مهرجانا «البحر الأحمر» و«مراكش» يتألّقان

بعضها اختفى والبعض الآخر اختلف

جسيكا شستين تقود لجنة تحكيم مراكش (نتفليكس)
جسيكا شستين تقود لجنة تحكيم مراكش (نتفليكس)
TT

مهرجانا «البحر الأحمر» و«مراكش» يتألّقان

جسيكا شستين تقود لجنة تحكيم مراكش (نتفليكس)
جسيكا شستين تقود لجنة تحكيم مراكش (نتفليكس)

بعد إعلان كل من مهرجاني «القاهرة» و«الجونة» توقفهما عن تحضير وإقامة دورة جديدة لكل منهما للعام الحالي، وبعد أن انحسرت «أيام مهرجان قرطاج السينمائي» إلى تظاهرة محلية (حسب ما تردد) لم يبقَ في الميدان العربي من المهرجانات الكبيرة سوى مهرجان «البحر الأحمر»، ويقام ما بين الـ30 من نوفمبر (تشرين الثاني) والـ9 من ديسمبر (كانون الأول)، ومهرجان «مراكش»، الذي ينطلق قبل أيام قليلة من انطلاقة المهرجان السعودي، إذ يبدأ نشاطاته في 24 من الشهر الحالي، وينتهي في الثاني من الشهر التالي.

أفلام السعودية

المهرجان السعودي هو الأكبر عربياً ومن بين الأكبر دولياً أيضاً، وهو أعلن عن أفلام المسابقة والبرامج الموازية قبل يومين، وهذه تشمل رقماً مبهجاً للسينما في السعودية: فمجموع ما ستعرضه شاشات المهرجان من أفلام سعودية يبلغ العام الحالي 36 فيلماً بين طويل وقصير. هذا رقم كبير لسينما تُعدّ ناشئة منذ سنوات قليلة.

في المسابقة فيلمان سعوديان من إنتاج محلي كامل هما: «نورا» لتوفيق الزايدي، الذي سبق له أن قدّم عدداً لافتاً من الأفلام القصيرة الجيدة عرضها خلال دورات مهرجان أفلام الخليج في دبي. و«مندوب» لعلي الكلثمي، دراما مجتمعية عن محاولة شاب إنقاذ وضع والده المتعثر.

لقطة من «مندوب الليل» (مهرجان تورنتو)

كذلك هناك أفلام شاركت السعودية في إنتاجها مثل «هجان» للمصري أبو بكر شوقي، الذي كان عُرض في مهرجان «كان» الماضي، و«إن شاء الله ولد» لأمجد الراشد (إنتاج مشترك بين السعودية ومصر والأردن وقطر)، و«ما وراء الجبال» للتونسي محمد عطية (إنتاج تونسي - سعودي مع بلجيكا وقطر وإيطاليا).

لكن الزخم الأكبر من الإنتاجات السعودية تقع في تظاهرة «أفلام سعودية جديدة» ومنها «مندوب الليل» لعلي الكلثمي الذي شهد عرضه العالمي الأول في مهرجان «تورنتو الدولي»، و«لابني» لظافر العابدين و«يلا، يللا» لمحمد حمّاد، و«أربعة بنات» لكوثر بن هنية، و«حلم حمى» لفارس غودوس.

كما يتبدّى من بعض هذه الأسماء، تشمل الإنتاجات السعودية تمويل أفلام عربية من إخراج عرب غير سعوديين، من أمثال أمجد الراشد وكوثر بن هنية وأبو بكر شوقي، وأجنبية التي كان من أبرزها العام الحالي، الفيلم الذي افتتح مهرجان «كان» السينمائي وهو «جين دو باري»، الذي حققته ولعبت بطولته مايوَن، والذي سيعرض في قسم العروض الخاصة العام الحالي شأنه شأن 14 فيلماً آخر في هذه التظاهرة. أما عدد الأفلام المتسابقة فيبلغ 17 فيلماً وهذه تشمل، لجانب «إن شاء الله ولد» لأمجد الراشد و«ما وراء الجبال» لمحمد بن عطية و«نورا» لتوفيق زايد، أفلاماً من العراق والمغرب وبريطانيا (فيلم بريطاني - فلسطيني عنوانه «الأستاذ» لفرح نابلسي)، والإمارات العربية المتحدة والجزائر والهند.

المخرج السعودي توفيق الزايدي (أفلام العلا)

شخصيات مراكش

لم يعلن مهرجان «مراكش» بعد عن قائمة أفلامه. يقول مسؤول، ستعلن قريباً، خلال أيام. لكن ما أُعلن عنه هو الاحتفاء بعشر شخصيات عالمية ستصل إلى المهرجان المغربي للاشتراك به، يتقدّمها المخرج مارتن سكورسيزي (ليست الزيارة الأولى للمغرب)، والمخرجة اليابانية نعومي كاواسي، والمخرج والممثل فيغو مورتنسن، والمخرج الروسي أندري زفياغنسيف، والممثل الدنماركي ماس ميكلسن.

ميكلسن هو أحد اثنين سيمنحهما المهرجان تكريماً خاصّاً. الثاني الممثل والمخرج المغربي فوزي بن سعيدي.

سيكون من بين الحاضرين المحتفى باشتراكهم أيضاً، الممثل الأميركي ويليام دافو، والمخرج الهندي أنوراغ كاشياب، والممثلة البريطانية تيلدا سوينتن.

في هذا النطاق قد يتجاوز مهرجان «مراكش» ما سيوفره المهرجان السعودي من أسماء كبيرة في عالم السينما، لكن مهرجان «البحر الأحمر» يعمل على شبكة شاملة من جوانب الصناعة بما فيها التسويق وصناديق الدعم وتشجيع الصناعة السعودية الفعلية.

جدير بالملاحظة أن رئاسة لجنة التحكيم تختلف، بطبيعة الحال، بين المهرجانين: اختار مهرجان «البحر الأحمر» المخرج الأسترالي باز لورمن الذي من بين أفلامه «روميو وجولييت» و«مولان روج» (افتتح مهرجان كان في أحد السنوات) و«ألفيس».

في المقابل اختار مهرجان مراكش الممثلة الأميركية جيسيكا شاستاين لرئاسة لجنة تحكيم دورته العشرين.

إضافة مطلوبة

كل ما سبق يضع ثقلاً على المهرجانات العربية الأخرى. نجاحات مهرجان «البحر الأحمر» والعودة القوية لمهرجان «مراكش» أضافا حضوراً نوعياً على كل ما هو سينما عربية: الصناعة والتسويق والإنتاج والاحتفاءات بالسينمات المحلية والعربية والدولية. هذا على الرغم من أن «الجونة» ونجاحاته السابقة، و«القاهرة» وتاريخه الكلاسيكي، ومهرجان قرطاج ومكانته المهمة للسينما العربية والأفريقية، حققت بدورها الكثير من النجاحات ومعالم الحضور الأساسية.

في الواقع، كل واحد من هذه المهرجانات الرئيسية هو إضافة مطلوبة للواقع السينمائي العربي. لكن في حين أن مهرجان «الجونة» يتمتع بميزانية قادرة على التنفيذ، فإن ميزانية المهرجان المصري الأول، «القاهرة» كثيراً ما حدّت من قدرته على التخطيط الإداري والتنظيمي الأفضل.

الملاحظ أيضاً أن أياً من المهرجانات الثلاثة قد يكون عرضة للغياب في أي عام. على سبيل المثال، كان «الجونة» ألغى دورة العام الماضي حتى يتسنّى له إعادة تنظيم الإدارة والاستعداد لدورة العام الحالي بداية جديدة. وستكمن المشكلة في غيابه مرّة أخرى، في العام المقبل عندما يقرر المهرجان استعادة مكانته السابقة بعد سنتين من الغياب. هذا حدث مع مهرجان «مراكش» الذي توقف، أيضاً لأسباب إدارية، لعامين ومن ثَمّ عاد في عام 2021 تحت طموح البداية من جديد.

مهرجانات عربية صغيرة

إقامة مهرجان ناجح ومستمر هو أصعب من تخطيط وإنتاج أفلام السينما. المعيقات عديدة في مقدّمتها الميزانية التي قد تخلق وضعاً غير مريح لمهرجان ينوي تثبيت قدميه أو إدارة قد لا تكون على المستوى المأمول من المعرفة والقدرات الذاتية. أيضاً يدخل في صميم كل ذلك مستوى الأفلام التي سيستطيع المهرجان جلبها، التي عادة ما تتكون من عروض ثانية وثالثة بسبب الميزانية المحدودة ومحدودية المهرجانات الصغيرة لناحية قدرتها جذب الأسماء الكبيرة. العواصم والمدن التالية تقيم مهرجانات بعضها يرتقي وبعضها الآخر يبقى في مكانه. للأسف هناك أيضاً مهرجانات تنحدر. 1- مهرجان عمّان السينمائي الدّولي: في العاصمة الأردنية يثبت جدارته عاماً بعد عام. 2- طرابلس (لبنان): المهرجان هذا هو سعي خاص وكبير يقوم بجهد فرد واحد (إلياس خلاط). أنجز العام الحالي خطاً صوب سنته السادسة باحتفاء كبير. 3- مهرجان الإسكندرية لسينما البحر المتوسط: يحتاج إلى «نفضة» فعلية لأنه يستطيع أن يصبح منارة لهذا الجزء من العالم. 4- الرباط (المغرب): انضم مهرجان الرباط للسينما الكوميدية إلى مجموعة المهرجانات العربية قبل 4 سنوات. وهو حثيث الخطى رغم صعوبة إيجاد أفلام كوميدية متميّزة. 5- الدار البيضاء: المهرجان الدّولي للسينما المستقلة. واحد من أقدم المهرجانات المغربية ويعنى بالأفلام التي لا يمكن مشاهدة معظمها إلا هناك.


مقالات ذات صلة

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

يوميات الشرق تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي».

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز