«الاستشراق»... تاريخ العيون المغلقة باتساع!

رسم صورة «المستبد الشرقي» ووظَّفها لخدمة الهيمنة الاستعمارية

«الاستشراق»... تاريخ العيون المغلقة باتساع!
TT

«الاستشراق»... تاريخ العيون المغلقة باتساع!

«الاستشراق»... تاريخ العيون المغلقة باتساع!

لم يأخذ موضوع «الاستشراق» أهميته في المجالين السياسي والثقافي العربيين؛ إذ يُنظر إليه بوصفه ممارسة جرت في الماضي ينحصر الاهتمام بها في نخبة من الدارسين، حتى كتاب إدوارد سعيد «الاستشراق» رغم وجود ترجمتين عربيتين له عومل كأيقونة، بكل ما في الأيقونة من معاني شهرة العنوان والقداسة والبقاء في مكانة عالية وبعيدة لا يدنّسها التمعن في التفاصيل. وهذا تقصير يصل إلى حد الخطيئة الثقافية والسياسية، لأن الاستشراق فاعل ومؤثر في التوجهات الغربية تجاه المنطقة العربية إلى اليوم، وينبغي أن نفهمه لنفهم جذور التحيز الغربي في أدق وأهم قضايانا كقضية فلسطين.

مناهضة ذهنية الاستشراق، هي ما يحاول المستعرب المرموق بيتر جران أن يحققها من خلال دراساته الأربع المنشورة كلها في مطبعة جامعة «سيراكيوز» بنيويورك والمترجَمة كلها إلى العربية في القاهرة، وأحدثها «الاستشراق هيمنة مستمرة... المؤرخون الأنغلو-أميركيون ومصر الحديثة».

صدر الكتاب عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة في ترجمة رصينة للكاتبة سحر توفيق، ومراجعة المؤرخ عاصم الدسوقي.

لا يبدو أن جران بنزاهته ودأبه العلمي وصبره قد حظي بالاهتمام الذي يستحقه عربياً، ربما نال كتابه «ما بعد المركزية الأوروبية - المجلس الأعلى للثقافة - القاهرة» بعض الاهتمام، لكن كتابيه «صعود أهل النفوذ»، و«الجذور الإسلامية للرأسمالية»، ليسا أقل من ذلك الكتاب، ومع الكتاب الجديد تبدو الكتب الأربعة مشروعاً مناهضاً للنموذج المهيمن في الرؤية الغربية لمصر والمنطقة والعالم.

حتى بعد أن جرت في نهر الدراسات الغربية للشرق مياه كثيرة، تدفقت من عمل إدوارد سعيد، الرائد، إلى أعمال تلاميذه من جيل مؤرخي ومنظِّري ما بعد الاستعمار، لم يزل نموذج «المستبد الشرقي» هو النموذج المسيطر في رؤية الغرب بنخبه الثقافية وصناع القرار السياسي فيه. وبدأبه المعتاد يتتبع بيتر جران أصل هذا النموذج ويحاول عبر فصول الكتاب تفكيكه.

حسبما جاء في العنوان، يرى بيتر جران الاستشراق الإنجليزي والأميركي مدرسة واحدة أسَّسها الإنجليز. لم يستطع المستشرقون الأميركيون التحرك بعيداً عن النموذج البريطاني. يرفض جران الرؤية السائدة لتوقيت بداية الاستشراق الأميركي بتوقيت بداية هذا المجال أكاديمياً بمعناه العلمي قبل الحرب العالمية الثانية، وهي الفترة التي شهدت إنشاء مراكز دراسات الشرق الأوسط. البداية بالنسبة له تسبق هذا بكثير، وكانت مرتبطة بالأهداف الاستعمارية بشكل مباشر، مثل كتاب «وصف مصر» الذي أنجزه باحثون وهواة صاحبوا حملة نابليون على مصر عام 1798، وكتاب «مصر الحديثة» للورد كرومر، الحاكم الإنجليزي بالقاهرة الذي ترك أثراً لا يُمحى على دراسات الاستشراق إلى اليوم. يَعدّ جران «مصر الحديثة» الكتاب المؤسِّس لهذه الدراسات نظراً لاتفاقه مع تقاليد الإمبريالية الإنجليزية والإنجيل في ذات الوقت.

تتداخل العوامل التراثية وأمور الهوية مع العوامل التاريخية في الشرق وفي أميركا ذاتها كما تتداخل مصادر تمويل الدراسات وهوية الكُتَّاب أنفسهم في صناعة الصورة.

ويَعدّ جران «سفر الخروج» النص الأقدم في رسم صورة «المستبد الشرقي» بالدراسات الأنغلو-أميركية كنمط أساسي إسلامي يستعصي على التغيير، وتُقدَّم مصر بوصفها نموذجاً لهذا النمط الذي يرسمه العهد القديم لفرعون مصر. وإلى جانب ذلك هناك الأساس الهيغلي من حيث شمولية الأفكار وأثره في رؤية الشرق.

ولا يفسر هذا الأساس التراثي وحده ثبات الدراسات المتعلقة بمصر، والإصرار على إغلاق العيون على نموذج ثابت دون غيره. يلاحظ جران من قراءاته في الحقبة الكولونيالية بالقرن التاسع عشر وحول قناة السويس أن إنجلترا كانت مهتمة بفكرة الإمبراطورية، مما يعني حاجتها إلى تأمين الطريق إلى الهند وتأمين طريق البترول إلى أوروبا، هكذا يبرز دور مصر كممر يجب أن يكون آمناً. ولم يكن نموذج «المستبد الشرقي» مطلباً أو سياقاً أنجلو- أميركياً فحسب، بل كانت العائلة المالكة المصرية والطبقة المهيمنة في مصر المرتبطة بإنجلترا من أقوى أنصار نموذج الاستبداد الشرقي. في نظر جران كان التفسير الماركسي فرصة لتغيير النظرة، لكنَّ أثره لم يستمر.

بيئة الدراسات في الجانب الأميركي نفسه لها دورها في رسم الصورة؛ ففي نهاية القرن التاسع عشر، الوقت الذي اتجهت فيه دراسات الاستشراق الأميركي إلى التخصص، كانت البلاد لا تزال تعاني من جراح الحرب الأهلية (1861 - 1865) وصعوبات صياغة عقد اجتماعي، وبرزت قضايا النوع والعِرق والطبقة والطائفة. أدى فشل الدولة في صياغة العقد الاجتماعي إلى عقد تحالفات صغيرة للحفاظ على هويتها في فترة تميزت بالعنف الذي وجد صداه في التعليم العالي وتخصصاته المختلفة.

وفي ظل هذا الصراع خسرت النساء والأميركيون من أصل أفريقي أمام الذكور البيض. ويعوّل بيتر جران على خصوصية صوت المرأة الذي سيعود إليه في دراسته للحالة المصرية، ليوضح كيف يتعرض للتغييب في دراسات التاريخ. ويستند جران إلى دراسات المؤرخة المصرية أميرة سنبل الأزهري التي تثبت أن النساء تمتعن بقدر أكبر من المساواة مع الرجال أكثر مما أتيح لهن بصعود الدولة الحديثة عندما تصادف تزامن اعتماد القانون الفرنسي مع مولد السلفية الدينية.

ويلاحظ جران أن الكُتَّاب في موضوع الحداثة المصرية يميلون إلى النخبة الذكورية ويضعون ثقافتها في تضاد مع ثقافة الفلاحين والقبائل وفقراء الحضر، ولا يزال هذا الانحياز قائماً، متشككاً في قدرة دراسات تخضع لهذا الاستقطاب في وصف الواقع.

يفترض نموذج الاستبداد الشرقي وجود فجوة هائلة بين الحاكم والمحكوم، وأن السلطة تتمركز في القاهرة، بينما هي محدودة أو غائبة تماماً على مستوى الأقاليم، والشعب بلا فاعلية كالفلاحين في العصور الإنجيلية، لهذا فالتاريخ المصري راكد، وفي أحسن الأحوال يدور في دوائر، وهكذا يمكن اعتبار عبد الناصر محمد علي جديداً والسادات ومبارك صدى لإسماعيل.

يرفض جران هذه الرؤية ويصل إلى فكرة أن البلدان ليست راكدة، ولكن الركود قد يصيب الدراسات أحياناً. ويدلل على مقولته بأن الصعيد كان مناوئاً لسلطة القاهرة في فترات طويلة، وكانت «جرجا» في قلب الصعيد تتمتع بثقل كبير، ولها أهميتها لدى الباب العالي العثماني بوصفها أحد مصادر الإمبراطورية في القمح.

من بين فرضيات نموذج الاستبداد الشرقي أن التغيير لا يأتي إلا من الخارج، وهذا الاعتقاد الأخير هو ما يجعل المستشرقين وجانباً من مدرسة التاريخ المصرية يصرّون على أن حملة نابليون كانت نقطة النور التي أضاءت التاريخ المصري. وعبر قراءات موسعة لكتب فردية وجماعية ينفي بيتر جران هذه الأسطورة، ويتفق مع الجيل الأحدث من المؤرخين المصريين مثل عاصم الدسوقي ونيللي حنا، على أن الحملة كانت تنبيهاً لكن ما سبقها لم يكن جموداً مطلقاً كما تروّج السردية الاستشراقية. جاء الفرنسيون بأسلحة متطورة شكَّلت صدمة لطبقة الحكم في مصر لكنّ عناصر الحداثة كانت موجودة في المجتمع ذاته، ويمكن تلمسها من ثقافة طبقة وسطى متعلمة تقتني الكتب، كما يمكن تلمسها من عقود البيع والشراء في تلك الفترة.

بعض الأطروحات الحديثة المتأثرة بالنظرية الاجتماعية استطاعت اختراق هذه الرؤية، ويشير جران إلى دراسة ليلى أبو لغد حول نساء قبائل أولاد علي، ورغم تبنيها نموذج الاستبداد الشرقي في البداية، فإن دراستها نماذج النساء وأشعارهن تُثبت سعي النساء إلى المقاومة وحيازة السلطة. المؤرخة زينب أبو المجد، بدورها ترفض اتخاذ الدولة القومية المصرية وحدة تحليل، مؤكدة في دراستها «إمبراطوريات متخيلة» أن الديكتاتور ملمح إمبراطوري وليس ملمح أمة. ويَعد جران كتاب زينب أبو المجد أول دراسة جادة لصعيد مصر الذي فشلت ثلاثة إمبراطوريات: العثمانية، والبريطانية، والأميركية في إخضاعه، وبالطبع فإن تاريخ المقاومة في الصعيد صفحة لا تحبذها الدولة القومية كذلك.

ومن الأميركيين يذكر جران صديقه تيموثي ميتشل، ويَعدّ كتابيه «استعمار مصر» و«حكم الخبراء» نموذجين للرؤية المضادة للنموذج السائد. متأثراً بالفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، يقدم ميتشل مجادلة حول الطبيعة القسرية للدولة المعاصرة بشكل عام وليس في النموذج المصري فحسب، ولا تنفي طبيعة الاستبداد المصري ومساهمة الاستعمار في إعادة صياغة الدولة على هذا النحو، وجود معارضة في كل وقت. لا تقتصر تلك المعارضة على منطقة أو عِرق أو نوع، إذ يتوقف جران أمام ثورة 1919 طويلاً، ويذهب إلى الاستشهاد بفوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للأدب، وهو الرجل الذي عاش يراقب الطبقات الشعبية ويكتب عنها... وهكذا فالحداثة ليست نموذجاً يُفرض من الخارج، وليست تحديث نخبة، وإنما عمل متوازن تتدخل فيه جميع العوامل.

للأسف، لم يزل هذا الفهم بعيداً عن دوائر السياسة الأميركية التي تعتقد أن مصر لديها نظام أبويّ، وقد تحب مساعدتها على أن تصبح ديمقراطية. وعلى مدار سنوات تقدم مساعدات مع فصلٍ تام بين الإيمان بالطبيعة الديكتاتورية للنظام وبين التساؤل حول ما إذا كانت المساعدات تؤثر في الطبيعة التي يعمل بها النظام.

يرى بعض الكُتَّاب أن الديكتاتورية تُنتج الإرهابيين الذين يمثّلون تحدياً للغرب، وبعد ذلك يتفرقون بين جماعة تبحث عن طريقة لتغلغل الغرب في المجتمعات الديكتاتورية بغية إصلاحها وأخرى ترى من الخطأ طرح سؤال التغيير من أساسه، في تجاهل لكتابات قلة مثل الكاتب السياسي جايسون براولي الذي يستند إلى النظرية الاجتماعية الجديدة، ويؤكد في كتاب حديث له أن إفراد مصر لا معنى له، لأن الغالبية العظمى من البلدان التي تحاول التحول إلى الديمقراطية تتعثر عند نقطة ما، وينبغي دراسة تلك النقطة في كل حالة.

ويختتم بيتر جران كتابه بالدعوة إلى مزيد من الدراسات الأميركية في حقول مختلفة تفيد الباحثين في الدراسات المصرية، وعلى سبيل المثال دراسة التاريخ المعرفي الأميركي، إذ يقوم بعض العلوم بدور السدنة في الحفاظ على الأفكار القائمة، وليس بعيداً عن ذلك هندسة رواية التاريخ الأميركي بحيث تكون الولايات المتحدة هي «أميركا الشمالية»، واستبعاد أن يكون الإيروكوا وغيرهم من الأميركيين الأوائل جزءاً من الثقافة الرفيعة. ويلاحَظ أن ما يطبقه حراس البوابات على دراسة مصر تشبه ما يطبقونه على دراسة تاريخ فلسطين، حيث ينبغي على الدارسين تحاشي ذكر الفلسطينيين.


مقالات ذات صلة

حين تتآكل الدبلوماسية

كتب الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

حين تتآكل الدبلوماسية

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة.

ندى حطيط
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
كتب امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق استراحة من التمرير... للقراءة (غيتي)

15 دقيقة قراءة... سنغافورة تدفع لمواطنيها!

باتت سنغافورة تدفع لمواطنيها مقابل قراءة كتاب لمدّة لا تقل عن 15 دقيقة يومياً، وذلك في إطار مساعيها للتصدّي لظاهرة التصفُّح السلبي المتنامية.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
يوميات الشرق يقام «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» خلال الفترة من 10 إلى 19 ديسمبر (واس)

«معرض الرياض الدولي للكتاب» يستقبل جمهوره في ديسمبر المقبل

يستعد «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» لاستقبال جمهوره خلال شهر ديسمبر المقبل، بمشاركة دور نشر ووكالات محلية وعالمية، في حين تحل «سوريا» ضيفَ الشرف هذا العام.

عمر البدوي (الرياض)

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.


«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»
TT

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش. بدأ حياته عاملاً مُحتالاً صغيراً، يُهرِّب السجائر عبر الحدود، ويلهث في الكويت خلف اللذائذ العابرة، قبل أن يندمج في جماعة «الدعوة والتبليغ»، ثم تنصل منها ليصعد كأب كاريزمي لجماعة أُصولية مفتونة بالرؤى والأساطير، وصولاً إلى اللحظة الفارقة، حين قاد هجوماً على الحرم، وبايع فيه «المهدي» المزعوم، بين الركن والمقام، حيث كشف الحجاب عنه، إيذاناً بالملحمة النهائية.

ويطرح كتاب «الغريب: دراسة في الجهيمانية المهدوية» مقاربة نقدية ورؤية تفكيكية مغايرة لسيرة جهيمان، وهو صادر عن دار جداول للنشر والترجمة، ومن تأليف الدكتورة لطيفة الشعلان، أستاذة علم النفس بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن بالرياض، وعضوة مجلس الشورى السعودي، وهو يعالج الاختزالات التقليدية التي تقف عند حدود التحليل السياسي أو التشخيص الباثولوجي الإكلينيكي لـ«جهيمان العتيبي»، وتغوص في أعماق «سيكولوجيا الوعي المهدوي»، متتبعة مسارات القلق الوجودي وسؤال المعنى لدى شخصية هذه التراجيديا المؤلمة.

قصور الاختزال

لا تعلق الباحثة كل المسؤولية على «اليقين المهدوي» الذي أدّى بطبيعة الحال دوراً حاسماً في الحراك الذي انتهى بالاقتحام، لكنه لا يُقدِّم سوى نصف الإجابة عن السؤال التاريخي المُحيِّر، إذ يكمن النصف الآخر في بنية هذه الذات التي سمحت لهذا الإيمان أن يتشكّل، بكل ذلك الصدق والتماسك، وصولاً إلى اللحظة الفاصلة وما ترتّب عليها.

تضمنت نشأة جهيمان - في مرحلتي الطفولة والمراهقة - استدماجاً للمشاعر المُرتبطة بواقعة «السبلة» (1347 هـ / 1929 م)، وهي المشاعر التي سادت محيطه الاجتماعي، من الأُسرة والمسجد، وصولاً إلى القبيلة، ومن المُحتمل أن الحنين كان يشدّه إلى ماضي أسلافه، بحديث يُراوح بين التبجيل والأسى.

لكن الباحثة ترى أن هذه الاستحضارات الوجدانية تظل هامشية في سياق الدراما المهولة، التي بلغت ذروتها في عملية الاقتحام.«مجتمع الأوهام»

يكشف الكتاب عن كيفية تشكل «مجتمع أوهام» متكامل داخل أروقة الجماعة، حيث أصبحت مرويات الفتن وأشراط الساعة محاكاة يومية استهلكت وجدان الأفراد، لينكمش الواقع تدريجياً لصالح عالم موازٍ.

ولعبت «الأحلام والمنامات» دوراً محورياً في تغذية هذا الوهم؛ إذ وثقت الجماعة وصنفت ملفات تضم ما لا يقل عن 270 مناماً، تحولت من مجرد شطحات نفسية إلى «تأكيدات غيبية» يستند إليها الأفراد.

وتجلت المأساة في كون الفكرة المهدوية نشأت في فضاء هامشي عبر المزاح والمداعبات، قبل أن تتلقفها بيئة الإشارات والرموز، وتشكّلت دائرة ارتدادية خادعة، تبشير «محمد بن عبد الله» بنفسه بناءً على نبوءات ورؤى، ليصادق جهيمان عليها ويمررها للأتباع، الذين يعودون بدورهم للمهدي المزعوم كبراهين تصديق، لتستحيل كل ذات إلى مرآة تعكس ضلال الأخرى وتمنحها الشرعية.

هذه البدايات التي اتسمت بالخِفة العابرة، سُرعان ما وجدت في بيئة الإشارات والرموز والأحلام تربة خصبة للتشابك والنمو الملحمي، ليتكفل جهيمان بنقلها من سياق الهمس الخجول إلى صعيد «الحقيقة الكونية»، التي شكّلت في نهاية المطاف تلك التراجيديا التاريخية.

تقول الباحثة: «بفعل ذلك الاستغراق، كان الواقع ينكمش ويضيق تدريجياً لينغلق على عالم موازٍ، يحكمه مناخ غرائبي مشدود إلى الغيب، استهلك وجدان هؤلاء الرجال، وأخرجهم من سياق الواقع إلى حيِّز الانتظار الملحمي. ومع ذلك، لم يكن اليقين بظهور «المهدي» على درجة واحدة من الاستقرار في النفوس، إذ ظل بعضهم متوجساً حيال هذه الدعوى، وإن استمروا في فلك الجماعة، مدفوعين إما بالارتهان للآيديولوجية الرامية إلى التغيير الديني والأخلاقي، وإما انشداداً إلى سطوة القائد وشخصيته الكاريزمية».

القطيعة والإنكار

يرصد الكتاب محطات مفصلية شكلت الوعي الحركي لجهيمان، أبرزها حادثة تكسير «ألمانيكانات» والصور بالمدينة المنورة عام 1965، التي لم تكن مجرد اعتراض باليد، بل أعلنت قطيعة نهائية مع عالمه الراهن وموت براءته السياسية، لتتأسس بعدها بعام واحد (1966) الجماعة السلفية المحتسبة، التي انشق عنها هو الآخر، منفرداً بخط أكثر صرامة وتشدداً.

ومع حلول عام 1978، استقرت فكرة المهدوية في ذهنه، ليبدأ التحرك نحو السلاح عبر المهربين، ترتيباً لإطلالة القرن الهجري الجديد.

ورغم الحصار والتطورات الميدانية أثناء المواجهة داخل الحرم المكي، انقاد جهيمان لسيطرة يقينه اللامعقول؛ حيث مارس حالة نموذجية من «الانفصال عن الواقع»، وحين تسرب الشك بين صفوف أتباعه عقب مقتل «المهدي المزعوم»، واجه ذلك بغضب حاد، معتبراً إياه إرجافاً، مصرّاً على أن المهدي لا يُقتل، بل ينتظر «الخسف بالجيش».

تقول الباحثة: «تُوفِّر الرؤى الأُخروية للمؤمنين بها على المدى القصير شعوراً بالراحة والسكينة، وأملاً باكتمال المعنى، لكن هذا الاستقرار سرعان ما يضطرب حين تمرّ الأيام دون تحقق وعد الخلاص، وحينذاك يزداد الإحباط وتتراكم مشاعر الخواء والاغتراب، ما يُحيل هذه الرؤى الغيبية ذاتها إلى قوة ديناميكية تدفع أصحابها دفعاً نحو الكارثة».

غربة الروح وسؤال المعنى

تجلت لدى جهيمان رمزية بالغة، في اهتمامه المُفرط بالترتيب الزماني والمكاني للعلامات المرتبطة بخروج «المهدي»، ومحاولة مطابقتها قسرياً مع واقع السعودية المُعاش خلال سبعينات القرن العشرين.

لقد اندفع جهيمان تحت وطأة الاغتراب وانسداد الأفق في قفزة نحو اللامعقول، مسكوناً بقلق وجودي جارف سعى من خلاله إلى إعادة هيكلة الوجود، عبر تسريع المسير العنيف من الحاضر المأزوم إلى الغيب المنتظر؛ لتنتهي تلك المأساة باستسلامه الإجهادي، وصمته الواجم أثناء رحلته الأخيرة نحو القصاص، مخلفاً وراءه واحدة من أقسى السرديات المسيانية في التاريخ الحديث.

ورصدت الباحثة من خلال مصادرها، ومن بينهم مسؤول أمني مطلع على تفاصيل القضية، أن جهيمان لم يُبد أي مقاومة لحظة اعتقاله، إذ كان الإجهاد قد نال منه، وخلال مجريات التحقيق ظهر متماسكاً، مختزلاً العملية بأكملها في صورة اجتهاد تبيَّن أنه في غير محله.

وفي رحلته الأخيرة نحو تنفيذ حُكم القتل، برفقة سعيد بن عبد اللّه - شقيق «المهدي» - وأربعة محكومين آخرين، كان جهيمان واجماً طوال الطريق، شأنه في ذلك شأن رفاقه الخمسة الآخرين، فلم ينبس بكلمة واحدة.

وترى الباحثة أن «جهيمان يبقى حالة استثنائية مُتفرِّدة في يقينه المُطلق بأنه يُعاصر أواخر الزمان، وهو يقين استبدّ بمداركه وهيمن عليها، وصاغ خياراته الوجودية، ورسم مصيره الشخصي ومصائر الآخرين من حوله. فقد تجاوز هذا الاعتقاد كل حد مُتصور ليستحيل قوة تاريخية كبرى، أحدثت تأثيرات عميقة ومتعددة الأبعاد».


امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»
TT

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان والحب المنقطع، وتعيش صراعاً متواصلاً مع ذاكرتها وهويتها... تكبر المرأة وهي تحمل اسماً لا يشبهها، ووجوهاً كثيرة تخفي وراءها الخوف والذنب والوحدة.

في هذه الرواية (256 صفحة) يتسع السرد ليكشف لا عن تاريخ عائلة فحسب بل عن مجتمع، وسط التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها الجزائر من أواخر الثمانينات إلى سنوات العنف المسلح.

إنها رواية عن آثار العنف المتوارث، وتبعات الفقد، والخوف من الأمومة، وتضحية النساء بذواتهن داخل الأسرة والزواج، إلى جانب محاولات استعادة الصوت والحلم من خلال التعليم والرسم والحب.

جاء في كلمة الناشر:

«لا جدار أبيض في منزل كاملة. هناك، تعيش وحيدة، محاطة بوجوه لا تعرفها. وجوه نساء من دون ملامح أو مشوّهة الملامح تكتظّ بها الجدران كيفما التفتت. لكنَّ وجهاً غريباً يبدأ، خارج حدود ذلك المنزل المتخم بالرسومات، بالظهور أمام كاملة في كلّ انعكاس: على واجهات المحالّ، ونوافذ الحافلات، والزجاج البارد للثلاجات. وجه امرأة لا تعرفها... لكن، مع ذلك، يبدو مألوفاً بشكل مقلق.

تخبر المحيطين بها أنَّ امرأة تلاحقها، وتترصدها. لكن لا أحد يصدقها، فلا تجد أمامها سوى العودة إلى الماضي، ومخالفة أهمّ قاعدة وضعتها لنفسها: ثلاث أيادٍ لن تسمح بأن تمسك بها يوماً: يد غريب، ويد عدوّ، ويد الذكريات.

في رحلةٍ تعود بها إلى ما حاولت طويلاً دفنه في غياهب ذاكرتها، تجد كاملة نفسها أمام سؤالٍ لم يخطر لها يوماً أن تطرحه:

هل يمكن للإنسان أن يفقد وجهه فعلاً، أم أنّ الحياة هي من تغيّره بصمت حتى يعجز عن التعرف إليه؟

من تكون المرأة التي تظهر في المرايا؟ ولماذا يبدو وجهها مألوفاً إلى هذا الحدّ؟». وكانت وئام شرماطي قد أصدرت روايتين: «قبر مكشوف على السماء» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة القلم الذهبي و«المرأة التي لا تشبه اسمها».