفين. فالصين تعزز «منظمة شنغهاي للتعاون»، و«مبادرة الحزام والطريق»، واستثماراتها الخاصة في الطاقة والتعدين. وتعد بكين آسيا الوسطى مصدراً للمعادن، والهيدروكربونات، والزراعة، وتتصل بالأسواق التي تقع في غربها. وتعطي الأولوية للاستقرار في آسيا الوسطى، جارتها ذات الأغلبية المسلمة، غرب شينجيانغ، التي يتشابه سكانها دينياً وعرقياً مع سكان الصين من الأويغور.

أما موسكو، فتعد المنطقة مجال نفوذها المميز. وهي تستغل الاتحاد الاقتصادي الأورواسي، لربط أسواقها بكازاخستان وقيرغزستان وبيلاروسيا وأرمينيا الأعضاء في الاتحاد. وأدى عدم وجود قيود داخل الاتحاد وحدود روسيا الطويلة مع كازاخستان إلى تمكن روسيا من تجنب العقوبات الأميركية والأوروبية. فقد زاد حجم التجارة إلى أعضاء الاتحاد مع شحن الجزء الأكبر من صادراتها إلى روسيا.

بايدن وشي خلال المحادثات بين الوفدين الأميركي والصيني أمس (أ.ب)

كما تقود روسيا منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تضم في عضويتها دول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، بالإضافة إلى طاجيكستان. ومثل حلف وارسو في عهد الاتحاد السوفياتي، الذي أرسل قوات إلى بودابست عام 1956 وإلى براغ عام 1968، أرسلت منظمة معاهدة الأمن الجماعي قوات فقط إلى الدول الأعضاء، وفعلت ذلك في يناير (كانون الثاني) 2022 إلى كازاخستان، وذلك مباشرة قبل غزو موسكو الشامل لأوكرانيا في فبراير (شباط). وأدى القلق إزاء عدم احترام موسكو سيادة كازاخستان إلى انزعاج الرئيس الصيني شي جينبينغ، لدرجة أن أول زيارة له بعد انتهاء جائحة «كورونا» كانت إلى عاصمة كازاخستان، حيث قال إنه «بغض النظر عن التغيرات في الوضع الدولي، سنواصل دعم كازاخستان بكل قوة في الدفاع عن استقلالها، وسياداتها، ووحدة أراضيها، وندعم بقوة الإصلاحات التي تقومون بها لضمان الاستقرار والتنمية، ونعارض بقوة تدخل أي قوى في الشؤون الداخلية لبلادكم». ثم توجه شي إلى سمرقند التي اختيرت لتكون مقراً لقمة «منظمة شنغهاي للتعاون».

الرئيس الأميركي متوسطاً الرئيس الكوري الجنوبي سوك سوول (يسار) ووزير الحارجية الياباني كيشيدا فوميو في سان فرانسيسكو يوم 17 نوفمبر (د.ب.أ)

ويرى ميركل أن بكين ترسم مستقبل المنطقة، بينما تربطها بموسكو علاقات تاريخية وشخصية. ومع ذلك فإن منع واشنطن من أن يكون لها نفوذ في المنطقة أدى إلى أن تخفف روسيا والصين من خلافاتهما وتوحيد مصالحهما في آسيا الوسطى. لكن مع غياب واشنطن عن المعادلة سوف تواجه روسيا والصين، كل منهما الأخرى بدلاً من الاتحاد معاً.

ويقول ميركل إن تحقيق الولايات المتحدة مزيداً من التعاون مع حلفائها وشركائها في آسيا يعد أمراً أساسياً لتعزيز الردع في مواجهة بكين الأكثر عداءً. فطوكيو وسول تتعاونان معاً مع واشنطن لتحقيق توازن في مواجهة التهديد من جانب الصين. وتربط أستراليا والفلبين علاقات دفاعية أكثر قوة مع الولايات المتحدة من خلال «تحالف أوكوس» ومعاهدة دفاع متبادل متجددة بين الولايات المتحدة والفلبين. وحتى الهند، التي تعدُّ تاريخياً من دول عدم الانحياز، وفيتنام، العدو السابق لأميركا، تعجلان بعلاقاتهما مع واشنطن في ظل المخاوف من بكين في جنوب وجنوب شرق آسيا.

وأضاف أن هناك حاجة لبذل جهود لإقامة شراكات في أوروبا وآسيا لمواجهة النفوذ الشرير من جانب روسيا والصين وإيران، وذلك من أجل التنافس في عصر تنافس القوى الكبرى الحالي.

وأشار إلى ضرورة البحث عن فرص حيثما توجد انقسامات بين موسكو وبكين وإمكانية استغلالها. واختتم ميركل تحليله بالقول إن روسيا والصين تتنافسان في آسيا الوسطى، حيث تحاول واشنطن السعي لتحقيق نفوذ لها بعد أن ضيعت 30 عاماً في عدم القيام بذلك خلال أوقات كانت أكثر مناسبةً. وأسفر هذا عن قيام بوتين وشي بتوحيد مصالحهما. وفي المقابل، يمكن أن ندرك أن غيابنا عزز مصالحنا، ومن ثم يتعين التركيز على الخلافات في السياسة بين موسكو وبكين. وربما توجد بذور الانقسام بين موسكو وبكين في آسيا الوسطى، ويتعين على الولايات المتحدة استغلالها.


مقالات ذات صلة

موسكو تنفي تقارير أوكرانية عن تحالف متسللين إلكترونيين إيرانيين وروس

أوروبا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا (رويترز) p-circle

موسكو تنفي تقارير أوكرانية عن تحالف متسللين إلكترونيين إيرانيين وروس

ذكرت «الخارجية الروسية»، الأربعاء، أن التقييمات الأوكرانية التي تفيد بأن متسللين إلكترونيين من الروس والإيرانيين يتعاونون في مجال الأمن الإلكتروني غير صحيحة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد السفينة «غويل» غادرت ميناء أوست لوغا الثلاثاء محملة بـ700 ألف برميل من النفط (إكس)

ميناء أوست لوغا الروسي يستأنف تصدير النفط

استأنف ميناء أوست لوغا الروسي على بحر البلطيق تصدير النفط، رغم هجمات تنفَّذ بطائرات مُسيَّرة، وفقاً لبيانات مجموعة بورصات لندن.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا رجال إنقاذ يحملون جثة من الحافلة التي أصابتها مُسيّرة روسية بوسط ​مدينة ‌نيكوبول جنوب شرقي أوكرانيا الثلاثاء (رويترز)

فانس يرى أن حرب أوكرانيا هي «الأصعب» ويتهم أوروبا بالتقصير تجاهها

اتهم نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، الأربعاء، القادة الأوروبيين بالتقصير وعدم بذل جهود كافية لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية التي دخلت عامها الخامس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو يوم 26 مارس 2026 (أ.ب)

خاص هل تعود عاصمة القياصرة إلى عمق سيبيريا؟

دقت حرب إيران جرس إنذار كبيراً داخل روسيا؛ إذ تحوَّل النقاش حول ضرورات نقل مراكز صنع القرار والمرافق الاقتصادية شرقاً... نحو سيبيريا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا جنديان روسيان يستعدان لإطلاق قاذفة قنابل يدوية باتجاه مواقع أوكرانية (أ.ب)

روسيا تؤكد مصرع 16 كاميرونياً كانوا يقاتلون في صفوف قواتها بأوكرانيا

أكّدت روسيا مقتل 16 كاميرونياً كانوا يقاتلون في صفوف قواتها في الحرب ضد أوكرانيا، وفق ما أوردت مذكّرة داخلية للحكومة الكاميرونية، نُشرت الاثنين.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

كوريا الشمالية تعلن اختبار صواريخ باليستية ورؤوس حربية عنقودية

زعيم كوريا الشمالية برفقة ابنته خلال إشرافه على اختبار قاذفات صواريخ متعددة في 14 مارس 2026 (رويترز)
زعيم كوريا الشمالية برفقة ابنته خلال إشرافه على اختبار قاذفات صواريخ متعددة في 14 مارس 2026 (رويترز)
TT

كوريا الشمالية تعلن اختبار صواريخ باليستية ورؤوس حربية عنقودية

زعيم كوريا الشمالية برفقة ابنته خلال إشرافه على اختبار قاذفات صواريخ متعددة في 14 مارس 2026 (رويترز)
زعيم كوريا الشمالية برفقة ابنته خلال إشرافه على اختبار قاذفات صواريخ متعددة في 14 مارس 2026 (رويترز)

أعلنت كوريا الشمالية، اليوم الخميس، أن سلسلة التجارب التي أجرتها هذا الأسبوع شملت أنظمة أسلحة جديدة متنوعة، بما في ذلك صواريخ باليستية مزودة برؤوس حربية عنقودية، في إطار سعيها لتوسيع قواتها النووية القادرة على استهداف جارتها كوريا الجنوبية.

وأفادت وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية بأن التجارب استمرت ثلاثة أيام بدءا من يوم الاثنين، وشملت أيضاً عروضا لأنظمة مضادة للطائرات، وأنظمة أسلحة كهرومغناطيسية مزعومة، وقنابل مصنوعة من ألياف الكربون.

وقالت هيئة الأركان المشتركة الكورية الجنوبية، إن الصواريخ التي أطلقت يوم الأربعاء قطعت مسافات تتراوح بين 240 و700 كيلومتر قبل أن تسقط في البحر، وإنها رصدت أيضاً على الأقل مقذوفاً واحداً أطلق يوم الثلاثاء من منطقة قرب العاصمة الكورية الشمالية، بيونغ يانغ.

وقالت وزارة الدفاع اليابانية إن أي من الأسلحة التي أطلقت يوم الأربعاء لم تدخل المياه ضمن منطقتها الاقتصادية الخالصة، بينما صرحت القوات الأميركية بأن الإطلاقات الكورية الشمالية يومي الثلاثاء والأربعاء لا تشكل تهديداً فورياً للولايات المتحدة أو حلفائها.


الصين: اتفاق بين أفغانستان وباكستان على تجنّب التصعيد

مسؤول أمني يقوم بدورية في كابل بأفغانستان (إ.ب.أ)
مسؤول أمني يقوم بدورية في كابل بأفغانستان (إ.ب.أ)
TT

الصين: اتفاق بين أفغانستان وباكستان على تجنّب التصعيد

مسؤول أمني يقوم بدورية في كابل بأفغانستان (إ.ب.أ)
مسؤول أمني يقوم بدورية في كابل بأفغانستان (إ.ب.أ)

اتّفقت باكستان وأفغانستان على تجنّب أي تصعيد في النزاع المسلّح بينهما أثناء محادثات استضافتها الصين مؤخراً، حسبما أعلنت بكين الأربعاء، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتدور مواجهات عنيفة بين البلدين الجارين على خلفية اتّهام إسلام آباد أفغانستان بتوفير ملاذ آمن لجماعات مسلّحة شنّت هجمات عبر الحدود، وهو أمر تنفيه حكومة «طالبان».

وتصاعدت حدّة الأعمال العدائية بشكل كبير أواخر فبراير (شباط) عندما أعقبت عملية برّية أفغانية ضربات جويّة باكستانية، ما دفع إسلام آباد للإعلان عن بدء «حرب مفتوحة» بين البلدين.

وفي 16 مارس (آذار)، أسفرت ضربة باكستانية على مستشفى في كابل عن مقتل مئات المدنيين، وأثارت تنديداً دولياً فيما تجددت الدعوات لعقد محادثات تضع حداً للنزاع.

وقالت الناطقة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ الأربعاء إن «ممثلين لكل من الصين وأفغانستان وباكستان عقدوا اجتماعات غير رسمية على مدى أسبوع في أورومتشي في شينجيانغ من الأول حتى السابع من أبريل (نيسان)».

وأفادت في مؤتمر صحافي دوري في بكين أن أعضاء الوفود الثلاثة «خاضوا مباحثات صريحة وبراغماتية في أجواء إيجابية».

وأشارت إلى أن أفغانستان وباكستان أعلنتا «التزامهما حل خلافاتهما في أقرب وقت، وإعادة العلاقات الثنائية إلى طبيعتها، والاتفاق على عدم القيام بأي خطوات من شأنها أن تؤدي إلى تصعيد الوضع أو تعقيده».

وكشف دبلوماسيون من باكستان وأفغانستان بالفعل عن المحادثات التي استضافتها الصين الأسبوع الماضي، لكن بكين لم تؤكدها قبل الآن.

وانقضت في 24 مارس (آذار) مهلة هدنة بين الطرفين دخلت حيّز التنفيذ في عطلة عيد الفطر.

وأُغلقت الحدود البريّة بين باكستان وأفغانستان في شكل شبه كامل أثناء المعارك، الأمر الذي كانت له انعكاسات اقتصادية كبيرة.


كيف توسَّطت باكستان في هدنة مؤقتة بين إيران والولايات المتحدة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع إلى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وهو يتحدث عقب التوقيع الرسمي على المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة خلال قمة بشرم الشيخ (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع إلى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وهو يتحدث عقب التوقيع الرسمي على المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة خلال قمة بشرم الشيخ (أرشيفية - رويترز)
TT

كيف توسَّطت باكستان في هدنة مؤقتة بين إيران والولايات المتحدة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع إلى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وهو يتحدث عقب التوقيع الرسمي على المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة خلال قمة بشرم الشيخ (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع إلى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وهو يتحدث عقب التوقيع الرسمي على المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة خلال قمة بشرم الشيخ (أرشيفية - رويترز)

برزت باكستان كوسيط رئيسي بين إيران والولايات المتحدة في التوصُّل لوقف مؤقت لإطلاق النار واستضافة مفاوضات لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، بحسب تقرير نشرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

والأربعاء صرَّح رئيس الوزراء شهباز شريف بأن الولايات المتحدة وإيران، وحلفاءهما، اتفقوا على وقف إطلاق النار «في كل مكان» بعد وساطة حكومته.

وأضاف أن الهدنة التي تستمر أسبوعين، والتي أعلنها ترمب وطهران سابقاً، ستُمهِّد الطريق لمحادثات في العاصمة الباكستانية.

وقال خبير شؤون جنوب آسيا مايكل كوغلمان في منشور على منصة «إكس» إن «باكستان حقَّقت أحد أكبر انتصاراتها الدبلوماسية منذ سنوات».

وأضاف أن باكستان «تحدَّت أيضاً العديد من المتشككين والرافضين الذين لم يعتقدوا أنها قادرة على إنجاز مثل هذا العمل المعقَّد والحساس».

ما هي علاقات باكستان بإيران؟

وقال سفير باكستان السابق في طهران آصف دوراني: «لباكستان مكانة مرموقة باعتبارها الدولة الوحيدة في المنطقة التي تربطها علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وإيران».

ولباكستان حدود مشتركة مع إيران بطول 900 كيلومتر في مناطقها الجنوبية الغربية. وتربطهما أيضاً روابط تاريخية وثقافية ودينية عميقة.

وتضم باكستان ثاني أكبر عدد من المسلمين الشيعة في العالم بعد إيران.

وكانت إيران أول دولة تعترف بباكستان بعد استقلالها عام 1947. وردَّت باكستان الجميل بعد ثورة 1979.

وتمثل باكستان أيضاً بعض المصالح الدبلوماسية الإيرانية في واشنطن حيث لا توجد سفارة لطهران.

ماذا عن الولايات المتحدة؟

أقام قائد الجيش الباكستاني القوي عاصم منير علاقة شخصية جيدة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقد زار منير، مرتدياً بدلة عمل غربية وليس الزي العسكري، واشنطن برفقة شريف العام الماضي بعد تصاعد حدة التوتر بين باكستان والهند في إقليم كشمير المجزأ.

أشاد شريف بتدخل ترمب «الجريء والرؤيوي»، بينما قال منير إن الرئيس الأميركي يستحق جائزة نوبل للسلام لنجاحه في منع التصعيد بين الجارتين النوويتين.

وبشأن إيران، قال ترمب إن باكستان تعرف ذلك البلد «أفضل من معظم الدول».

ولطالما ساهمت العلاقات الشخصية في تعزيز العلاقات الثنائية المتشكلة بفعل المصالح الاستراتيجية المتغيرة، والتي شهدت توتراً في بعض الأحيان.

وحتى مع كونها حليفاً من خارج الـ«ناتو» في «الحرب على الإرهاب» التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، واجهت باكستان اتهامات أميركية بإيواء مسلحين مسؤولين عن مهاجمة قوات التحالف عبر الحدود في أفغانستان.

وتفاقم التوتر في العلاقات عندما قتلت القوات الأميركية زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن على الأراضي الباكستانية عام 2011 دون إبلاغ إسلام آباد، وواجهت باكستان اتهامات بالتواطؤ في إيواء الزعيم المتواري.

ماذا عن الأطراف الإقليمية الأخرى؟

وترتبط باكستان أيضاً بعلاقات وثيقة مع بكين، الأمر الذي ساهم، بحسب تصريح ترمب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، في دفع إيران للجلوس إلى طاولة المفاوضات.

وانضمت الصين، الشريك التجاري الأكبر لإيران، إلى حليفتها التاريخية في جنوب آسيا في الدعوة إلى وضع خطة لإنهاء المعارك الدائرة في الشرق الأوسط، مؤكدة دعمها لـ«باكستان في القيام بدور فريد وهام في تهدئة الوضع».

ما هي مكاسب باكستان من ذلك؟

للحياد جدوى اقتصادية بالنسبة لباكستان التي تعتمد على استيراد النفط والغاز عبر مضيق هرمز، وتحرص على تفادي الانخراط في نزاع آخر على مقربة من حدودها.

ومن شأن استمرار الاضطرابات أن يُفاقم أزمة إمدادات الوقود ويرفع الأسعار ويُجبر الحكومة المُثقلة بالديون على اتخاذ المزيد من إجراءات التقشف.

وإنهاء الحرب لن يُعزز الاستقرار الإقليمي فحسب، بل سيُعزز أيضاً مكانة باكستان الدولية، لا سيما فيما تخوض نزاعاً مسلحاً مع جارتها أفغانستان، وبعد أقل من عام على تبادلها الضربات مع خصمها اللدود الهند.

ما الدور الذي ستلعبه باكستان لاحقاً؟

أعلن رئيس الوزراء الباكستاني أنه سيرحب بالوفود الأميركية والإيرانية في العاصمة ابتداء من 10 أبريل (نيسان).

وقال دوراني السفير السابق: «ستشعر إيران براحة أكبر في إسلام آباد، ولذلك قبلت وساطة باكستان»، مضيفاً أن باكستان يُمكنها مساعدة الجانبين على حل الخلافات العالقة.

وأضاف: «إذا كانت المحادثات مباشرة، فبإمكان باكستان مساعدة الطرفين على تحسين النبرة في حال الوصول إلى طريق مسدود»، مشيراً إلى أن المسؤولين الباكستانيين يمكنهم أيضاً القيام بدور الوسيط إذا لم يجتمع الجانبان وجهاً لوجه.

لا تعترف باكستان رسمياً بإسرائيل التي أعلنت الأربعاء دعمها لقرار ترمب بتعليق الضربات على إيران لمدة أسبوعين بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، لكنها أكَّدت أن الصفقة لا تشمل لبنان.