إسرائيل تهدد بـ«الدرع الواقية 2» إذا ما أطلق الفلسطينيون «انتفاضة ثالثة»

مقتل فلسطيني آخر في القدس وإغلاق البلدة القديمة

فلسطينيون خلال مواجهات مع القوات الإسرائيلية في القدس أمس (أ.ف.ب)
فلسطينيون خلال مواجهات مع القوات الإسرائيلية في القدس أمس (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تهدد بـ«الدرع الواقية 2» إذا ما أطلق الفلسطينيون «انتفاضة ثالثة»

فلسطينيون خلال مواجهات مع القوات الإسرائيلية في القدس أمس (أ.ف.ب)
فلسطينيون خلال مواجهات مع القوات الإسرائيلية في القدس أمس (أ.ف.ب)

بلغ التوتر بين الفلسطينيين والإسرائيليين أقصاه أمس بعد قتل الشرطة الإسرائيلية فلسطينيًا ثانيًا في القدس، بعد ساعات من قتلها منفذ عملية طعن المستوطنين في المدينة، بينما شهدت أحياؤها ومعظم مدن الضفة الغربية مواجهات واسعة وإصابات واعتقالات، بين متظاهرين فلسطينيين وقوات الجيش والمستوطنين، في مشهد ينذر بانطلاق «انتفاضة» جديدة. في وقت طالبت فيه السلطة الفلسطينية بحماية دولية للشعب الفلسطيني.
وتحولت أحياء القدس وشوارع الضفة إلى ساحات مطاردة ومواجهات وكر وفر بين الفلسطينيين والمستوطنين الذين نفذوا هجمات انتقامية يدعمهم الجيش الإسرائيلي.
وأشعلت المواجهات الواسعة لليوم الثالث مخاوف إسرائيلية من إطلاق انتفاضة جديدة، وحذرت مصادر مقربة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من تنفيذ عملية واسعة تجتاح معها القوات الإسرائيلية الضفة الغربية إذا ما أطلق الفلسطينيون انتفاضة ثالثة فعلاً.
قالت مصادر مقرّبة من نتنياهو لصحيفة «إسرائيل اليوم»: «إذا كان الفلسطينيون يريدون انتفاضة ثالثة فسيحصلون على عملية (الدرع الواقية 2). سيكون هناك كثير من الخطوات الميدانية، التي ستضرّ بالبنية التحتية لحماس».
وأكد عضو المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر، يسرائيل كاتس، أنه سيتم تشديد الإجراءات الأمنية ضد الفلسطينيين دون أن يستبعد الإقدام على ما نعته بـ«حملة السور الواقي الثانية»، على غرار اجتياح مناطق السلطة الفلسطينية عام 2002 والتي سميت بـ«السور الواقي».
وأشار كاتس إلى اسم «أسوار أورشليم القدس» على العملية الجديدة المحتملة، وقال إنه قد يتم بموجبها فرض حظر التجوال في الأحياء العربية في القدس، وحرمان العرب من حق العمل في الأحياء اليهودية.
وجاءت تصريحات كاتس بعد تنفيذ عملية طعن وإطلاق نار في القدس قتل فيها 2 من المستوطنين مساء أول من أمس (السبت)، وتبعت عملية سابقة في الضفة، وتسببت بقتل اثنين من المستوطنين أيضا، ليرتفع عدد القتلى الإسرائيليين في غضون 24 ساعة إلى أربعة.
وفي المقابل قتلت إسرائيل اثنين من الفلسطينيين في القدس في غضون ساعات قليلة، وإصابة العشرات في مواجهات في الضفة. وقتلت الشرطة الإسرائيلية الشاب مهند شفيق حلبي بعد قتله اثنين من المستوطنين، ثم قتلت الشاب فادي علون بدم بارد بعد أن صرخ مستوطنون بأنه كان ينوي طعنهم، واتضح أنهم كانوا يلاحقونه بهدف قتله.
وأدان عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية رئيس دائرة شؤون القدس أحمد قريع، قيام قوات الاحتلال الإسرائيلي باغتيال الشاب المقدسي علون. ووصف قريع في بيان صحافي ما يجري في المدينة المقدسة وباقي محافظات الوطن «بالجرائم الإرهابية التي تنتهجها حكومة الاحتلال الإسرائيلي بحق أبناء شعبنا الفلسطيني الأعزل».
وأدت الأحداث المتلاحقة إلى تصعيد التوتر في القدس ومختلف أنحاء الضفة الغربية. وفرضت الشرطة الإسرائيلية فورًا القيود على دخول المصلين إلى المسجد الأقصى وأغلقت البلدة القديمة في القدس، في أعقاب مداولات أمنية بين مسؤولين في الحكومة والشرطة والأجهزة الأمنية الأخرى.
وأوضحت الشرطة أن هذا الإجراء الاستثنائي يشمل الغالبية الكبرى من فلسطينيي القدس الشرقية المحتلة غير المقيمين في البلدة القديمة.
وقالت الشرطة إنه على مدى يومين لن يسمح بالدخول سوى للإسرائيليين والمقيمين في البلدة القديمة والسياح وأصحاب المحلات والتلاميذ.
وقالت متحدثة باسم الشرطة إن هذا الإجراء سيمنع الغالبية الكبرى من فلسطينيي القدس الشرقية المحتلة المقيمين خارج البلدة القديمة من دخولها، مشيرة إلى أنه سيكون بوسع فلسطيني 48 الدخول. وأضافت أنه يمنع على الذكور الفلسطينيين ما دون الخمسين من العمر الدخول إلى باحة المسجد الأقصى، وفق إجراء غالبا ما تفرضه إسرائيل في فترات التوتر.
واشتبك فلسطينيون مع مستوطنين وقوات إسرائيلية في مناطق مختلفة في القدس وبلدة العيسوية، بينما أدت المواجهات إلى إصابة عشرة أشخاص على الأقل، وثلاثة آخرين بجروح خطيرة، وطالت المواجهات بلدات الرام وسلوان والطور.
واندلعت مواجهات في بير زيت قرب رام الله وفي عوريف جنوب نابلس وباب الزاوية وبيت عينون في الخليل وفي بيت لحم وطولكرم ونابلس. وسجلت أعنف المواجهات في جنين شمال الضفة الغربية وأصيب فيها 27 فلسطينيًا بالرصاص بعد فشل عملية لاعتقال أحد المطلوبين في مخيم جنين.
إلى ذلك، هاجم مستوطنون أراضي تابعة لفلسطينيين وتسببوا بأضرار في سياراتهم وأحرقوا مزروعاتهم في قرى قريبة من المستوطنات شمال الضفة الغربية وجنوبها. وشوهد مستوطنون يهاجمون سيارات وأراضي الفلسطينيين ويفرون أمام هجوم الفلسطينيين عليهم، ليعودوا معززين بقوات إسرائيلية.
ومع التصعيد الواسع النطاق، قال نتنياهو قبل أن يصل إلى إسرائيل أمس قادمًا من واشنطن إنه سيعقد اجتماعًا لمجلس الوزراء، لاتخاذ قرار بشن هجوم عنيف ضد «الإرهاب الفلسطيني الإسلامي» حسب تعبيره، متهمًا السلطة بدعم «الإرهاب».
ولا يعتقد أن يتخذ نتنياهو قرارًا باجتياح الضفة، إذ من شأن ذلك تقويض السلطة، على الرغم من أن اليمين الإسرائيلي يحرضه على شن هجوم كبير على الضفة. وأقام نشطاء اليمين مسيرات احتجاجية وصلى بعض الحاخامات في البلدة القديمة في القدس، وهتف غلاة اليمين «هيا بيبي افعلها» (أي أعلن الحرب على الفلسطينيين).
ونشر أفيغدور ليبرمان من حزب «إسرائيل بيتنا»، الذي كان وزير الخارجية السابق، منشورًا على «فيسبوك» يفصّل فيه سلسلة من الخطوات التي يجب اتخاذها ضدّ الفلسطينيين. ومن بين تلك الخطوات: إخراج الشقّ الشمالي من الحركة الإسلامية في إسرائيل خارج القانون، إيقاف تحويل الأموال للسلطة الفلسطينية، وسحب بطاقة VIP من مسؤوليها، وهدم منازل منفّذي هذه العمليات وغير ذلك.
وفي وقت سابق دعا الوزيران نفتالي بينيت وأييلت شاكيد نتنياهو إلى عدم «ربط أيدي الجنود»، وبناء مستوطنات جديدة وإعادة محرّري «صفقة شاليط» إلى السجون.
لكن وزير الأمن الداخلي غلعاد إردان عدّ انه من باب المبالغة الحديث عن انعدام الأمن، قائلا: «نحن نشهد إرهابا شعبيا». وأضاف: «هناك عدة خطوات اتخذت لتعزيز الأمن في محيط القدس، منها نشر 300 من عناصر حرس الحدود، وإرسال قوات خاصة للشرطة لتنفيذ عمليات اعتقال». وأكد إردان أنه «يحظر على من لا يحمل بطاقات هوية إسرائيلية دخول البلدة القديمة، كما تم تغيير أوامر إطلاق النار». وشدد على وجوب القيام بنشاطات أخرى لإحباط ما وصفه بـ«العمليات الإرهابية»، مُقرًا بأن النتائج على الأرض حتى الآن غير كافية.
من جهتها، استنكرت حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية سياسة التصعيد الإسرائيلي التي تنتهجها سلطات الاحتلال ضد فلسطيني القدس والضفة الغربية.
وطالبت الحكومة في بيان المجتمع الدولي ومؤسسات هيئة الأمم المتحدة، «بالتدخل لإلزام إسرائيل بوقف انتهاكاتها في الأراضي الفلسطينية، والتي كان آخرها قتل شابين في القدس المحتلة، وسلسلة الاقتحامات لمدن وقرى الضفة الغربية، وهجمات المستوطنين الليلة الماضية على قرى الضفة بحماية جيش الاحتلال، وإصابة عدد من المواطنين».
وعد الناطق باسم حكومة الوفاق إيهاب بسيسو أن هذه السياسة التصعيدية تأتي في إطار مساعي حكومة الاحتلال الهادفة إلى تقويض الجهود السياسية الفلسطينية والدولية، وتدمير مساعي حل الدولتين، وجر المنطقة إلى دوامة عنف جديدة. وشدد على أن الحل الوحيد يكمن في إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وقالت وزارة الخارجية في بيان إن التصعيد الحالي في الأرض الفلسطينية هو نتيجة مباشرة للاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى المبارك. وأدانت الوزارة «بشدة العدوان الإسرائيلي المستمر ضد الشعب الفلسطيني وقيادته الشرعية»، كما أدانت بشدة «عمليات الإعدام الميداني التي تقوم بها قوات الاحتلال ضد الأطفال والفتية والشباب الفلسطينيين، والتي كان آخرها عملية الإعدام الميداني البشعة، التي تعرض لها الشاب علون من بلدة العيسوية في القدس، الذي قتلته قوات الشرطة الإسرائيلية بدم بارد أثناء توجهه إلى عمله في الساعات الأولى من فجر هذا اليوم، وسمحت للمستوطنين بالتمثيل بجثته».
وحملت الوزارة الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن هذا «التصعيد المبيت والمدروس، الذي بدأه الاحتلال قبل أشهر عدة، بقرار رسمي يفرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى المبارك وباحاته، ويكرسه من خلال الاقتحامات الاستفزازية اليومية للأقصى، وفتح بواباته أمام غلاة المتطرفين اليهود، وتبعه بقرار حكومة نتنياهو تشريع إطلاق الرصاص الحي باتجاه المدنيين الفلسطينيين العزل».



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.