إطلاق الموقوف بتهمة قتل جندي من «اليونيفيل» يتفاعل في لبنان

مصادر تتخوّف من الارتدادات السلبية للقرار على مهمة القوات الدولية

عناصر من «اليونيفيل» يحيطون بالسيارة التي قتل فيها الجندي الآيرلندي في ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)
عناصر من «اليونيفيل» يحيطون بالسيارة التي قتل فيها الجندي الآيرلندي في ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)
TT

إطلاق الموقوف بتهمة قتل جندي من «اليونيفيل» يتفاعل في لبنان

عناصر من «اليونيفيل» يحيطون بالسيارة التي قتل فيها الجندي الآيرلندي في ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)
عناصر من «اليونيفيل» يحيطون بالسيارة التي قتل فيها الجندي الآيرلندي في ديسمبر 2022 (أ.ف.ب)

تفاعل القرار الذي أصدرته المحكمة العسكرية في لبنان، نهاية الأسبوع الماضي، وقضى بإطلاق سراح محمد عيّاد، المتهم بالتورّط في قتل الجندي الآيرلندي شون روني (23 عاماً) الذي كان ضمن قوات «اليونيفيل» العاملة في جنوب لبنان. وأثار القرار استياء الأوساط القانونية والسياسية التي وضعته في سياق الضغط الذي يمارسه «حزب الله» على المحكمة العسكرية. وعياد هو أحد عناصر الحزب.

وكانت المحكمة العسكرية الدائمة برئاسة العميد خليل جابر، أفرجت عن عيّاد، الموقوف الوحيد في قضية قتل الجندي الآيرلندي وجرح ثلاثة من رفاقه، خلال اعتراض دورية تابعة للكتيبة الآيرلندية ليل 14 ديسمبر (كانون الأول) 2022 في بلدة العاقبية (جنوب لبنان)، وجزم مصدر بارز في المحكمة العسكرية بأنه «لا خلفية سياسية للقرار، وأن الإفراج عن عيّاد جاء لأسباب صحيّة كونه يعاني من مرض السرطان، ويحتاج إلى علاج دائم، لا تستطيع إدارة السجن تحمّل تكاليفه».

وأكد المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن المحكمة «وافقت على إخلاء سبيل عيّاد لقاء كفالة مالية مرتفعة، وهي مليار و200 مليون ليرة لبنانية (13.300 دولار أميركي)، وهي كفالة ضامنة لمثوله جلسات المحاكمة»، لافتاً إلى أن «دوافع القرار إنسانية، وسبق للمحكمة أن أطلقت سراح عدد كبير من الموقوفين الذين يعانون من أمراض مستعصية، حتى لا تتحمّل تبعات تعريض حياتهم للخطر داخل السجن».

وكانت المحكمة العسكرية عقدت جلسة محاكمة علنية خلال شهر أغسطس (آب) الماضي، استجوبت خلالها عيّاد، الذي نفى إطلاق النار على الجندي الآيرلندي، وأشار إلى أن «حادثة مقتل الجندي جاءت نتيجة إطلاق النار عشوائياً، وليس بهدف القتل». وشدد المصدر القضائي على أن المتهم «سيخضع لجلسات محاكمة إضافية، وإذا صدر حكم وتضمن عقوبة تفوق مدة التوقيف التي أمضاها سيجري اعتقاله مجدداً».

واتهم القرار الظني الذي أصدره قاضي التحقيق العسكري الأول فادي صوان، عيّاد وأربعة أشخاص آخرين بـ«تأليف جماعة من الأشرار، وتنفيذ مشروع جرمي واحد». واعتبر القرار أن «أفعال كلّ مِن الموقوف عيّاد والأربعة الآخرين الفارين من وجه العدالة تنطبق على الفقرة الخامسة من المادة الـ549 من قانون العقوبات اللبناني، التي تنصّ على أنه (إذا ارتكب جرم على موظّف رسمي أثناء ممارسته الوظيفة أو في معرض ممارستها أو بسببها يعاقب بالإعدام)».

وقال المتحدث باسم قوات «اليونيفيل» أندريا تيننتي لـ«الشرق الأوسط»، إن المحكمة العسكرية اللبنانية أبلغت «اليونيفيل» أن الموقوف المتهم في الهجوم الذي أدى إلى مقتل الجندي شون روني، «قد تم إطلاق سراحه بكفالة بسبب تدهور حالته الصحية»، وأنه يتعين عليه المثول أمام المحكمة في الجلسة المقبلة المقرر عقدها في 15 ديسمبر المقبل. وأكد تيننتي أن «اليونيفيل» «تواصل المطالبة بالمحاسبة على مقتل الجندي روني، الذي، مثل جميع الهجمات على قوات حفظ السلام، يعد جريمة بموجب القانون الدولي واللبناني». وأشار تيننتي إلى أن المتهمين الآخرين في الاعتداء «ما زالوا طلقاء»، مشيراً إلى «أننا نواصل حثّ السلطات اللبنانية على تقديمهم إلى العدالة وضمان محاسبة جميع الذين ساهموا في مقتل روني، على جريمتهم».

وتخوّف مصدر سياسي في المعارضة اللبنانية من «ارتدادات سلبية لهذا القرار على مصداقية الدولة اللبنانية في معاقبة المعتدين على القوات الدولية». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «إخلاء سبيل الموقوف لن يؤدي إلى تغيير في طبيعة مهمّة (اليونيفيل)، لكنه سيحمل تفسيرات ملتبسة، أقلّه أنه يعطي انطباعاً بأن الدولة توفّر غطاءً لكل من يحاول الاعتداء على (اليونيفيل) أو يخلق أسباباً تخفيفية لجرائم استهدافها».

من جهته، رأى رئيس مؤسسة «جوستيسيا» الحقوقية المحامي الدكتور بول مرقص، أنّ المحكمة العسكرية يمكن أن تكون قد أسندت قرارها على المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني الّتي تنص على ألا يجوز أن تتعدى مدة التوقيف في الجناية 6 أشهر يمكن تجديدها لمرة واحدة بقرار معلل»، لكنه أشار إلى أن «نص المادة 108 استثنى صراحة جنايات القتل والمخدرات والاعتداء على أمن الدولة والجنايات ذات الخطر الشامل وجرائم الإرهاب وحالة الموقوف المحكوم عليه سابقاً بعقوبة جنائية».

وقال مرقص لـ«الشرق الأوسط»: «من المحتمل أن تكون هيئة المحكمة العسكرية، ودون أن نذهب إلى تبرير قرارها، قد اكتفت بمدة توقيفه، أو رأت عدم توافر نية القتل على اعتبار أنّ فترة التوقيف تكون قريبة من المدة التي سيحكم بها في ظلّ غياب الدليل الكافي الّذي يثبّت النية الجرمية مع تسارع الأحداث الأمنية في إطار الجريمة حينذاك، وبسبب تدهور حالته الصحية بحسب مصادر المحكمة العسكرية».

وأشار الدكتور مرقص إلى أن «إخلاء السبيل الحاصل في ظلّ هذه الظروف لا يدعو إلى الاستغراب مقارنة بسواه من القضايا، فقد سبق أن أخلت المحكمة العسكرية سبيل الموقوف مصطفى حسن مقدم (المتهم باغتيال الملازم أول الطيار سامر حنا بعد أقل من 10 أشهر على توقيفه) لقاء كفالة مالية مقدارها عشرة ملايين ليرة».



كرّمها بايدن وعاقبها ترمب... وزيرة عراقية سابقة على قائمة «الإرهاب»

وزيرة المالية السابقة في العراق طيف سامي (موقع الوزارة)
وزيرة المالية السابقة في العراق طيف سامي (موقع الوزارة)
TT

كرّمها بايدن وعاقبها ترمب... وزيرة عراقية سابقة على قائمة «الإرهاب»

وزيرة المالية السابقة في العراق طيف سامي (موقع الوزارة)
وزيرة المالية السابقة في العراق طيف سامي (موقع الوزارة)

أكدت وزارة الخارجية الأميركية إلغاء تأشيرة وزيرة المالية العراقية السابقة طيف سامي محمد الشكرجي، بعد إدراج اسمها على قائمة مراقبة الإرهاب التابعة لمكتب التحقيقات الاتحادي الأميركي، في تطور يمثل تحولاً لافتاً في موقف واشنطن تجاه مسؤولة كانت قد كرمتها الإدارة الأميركية السابقة بجائزة دولية عام 2022.

وقالت الخارجية الأميركية إن تأشيرة الشكرجي ألغيت بعد إدراجها على قائمة مراقبة الإرهاب التابعة لمكتب التحقيقات الاتحادي، مضيفة أنها لم تعد موجودة في الولايات المتحدة.

ولم تكشف الوزارة، وفقاً للمعلومات الواردة في التقارير التي تناولت القضية، عن موعد إدراج اسم الشكرجي على القائمة أو طبيعة المعلومات الاستخبارية التي استند إليها القرار.

وكانت الشكرجي قد نفت، قبل صدور التأكيد الأميركي، مغادرتها العراق أو إدراج اسمها على قوائم مراقبة الإرهاب الأميركية، وقالت إنها لم تُمنع من دخول الولايات المتحدة خلال توليها منصب وزيرة المالية، كما لم تستدع إلى أي محكمة ولم تتلق إخطاراً قضائياً.

من التكريم إلى الإلغاء

يكتسب القرار الأميركي أهمية سياسية بسبب التباين بين موقف الإدارة الحالية والسابق. ففي عام 2022، منحت الخارجية الأميركية الشكرجي جائزة «المرأة الدولية للشجاعة»، خلال فترة إدارة الرئيس السابق جو بايدن، تقديراً لدورها الذي وصفته واشنطن آنذاك في مكافحة الفساد والدفاع عن المساواة بين الجنسين.

وكانت الشكرجي قد تلقت التكريم من وزير الخارجية الأميركي آنذاك أنتوني بلينكن، والسيدة الأميركية الأولى السابقة جيل بايدن، ضمن مجموعة من النساء اللواتي قالت الإدارة الأميركية إنهن أظهرن شجاعة وقيادة في مجالات السلام والعدالة وحقوق الإنسان وتمكين النساء والفتيات.

لكن وزارة الخارجية في إدارة الرئيس دونالد ترمب أكدت الآن إلغاء تأشيرتها، وقالت إن الإدارة «لن تسمح للمشتبه بضلوعهم في الإرهاب بالبقاء في الولايات المتحدة».

ولا يعني إدراج شخص على قائمة مراقبة أو إلغاء تأشيرته، بحد ذاته، إثبات إدانته قضائياً بارتكاب جريمة، كما أن الأسباب التفصيلية التي دفعت السلطات الأميركية إلى اتخاذ القرار لم تُعلن في البيانات المتاحة.

طيف سامي كانت وزيرة المالية خلال ولاية رئيس الوزراء محمد شياع السوداني (إعلام حكومي)

اتهامات عراقية

وتزامن التطور مع اتهامات مالية وجهها مسعود حيدر، وكيل وزارة المالية العراقية السابق، إلى الشكرجي. وقال حيدر في تدوينة على منصة «إكس»، إن الشكرجي يجب أن تحاكم أمام القضاء العراقي، واصفاً إياها بأنها «أفشل وزير في الإدارة المالية في تاريخ الدولة العراقية»، وفقاً لما نقلته «الشرق الأوسط».

واتهمها أيضاً بأنها تسببت في إغراق العراق بديون تزيد على 200 تريليون دينار عراقي، وبـ«هدر» أكثر من 140 مليار دولار خلال فترة توليها وزارة المالية.

حسابات أميركية أوسع

ويرى رحمن الجبوري، الخبير في الشؤون الأميركية، أن الإجراءات الأميركية الأخيرة قد تكون جزءاً من مقاربة أوسع للعلاقة مع بغداد.

وقال الجبوري لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى واشنطن «حساباتها في العراق» تشمل، من بين أمور أخرى، مستقبل التمثيل الدبلوماسي الأميركي، ومدى التزام الحكومة العراقية بالاتفاقات التي جرى بحثها خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن، فضلاً عن ملف حصر السلاح وتجفيف شبكات اقتصادية مرتبطة بإيران ومكافحة تهريب الدولار.

وأضاف أن ترمب، في تقديره، «يناور» في هذه الملفات، وأن التزام الحكومة العراقية بالتفاهمات قد يفتح الطريق أمام ترسيخ العلاقات الثنائية بين بغداد وواشنطن.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقات العراقية الأميركية نقاشاً متزايداً بشأن مستقبل التعاون الأمني والوجود العسكري الأميركي، بالتزامن مع خلافات حول سلاح الفصائل المسلحة وشبكات التمويل والعقوبات.

وبينما أكدت واشنطن إلغاء تأشيرة الشكرجي وإدراجها على قائمة المراقبة، لم تعلن تفاصيل الأدلة أو الاتهامات التي استند إليها القرار. ومن ثم، فإن الربط بين الإجراء الأميركي والاتهامات المالية العراقية أو الخلافات السياسية والأمنية بين بغداد وواشنطن يظل، في غياب تأكيد رسمي، استنتاجاً لا واقعة مثبتة.

Your Premium trial has ended


بري لـ«الشرق الأوسط»: البديل لـ«اليونيفيل» قوة تحت علم الأمم المتحدة

جنود في «اليونيفيل» ينفذون دورية راجلة قرب السياج الحدودي مع إسرائيل في جنوب لبنان (يونيفيل)
جنود في «اليونيفيل» ينفذون دورية راجلة قرب السياج الحدودي مع إسرائيل في جنوب لبنان (يونيفيل)
TT

بري لـ«الشرق الأوسط»: البديل لـ«اليونيفيل» قوة تحت علم الأمم المتحدة

جنود في «اليونيفيل» ينفذون دورية راجلة قرب السياج الحدودي مع إسرائيل في جنوب لبنان (يونيفيل)
جنود في «اليونيفيل» ينفذون دورية راجلة قرب السياج الحدودي مع إسرائيل في جنوب لبنان (يونيفيل)

يفتح تمسك الولايات المتحدة الأميركية برفض التجديد لقوات الطوارئ الدولية «يونيفيل» الباب أمام ضرورة البحث عن قوة أممية تحل مكانها تحظى بتوافق أوروبي - أميركي، وتوجد في جنوب لبنان تحت علم الأمم المتحدة، بحسب قول رئيس المجلس النيابي نبيه بري لـ«الشرق الأوسط»، وإلا نفتقد إلى المستند القانوني للإبقاء على المرجعية الدولية، والتمسك بدورها باعتبارها الناظم الوحيد لمؤازرة الجيش اللبناني لبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها مشروطة بانسحاب إسرائيل حتى الحدود الدولية.

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رئاسة البرلمان)

وأكد بري أن الاتفاقات الثنائية بين لبنان وإسرائيل ليست البديل عن الحضور الدولي في الجنوب، طالما أن تل أبيب ترفض تطبيق ما توصل إليه البلدان بموجب «اتفاق الإطار» برعاية أميركية للالتزام بتطبيق «المرحلة التجريبية» الأولى، وتشكيل الآلية للتأكد من انتشار الجيش في البلدات المشمولة بها، مع أن بري -رغم موقفه الرافض للاتفاق- كان اقترح توسيعها باعتماد القضاء، تبعاً للتقسيمات الإدارية للجنوب بدلاً من حصرها ببلدة زوطر الغربية المحتلة، وضم بلدات محررة إليها.

تكامل بين 1701 و«اتفاق الإطار»

فانتهاء المهلة المحددة لانتداب القوات الدولية في جنوب لبنان، في 31 ديسمبر (كانون الأول) المقبل بإصرار من واشنطن، يشغل بال اللبنانيين عموماً، والجنوبيين خصوصاً، بغياب المرجعية الدولية الشاهدة على مراقبة الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، ومواكبته حتى الحدود الدولية، في ضوء إصرار إسرائيل على تغييبها، والاستعاضة عنها باتفاقات ثنائية بين البلدين تلقى رفضاً لبنانياً على المستويين الرسمي، والشعبي، ما يضع الولايات المتحدة أمام مسؤوليتها بأن تأخذ الموقف اللبناني بعين الاعتبار في ضوء مطالبة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون بتشكيل قوة أوروبية بديلة تحظى بغطاء أممي في حال لم تستجب واشنطن لطلب لبنان الرسمي من مجلس الأمن بالتمديد المؤقت لـ«اليونيفيل».

وفي هذا السياق رأى مصدر وزاري أن هناك ضرورة لتحقيق حد أدنى من التكامل بين المسار الدولي المتمثل بـ«القرار 1701» و«اتفاق الإطار» الذي لا يزال يراوح مكانه، ويضع الولايات المتحدة أمام مصداقيتها بتعهدها بدعم لبنان بتطبيقه. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن مجلس الأمن أكد تمسكه بالقرار المذكور في الجلسة المغلقة التي عقدها في الساعات الماضية، وإن البديل لن يتأمّن، كما قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلا بإنشاء قوة مراقبة دولية.

جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)

ولفت المصدر إلى أن إصرار الخارجية الأميركية على تطبيق «اتفاق الإطار» يصطدم برفض إسرائيل التجاوب مع مطالبة واشنطن بتوسيع «المناطق التجريبية» بشمولها مدناً وبلدات جنوبية محتلة، وعدم موافقتها على آلية التحقق من انتشار الجيش في «المنطقة التجريبية» الأولى، للتأكد من خلوها من سلاح «حزب الله»، ومقاتليه. وأكد أن تأمين استمرارية المفاوضات في جولتها الثامنة التي تستضيفها روما يتوقف على تحديد موعد انعقادها، ومدى استعداد واشنطن بالضغط على إسرائيل لإحداث خرق يمهد الطريق أمام تحقيق تقدم يخرجها من الدوران في حلقة مفرغة، خصوصاً بعد دخول توقيع البلدين على «اتفاق الإطار» في 26 يونيو (حزيران) الماضي شهره الثالث.

اليوم التالي لانتهاء مهمة «اليونيفيل»

وسأل المصدر: كيف سيكون عليه الوضع في اليوم التالي لانتهاء انتداب «يونيفيل» في مهمتها بمؤازرة الجيش اللبناني لبسط سلطته على كافة أراضيه؟ وهل سيبقى الوضع المشتعل في الجنوب معلقاً إلى ما بعد انتهاء رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو من خوض معركته الانتخابية لتأمين الأكثرية في «الكنيست» للعودة لرئاسة الحكومة؟

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي رئيس البرلمان نبيه بري في وقت سابق من شهر أغسطس 2026 (أرشيفية - رئاسة البرلمان)

سلاح «حزب الله» كشرط للتقدم بالمفاوضات

وأكد أن أي تقدم في المفاوضات يبقى مرتبطاً بنزع سلاح «حزب الله». وقال إن الموقف الذي صدر عن السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى في هذا الخصوص لم يكن عفوياً، وإن عبّر عنه على طريقته، وهذا ما كان تبلّغه لبنان من واشنطن بأن تثبيت وقف النار يتزامن مع تسليم سلاح الحزب للدولة، وإخلائه لتلال «علي الطاهر» إفساحاً في المجال أمام انتشار الجيش اللبناني فيها.

ولفت إلى أن تغييب أي إشارة في «اتفاق الإطار» للقرار 1701 لا يعني صرف النظر عن نزع سلاح «حزب الله» الذي هو موضع إجماع دولي، وعربي، ويحظى بتأييد غالبية القوى السياسية المحلية، ويكاد يكون الممر الإلزامي للانتقال بالبلد إلى مرحلة التعافي على كافة المستويات بعد أن أصرت الحكومة على تطبيق حصريته بيد الدولة. فيما توقف في نفس الوقت أمام ما قاله أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم في خطابه الأخير الذي لم يحمل أي جديد سوى أنه توخى منه كعادته شد عصب محازبيه، مع أنه في هجومه على الولايات المتحدة أغفل تعليقه على قول عضو المجلس السياسي للحزب محمود قماطي إن الأبواب لم تقفل بصورة نهائية أمام التواصل مع الأميركيين، ما اعتبره مصدر في «الثنائي» لـ«الشرق الأوسط» كأنه لم يكن ما لم يمر عبر طهران التي تعود لها كلمة الفصل في أي قرار يتخذه الحزب بعد أن ربط المسار اللبناني بـ«مذكرة التفاهم» الأميركية-الإيرانية التي يحاصرها تبادل الحملات والتهديدات بين طرفيها، ما يصعّب تطبيقها، علماً أن الجواب على قماطي جاءه على لسان السفير عيسى باشتراط أي تواصل مع واشنطن بنزع سلاح «حزب الله».

واشنطن تضغط على نتنياهو

وبالنسبة إلى المفاوضات، فإن واشنطن تسعى لإعادة الاعتبار إليها بالضغط على نتنياهو لإزالة تحفّظه على توسيع «المناطق التجريبية»، وتشكيل «آلية التحقق»، ما ينعش الآمال المعقودة على استئنافها، مع تذكير الحزب، بلسان مصدر سياسي معني باستئنافها، بأنه آن الأوان ليعيد النظر في تحريضه على الـ«يونيفيل» الذي يشكل عائقاً أمام إقناع أي دولة لترؤس «آلية التحقق» بغياب الضمانات من التعرض لمراقبيها تحت اسم «احتجاج العائلات»، لا سيما أن قاسم كان عارض تشكيل الآلية، وهذا ما يضع قاسم أمام مسؤوليته بتقديم التسهيلات لإنقاذ لبنان بدلاً من الإبقاء عليه معلقاً على «مذكرة التفاهم» الإيرانية-الأميركية، خصوصاً أن واشنطن ثابتة على موقفها بعدم ربط المسار اللبناني بإيران.


بغداد تؤكد الالتزام بإنجاز الانسحاب الأميركي نهاية سبتمبر

جنود من التحالف الدولي ضد «داعش» (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود من التحالف الدولي ضد «داعش» (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

بغداد تؤكد الالتزام بإنجاز الانسحاب الأميركي نهاية سبتمبر

جنود من التحالف الدولي ضد «داعش» (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود من التحالف الدولي ضد «داعش» (أرشيفية - أ.ف.ب)

قالت مصادر إن بغداد ما زالت متمسكة بموعد 30 سبتمبر (أيلول) المقبل لإنهاء الوجود العسكري لقوات التحالف الدولي في العراق، وذلك في وقت أفادت فيه تقارير صحافية بأن الولايات المتحدة وشركاءها يعتزمون تقليص مهمتهم العسكرية والانتقال إلى إطار أمني ثنائي مع الحكومة العراقية بدلاً من الانسحاب الكامل.

وقال مصدر رسمي عراقي لـ«الشرق الأوسط» إن صحة التقارير التي تتحدث عن استمرار وجود قوات أميركية وأجنبية في العراق بعد سبتمبر «تتنافى مع ما تم الاتفاق عليه بين الحكومة العراقية السابقة والإدارة الأميركية». لكنه أضاف أنه «من السابق لأوانه التعليق على تقارير صحافية لم تستند إلى مصدر أميركي رسمي».

وكانت التقارير قد نقلت السبت عن مسؤول أميركي، لم تكشف هويته أو منصبه، قوله إن الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف سيخفضون مهامهم العسكرية في العراق بحلول 30 سبتمبر المقبل، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس دونالد ترمب.

وحسب التصريحات المنسوبة إلى المسؤول، فإن خفض المهمة يعكس ما وصفه بالنجاح المشترك في محاربة تنظيم «داعش»، ويمثل انتقالاً نحو شراكة أمنية ثنائية دائمة بين بغداد وواشنطن، بما يتوافق مع المصالح الأميركية والدستور العراقي واتفاقية الإطار الاستراتيجي بين البلدين.

وقال المسؤول إن الخطوة لا تعني نهاية التحالف الدولي ضد «داعش»، وإنما انتقال مهمته العسكرية إلى شكل أكثر تقليدية في إطار العلاقات الثنائية، مع استمرار التنسيق بين الحكومة العراقية والدول المشاركة في التحالف لضمان انتقال «مسؤول وسلس».

أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)

اتفاق سابق وجدول زمني

كان العراق والولايات المتحدة قد أعلنا في سبتمبر 2024 عن خطة لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة واشنطن ضد «داعش» في العراق، والانتقال تدريجياً إلى علاقة أمنية ثنائية.

وبموجب الخطة، انتهت المرحلة الأولى من المهمة في سبتمبر 2025، فيما بقيت قوات في إقليم كردستان لدعم العمليات المرتبطة بمكافحة التنظيم في سوريا، على أن تنتهي المرحلة الأخيرة في سبتمبر 2026.

وقال صباح النعمان، الناطق العسكري باسم القائد العام للقوات المسلحة، إن 30 سبتمبر المقبل سيكون بمثابة «عرس عراقي»، مؤكداً التزام بغداد بإنجاز انسحاب قوات التحالف في الموعد المحدد.

وأضاف النعمان أن الحكومة ماضية أيضاً في تنظيم السلاح وحصره بيد الدولة وإدماج التشكيلات المسلحة ضمن مؤسسات الدولة الشرعية.

وقال المصدر الرسمي العراقي لـ«الشرق الأوسط» إن الحكومة «ملتزمة بما تم الاتفاق عليه بين بغداد وواشنطن»، وإن العراق لم يعد بحاجة إلى قوات أجنبية على أراضيه لأي غرض.

وأضاف أن بغداد حريصة على ألا يؤدي استمرار الوجود الأميركي، في حال حدوثه، إلى توفير مبرر للفصائل المسلحة للتراجع عن مشروع حصر السلاح بيد الدولة.

السلاح والعلاقة مع واشنطن

يضع ملف سلاح الفصائل في العراق قضية الوجود الأميركي في سياق أوسع من مجرد ترتيبات عسكرية. فبغداد تسعى، حسب تصريحات مسؤولين عراقيين، إلى تثبيت سلطة الدولة على السلاح، بينما يمثل وجود القوات الأميركية أحد أبرز الملفات التي تستند إليها بعض الفصائل في موقفها من العلاقة مع واشنطن.

وقال مسؤول أمني عراقي سابق لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يستبعد أن تعيد واشنطن النظر في موقفها من الانسحاب إذا لم تلتزم الحكومة العراقية بجدول زمني لنزع سلاح الفصائل.

وأضاف أن تشكيل لجنة من قوى سياسية ضمن «الإطار التنسيقي» لبحث ملف السلاح، مع طرح أفكار تتعلق بإعادة تنظيمه أو تخزينه بدلاً من نزعه، قد يُفسر في واشنطن باعتباره مؤشراً على غياب الجدية في تنفيذ هذا الملف.

وعزا المسؤول، في تقييمه، جانباً من التحول في الموقف الأميركي إلى زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى العراق، قائلاً إن الزيارة أعقبها تشدد أميركي في ملفات عدة، من بينها الوجود العسكري والعقوبات.

رئيس الحكومة العراقية علي فالح الزيدي

غير أن هذه التفسيرات تبقى، حتى الآن، في إطار تقييمات مسؤولين ومراقبين وليست إعلانات رسمية عن تغيير أميركي للاتفاق المعلن مع بغداد.

وقال سعيد الجياشي، المستشار السابق في الأمن الوطني، لـ«الشرق الأوسط» إن الاتفاق العراقي الأميركي، الذي جاء بعد مفاوضات استمرت أكثر من عام ونصف العام، ينص على انسحاب قوات قيادة المهام المشتركة الأميركية التي عملت في العراق ضمن عملية «العزم الصلب» ضد تنظيم «داعش» في العراق وسوريا.

وأضاف أن عملية الانسحاب بدأت في سبتمبر (أيلول) 2025 ومن المقرر أن تنتهي في 30 سبتمبر 2026، بما ينهي الوجود العسكري الأميركي ووجود قوات دول التحالف في العراق.

وأكد الجياشي أن ذلك لا يعني نهاية التعاون الأمني بين العراق والولايات المتحدة أو بقية الدول، مشيراً إلى استمرار التنسيق في مكافحة الإرهاب.

ويبقى الخلاف الحالي مرتبطاً، بصورة أساسية، بتفسير طبيعة المرحلة التالية: هل تنتهي المهمة العسكرية الأجنبية في الموعد المتفق عليه، أم تتحول إلى وجود محدود ضمن علاقة أمنية ثنائية؟ وفي ظل عدم صدور إعلان أميركي رسمي واضح، تظل الإجابة النهائية مرتبطة بالمفاوضات بين بغداد وواشنطن خلال الأسابيع المقبلة.