الثلاثي المؤسس لشعرية فلسطين والمدافع عن هويتها

إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وأبو سلمى

ابراهيم طوقان  -  عبد الرحيم محمود  -  عبد الكريم الكرمي
ابراهيم طوقان - عبد الرحيم محمود - عبد الكريم الكرمي
TT

الثلاثي المؤسس لشعرية فلسطين والمدافع عن هويتها

ابراهيم طوقان  -  عبد الرحيم محمود  -  عبد الكريم الكرمي
ابراهيم طوقان - عبد الرحيم محمود - عبد الكريم الكرمي

لا نحتاج إلى عناء كبير لكي نكتشف الدور الطليعي الذي لعبه الشعر الفلسطيني في الحفاظ على الهوية الوطنية والتاريخية للشعب المكافح الذي لم يكف محتلوه عن محاولاتهم الدؤوبة لمحو هويته وتزوير تاريخه وطمس ذاكرته الجمعية. ورغم أن السردية المضادة لسردية التزوير الإسرائيلي لم ينهض بها الشعراء وحدهم، بل آزرهم في ذلك عدد غير قليل من المفكرين والروائيين والرسامين والمسرحيين والفنانين، إلا أن الملاحظ هنا، أن فلسطين قد احتلت جزءاً غير يسير من جغرافيا الشعر العربي المعاصر، مقدمةً لهذا الأخير بعض أفضل رموزها المعاصرة.

وإذا كان المقام لا يتسع للوقوف على المصادر المتنوعة لشعرية فلسطين، فينبغي القول إن تلك الشعرية لم تنبت في الفراغ المحض، بل هي الوريثة الشرعية لجيل الشعراء السابقين، إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وأبو سلمى، الذين وُلدوا في السنوات الأولى من القرن العشرين، وتفتحت مواهبهم في ظل النذر الأولى للتراجيديا الفلسطينية التي بدأت مع وعد بلفور، واستمرت فصولها مع ثورة عام 1936، وبلغت ذروتها مع النكبة عام 1948. ومع أن نتاج هؤلاء الشعراء لم يقتصر على موضوع المقاومة وحده، إلا أن الظروف المصيرية التي كانت تمر بها فلسطين في فترة تكونهم لم تترك لهم ترف الانصراف إلى شؤونهم الخاصة، فاندفعوا إلى مواجهة الواقع المأزوم على جبهات ثلاث، تتمثل أولاها بسلطة الانتداب البريطاني التي بدأت تمهد الطريق لإنشاء دولة إسرائيل تنفيذاً لوعد بلفور، وثانيتها بتنامي هجرة اليهود الاستيطانية إلى فلسطين، وثالثتها بساسة البلاد وزعمائها وسماسرتها ممن عاثوا في أرجائها فساداً، وصولاً إلى بيع جزء منها لأعدائها القادمين من أربع رياح الأرض.

إن قراءة عميقة ومتبصرة في تجربة إبراهيم طوقان المولود في نابلس عام 1905، لا بد وأن تقودنا إلى الاستنتاج بأن طوقان المستند إلى موهبته المتقدة، والى اطلاعه الواسع على التراثين العربي والعالمي، وهو المتخرج من جامعة بيروت الأميركية، كان بمستطاعه أن يذهب بعيداً في مغامرة التجديد الشعري، لو لم تحمله العواصف المحيقة ببلاده على تكريس الجزء الأكبر من شعره لبلسمة جراح شعبه، والتصدي لأعداء الداخل والخارج المتواطئين على قهره ومصادرة حاضره ومستقبله. وقد عدّ الناقد الفلسطيني إحسان عباس بأن إفراط طوقان في الشغف بالحياة، قد بدا جلياً في جمعه بين ذرىً ثلاث متعاقبة، هي «ذروة الحب وذروة الشهوة وذروة المشكلة الوطنية». كما تمثل نزوع إبراهيم التجديدي من خلال أسلوبه التلقائي القريب من النثر ولغة المشافهة، كما في روح الدعابة والسخرية السوداء التي تشيع في شعره، إضافة إلى تجزئة البنية الخليلية الصارمة للقصيدة وتحويلها قِطعاً متناغمة شبيهة بالموشحات، أو إلى أغانٍ وأناشيد، ليس نشيد «موطني» الشهير سوى واحد منها.

ومع أن طوقان كان بحكم إقامته في بيروت وتدريسه في جامعتها الأميركية، على الإشاحة بوجهه عن مجريات الأحداث في بلاده، فهو لم يترك مناسبة إلا واتخذها منصة للتذكير بالمؤامرات التي تدبر لفلسطين في السر والعلن، مندداً بمقاولي الأراضي الذين تعاملوا مع الوطن بوصفه عقاراً للبيع لا خزاناً للذاكرة الجمعية ومجسداً للهوية والانتماء، كما في قوله:

باعوا البلاد إلى أعدائهم طمعاً بالمال، لكنهم أوطانهم باعوا

قد يُعذَرون لو أن الجوع أرغمهم والله ما عطشوا يوماً ولا جاعوا

تلك البلاد إذا قلت اسمها وطنٌ لا يفهمون، ودون الفهم أطماعُ

أعداؤنا منذ أن كانوا صيارفةٌ ونحن منذ هبطنا الأرض زُرّاعُ

وإذ يشتد الصراع على الأرض وتتباين السرديتان الفلسطينية والإسرائيلية، تنشر إحدى الصحف العبرية عام 1929 قصيدة للشاعر الصهيوني رئوبين يشيد فيها بشجاعة شعبه وصبره على المكاره، متهماً العرب بالجبن والتخاذل والخنوع. كما يفْرط الشاعر في ذم العرب الفلسطينيين واعتبارهم أهل خيانة وغدر وقتلةً للأطفال والشيوخ والنساء، تماماً كما يحدث اليوم كما لو أن التاريخ يكرر نفسه، ينبري طوقان للرد على رئوبين، مذكّراً إياه بالجرائم الصهيونية المتمادية بحق شعب فلسطين الأعزل، وبحق الأطفال على نحو خاص.

لكن طوقان سرعان ما ينتبه إلى أن مسؤولية القادة والزعماء الفلسطينيين المتنافسين على الوجاهات والمكاسب الأنانية، لا تقلّ عن مسؤولية الأطراف الخارجية الطامعة ببلاده، فيخاطب المتنفذين الفاسدين بسخرية مشبعة بالمرارة :

أنتم (المخلصون ) للوطنية أنتم الحاملون عبء القضية

أنتم العاملون من غير قولٍ بارك الله في الزنود القوية

وبيانٌ منكم يعادل جيشاً بمعدّات زحفه الحربية

ما جحدنا أفضالكم غير أنّا لم تزل في نفوسنا أمنيّة :

في يدينا بقيةٌ من بلادٍ فاستريحوا كي لا تطير البقية

كان لا بد لهذه الروح الوطنية الحالمة بالحرية والاستقلال، أن تترك أثرها العميق في نفوس المواهب الشعرية الفتية التي لم تكف عن إنجابها أرض فلسطين. وكان عبد الرحيم محمود المولود في طولكرم عام 1913 في طليعة تلك المواهب، وأحد أبرز الذين تتلمذوا على طوقان، وتأثروا بنزعته التحررية ونقمته على الواقع، كما تأثر بلغته وأسلوبه. لكنه الشاعر الذي عيّن إثر تخرجه في قسم الشرطة، لم يلبث أن استقال من هذا العمل المعاكس تماماً لأفكاره وتطلعاته، واختار بعد الاستقالة أن ينخرط في الثورة الكبرى ضد التحالف البريطاني الصهيوني التي أجّجها عز الدين القسام أواخر العشرينات، ثم بلغت ذروتها عام 1936، أي بعد استشهاده بعام واحد. وإذ كُتب للشاعر المقاتل أن يخرج حياً من المواجهات الدامية التي خاضها ببسالة ضد أعداء شعبه، بدت النصوص التي نظمها في تلك الفترة بمثابة ترجمة تلقائية لمشاعره الوطنية والاحتدامات التي تدور في نفسه، بخاصة قصيدة «الشهيد» التي تحولت إلى واحدة من أيقونات الشعر الفلسطيني المقاوم، والتي يقول فيها:

سأحمل روحي على راحتيّ وأُلقي بها في مهاوي الردى

فإما حياةٌ تسرُّ الصديق وإما مماتٌ يغيظ العدى

ونفس الشريف لها غايتان ورودُ المنايا ونيل المنى

على أن جذوة الثورة في داخل محمود لم تعرف سبيلها إلى الانطفاء، ولم تحدها حدود فلسطين. إذ ما لبث الشاعر أن انتقل إلى العراق ليشارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد الانتداب البريطاني عام 1941، والتي آلت بدورها إلى الفشل، تاركة في روحه المكلومة المزيد من الندوب. لكن اللافت في تجربة عبد الرحيم هو ابتعادها أحياناً عما هو مألوف في شعر المقاومة النمطي، كما تُظهر وقفته التأملية، لدى فراره من العراق إلى فلسطين، أمام حجر وحيد في الصحراء الشاسعة، فكتب مخاطباً الحجر:

فيمَ انفرادُكَ لا أنيسَ تراه في القفر المخيفِ

في ربْقة الوهج الحَرورِ وغلّ عاصفةٍ عصوفِ

وصبرتَ للهوج اللوافحِ في الضحى صبرَ الأنوفِ

وطلبتَ وحدة راهبٍ فيها، وعزلةَ فيلسوفِ

ومع أن نفس عبد الرحيم محمود قد عرفت القليل من الطمأنينة بعد عودته إلى الوطن، ومن ثم زواجه والتحاقه مدرساً بكلية النجاح الوطنية، إلا أنه لم يجد راحته الحقيقية إلا بعد أن قضى شهيداً في «معركة الشجرة» التي دارت بين العرب والصهاينة عام 1948، وهو لا يزال في أوج شبابه وعطائه.

لكن الحديث عن إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود لا يستقيم بأي حال دون الحديث عن عبد الكريم الكرمي، أو زيتونة فلسطين الذي غلب لقبه الآخر «أبو سلمى» على اسمه الأصلي. فالشاعر المولود عام 1909 لأسرة معروفة شُغف أبناؤها باللغة والأدب العربيين، والذي عمل في مجالي التدريس والمحاماة، سخّر قلمه وفكره ونضالاته للدفاع عن قضية شعبه العادلة. وحين أقالته سلطة الانتداب من وظيفته في التعليم عقاباً له على قصيدة هاجم فيها ممارسات تلك السلطة، طلب إليه صديقه إبراهيم طوقان العمل إلى جانبه في إذاعة فلسطين، ليتوجه بعد النكبة إلى دمشق، ويوزع سنوات عمره اللاحقة بين تعقّب الأصوات المشحونة بالأسى والغضب التي تأتيه من جهة الشعر، وبين الانخراط في النضالات الوطنية والسياسية التي تبقي قضية بلاده حية في وجدان العالم. ولم تكن الجوائز الكثيرة والرفيعة التي نالها أبو سلمى قبيل رحيله عام 1980 وبعده بسنوات، سوى تتويج رمزي لعطاءات الشاعر الذي ردد قصائده ومقطوعاته الألوف من أبناء شعبه وأمته، وبينها قصيدته الشهيرة «لهب القصيد» التي يقول فيها:

أنشرْ على لهب القصيدِ شكوى العبيد إلى العبيدِ

شكوىً يرددها الزمانُ غداً إلى الأبد الأبيدِ

قوموا انظروا الأهلين بين الوعد ضاعوا والوعيدِ

ما بين ملقىً في السجون وبين منفيٍّ شريدِ

قوموا انظروا الوطن الذبيح من الوريد إلى الوريدِ

«يا أبا سلمى، أنتم الجذع الذي نبتت عليه أغانينا» هكذا، قال محمود درويش مخاطباً صاحب «من فلسطين ريشتي»، وذلك في أثناء الحفل التكريمي الذي أقيم له في بيروت بمناسبة حصوله على جائزة اللوتس عام 1978. وقد استخدم درويش صيغة الجمع؛ لأنه كان يعني بذلك المثلث المؤسس لشعرية فلسطين المقاومة، والذي يضم إلى عبد الكريم الكرمي كلاً من إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود. وهو بهذا القول لم يجاف الحقيقة بشيء؛ لأن الفروع التي نبتت على ذلك الجذع، وبينها درويش نفسه، هي أكثر من أن تُحصى وأن تنحصر ثمارها في جيل واحد.


مقالات ذات صلة

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

كتب رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

في بيتٍ لبنانيّ جنوبي محاذٍ للحدود مع فلسطين والجولان المحتلَّين، تحتدم السجالات بين مريم وعبدو على وقع هدير الطيران الحربي الإسرائيلي والقصف المدفعي المتقطّع.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون «صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

تؤسس رواية «صفر فاصل خمسة» للكاتب المصري أحمد القرملاوي عالماً تتداخل فيه الحدود بين الإنساني والاصطناعي

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب فريد الزاهي

«لا تنتظر ساعي البريد»... أنسي الحاج يتشكل بين ذاكرتين

ليس كتاب «لا تنتظر ساعي البريد! رسائل بين ندى أنسي الحاج وفريد الزاهي» الصادر حديثاً في بيروت مجرّد مجموعة رسائل متبادلة بين شاعرة لبنانية وكاتب مغربي

مارلين كنعان
كتب حكايات الكتب الممنوعة

حكايات الكتب الممنوعة

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في بيروت، صدر مؤخراً كتاب «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة»، للكاتب والشاعر السعودي إبراهيم زولي.

ميرزا الخويلدي (الدمام)
ثقافة وفنون «مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية

ندى حطيط

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي
TT

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

تؤسس رواية «صفر فاصل خمسة» للكاتب المصري أحمد القرملاوي عالماً تتداخل فيه الحدود بين الإنساني والاصطناعي، ويختلط فيه وعي بطلها البشري بـ«طموحات» الآلة، وتختبر الرواية موقع الإنسان أمام تكنولوجيا لم تعد مجرد أداة مسخّرة لخدمته، وإنما عقل موازٍ يشارك في تشكيل تجربته واختبار إرادته.

صدرت الرواية أخيراً عن دار ديوان للنشر بالقاهرة، ومنذ استهلالها بعبارة «الريلز تحاصرني»، يدخلنا القرملاوي إلى وعي بطله وراويه بضمير المتكلم، وتمارس عليه الريلز (مقاطع فيديو سريعة) صورة من الضغط، عبر خلق عالم بديل يبدو أكثر إغراءً من واقعه؛ فرغم عمله مديراً لشؤون العاملين في شركة متعددة الجنسيات، وما يبدو عليه من استقرار مادي واجتماعي، يصف وظيفته بأنها مغموسة «في سخام الروتين وقانون العمل واللوائح الداخلية»، ويتصوّر أنه لو استُبدل مدير آخر به «لما شعر أحد بفارق يُذكر»، ولا ينفصل خوفه من أن يصبح «قابلاً للاستبدال» عن انجذابه إلى تجربة تعده بأن يكون مركز عالم يُصنع من أفكاره ورغباته.

يضعنا السرد أمام خريطة لوعي البطل، يبدو فيها «السأم» جزءاً من تكوينه منذ الطفولة، قبل أن يتفاقم إلى أزمة وجودية وشعور بانعدام المعنى مع انتصاف عمره، عندئذ يجد في المقاطع التي تروّج لتجربة «أخوية صفر فاصل خمسة» وعداً بعالم آخر، خصوصاً أنها تخاطب أزمته مباشرة، كما يقول: «يعرفون كيف يسحبونني من خيط السأم حيث يريدونني أن أكون»، فالإعلان لا يعرض عليه متعة عابرة فحسب، إنما يلتقط شعوراً قديماً بالعجز عن احتمال حياته كما هي، ويقدّم الدخول إلى التجربة كأنه فرصة للخروج منها.

عالمان وذهنان

يتشكّل المستوى الأول في الرواية من حياة البطل اليومية، بداية أزمته العمرية، ووظيفته، وعلاقته بعائلته الصغيرة، ويبدأ المستوى الثاني داخل الشقة التي يُعزل فيها المشاركون في تجربة «صفر فاصل خمسة»، كلٌّ في غرفة منفصلة، ليخوض تجربته مرتدياً «نظارة المحاكاة»، ليجمع المكان الواحد بين المشاركة والعزلة؛ فيدخل كل مشارك عالماً لا يصاحبه فيه سوى وعيه والعقل الاصطناعي.

أما المستوى الثالث فهو العالم الذي تفتحه النظارة أمام البطل، فيخوض رحلة سفر طويلة يلتقي خلالها بـ«باتريشيا»، راقصة المهرجانات التي ينجذب إليها، قبل أن تنزلق علاقتهما نحو الجنون. وتقوده مفاجآت الرحلة إلى مواجهة ذاته «الأخرى»، وإعادة اكتشاف علاقته بزوجته وعالمه العائلي، وكأن العقل الاصطناعي يعيد تركيب ما يكمن داخل البطل، ويمنحه هيئة أشخاص وأماكن ومواقف يستطيع التفاعل معها. فتغدو الرحلة مواجهةً مع الذات.

وتتجسد الصلة بين العالمين في «سلمى»، وهي كيان مطوّر من الذكاء الاصطناعي يتجسد للبطل وراء النظارة «بسمرة لطيفة وبشرة ملساء». يراها ويتفاعل معها، لكنه يظل يسألها: «هل أنت حقيقية؟»، وهو سؤال يزيد الالتباس والشك في الحدود بين الخوارزمي والواقعي. فملامحها البشرية لا تحسم طبيعتها، بقدر ما تجعل التمييز بين ما يشعر به البطل وما يعرفه عنها أكثر صعوبة.

تكشف «سلمى» طبيعة التجربة بعبارة تبدو «نزيهة» في اعترافها بحدود العقل الاصطناعي: «أنت تخوض هذه التجربة بمفردك، ليس ثمة سواك أنت والعقل الاصطناعي، هو من يتغذى على أفكارك وهواجسك، يترجمها إلى حياة وأحداث، وقد يقع في أثناء الترجمة في أخطاء جسيمة، فلا يزال أمامه كثير لكي يتعلمه»، وهكذا يتشكل وراء النظارة عالم «هجين» من ذهنين؛ فالبطل يمدّ الآلة بأفكاره وهواجسه، وهي تحوّلها إلى أمكنة وشخصيات وأحداث. فلا يكون المكان الروائي امتداداً خالصاً لوعيه، ولا ابتكاراً مستقلاً للعقل الاصطناعي؛ إذ إن ما يراه ينشأ من التفاعل بين ما يعرفه عن نفسه وما تصنعه الخوارزمية من تلك المادة.

من هذا التبادل تنشأ سردية الرواية المضادة؛ فالعقل الاصطناعي يحتاج إلى خبرة البطل كي يتعلم ويطوّر أدواته، بينما يتعلّق البطل بالعالم الذي تفتحه له التجربة، تعلقاً يقترب من «الإدمان»، إذ يختبر فيه احتمالات ومشاعر لا تبدو له أقل «حقيقية» مما يعيشه خارجها. ويصبح في الوقت نفسه مشاركاً في صنع التجربة ومادةً تتغذى عليها، وكلما أمدّها بالمزيد من ذاته، ازدادت قدرتها على منحه عالماً يصعب عليه الانفصال عنه.

اختبارات فلسفية

يصف البطل تجربته بمفردات تستدعي أسئلة قديمة عن الحقيقة والوجود وإرادة الإنسان، فهو يتحدث عن «الحقيقة» و«حُلكة العدم»، ويتساءل عن حدود اختياره في عالم تستخدم فيه الخوارزمية رغباته وهواجسه لتقوده إلى مسار قد تكون رسمته له مسبقاً، وهنا لا يتعلق الشك بما إذا كانت الصور التي يراها مصنوعة، فهو يعرف أنه يرتدي نظارة محاكاة، بل بما إذا كانت معرفته هذه تمنحه قدرة فعلية على مقاومة تأثيرها فيه.

فيصف «باتريشيا»، التي يلتقيها خلال التجربة، بأنها «حقيقية، مطلقة، جوهرية، داحضة للشك»، فتبدو هذه الصفات محاولةً منه للتمسك بيقين واحد، في وقت لم يعد يستطيع فيه الجزم بما إذا كان ما يراه نابعاً من وعيه أم من العالم الذي تصنعه له الخوارزمية، كلما اشتد يقينه بحقيقة شعوره تجاهها.

تحافظ لغة الرواية على صلتها بالتفاصيل اليومية الراهنة، من حصار مقاطع «الريلز»، وأداة الذكاء الاصطناعي «جيميناي»، إلى حضور السجائر الإلكترونية «الأيكوس» بديلاً للسجائر التقليدية، وهي مفردات يستخدمها القرملاوي لرسم عالم بطله قبل دخوله المحاكاة، فلا تبدو التجربة قطيعة مفاجئة مع حياته، إنما امتداد لواقع تتدخل فيه التكنولوجيا بالفعل في انتباهه وعاداته اليومية، وصورته عن نفسه. ومن هذا الواقع نفسه ينتقل البطل تدريجياً ليصبح أحد «مواد» العالم الاصطناعي وموارده.

ويكثف عنوان «صفر فاصل خمسة» المنطقة البينية التي تتحرك فيها الرواية؛ فرغم غموض دلالته، يوحي الرقم الكسري، الواقِع بين الصفر والواحد، بحالة البطل المعلّقة بين الحقيقة والمحاكاة، والاختيار والخضوع، وربما موقع ذكاء اصطناعي لم يكتمل تعلّمه، وإنسان لم يصل إلى يقين بعد.


«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.