الباشمينا في الهند... كنز تتوارثه الأجيال

قيمته بقيمة الماس... وبعضه دخل المتاحف العالمية

الباشمينا في الهند... كنز تتوارثه الأجيال
TT

الباشمينا في الهند... كنز تتوارثه الأجيال

الباشمينا في الهند... كنز تتوارثه الأجيال

تعيش راهيلا بيغوم هنا برفقة شقيقتيها المراهقتين في واهي غاغريبال، خلف بحيرة دال. وتعد راهيلا واحدة من أبرع العاملين بمجال نسج وشاح الباشمينا بالمنطقة، حيث ارتبط اسمها بهذا الفن على امتداد عقدين حتى الآن. في طفولتها، تعلمت راهيلا نسج الباشمينا على يد والدها، الذي كان يعمل هو الآخر نساجاً وأعطاها أول دروسها في التطريز. وعند زواجها، أهداها والدها عجلة غزل (تعرف باسم «يندر») بمناسبة الزفاف، كي تحملها معها إلى منزل زوجها.

راهيلا بيغوم هي واحدة من أبرع العاملين بمجال نسج وشاح الباشمينا تعلمت على يد والدها ولا تزال تعمل بها حتى بعد زواجها (طارق باشماكار)

وبالفعل استمرت راهيلا في نسج الكشمير لمساعدة زوجها وتوفير مصدر دخل جيد للأسرة.

بوجه عام، يجري نسج وشاح من كشمير الباشمينا بالاعتماد على عمليات وأساليب يعود عمرها إلى قرون، دائماً على يد حرفيّ يطلَق عليه داخل كشمير «ووفر»، بينما يطلق على العملية «وونن». ويمتهن الآلاف من أبناء كشمير هذه الصناعة. وفي الغالب، تضطلع النساء بمهمة الغزل، بينما يتولى الرجال نسج الخيوط الدقيقة وتحويلها إلى أوشحة وشالات ناعمة مزدانة بتطريز.

ويُتعامل مع هذه المنسوجات بتقدير بالغ يضعها في مرتبة الماس، ودخل بعضها متاحف عالمية، مثل متحف الفن الحديث في نيويورك واللوفر بباريس.

يُتعامل مع هذه المنسوجات بتقدير بالغ يضعها في مرتبة الماس كما دخل بعضها متاحف عالمية (باشماكار)

من جهتها، تعد شاكيلا، وهي ربة منزل عادية، عملها في مجال نسج كشمير الباشمينا لدى شركة «باشماكار»، فناً يوفر لها الاستقلال المادي. جدير بالذكر أن «باشماكار» هي واحدة من العلامات التجارية الرائدة في إنتاج الباشمينا في المنطقة ولا تزال صامدة في وقت تواجه فيه الصناعة تهديداً خطيراً من جانب منتجات مقلدة وغير أصلية. وينحدر طارق أحمد دار، مؤسس «باشماكار»، من عائلة توارثت هذه الحرفة أباً عن جد. والده، غلام نابي دار، لا يزال يمتهن الغزل حتى يومنا هذا، إلى جانب الكثير من أبناء عمومته. تلقّى طارق تعليماً أساسياً في النسج وجوانب أخرى من صناعة الباشمينا، وبعد ذلك أسس استوديو خاصاً به، ويعمل اليوم بصورة أساسية على الجوانب المرتبطة بالتصميم.

تحرص «باشماكار» على أن تحمل علامة «جي آي» ليتأكد الزبون من أن القطعة أصلية (باشماكار)

يشرح طارق أن «اسم باشماكار يعني الطهارة. ومن جانبي، أعمل على تسليط الضوء على الحرفيين بوصفهم فنانين في هذه الصناعة». ويتابع: «لكي يتأكد الزبون من أن القطعة أصلية، فإننا نحرص على أن تحمل علامة «جي آي»، التي تحدد الموقع الجغرافي الذي صدرت منه، وتُعرف باسم علامة الفهرس الجغرافي. أنا لا أنظر إلى (باشماكار) بوصفها مجرد مشروع تجاري، وإنما على أنها شغف بداخلي نحو إرساء فن كشميري هندي على الساحة العالمية».

أصبح طارق الآن يتعامل مع الكثير من مصممي الأزياء المعروفين في الهند خصوصاً بعد الإقبال الكبير الذي تشهده العلامة من نجوم «بوليوود» وسياسيين وزبائن مهمين من الخليج العربي، وتحديداً الكويت. يُذكر أن ورشة «باشماكار» في كشمير يعمل بها أكثر من 60 سيدة. وأكد طارق أنه يتعمّد تشغيل النساء الكشميريات لكي يمنحهن الاستقلالية المادية ويُحسّنّ ظروف حياتهن.

يضطلع النساء عادةً بمهمة الغزل والتطريز بينما يتولى الرجال نسج الخيوط الدقيقة وتحويلها إلى أوشحة وشالات (باشماكار)

ما هو الباشمينا؟

يشتهر نسيج الباشمينا الأصلي بالنعومة والدفء، ويأتي هذا النسيج من سلالة من ماعز الكشمير وموطنها الأصلي منطقة تشانغتانغ الجبلية في لداخ، في أقصى شمال الهند. تتسم هذه السلالة من الماعز بأن تربيتها لا تجري إلا على ارتفاع 13000 قدم فوق مستوى سطح البحر، حيث تعد الظروف المناخية في هذه المناطق شديدة القسوة، والشتاء قارساً بشكل خاص. على خلاف الحال مع الصوف، لا يجري تقطيع ألياف الباشمينا، وإنما تنظيفها باستخدام أمشاط خشبية قبل تخزينها على شكل رغيف يشبه خيط الحلوى، ثم غزلها.

اشتهر نسيج الباشمينا الأصلي بالنعومة والدفء... ويأتي هذا النسيج من سلالة من ماعز الكشمير وموطنها الأصلي منطقة تشانغتانغ الجبلية (باشماكار)

ظلت هذه العملية جزءاً من ثقافة المنطقة لعدة قرون. في القرنين السادس عشر والسابع عشر، سلب قلوب المغول. وفي وقت لاحق، انتشر الاهتمام به على نطاق أوسع. ويقال إن نابليون بونابرت أهدى زوجته جوزفين شالاً من هذا النسيج في عام 1804 انبهرت به الإمبراطورة لدرجة أنها أنفقت نحو 20000 قطعة ذهبية لشراء شالات كل عام، وصلت في الأخير إلى 400 شال. ونظراً لكون فرنسا مركزاً ثقافياً عالمياً في ذلك الوقت، أصبح الشال الكشميري جزءاً من هدية العريس لعروسه.

سرعان ما انتقل هذا الاهتمام من فرنسا إلى إنجلترا. ويقال إنه بعد توقيع مهراجا دوغرا آنذاك، غلاب سينغ، على معاهدة أمريتسار مع التاج البريطاني، طُلب منه تسليم 3 شالات باشمينا و12 من ماعز الباشميان (6 ذكور و6 إناث) كهدية سنوية للتاج البريطاني.

حاول الإنجليز الذين أطلقوا على الشال الكشميري اسم «الكشمير»، بكل طريقة ممكنة، تقليد صناعته من دون جدوى. في المقابل تمكنوا من إنتاج نسخة غير أصلية أصبحت تُعرف باسم «بيزلي شول»، وجرى إنتاجها آلياً بكميات كبيرة في أسكوتلندا.

عملية صنع خيوط الباشمينا

تقوم عملية صنع وشاح أو شال الباشمينا على جمع شعر الماعز الناعم، وتمشيط الألياف يدوياً للحفاظ على جودتها الرائعة. بعد ذلك، يجري غزل هذه الألياف الدقيقة باستخدام مغزل، ثم يجري نسجها يدوياً على نول. وبعد ذلك تُصبغ بعناية ثم تُطرَز وتُغسل في نهر جيلم.

قد يستغرق صُنع شال واحد على اليد نحو 3 أشهر وهو ما يبرر سعره (باشماكار)

عادةً تقوم بعملية الغزل نساء محليات من منازلهن، تكون لهن مهارة عالية كون الألياف الخام شديدة الحساسية. لتقويتها وإضافة لمعان طبيعي ونعومة عليها توضع في وعاء مملوء بالأرز المسحوق وتترك لمدة يومين أو ثلاثة أيام. وتسمى هذه العملية باللصق. بعدها يجري تمشيط الألياف مرة أخرى للتخلص من جزيئات الأرز وتحضيرها لعملية الغزل.

من ناحيتها، تتولى شاميما تدوير خيوط الكشمير على عجلة خشبية دوارة تسمى محلياً «يندر». تبدو العملية برمّتها ساحرة وهي تمسك خصلات الكشمير بين إبهامها الخفيف والسبابة والإصبع الأوسط من يدها اليسرى، وفي الوقت نفسه، تقوم يدها اليمنى بتدوير العجلة في انسجام تام مع حركات اليد اليسرى (لأعلى ولأسفل). وتعلمت شاميما هذه المهارة من والدتها.

في هذا الصدد، أوضحت شاميما: «يستغرق الأمر قرابة ثلاثة أسابيع لتسليم 110 غرامات من خيوط الكشمير جرى نسجها على عجلة تقليدية في أثناء العمل لـ7 ساعات يومياً».

بين الأصلي والمُقلّد

في التسعينات، عانى العاملون في نسج شالات الباشمينا والحرفيون في كشمير من ضربة مزدوجة؛ الأولى صعود جماعات مسلحة، والأخرى دخول الماكينات إلى هذه الصناعة، ليُروِّج التجار شالات مصنوعة آلياً في وقت وجيز جداً على أنها مصنوعة يدوياً واستغرقت أشهراً. قليل من الناس يعرف أن خيوط الكشمير حساسة ولا يمكنها تحمل قوة الآلة. لتجاوز هذا العائق يعمل التجار على خلط الكشمير الخالص بصوف الأغنام أو النايلون أو خيوط الحرير، وهو ما هدد هذه الصناعة وحياة الحرفيين.

وسعياً من جانبها للحفاظ على هذا الفن التراثي من الانقراض، أقرّت حكومة الهند (تحت مظلة منظمة التجارة العالمية) علامة الجودة للباشمينا الأصلي، وتسمى علامة الفهرس الجغرافي، وتوجد على أوشحة أو الشالات الأصلية. ويوجد حالياً مختبر في سرينغار معنيّ بوضع علامة «جي آي»، أو الفهرس الجغرافي، على منسوجات كشمير لداخ الأصلية.

في هذا الصدد يقول مشتاق أحمد: «يسعدني أنه في اجتماع مجموعة العشرين الذي انعقد في وقت قريب في سريناغار، أبدى الكثير من الأجانب إعجابهم بجودة شالات الباشمينا. لقد أنقذت علامة (جي آي) هذا الفن بحق من الانقراض، وأنقذت المشترين كذلك من السقوط في فخ المنتجات الزائفة».

ويعد مشتاق أحمد وزوجته غولشانا، وكلاهما في الستينات، من أقدم النساجين اليدويين، إلى جانب اضطلاعهما بتدريب جيل من الشباب في هذه الصناعة. ويقضي كل منهما من 5 إلى 6 ساعات يومياً في العمل على نولهما الخشبي. وبينما يتولى الزوجان نسج الأوشحة، يتولى بناتهما وحفيداتهما تطريزها.


مقالات ذات صلة

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.