الحوثيون يسحبون نصف قواتهم من مأرب إلى حدود صنعاء

تحرك المتمردين جاء بعد أنباء عن عملية كبيرة للجيش.. والتحالف يدك معاقل الميليشيات في صعدة

قوات الجيش اليمني في إحدى جبهات القتال المتقدمة في منطقة مأرب (رويترز)
قوات الجيش اليمني في إحدى جبهات القتال المتقدمة في منطقة مأرب (رويترز)
TT

الحوثيون يسحبون نصف قواتهم من مأرب إلى حدود صنعاء

قوات الجيش اليمني في إحدى جبهات القتال المتقدمة في منطقة مأرب (رويترز)
قوات الجيش اليمني في إحدى جبهات القتال المتقدمة في منطقة مأرب (رويترز)

كشفت مصادر مطلعة في الجيش اليمني والمقاومة الشعبية في محافظة مأرب النفطية الهامة في شرق البلاد، عن خطوات استباقية أقدم عليها المتمردون الحوثيون في بعض جبهات القتال بمحافظة مأرب، حيث انسحبوا من بعض المواقع إلى الجبال، وذلك بعد أن هزموا في منطقة «سد مأرب» التاريخي، الذي بات تحت سيطرة القوات المشتركة المكونة من قوات التحالف وقوات الجيش الوطني والمقاومة الشعبية.
وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن الحوثيين «يقومون بعمليات انسحاب استباقية من عدة مواقع في جبهة الجدعان ويعيدون نقل أجزاء من قواتهم إلى الوراء». وأكدت المصادر أن تلك القوات، التي يجري سحبها «تتمترس في الجبال على الحدود مع صنعاء في جبال فرضة نهم وجبل يام وصلب وقرود»، وهي سلسلة جبال تقع بين مديرية مجزر الجدعان (مأرب) ومديرية نهم بمحافظة صنعاء. وأشارت المصادر إلى أن هذه الخطوات، التي وصفت بالاستباقية، جاءت تحسبًا لهجوم واسع وشيك تستعد القوات المشتركة لتنفيذه، لتطهير جبهات الجدعان، وهي عسكرية في حال أنجزت، ستمكن القوات المشتركة من التوجه إلى محيط محافظة صنعاء والسيطرة على جبل فرضة نهم الاستراتيجي، الذي يمثل بوابة للعاصمة من جهة مثلث مأرب - صنعاء - الجوف.
وفي سياق التطورات الميدانية، دمرت طائرات التحالف، أمس، رتلاً عسكريًا في مديرية صرواح، التي يسيطر عليها المتمردون الحوثيون، بينما تستمر المواجهات في بعض المناطق، في ظل دور كبير تقوم به طائرات التحالف في استهداف المواقع التي يتمركز فيها المسلحون الحوثيون وقوات المخلوع صالح.
وحول ما إذا كانت الميليشيات الانقلابية قد انسحبت تمامًا من مواقعها في أي من مناطق وجودها في الجدعان، قال قيادي بارز في الجيش اليمني لـ«الشرق الأوسط»، إن «الميليشيات تعاني من إرباك واضح، وإن انسحاباتها جزئية». وتحدث القيادي عن تعليمات تلقتها ميليشيات الحوثي بسحب 50 في المائة «من قواتها في أغلب المواقع الواقعة في الأراضي المسطحة إلى الجبال القريبة، وذلك استباقًا لأي هجوم من قوات التحالف والمقاومة لتطهير الجبهات في تلك المناطق». وأشار المصدر القيادي إلى قرب موعد تنفيذ العمليات العسكرية في مناطق الجدعان، واعتبر أن «سقوط سد مأرب نقلة نوعية في المواجهات في مأرب، جعلت الانقلابيين يركزون الآن أكثر على تحصين حدود العاصمة صنعاء في سلسلة جبال فرضة نهم صنعاء غرب مأرب وجبل الوتدة جنوب غربي مأرب في حدود خولان صنعاء».
وذكرت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الانسحاب الجزئي للميليشيات الحوثية في جبهة الجدعان، جاء قبيل وصول تعزيزات للقوات المشتركة إلى المنطقة، في ظل أنباء عن عملية عسكرية كبيرة قريبة في جبهة الجدعان.
وفي السياق ذاته، قالت مصادر عسكرية إن «مقاتلي الجيش الوطني والمقاومة الشعبية تمكنوا من أسر 10 من أفراد الميليشيات الحوثية، كانوا على متن عربتين تتحركان في جنوب جبهة ماس، غير أن المسلحين الحوثيين وقعوا في كمين لعناصر المقاومة».
إلى ذلك، أكدت مصادر محلية في مأرب لـ«الشرق الأوسط»، أن «ميليشيات الحوثي وقوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح انهارت في جبهة الجفينة، بعد إحكام السيطرة على سد مأرب التاريخي». وقالت المصادر إن القوات المشتركة، بدأت في عملية تمشيط لمناطق جبهة الجفينة والسد، عبر عمليات برية وجوية واسعة النطاق، وذلك بحثًا عن جيوب الميليشيات في منطقة الأشراف في المنين والفاو، «التي ما زالت تشهد بعض المناوشات وعمليات قنص من قبل بعض القناصة المختبئين في المزارع والأشجار، في المنطقة الوسطى لجبهة الجفينة»، وذلك بعد تطهير منطقة السد والبلق الأوسط في الجفينة بالكامل.
كذلك، وجه قيادي بارز في المقاومة الشعبية تحذيرًا «شديد اللهجة» إلى «قبائل الأشراف والمزارعين في جبهة الفاو والمنين»، وقال القيادي الذي رفض الكشف عن هويته لـ«الشرق الأوسط»، إن «القوات والطيران سيتعاملان بعنف مع أي مزارع أو مساكن يوجد فيها المتمردون أو تصدر منها النيران المعادية، مهما كانت الأعذار». وأضاف: «تحملنا كثيرًا ولكن هناك من لم يلتزم الحذر وعليه أن يتحمل مسؤولية ما سيحدث». وأشار القيادي في المقاومة إلى أن «التحالف بدأ، في مأرب، بالتركيز على محيط مدينة مأرب، وذلك لتأمين عاصمة المحافظة أولاً، وقطع الإمدادات التي كانت تغذي جبهة الجفينة والتي تشكل الجبهة الأقرب إلى المجمعات الحكومية»، وإلى أن مدينة مأرب أصبحت «محررة ومطهرة بنسبة 95 في المائة، باستثناء القناصة المنتشرين في المزارع».
وفي ضوء تأكيدات القادة العسكريين اليمنيين وفي قوات التحالف، فإن مأرب تمثل المدخل الرئيسي للعملية العسكرية المنتظرة لتحرير العاصمة صنعاء من قبضة الميليشيات الحوثية، حيث تواصل قوات التحالف قصف الطرق والجسور التي تربط صنعاء بالمحافظات المجاورة، دون أن يطال القصف الطريق الرابط بين صنعاء ومأرب.
على صعيد آخر، استهدفت طائرات التحالف، أمس، مبنى دار الرئاسة ومعسكر جبل النهدين، التابع لقوات الحرس الجمهوري السابقة والموالية للمخلوع صالح، بنحو 13 غارة جوية، وتركز غارات التحالف منذ أشهر على مناطق في جنوب صنعاء، حيث تشير المعلومات إلى الجبال المحيطة بصنعاء، وتحديدًا في جنوبها، تضم مخازن أسلحة سرية غير مقيدة في سجلات وزارة الدفاع وتتبع المخلوع مباشرة، وأن تلك المخازن تحتوي على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر وإلى أن ضمن تلك الأسلحة صواريخ بالستية.
وبحسب مصادر محلية، فقد كثفت طائرات التحالف، أيضًا، قصفها العنيف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، على مناطق كثيرة في محافظة صعدة، المعقل الرئيسي لجماعة الحوثي، إضافة إلى غارات مكثفة استهدفت مديرية حرض في محافظة حجة الحدودية مع السعودية، وتعد حرض منفذًا حدوديًا يربط شمال اليمن وجنوب المملكة عبر منفذ الطوال، وقد تحولت هذه المدينة إلى مدينة أشباح، حيث غادرها سكانها الذين يتجاوز عددهم المائة ألف نسمة إلى المناطق والقرى المجاورة، بعد دخول الميليشيات إليها واحتلالها، حيث باتت الميليشيات هي الوحيدة الموجودة في تلك المدينة، التي تستخدم لإطلاق النار على الأراضي السعودية، وأكدت المصادر المحلية لـ«الشرق الأوسط» أن العشرات من عناصر الميليشيات الحوثية قتلوا في الغارات التي استهدفت مواقع تمركزهم في تلك المحافظات.
في السياق ذاته، قالت مصادر في مديرية أرحب بشمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، إن «طائرات التحالف دمرت واحدًا من أهم المراكز الحوثية التي استخدمت لتنفيذ الانقلاب ولتجنيد المقاتلين»، وأشارت المصادر إلى أن «مركز أبو نشطان التعليمي قصف ودمر كاملاً في غارات لقوات التحالف». وبحسب مصدر محلي، أنشئ مركز أبو نشطان ما بين عامي 2005 و2007 في قرية بوسان مديرية أرحب، وبدأ يمارس نشاطه في بداية عام 2008 وكان يروج له في البداية على أنه مركز ديني لا علاقة له بالسياسة ولا صلة له بالحوثيين.
وقال مصدر قبلي في أرحب لـ«الشرق الأوسط» إن «المركز استمر في ممارسة نشاطه في تدريس المذهب الإثنى عشري وبدعم من عبد الملك الحوثي وبإشراف مباشر من القيادي محمد مفتاح». وأضاف المصدر أنه و«بعد أن عرفت قبيلة أرحب الخطر الذي يمارسه المركز وتوافد طلابه من كثير من المحافظات، أصدرت القبيلة بيانا مطلع عام 2014، طالبت فيه الرئيس هادي بسرعة إغلاق المركز الذي وصفه بيان القبيلة بأن يمثل خطرًا على القبيلة وعلى اليمن كونه يعلم المذهب الإثنى عشري الرافضي الطائفي»، بحسب المصدر.



من لبنان إلى الصومال... تصاعد بؤر التوتر ونقص التمويل يستنزفان بعثات السلام

أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
TT

من لبنان إلى الصومال... تصاعد بؤر التوتر ونقص التمويل يستنزفان بعثات السلام

أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)
أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)

تواجه بعثات حفظ السلام في مناطق عدة بأفريقيا والشرق الأوسط ضغوطاً متزايدة مع تصاعد بؤر التوتر وسط أزمات تمويل متفاقمة تهدد قدرتها على أداء مهامها الأمنية والإنسانية في مناطق النزاع. وحذّر تقرير لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام من أن التوترات الجيوسياسية ونقص التمويل يعرضان بعثات حفظ السلام في العالم للخطر، خاصة تلك التي تعمل تحت رعاية الأمم المتحدة.

وأفاد المعهد، في تقرير حديث، بأن أقل من 79 ألف عنصر تم نشرهم ضمن مهمات حفظ السلام الدولية بنهاية عام 2025، في أدنى مستوى منذ 25 عاماً على الأقل.

ويرى خبير عسكري، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن التقرير يدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل بعثات حفظ السلام وقدرتها على الاستجابة السريعة للأزمات وتنفيذ برامج الاستقرار وإعادة بناء الثقة بمناطق وجودها، فضلاً عن إضعاف جهود مكافحة الإرهاب، مؤكداً ضرورة توافر إرادة سياسية ودعم دولي كاف لمواجهة هذه التحديات المتصاعدة.

ووفق التقرير، بلغ إجمالي مهمات حفظ السلام 58 مهمة في عام 2025، في تراجع للمرة الأولى عن عتبة الـ 60 مهمة منذ عام 2016، وتسجل ثلاثة أرباع القوات في خمس دول هي جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولبنان.

وبحسب الباحثة في المعهد، كلوديا بفايفر كروز فإنه «لضمان استدامة إدارة النزاعات المتعددة الأطراف، تحتاج الدول إلى تجاوز مجرد إبداء الدعم، إذ يتعين عليها توفير تمويل مستدام وخلق مساحة سياسية كافية لتمكين استجابات فعالة ومتعددة الأطراف».

وتُضعف أزمة التمويل المهمات التي تقودها الأمم المتحدة، حيث لم يفِ أكبر المانحين بالتزاماتهم كلياً أو جزئياً، ونتيجة لذلك، هناك عجز بملياري دولار من أصل 5.6 مليار مرصودة لميزانية 2024-2025، وفقاً للتقرير.

وبخلاف التمويل هناك عقبات سياسية، حيث أشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة، على سبيل المثال، طالبت بإنهاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، على الرغم من انتهاكات وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، وكحل وسط، صوّت مجلس الأمن على تجديد مهمة «اليونيفيل» لمرة أخيرة حتى ديسمبر (كانون الأول) 2026.

ناقوس خطر

جندي حفظ سلام نيبالي من بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)

ويرى الخبير الاستراتيجي والعسكري اللواء سمير فرج، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، ذلك التقرير الدولي ناقوس خطر، لافتاً إلى أن بؤر التوتر المتعددة أثرت بشكل كبير على فاعلية بعثات حفظ السلام عبر زيادة المخاطر الأمنية واتساع نطاق المهام المطلوبة ما أدى إلى استنزاف الموارد البشرية واللوجستية وإضعاف القدرة على حماية المدنيين واحتواء النزاعات، مضيفاً أن تراجع التمويل يشكل تحدياً كبيراً، ويمس أوضاع الأمن والاستقرار بالبلد محل وجود القوات، كما هو الحال في الصومال، حيث تحتاج البعثة فيه لدعم.

تحذيرات

وحذر التقرير الدولي من أزمة أمنية واسعة، وقال جاير فان دير ليين، مدير برنامج عمليات السلام وإدارة النزاعات في معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام: «إذا استمر الوضع على هذا المنوال، فقد نشهد ضعفاً حاداً في إدارة النزاعات متعددة الأطراف والتهميش شبه الكامل لمؤسسات كالأمم المتحدة، نتيجة تضافر عوامل نقص التمويل والعوامل السياسية والجيوسياسية»، مرجحاً أن «ينتج عن ذلك المزيد من النزاعات التي يحتمل أن يكون لها آثار أشد وطأة على المدنيين، مع تخلي الدول عن المعايير الراسخة».

ويؤكد اللواء سمير فرج ضرورة أن تعمل الأمم المتحدة على تعزيز فاعلية بعثات السلام عبر إعادة هيكلة المهام وتطوير آليات التمويل والتنسيق مع القوى الإقليمية، لكن نجاح ذلك يبقى مرتبطاً بتوفر الإرادة السياسية والدعم الدولي الكافي لمواجهة التحديات المتزايدة خاصة في مكافحة الإرهاب.


تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
TT

تكدس المعابر وارتفاع التكاليف يعيقان عودة السودانيين من مصر خلال العيد

سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)
سودانيون ينتظرون العودة لبلدهم قبل عيد الأضحى (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

تجدَّدت أزمة تكدُّس السودانيين العائدين من مصر أمام معبر «أرقين» الحدودي قبل إجازة عيد الأضحى، وتعدَّدت الشكاوى من قلة حافلات النقل ومضاعفة أسعارها، وهو ما قاد لبقاء المسافرين لساعات طويلة يفترشون الطرق، ودفع بعض العائدين للانتظار في مصر لحين انتهاء الأزمة التي بدأت في الانحسار عشية العيد.

ونشر ناشطون سودانيون مقاطع وشهادات تُوثِّق أوضاعاً إنسانيةً صعبةً عند معبر أرقين الحدودي، في ظلِّ أجواء الطقس الحار، ووجود حالات مرضية لا تستطيع البقاء في العراء، مشيرين إلى أنَّ الأسر تضطر للانتظار لحين توفير حافلات بأسعار مناسبة لهم، تُمكِّنهم من العودة إلى المناطق التي نزحوا منها؛ بسبب الحرب التي دخلت عامها الرابع.

في حين أكد مبارك داود مدير معبر أرقين الحدودي، في تصريحات إعلامية، الاثنين، بدء انفراج أزمة العالقين في المعبر، عقب توفير عدد من الحافلات السفرية لنقل العائدين إلى ولاياتهم المختلفة، مشيراً إلى أنَّ حركة الرحلات كانت تسير بصورة طبيعية حتى نهار السبت الماضي، قبل أن يشهد المعبر تكدُّساً متسارعاً وصل إلى نحو 5 آلاف عالق. وأرجع أسباب الأزمة إلى عزوف أصحاب الحافلات عن العمل في خط أرقين؛ نتيجة تفاوت أسعار التذاكر بين الخطوط عقب الزيادة، التي أقرَّتها غرفة النقل بمناسبة عيد الأضحى، ما دفع السائقين إلى تفضيل الخطوط الأعلى سعراً.

وقالت عضوة الهيئة القومية للدفاع عن الحقوق والحريات وعضوة هيئة محامي الطوارئ في السودان، إقبال أحمد، إنَّ نقص الحافلات يعدُّ السبب الرئيسي في تكدُّس العائدين، مع سياسة «التفويج»، التي تعتمد عليها الحكومة السودانية للتعامل مع زيادة أعداد المتنقلين بين الولايات المختلفة في أيام العيد، وهي تقوم على تجميع الحافلات، والانطلاق معاً في توقيت واحد في محاولة لتفادي حوادث طرق النقل السريعة.

وأضافت في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ عودة السودانيين، التي أخذت في الزيادة خلال الأشهر الماضية خلقت سوقاً داخليةً للنقل بين الخرطوم والولايات المختلفة، وهو ما حوَّل وجهة السائقين من المعابر إلى الولايات، مع كثرة نقاط التفتيش في الطرق المؤدية من وإلى المعابر الحدودية، مشيرة إلى أنَّ حملات تدقيق الإقامات التي تُنظِّمها الحكومة المصرية أسهمت في تكدُّس أعداد كبيرة على المعابر قبل عيد الأضحى، لكن التكدُّس يعيق عودة البعض.

وأكدت أنَّ ما يفاقم الأزمة هو أنَّ الأهالي العائدين لديهم ميزانيات محدودة للغاية، وبالكاد نجحوا في توفير ثمن تذاكر عودتهم، بينما شهد معبر أرقين خلال الأيام الماضية استغلال السائقين الكثافة العائدة ونقص الحافلات، في مضاعفة أسعار العودة إلى الولايات السودانية المختلفة، مشيرة إلى أن «العودة الطوعية» المجانية، التي تُنظِّمها الحكومة السودانية شهدت إقبالاً مضاعفاً عليها خلال الأسبوع الأخير.

نقص الحافلات يثير أزمة في معبر أرقين (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

ويعدُّ معبر أرقين أحد أهم المعابر التي تربط بين مصر والسودان، ويقع المعبر على الضفة الغربية لنهر النيل عند بحيرة النوبة، ويبعد نحو 326 كيلومتراً جنوب مدينة أسوان المصرية، و850 كيلومتراً شمال العاصمة السودانية الخرطوم.

ويوم الأحد أعلنت لجنة الأمل التي تشرف على رحلات «العودة الطوعية» انطلاق آخر فوج من السودانيين العائدين إلى بلادهم قبل عطلة عيد الأضحى، في إطار برنامج الرحلات المجانية، التي تنظمها اللجنة منذ أشهر لتسهيل عودة الأسر الراغبة في الاستقرار داخل السودان، مشيرة إلى أنَّ الرحلات شهدت إقبالاً متزايداً من السودانيين المقيمين في مصر، وسط ظروف إنسانية واقتصادية دفعت الكثيرين إلى العودة.

اللجنة أوضحت، في بيان رسمي، أنَّ الرحلات ستتوقف مؤقتاً خلال عطلة العيد، على أن تُستأنف مباشرة بعد انتهائها، وفق الجداول المُعدَّة مسبقاً لاستيعاب جميع المسجَّلين. وأكدت أنَّ عمليات الشحن والنقل ستعود بصورة طبيعية، مشيرة إلى أنَّ التوقُّف مؤقت ومرتبط فقط بظروف العطلة.

المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقي، المقيم في القاهرة، أشار إلى أنَّ التكدُّس الحالي في معبر أرقين يأتي بعد أسبوع من انتهاء امتحانات شهادات النقل، مع قرار كثير من الأسر العودة إلى السودان عقب استقرار الأوضاع بشكل كبير.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن كثيراً من الأسر، التي كانت تقيم في محافظات مصرية مختلفة تعرَّضت لما يشبه «النصب» من سائقي حافلات العودة، وأن «مكاتب حجز العودة تتضمَّن نقلهم من أماكن إقامتهم في العاصمة القاهرة وحتى ولايات سودانية متفق عليها، لكن ما يحدث هو أنَّ بعض السائقين أخلّوا باتفاقهم وتركوهم أمام معبر أرقين».

ويرى الباقي أنَّ الأزمة تتمثَّل أيضاً في عدم وجود تَصوُّر حكومي لأعداد العائدين، بما يسهم في توفير الخدمات واللوجستيات اللازمة، وبما يضمن عدم وجود تكدُّس، موضحاً أنَّ شهادات الأسر العالقة تشير إلى إرسال حافلات مدعومة من مجلس السيادة الانتقالي لتخفيف الأزمة.

زيادة في وتيرة العائدين من مصر إلى السودان (صفحة الجالية السودانية في مصر على «فيسبوك»)

وكانت «الغرفة القومية للبصات السفرية» في السودان، أعلنت الخميس الماضي، تطبيق زيادة مؤقتة بنسبة 30 في المائة على أسعار تذاكر السفر بين الولايات.

وكان معبر أرقين قد شهد أزمة مماثلة في شهر أبريل (نيسان) الماضي، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

رئيس جمعية «الصداقة المصرية - السودانية» محمد حبارة، أكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ أعداد العائدين من مصر تزداد مع استقرار الأوضاع في عدد من الولايات السودانية، لكن ما يعيق انسيابية العودة يتمثَّل في ارتفاع تذاكر الحافلات، ووجود تكدُّس أمام المعابر، خصوصاً معبر أرقين، وهو ما دفع البعض لإرجاء عودته لحين استقرار أسعار رحلات العودة، أو الانتظار شهرين أو أكثر من أجل «العودة الطوعية» المجانية.


نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

فتحت الجماعة الحوثية جبهة توتر جديدة مع قبيلة خولان، إحدى أكبر القبائل المحيطة بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، في وقت تزداد فيه مؤشرات الاحتقان الشعبي، واتساع رقعة الفقر والتذمر في مناطق سيطرتها، على خلفية محاولات انتزاع قطعة أرض استراتيجية تمهيداً لبيعها لصالح أحد التجار المقربين من الجماعة.

ويأتي هذا التطوُّر بالتزامن مع استمرار التوتر بين الحوثيين وقبيلة دهم في محافظة الجوف، إثر اعتقال أحد وجهاء القبيلة، في مؤشر على تصاعد الاحتكاك بين الجماعة والقبائل النافذة، مع اتساع دائرة الاعتراضات على سياسات الجماعة الاقتصادية والأمنية.

وقالت مصادر قبلية إن علي حسين الحوثي، نجل مؤسِّس الجماعة، الذي يدير وزارة الداخلية في الحكومة غير المعترف بها، ويشرف كذلك على جهاز استخبارات الشرطة، طلب من وجهاء قبيلة خولان الموافقة على انتزاع أرض تتبع الجمعية التعاونية الخاصة بالقبيلة، غير أنَّ طلبه قوبل برفض واسع.

وجهاء قبيلة خولان رفضوا الانصياع للتوجيهات الحوثية (إعلام محلي)

وأضافت المصادر أنَّ الأرض المستهدَفة تقع في موقع تجاري حيوي بصنعاء، وتطلُّ على 3 شوارع رئيسية، وكانت الجماعة قد حاولت في وقت سابق بيعها لأحد التجار المنحدرين من محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين، لكنها فشلت في تمكينه منها، قبل أن تعاود ممارسة الضغوط عبر علي الحوثي، الذي توسَّعت صلاحياته أخيراً بدعم مباشر من عمه زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

وبحسب المصادر، حاول علي الحوثي الظهور بصفة وسيط لإقناع وجهاء خولان بإتمام الصفقة، إلا أنَّ غالبية الوجهاء رفضوا المقترح، مؤكدين أنَّ الأرض تُعدُّ ملكيةً عامةً تعود لمساهمي الجمعية التعاونية، ولا يحقُّ لأي جهة التصرُّف بها أو بيعها.

رفض للتعسف

مع تصاعد الضغوط الحوثية، عقدت قبائل خولان الطيال، التابعة لمحافظة صنعاء، اجتماعاً تشاورياً، اتهمت خلاله قيادات الجماعة بمحاولة الاستيلاء على الأرض عبر إجراءات، قالت إنَّها تفتقر إلى أي مشروعية قانونية أو عرفية.

وأكد المجتمعون أنَّ وثائق الملكية تثبت شراء الأرض قبل أكثر من 50 عاماً من مساهمات أبناء القبيلة، لتكون مشروعاً تنموياً عاماً يخدم المنطقة وأهاليها، وليس ملكية خاصة قابلة للتصرُّف.

وجدَّدت القبائل رفضها المطلق لأي إجراءات تتعلق ببيع الأرض أو نقل ملكيتها، وعدَّت أنَّ أي خطوات بهذا الاتجاه تعدُّ باطلة شرعاً وقانوناً وعرفاً، لصدورها عن جهات لا تمتلك صفةً قانونيةً أو تفويضاً يخولها التصرف بالأرض.

كما أقرَّ الاجتماع تشكيل لجنة قانونية لمتابعة القضية والتواصل مع الجهات المختصة، واتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية والعرفية اللازمة لحماية الأرض، ومنع أي استحداثات تمس وضعها القانوني.

الخلافات تتصاعد بين قبيلة دهم والحوثيين (إعلام محلي)

ودعت قبائل خولان مشايخها وعقالها وأعيانها إلى التكاتف للحفاظ على وحدة القبيلة وحقوق الأجيال المقبلة، وعدم السماح باستغلال الأرض لخدمة مصالح خاصة، في وقت تزداد فيه المخاوف من تفاقم التوتر بين القبائل والجماعة الحوثية.

ويرى مراقبون أنَّ توسُّع نفوذ علي الحوثي داخل أجهزة الأمن والاستخبارات يعكس توجهاً داخل الجماعة لإحكام السيطرة على الموارد والعقارات الحيوية، خصوصاً في العاصمة صنعاء، وسط أزمة اقتصادية خانقة وتراجع غير مسبوق في مستويات المعيشة.

انتقادات من الداخل

في السياق ذاته، شنَّ الأكاديمي إبراهيم الكبسي، المنتمي إلى السلالة الحوثية، هجوماً لاذعاً على إدارة الجماعة، عادّاً أنها تفتقر إلى أبسط مقومات الدولة، بعدما حوَّلت المواطنين إلى مموِّلين لحروبها، بدلاً من أن تكون راعيةً لهم وحاميةً لحقوقهم.

وقال الكبسي: «إن الشعارات لا تبني دولاً، والحروب لا تُطعم شعوباً، والسلطة حقوق تُؤدَّى قبل أن تكون واجبات تُؤخَذ، والحكم سياسة رصينة لا مغامرات عقيمة، والمسؤولية عقل يبني لا سيف يفني».

القمع الحوثي اشتد مع اتساع صلاحيات نجل مؤسس الجماعة (إعلام محلي)

وأضاف أن سلطة الحوثيين «تطلب من شعبها أن يدفع ثمن حروبها من لقمة عيشه»، ثم تشتكي من شح الموارد وضيق الإمكانات.

ورأى الأكاديمي، الذي سبق أن تعرَّض للاعتقال والاعتداء من قبل الجماعة، أنَّ طريقة إدارة الحوثيين للمناطق الخاضعة لسيطرتهم تكشف عجزهم عن إدارة الدولة بمسؤولية، مؤكداً أن «الدولة الحقيقية هي التي تفتدي شعبها بالسلام، لا التي تضحي به في حروب وصراعات لا تنتهي».