بعد سحبهما من مزاد «كريستيز»... زاد الطلب على لوحتي أيمن بعلبكي 10 أضعاف

بركات: «الملثم» و«المجهول» عملان قديمان لا علاقة لهما بما يحدث في غزة

الفنان اللبناني أيمن بعلبكي (رويترز)
الفنان اللبناني أيمن بعلبكي (رويترز)
TT

بعد سحبهما من مزاد «كريستيز»... زاد الطلب على لوحتي أيمن بعلبكي 10 أضعاف

الفنان اللبناني أيمن بعلبكي (رويترز)
الفنان اللبناني أيمن بعلبكي (رويترز)

لوحتان للفنان التشكيلي اللبناني أيمن بعلبكي تم سحبهما من مزاد تنظمه «دار كريستيز» اليوم الخميس 9 نوفمبر (تشرين الثاني) في لندن، فيما تم الإبقاء على لوحة ثالثة للفنان نفسه.

هذا المزاد المخصص لفن الشرق الأوسط الحديث والمعاصر، الذي يقام كل ستة أشهر، يقول القيمون عليه إنهم تلقوا شكاوى بخصوص لوحتي بعلبكي، وإن هذه الشكاوى قد تؤثر على أعمال الشركة، وعلاقتها بعملائها، ففضلوا سحبها.

«الملثم» التي سحبت من مزاد كريستيز (كريسنيز)

واللوحتان اللتان تم إقصاؤهما، هما جزء من مجموعات قديمة للفنان، عرضت لسنوات طوال دون أن تثير أي حساسية. اللوحة الأولى من الحجم الكبير، ويظهر فيها «الملثم»، وهو وجه رجل يلبس الكوفية المعروفة والمستخدمة في المنطقة العربية باللونين الأحمر والأبيض، ويلفها على وجهه. وكان سعر هذه اللوحة يتراوح بين 100 و150 ألف دولار. أما اللوحة الثانية المستبعدة، التي أثارت مشاعر المشتكين فتحمل اسم «المجهول»، وهي صورة لوجه رجل يرتدي قناعاً واقياً من الغاز، غالباً ما يلبسه المتظاهرون في كل العالم، وحتى في أوروبا، ليقوا أنفسهم، من الغاز الذي تستخدمه شرطة مكافحة الشغب، وعلى رأس الرجل في اللوحة لفت عصبة باللون الأحمر مكتوب عليها باللغة العربية «ثائرون»، وهي من الحجم الصغير وكان يقدر سعرها بين 15 ألفاً و22 ألف دولار.

مجهول أيمن بعلبكي (بركات غاليري)

وسلسلة «الملثم» تعود إلى عام 2012 وهي لافتة بجماليتها، وجابت دولاً عديدة، وتوقف بعلبكي عن رسمها، وانتقل إلى أفكار أخرى، مما رفع سعرها، وكذلك الطلب عليها. ويقول صاحب غاليري «أجيال» صالح بركات لـ«الشرق الأوسط» إن «ما قامت به (كريستيز) خدم بعلبكي ولم يضرّه في شيء. فهذه اللوحات بيعت منذ زمن طويل، وهي ملكيات خاصة. ومن لحظة أعلنت (كريستيز) عن سحبها للوحتين زاد الطلب عليهما بشكل كبير، وأتلقى اتصالات طوال اليوم من راغبين في الشراء من هذه المجموعات». أما من هم الراغبون في الشراء؟ فيقول بركات: «في الأيام المقبلة سنجد نوعين من الشراة. إما منزعجون مما فعلته (كريستيز) من العرب ومتعاطفون مع فلسطين، ويجدون رغبة في الاستحواذ على لوحة لاقت هذه المعاملة، وإما يهود مناهضون لسياسة حكومة إسرائيل، وهؤلاء يتكاثرون، كما نلاحظ». ويخبرنا صالح بركات أن ضغطاً كبيراً يمارس في أوروبا على شركات وغاليريات ومتاحف، بمجرد أن تظهر تعاطفاً مع فلسطينيين أو حتى دون أن تفعل ذلك، لأن ثمة تفسيرات جديدة، لأعمال قديمة، صار ينظر إليها بطريقة مختلفة. فلوحات بعلبكي رسمت من وحي البيئة اللبنانية والعربية في العقد المنصرم، والكوفية يلبسها العرب من المغرب إلى الخليج العربي، وليست رمزاً دينياً ولا عنفياً ولا حربياً. أما اللوحة التي يغطي صاحبها وجهه بقناعٍ واقٍ للغاز، فهي من مجموعة عام 2015 وعرضت وقتها، من وحي مظاهرات الربيع العربي ولا علاقة لها بفلسطين وما يحدث اليوم. ومع ذلك يرى بركات أن الاهتمام الذي لاقته هذه اللوحات سابقاً «كان بحد ذاته فلتة، من الفلتات القليلة».

وتتنوع أنواع الضغوطات التي يتعرض لها فنانون تشكيليون متعاطفون مع فلسطين «ومن بينها هو تهديدهم بخفض أسعار لوحاتهم، أو وقف الشراء منهم، مع أن الفن التشكيلي هو أكثر أنواع التعبير سلمية».

ويعتقد صالح بركات صاحب أحد أهم غاليريات الفن في لبنان، الذي رعا باكراً أعمال بعلبكي وآمن به وواكبه، «أن كريستيز وسوذبيز وغيرهما، هي شركات تجارية تبحث عن مصلحتها المالية وتراعي من يستطيع أن يدفع أكثر وهذا يفهم، لكن في الوقت نفسه هو سلوك يستثير لدى الآخر نوعاً من الاستفزاز، لذلك جاءت ردات الفعل عكسية ولصالحنا. فقد زاد الطلب على لوحات أيمن بعلبكي عشرة أضعاف، منذ تم سحب اللوحتين وأعلن الخبر. وأنا لا أدافع عن أيمن لأنني واكبت أعماله، بل إنني واكبت هذه الأعمال منذ البدء، لأنني وجدتها متميزة، وأرى أنه فنان عبقري، ويستحق النجاح».

أما اللوحة الثالثة لبعلبكي التي احتفظ بها المزاد، وستعرض للبيع اليوم، «فهي تجريدية، وعبارة عن أعلام محروقة، لا يرى بوضوح ما هي هذه الأعلام، ولا لأي دولة. ربما لهذا تركوها».

لوحة ثالثة لبعلبكي في مزاد كريستيز (كريستيز)

ويعتقد بركات أن العالم بات مقسوماً لنصفين، من يريدون الحرب من ناحية، ويرون أنه لا حلّ إلا بمواصلتها، ومن يعتقدون أن الموت لمائة سنة مقبلة، لن يصل بنا إلى نتيجة وعلينا أن نبحث عن صيغة تعايش، وهؤلاء ربما يتكاثرون حسب ما نرى.

أما الفنان اللبناني أيمن بعلبكي فقد ولد عام 1975 من عائلة فنية، والده وكذلك عمه عملا في الرسم. بدأ دراسة الفن في بيروت عام 1994 حتى 1998، ثم أكمل دراسته في باريس من عام 2001 إلى عام 2003، وأصبح معروفاً بلوحاته كبيرة الحجم، التي صور فيها المقاتلين، بطريقة لافتة ومؤثرة، وكذلك ركّز في بعض أعماله على المباني المدمرة التي تبدو واجهاتها عريقة ومتآكلة بفعل الحرب. وعُرضت أعماله، وعرفت على نطاق واسع في العالم العربي وأوروبا، ولمع اسمه. وشارك في عمل لافت تركيبي، في جناح لبنان في بينالي البندقية قبل عامين.

وهو فنان منغمس في بيئته، ويعمل من وحي محيطه، وتعكس أعماله فترة العنف والاحتراب التي عاشها صغيراً في لبنان، حيث ولد في السنة نفسها، التي اندلعت فيها الحرب الأهلية. والسيارة المحملة بأغراض البيت اللازمة للانتقال والهجرة إلى منزل آخر، هي عمل تركيبي جميل، كان من بين ما بدأ به بعلبكي مساره الفني اللافت.


مقالات ذات صلة

«أرشيف السودان للفن التشكيلي»... محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

يوميات الشرق لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)

«أرشيف السودان للفن التشكيلي»... محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

يمكن في السودان أن تختفي لوحة كاملة دون أن تترك أثراً، لا يرتبط ذلك بقيمتها الفنية، بل بغياب المسار الذي يوصل إليها، فالأعمال موزعة بين بيوت خاصة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات من الحياة اليومية للريف (الشرق الأوسط)

«مربعات النيل»... قراءة تشكيلية معاصرة تنبض بروح التراث المصري

يذهب التشكيلي المصري عاصم عبد الفتاح أبعد من تصوير الواقع، ليُقدّم ما يسميه «هندسة المشاعر»...

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق ماء من «ينبوع الشباب» معروض في معرض «بلوغ سن الرشد» في متحف «ويلكوم كوليكشن» بلندن (جوانا يي - نيويورك تايمز)

«ينبوع الشباب» ... معرض عن الهوس بالعيش إلى الأبد

أكثر من 120 قطعة معروضة في متحف «ويلكوم كوليكشن» توفِّر أمثلةً متنوعةً على رغبة الإنسان ليس فقط في العيش لفترة أطول، بل في الحفاظ على شبابه.

يوميات الشرق عمل «زولية أمي» يستعيد الذاكرة عبر عرض بصري وصوتي على أرضية رملية (صور الفنان)

سعيد قمحاوي في «بقاء مؤقت»: تجربة مفتوحة على تحوّلات المادة

معرض سعيد قمحاوي الفردي يرتكز على مجموعة من الأعمال التركيبية واللوحات التشكيلية التي تتمحور حول الفحم ليس بوصفه وسيطاً...

عبير بامفلح (الرياض)
يوميات الشرق علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

«إلى العمق»... معرض يحتفي بالطقوس والأشكال الطوطمية في مصر القديمة

يحتفي معرض «إلى العمق» للفنان المصري ناثان دوس بالحضارة المصرية القديمة من خلال العديد من الأشكال الطقوسية، والطوطمية التي تعود إلى فترة «الأم الكبرى».

محمد الكفراوي (القاهرة )

القميص النسائي الأبيض مطلوب للمرأة العاملة

مارلين ديتريش والسموكينج الشهير (غوغل)
مارلين ديتريش والسموكينج الشهير (غوغل)
TT

القميص النسائي الأبيض مطلوب للمرأة العاملة

مارلين ديتريش والسموكينج الشهير (غوغل)
مارلين ديتريش والسموكينج الشهير (غوغل)

«إطلالة لا تشوبها شائبة»... بهذه العبارة تصف خبيرة أزياء فرنسية لجوء المرأة العاملة إلى ارتداء القميص الأبيض في المكتب. ولدعم هذا الرأي، تؤكد ناتالي أوليفر، منسقة قسم الموضة النسائية في أحد أرقى متاجر باريس، أن القميص الأبيض «قطعة خالدة». وهو متعدد الاستخدامات، وقطعة أساسية في خزانة أي سيدة عاملة. وفي مقابلة معها نشرتها مجلة «مدام فيغارو»، قالت: «بالنسبة للنساء، يضفي اللون الأبيض إشراقة صحية، ويعطي البشرة مظهراً متألقاً، كما تساعد ياقة القميص على تحديد وضعية الرأس».

يحيلنا هذا الرأي إلى قضية قديمة تتعلق بمظهر النساء العاملات، وهي قد لا تخص أولئك اللواتي تفرض عليهن المهنة زياً وظيفياً، مثل الممرضات والشرطيات ومضيفات الطيران وعاملات المصانع، لكنها تُثار كلما جاء الحديث عن المرأة التي تشغل موقعاً متقدماً. هل صحيح أن الوزيرة أو نائبة البرلمان أو مديرة المصرف تلجأ إلى بدلة متقشفة شبيهة ببدلة الرجل لأنها تفرض الاحترام وتعكس مفردات السلطة؟

قبل سنوات خرجت القضية المسكوت عنها إلى العلن حين تمرد عدد من النائبات الفرنسيات الشابات على قواعد الثياب المفترضة تحت قبة البرلمان. فالشائع هو ارتداء السروال مع السترة. بينما تعرضت من خالفت ذلك للتنمر ونالت تعليقات ساخرة من زملائها النواب لمجرد أنها اختارت أن ترتدي فستاناً ملوناً أو تنورة. وحكاية التنورة باتت من أسباب انتفاضة الشابات في الضواحي وأوساط المهاجرين. فأولياء الأمور، أي الآباء والأشقاء الكبار، يفرضون على البنت ارتداء السروال القاتم بوصفه نوعاً من الحشمة. بينما كل مجلات الموضة والأفلام وعروض الأزياء تقدم ألواناً من الفساتين والتنورات الزاهية. وبلغ الأمر بالنجمة الجزائرية الأصل إيزابيل أدجاني أن قامت ببطولة فيلم بعنوان «يوم التنورة»، تؤدي فيه دور معلمة في مدرسة تقرر تخصيص يوم في السنة تأتي فيه الطالبات وقد خرجن عن المألوف وارتدين التنورة.

والحقيقة أن ارتداء المرأة للزي الرجالي، على سبيل التحدي أو مجرد لفت النظر، ليس جديداً. وكانت الممثلة الألمانية مارلين ديتريش من أوائل من ارتدين البدلة «السموكينغ» على الشاشة. وهناك صورة للممثلة جوليا روبرتس في سنواتها الأولى وهي ترتدي البدلة ورباط العنق. لكن هذا اللباس بات موضة منتشرة في السنتين الأخيرتين، سواء في الحياة العامة أو على منصات عرض الأزياء، وبه ظهرت النجمة الفرنسية كاترين دينوف في واحدة من إطلالاتها الإعلامية.

ومن ينظر إلى الصور التذكارية التي يلتقطها المسؤولون المجتمعون في القمم الصناعية أو السياسية، يلاحظ أولاً قلة عدد النساء بينهم، وثانياً أن المرأة التي تقود حكومة أو منظمة عالمية ترتدي بدلة قاتمة، سوداء أو كحلية، مع قميص أبيض غالباً، بحيث لا يمكن تمييزها إلا من خلال شعرها الطويل. وكانت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل أشهر من سنّت قيافة السترة التي تختلف ألوانها ولا يتغير نمطها، مع السروال طبعاً لا مع التنورة.

مصممو الموضة الرجال، يؤكدون أن قمة الأناقة تتمثل في القميص الأبيض الكلاسيكي الضيق، المدسوس في بنطال أسود أنيق، مع حذاء بكعب عالٍ أو حذاء من دون كعب. وهم يشيرون إلى طرق أخرى عديدة لارتداء هذه القطعة في المكتب لإطلالة أنيقة دون الوقوع في الرتابة. فقبل اختيار الإكسسوارات لا بد من إيجاد القميص المناسب، أي المصنوع من قماش يمنح انطباعاً بالجودة، دون أن يكون مطاطياً جداً. ففي الصيف يضفي الكتان انتعاشاً على من ترتديه، شرط أن يكون مكوياً جيداً. أما في الطقس البارد، فإن قماش أكسفورد هو المفضل ويناسب المظهر المرتاح. ومع ذلك، يبقى البوبلين هو الخيار الأمثل.

بعد اختيار القماش، ووفقاً لناتالي أوليفر، تأتي التفاصيل الأخرى التي لا تخلو من أهمية. ومنها أن يتناسب ارتفاع الياقة مع شكل الجسم. فالياقة القصيرة على امرأة طويلة ونحيلة قد تُخلّ بتناسق القوام. وينطبق المبدأ نفسه على عرض الأكمام. إن الأمر كله يتعلق بالتناسب. كما أن الأزرار السميكة قليلاً والخياطة الدقيقة تُميز القميص عالي الجودة عن القميص ذي الجودة المتدنية. وهناك علامات تخصصت في خياطة القمصان الجاهزة أو وفق التفصيل لكن أسعارها تبقى في متناول المديرات العامات ورئيسات الشركات. وفي الفترة الأخيرة دخل القميص الأبيض الفضفاض إلى دائرة عروض الأزياء.

لماذا هذا التشجيع والترويج للزي الرجالي في أوساط سيدات الأعمال؟ هل يحتاج فرض الاحترام واستعراض النفوذ إلى مظهر صارم؟ كان اختيار مارلين ديتريش للقميص الرجالي، في النصف الأول من القرن الماضي، رمزاً لتمكين المرأة. ومثلها فعلت النجمة السويدية جريتا جاربو، ملكة الشاشة في الأربعينات، حين ظهرت بالسروال في زمن كانت التنورة هي الزي المعروف للمرأة. وبعد أكثر من نصف قرن، تهادت عارضات المصمم فالنتينو على منصات العرض في باريس ببدلات وقمصان رجالية وربطات عنق. واستمراراً لهذا التيار ظهرت عارضة الأزياء الأميركية آشلي جراهام ببدلة رجالية صارمة سوداء اللون، في سهرة دعا إليها متحف «اللوفر» في باريس. كما رأينا الممثلة البلجيكية ونجمة التلفزيون السابقة فيرجيني إيفيرا وهي تضع على كتفيها معطفاً رجالياً من الكشمير فوق بدلة بصفين من الأزرار وقميص أبيض وربطة عنق حمراء منقطة. هل هو اختيار نسائي بحت أم قرار مفروض من المصممين الرجال.

كتبت إحدى الناشطات النسويات أن استعارة المرأة لثياب الرجل هو نوع من رد التحية، أو بالأحرى الانتقام من الذكور الذين صاروا يظهرون بهيئة الإناث ويلبسون الزاهي من الألوان ويتحلون بالأساور والأقراط ويحملون حقائب اليد النسائية الصغيرة. لكن الحقيقة أبعد ما تكون عن المشاكسة ورد الصاع صاعين. ومنذ عقود كثيرة اختارت الشابات تبني السروال الرجالي لأنه أكثر عملية من التنورة والفستان. فهو يتيح سهولة الحركة وركوب الدراجة ويغطي السيقان بشكل يطرد العيون المتلصصة. صار السروال زي طالبات الجامعات والنساء العاملات. وقد تفنن المصممون في إضفاء لمسات من الأنوثة عليه، فصار فضفاضاً أحياناً أو ضيقاً أو ممزقاً أو يجمع ما بين التنورة والبنطلون.

وتحب المرأة الحديثة التجريب. وهي قد تجنح نحو التحدي وترى في تقليدها الرجل نوعاً من الطرافة ولفت الانتباه. ثم إن اقترابها من المساحة المخصصة للرجل ولو اقتصرت على المظهر، قد يكون رغبة منها في الاستحواذ على مناطق أكثر جدية. ورغم اقتحامها مختلف المهن والمناصب فإنها ما زالت ترى نفسها مغبونة ولم تأخذ حقها الكامل من المساواة. وهو أمر ينطبق على الغرب والشرق معاً. ولا أحد يمكنه التكهن بما ستؤول إليه أحوال النساء وأزياؤهن مع نهايات القرن الحالي. هل تصح النبوءة الفلسفية التي تقول إن «المرأة هي مستقبل الرجل؟».


«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

مع انحسار أضواء الإسكندرية عند التاسعة مساءً، اصطحب الخمسيني نادر طه زوجته وأبناءه الـ3 إلى «الكورنيش»؛ لقضاء بعض الوقت في ظلِّ «الإغلاق المبكر» للمحال التجارية والكافيهات.

وقال طه، الذي يعمل مديراً للمبيعات بإحدى الشركات الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن دائمو التردد على الإسكندرية، نحضر إليها من مسقط رأسنا بالشرقية بشكل دوري، هذه المرة صادف وجودنا تطبيق قرار الإغلاق المبكر، ولأننا نحب السهر، فكان البديل أمامنا خلال ساعات الليل هو جلسة الكورنيش؛ لتجنُّب الشعور بالضيق والملل في المنزل».

بطول امتداده؛ يشهد كورنيش الإسكندرية إقبالاً ملحوظاً من المواطنين هذه الأيام للتنزه وقضاء أوقاتهم في الهواء الطلق، وذلك عقب بدء تطبيق قرار غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً.

أحد شوارع الجيزة خلال فترة «الإغلاق المبكر» (الشرق الأوسط)

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، لمدة شهر واحد، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيكون الغلق في العاشرة مساءً، مع استمرار خدمة توصيل الطلبات للمنازل».

وجاء توافد المواطنين على الكورنيش بوصفه المتنفس الرئيسي لأهالي المدينة، حيث فضَّل الكثيرون التجمع على البحر بعد أنْ أغلقت المراكز التجارية والمقاهي والكافيهات، المنتشرة بطول الكورنيش، أبوابها بحلول موعد الغلق.

كورنيش الإسكندرية متنفس رئيسي لأهالي المدينة (الشرق الأوسط)

ويأتي اللجوء إلى الكورنيش بوصفه حيلةً للتعامل مع الإغلاق المبكر، حيث اضطر «السكندريون» وضيوفهم إلى إعادة صياغة عادات السهر والتجمعات الليلية، فبينما كان المقهى أو المركز التجاري يُشكِّل مكاناً للتنزه يومياً، تحوَّل الكورنيش والأماكن المفتوحة إلى البديل الطبيعي، حيث يفضِّل كثيرون البحر والهواء الطلق مساحةً عامةً مجانيةً.

وهو ما يشير إليه الأب الخمسيني، مستكملاً حديثه: «جلستنا بالأمس على الكورنيش كانت بمنطقة محطة الرمل، واليوم اخترنا الجلوس على الصخور المواجهة للبحر بمنطقة كليوباترا، وما يشجِّعنا على تلك الجلسة هو وجود العشرات غيرنا، الذين يتردَّدون ليلاً هنا للاستمتاع بالهواء رغم الإظلام الجزئي على طريق الكورنيش، كما أن وجود بعض الباعة الجائلين، الذين نشتري منهم المشروبات، يُغنينا عن الكافيهات».

وقرَّر مجلس الوزراء، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، أخيراً تعديل مواعيد غلق المحال العامة لتكون الساعة 11 مساءً بدلاً من 9 مساءً، اعتباراً من الجمعة المقبل، 10 أبريل (نيسان) الحالي، وحتى الاثنين 13 أبريل 2026، وفق توصيات اللجنة المركزية لإدارة الأزمات بمناسبة أعياد المسيحيين.

ولا يقتصر التحول للأماكن المفتوحة على الإسكندرية، ففي القاهرة أصبح «كورنيش النيل» و«ممشى أهل مصر» والمنشآت السياحية به بمثابة «رئة» بديلة للمصريين، وكذلك السائحين العرب والأجانب، استجابةً بديلةً لقرار الغلق في مناطق العاصمة المصرية الأخرى، واستثناءً سياحياً، بعد أن أعلنت الحكومة استثناء المنشآت السياحية الواقعة على ضفاف نهر النيل داخل نطاق محافظتَي القاهرة والجيزة من الإغلاق.

المراكب النيلية تواصل رحلاتها وسط أجواء احتفالية (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

يفتح الممشى أبوابه أمام الزوار الراغبين في استنشاق الهواء النقي والتمتع بمشهد المياه، ومعه يستعيد نهر النيل مكانته بوصفه متنفساً جماعياً، وبديلاً جاذباً لتغيير ثقافة السهر والتجمعات، كاسراً رتابة ساعات الليل المتأخرة، إذ تتحوَّل ممراته بعد التاسعة مساءً إلى الوجهة الأمثل للعائلات والشباب.

وتعكس المشاهدات الميدانية استمرار العمل بالممشى بكامل طاقته، فالمرافق والخدمات، بدءاً من منافذ التذاكر وصولاً إلى المطاعم والمقاهي المطلة مباشرة على النهر، تعمل بشكل كامل لما بعد منتصف الليل، بينما تواصل المراكب النيلية رحلاتها القصيرة التي تضفي أجواء احتفالية على المكان.

كذلك يبرز خلال أيام الإغلاق المبكر «ممشى الزمالك»، بوصفه «رئة» أخرى يتنفس من خلالها زواره روح وجماليات القاهرة، وسط أرستقراطية حي الزمالك. يحتلُّ الممشى موقعاً فريداً في مواجهة «ممشى أهل مصر»، وهو مناسب للنزهات العائلية، بعيداً عن صخب المدينة وضجيجها.

وبجوار الممشى، تفتح حديقة «المسلة» التراثية ذراعيها للزوار خلال ساعات الإغلاق، وهي خيار مثالي لمَن ينشد الهدوء والجمال في قلب القاهرة، إذ تجمع الحديقة عبق التاريخ والحداثة، كونها تضم مطاعم ومقاهي راقية، تمنح الزائر تجربةً استثنائيةً بينما تغلق مثيلاتها في أنحاء القاهرة.

الخبير السياحي، محمد فاروق، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قرارات الإغلاق المبكر وإطفاء الأنوار في الميادين الرئيسية، بدأت تعيد صياغة سهرات المصريين والزوار الأجانب على حد سواء، فالقاهرة والمدن الساحلية المصرية كانت تُعرَف بأنها المدن التي لا تنام، فالحياة اليومية والفلكلور الشعبي الذي يملأ الشوارع ليلاً يمثلان جزءاً أصيلاً من المنتَج السياحي المصري، ولأنهما بَدَوَا مفقودَين هذه الأيام، لذا شهدنا إقبالاً لافتاً من المصريين والزوار على المساحات المفتوحة».

وتابع: «للأسف الشديد قرارات ترشيد الإنارة بالشوارع الرئيسية والأماكن العامة تحدُّ من وجود أماكن السهر، لذا لجأ كثيرون إلى ممشى أهل مصر بالقاهرة وكورنيش الإسكندرية، لاسيما أنه يتوافر فيهما الشعور بالراحة النفسية والحيوية».

ويبيِّن فاروق أنَّ قرار الإغلاق المبكِّر يوثر بالسلب على السياحة في مصر، مقترحاً بجانب استثناء المنشآت النيلية أن تكون هناك حلول أخرى، مثل أن يتم تنظيم حفلات في الأماكن التراثية والأثرية لتدارك الموقف، ولفتح أفق جديدة للترويج السياحي وللحد من أي آثار سلبية.

وانتقد مصريون قرار الإغلاق المبكر وإظلام الشوارع في ساعات الليل الأولى في مشاهد لم يعتادوها إلا خلال فترة إغلاق «كورونا» قبل نحو 6 سنوات.


فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
TT

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

لا يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة مختلفة كثيراً عما يجري على الأرض عادة، فهم مثلاً يأكلون الفطائر والكسكس ويلتقطون صوراً بهواتفهم المحمولة ويواجهون مشكلات في البريد الإلكتروني ويصلحون مرحاضاً معطّلاً.

وتستمرّ رحلة الأعضاء الأربعة من طاقم «أرتيميس 2» نحو عشرة أيّام في مدار القمر على متن كبسولة «أورايون» التي تساوي مساحتها مساحة شاحنة صغيرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الاستعداد لهذه المهمّة التي تقودها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بمثابة تحضّر للتخييم، على ما قالت كريستينا كوك.

ويضمّ الصندوق 58 فطيرة و43 كوب قهوة وبروكلي وصدور لحم مشوي مع خمسة أنواع من الصلصات الحادة، فضلاً عن شراب القيقب ذائع الصيت في كندا لأن أحد رواد الفضاء كندي.

لكن المرحاض تعرّض لمشكلة.

وخلافاً لمهمة «أبولو» التي لم يكن لروادها سوى أكياس لقضاء حاجاتهم تُرك بعضها على سطح القمر، تحظى طواقم «أرتيميس» بمراحيض فعلية.

وتولّت كريستينا كوك إصلاح المرحاض في الساعات الأربع والعشرين الأولى من الرحلة. وقالت، مساء الخميس: «أنا فخورة بأنني سمكرية الفضاء»، مضيفة: «اسمحوا لي بأن أذكّركم بأنه الجزء الأهمّ في المركبة. وقد تنفّسنا جميعاً الصعداء عندما حُلّ الوضع».

مشاكل معلوماتية

استخدام المرحاض يتسبب بجلبة كبيرة في المركبة إلى درجة ينبغي وضع سمّاعات لتجنب الضجيج عند استخدامها.

وصرّح جيريمي هانسن: «إنه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نشعر فيه بالعزلة لفترة وجيزة».

وبعد المرحاض، واجه الطاقم مشكلات معلوماتية. وخلال بثّ حيّ لـ«ناسا» سُمع قائد المهمّة ريد وايزمن وهو يشكو من مشاكل في بريده الإلكتروني. وعولج الأمر من «مركز هيوستن» في تكساس.

وفي ظلّ انعدام الجاذبية، لا بدّ أيضاً من التفكير في كيفية النوم خلال رحلة تستمر عشرة أيام. وتمثل الحل في وضع أكياس نوم معلّقة بالجدران لتفادي السباحة في وسط المركبة.

وقال ريد وايزمن مازحاً: «تنام كريستينا ورأسها إلى الأسفل في وسط المركبة، مثل الوطواط المعلّق»، مشيراً إلى أن «الوضعية مريحة أكثر مما تعتقدون».

«كأنني طفل»

يؤثّر انعدام الجاذبية على اللياقة البدنية، لذا لا بدّ من التمرّن نصف ساعة في اليوم. وقد زوّدت المركبة بتجهيزات تشبه تلك المتوافرة في النوادي الرياضية.

وسمحت «ناسا» في الآونة الأخيرة باستخدام الهواتف الذكية على متن مركباتها الفضائية.

وقال مدير الوكالة جاريد آيزكمان في فبراير (شباط): «نعطي لطواقمنا فرصة الاحتفاظ بلحظات خاصة لعائلاتهم ومشاركة صور وتسجيلات ملهمة مع العالم أجمع».

وفي خضمّ مهمّة كلّفت مليارات الدولارات في ظلّ مواجهة جيوسياسية مع الصين، يبقى إعجاب البشر بالفضاء الخارجي طاغياً.

ولم يخف جيريمي هانسن في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين فرحه، قائلاً: «أشعر كأنني طفل».

وعند إقلاع الصاروخ، قال فيكتور غلوفر وهو أوّل شخص أسود يسافر إلى القمر: «تحاولون الحفاظ على حسّ المهنية، لكن الطفل في داخلي يريد أن يطلق صيحات فرح».