«وفرة» أشرف الزمزي: رؤية تشكيلية تعلن انتماءها إلى الفن الخام

المعرض يضم 40 لوحة لا تُقيّد بالروافد التقليدية

من لوحات المعرض (إدارة الغاليري)
من لوحات المعرض (إدارة الغاليري)
TT

«وفرة» أشرف الزمزي: رؤية تشكيلية تعلن انتماءها إلى الفن الخام

من لوحات المعرض (إدارة الغاليري)
من لوحات المعرض (إدارة الغاليري)

قليلة هي الأعمال التي تنتمي إلى «Art Brut» أو «الفن الخام»، في المشهد التشكيلي العربي، من بينها معرض الفنان أشرف الزمزمي بعنوان «وفرة» في غاليري «سفر خان» بالقاهرة، حيث نلتقي بمساحة متّسعة من هذا الاتجاه الذي أسّسه الفنان الفرنسي جان دوبوفيه في النصف الأول من القرن العشرين، ودشن به ما يُعرف أيضاً باسم «الفن الساذج» أو «الفن الخارجي» في دلالة إلى أنه يُجرَى خارج القواعد الأكاديمية للفنون الجميلة.

ورغم أنه شبيه بـ«الفن الفطري»، فهو ليس مرادفاً له. الأخير يقوم في الغالب على الإرث الاجتماعي والثقافي والفولكلوري لمبدعه، وبناءً على ذلك يزخر أيضاً بمفردات ورموز من التراث والبيئة، في حين أن المصطلح الفرنسي «Art Brut» لا يُقيّد بهذه الروافد التقليدية، ولا يُستمد من مؤثرات بعينها.

تجربة فنية (إدارة الغاليري)

سطوح لونية ممتزجة بأطياف شخوص، وأحياناً كائنات غرائبية صاغها الفنان في أعماله، عبر طبيعة تركيبية، تغلب عليها التجريدية تارة، وتارة أخرى التعبيرية؛ لكنها تتلاقى في النهاية بحماسته التجريبية، ولمساته الخاطفة، ومسطحاته الهندسية التلقائية، وخطوطه شديدة الاختزال وبليغة البوح في آن واحد.

يعتمد الزمزمي «بالتة» ألوان زاهية ومتفائلة، كتلك التي يختارها الأطفال في أعمالهم؛ ما يساهم في تعميقه نظرية تجاوب الألوان بين بعضها البعض بما تحمله من معانِ وأحاسيس، فتتوافق الألوان الباردة مع الدافئة، والمتباينة مع المنسجمة، بما يمثل تطوّراً لافتاً لأعماله في تماهيه مع الفن الخارجي «Art Brut»، مستعيداً ذكريات الطفولة ما يزيد لوحاته بساطة.

يقول الزمزمي لـ«الشرق الأوسط»: «أحتفي بالبساطة وأعدّها روح أعمالي. كان دافنشي محقاً حين أكد أنّ (البساطة هي أقصى درجات التطوّر)».

أشرف الزمزمي (إدارة الغاليري)

إلى هذا، تغوص أعماله، وعددها نحو 40 لوحة، في عالمه الخاص وعبر أسلوبه الفردي، متجاوزاً في ذلك تجسيد الشكل الخارجي للشخصية، ومعبّراً عن الانفعالات الداخلية التي تسكن بداخلها، من خلال أداء حساس، تغلّفه مشاعر وأفكار بكر، أو «ساذجة»، تأخذنا من جديد إلى علاقة لوحاته بمفهوم الـ«Art Brut».

عندما رأى الفنان الفرنسي جان دوبوفيه أنّ الفنون الجميلة يهيمن عليها الطابع الأكاديمي اتجه إلى عدِّ الفن البسيط، الذي يتضمّن الكتابة على الجدران، تعبيراً خاماً عن رؤى وعواطف لا تقيّدها التقاليد، محاولاً دمج هذه الصفات في فنه الخاص، فجمع منذ عام 1945 أعمالاً لنزلاء مستشفيات وسجون الطب النفسي المختلفة، والأطفال، إضافة إلى أعمال الفنانين البدائيين والأشخاص المنعزلين والمنبوذين، ودرسها جيداً، ليخرج برأي مفاده أنّ إبداعاتهم هي عملية فنية نقية تماماً، يعيد المبدع اختراعها بالكامل في جميع مراحلها، مدفوعاً بشكل فريد بدوافعه الخاصة، بل أبدع دوبوفيه مجموعة كبيرة من الأعمال المنتمية إلى هذا الفن، ولا تزال مجموعته هذه موجودة في متحف «La Collection de l’Art Brut» في مدينة لوزان السويسرية.

سطوح لونية ممتزجة بأطياف شخوص (إدارة الغاليري)

وسار فنانون كثر حول العالم باتجاه «الفن بروت»، حتى لنعتقد حين نطالع أعمالهم أنها قطع ينفّذها أشخاص لم تمسّهم الثقافة الفنية، إذ لا يؤدّي التقليد أي دور في طرحهم الإبداعي، فيقدّمون كل شيء من أعماقهم الخاصة، لا من «كليشيهات» الفن الكلاسيكي أو العصري.

ذلك كله لا ينفي تأثرهم بالحضارات والإنسانية، لكنه يتم عبر عملية فنية نقية تماماً أو «خام»، أعيد اختراعها ببعض ملامحها، وهو ما تؤكده لوحات الزمزمي في معرضه المستمر حتى 28 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، فهي تقدم الرموز والأشياء العادية، إلى أشياء مختلفة عن صورتها النمطية.

إحدى لوحات المعرض (إدارة الغاليري)

يقول الفنان: «تأثرت بكل الحضارات السابقة، وتعلّمت من الناس والمقاهي والحضارات، ومن أمي، ربما ما لم أتعلّمه من الدراسة الأكاديمية، لكني قدّمته بطريقة تتجاوز شكلها الخارجي، لأنها تنبع من داخلي».


مقالات ذات صلة

مساعدات أميركية «كاملة» إلى مصر... دفعة لمسارات التنسيق في إقليم مضطرب

شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب (الرئاسة المصرية)

مساعدات أميركية «كاملة» إلى مصر... دفعة لمسارات التنسيق في إقليم مضطرب

في دفعة جديدة لمسارات التنسيق بين القاهرة وواشنطن، أعفت الإدارة الاميركية «المساعدات العسكرية» المقدمة لمصر من الشروط المتعلقة بحالة حقوق الإنسان.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في القاهرة يونيو 2018 (الرئاسة المصرية)

تصعيد إثيوبي - مصري متبادل يُعقّد حلول أزمتي «السد» و«المنفذ البحري»

توترات تتصاعد بين القاهرة وأديس أبابا، كان أحدثها تبادل طرد دبلوماسيين في ظل خلافات حول «سد النهضة» الإثيوبي انتهت بتجميد المفاوضات.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع سابق للحركة المدنية التي تضم أحزاباً معارضة في مصر (الحركة المدنية)

هل يتجاوز أكبر تكتل معارض في مصر أزمة «تباين الآيديولوجيات»؟

جددت عودة تمثيل حزب «الدستور» باللجنة التنفيذية لـ«الحركة المدنية» التساؤلات حول إمكانية أن يتجاوز أكبر تكتل معارض في مصر أزمة «تباين الآيديولوجيات».

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا نقاش وزاري حول دور ريادة الأعمال في التنمية الاقتصادية بأفريقيا على هامش المنتدى الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)

قمة «العلمين-أفريقيا» في مصر لشراكات استراتيجية أوسع وسط توترات بالقارة

انطلقت الجمعة قمة «العلمين-أفريقيا» في مصر وسط تطلعات لشراكات استراتيجية أوسع في ظل توترات بالقارة.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في أثناء تدشين مجلس الأعمال المصري - الجنوب أفريقي المشترك (الخارجية المصرية)

مصر وجنوب أفريقيا تعززان التقارب السياسي بمجلس أعمال مشترك

مجلس أعمال مشترك بعد زيارات متبادلة ركزت على التعاون في مجالات سياسية واقتصادية، بين مصر وجنوب أفريقيا...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«المهمشون»... عرض نمساوي يقاوم عزلة البشر بالرقص والأكروبات

قدم العرض ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» بالقاهرة (إدارة المهرجان)
قدم العرض ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» بالقاهرة (إدارة المهرجان)
TT

«المهمشون»... عرض نمساوي يقاوم عزلة البشر بالرقص والأكروبات

قدم العرض ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» بالقاهرة (إدارة المهرجان)
قدم العرض ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» بالقاهرة (إدارة المهرجان)

يضع العرض المسرحي النمساوي «المهمشون Underdogs» العزلة في سياق أوسع يتعلق بموقع الإنسان داخل جماعته، وبما يحدث عندما يشعر الفرد بأنه فقد مكانه في الدائرة التي يُفترض أن ينتمي إليها، من خلال 6 شخصيات تدخل على خشبة المسرح وهي تحمل حكايات واضحة أو ماضياً تشرحه، بل تظهر من خلال أجسادها وعلاقاتها المتغيرة، كأن العرض يبدأ من اللحظة التي يصبح فيها الإنسان مضطراً إلى البحث عن موقعه بين آخرين لا يعرفهم.

ومن هنا، تصبح الحركة في مسرحية «المهمشون» أكثر من وسيلة للتعبير عن مشاعر الشخصيات، لتكون اللغة التي تُبنى بها العلاقات نفسها، الاقتراب والابتعاد، السقوط والنهوض، الدفع والمقاومة، التوازن والاختلال، كلها تتحول إلى أفعال تحمل معنى، وتكشف عن طبيعة العلاقة بين الأفراد قبل أن تتشكل بينهم أي مساحة مشتركة.

يوظف العرض النمساوي الصامت الذي عرض في مصر ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» الأكروبات والرقص والتمثيل كعناصر استعراضية لتوصيل رسالته مستغنياً عن الكلام بشكل كامل.

وخلال الأحداث لا تختفي العزلة بمجرد تجمع الشخصيات؛ لأن الجماعة نفسها تظل مساحة للتفاوض والصراع، كل فرد يحاول الحفاظ على وجوده، وفي الوقت نفسه يكتشف أن قدرته على الاستمرار مرتبطة بالآخرين؛ لذلك لا يقدم «المهمشون» الانتماء كحل جاهز، بل كعملية شاقة تتشكل من الثقة والاحتكاك والاختلاف، فالجماعة لا تلغي هشاشة أفرادها، لكنها تمنحهم إمكانية تحويل هذه الهشاشة إلى طاقة مشتركة.

وقالت مخرجة العرض النمساوية إديتا براون لـ«الشرق الأوسط» إن «فكرة المسرحية بدأت من إحساس شخصي متزايد بالعجز أمام التحولات السياسية والإنسانية التي يشهدها العالم»، موضحة أنها تعيش في أوروبا، لكنها لم تعد قادرة على التعامل بسهولة مع الحروب والقمع وتغير المناخ وطريقة تعامل الإنسان مع الطبيعة، وهذه الأوضاع جعلتها تشعر عاطفياً بأنها أصبحت خارج مركز المجتمع، وهو الشعور الذي تحول لاحقاً إلى نقطة انطلاق العرض.

وأضافت براون أن «هذا الإحساس دفعني إلى التفكير في الأشخاص الذين يجدون أنفسهم بعيداً عن مركز المجتمع، أو يعيشون في الهامش، والعرض بدأ من هذه الفكرة قبل أن يتحول إلى تجربة أدائية مع 6 راقصين».

وأشارت إلى أن تصاعد الآيديولوجيات المتطرفة في العالم كان حاضراً أيضاً في أثناء تطوير العمل، بوصفه جزءاً من المناخ الذي تتحرك داخله الشخصيات والأفكار لافتة إلى أن بناء العرض لم يعتمد على نص مكتوب أو سيناريو تقليدي، وإنما انطلق من الارتجال والتجريب، وهي الطريقة التي تعمل بها منذ أكثر من 40 عاماً.

استخدم العرض الرقص والاستعراض لتوصيل رسالته (إدارة المهرجان)

وقالت إن «عملية صناعة العرض تقوم على تعاون مستمر مع المؤدين والملحن، إذ تتشكل المشاهد تدريجياً من خلال الحركة والصورة، بينما يظل النص محدوداً للغاية، لتصبح أجساد الشخصيات وحركتها بمنزلة اللغة الأساسية للعمل»، مشيرة إلى أن اختيار المؤدين يقوم بدرجة كبيرة على المعرفة المتبادلة، إذ تعمل عادة مع فنانين تعرفهم منذ سنوات.

وأضافت أن دورها لا يتمثل في تحديد كل حركة مسبقاً، بل في تنظيم ما يقدمه المؤدون، وتحويل اقتراحاتهم إلى مشاهد، موضحة أنها تحب أن تمنحهم مساحة للاختراع، ما دام ما يقترحونه يخدم البناء الفني للعرض.

وأكدت أن علاقتها الطويلة بالمؤدين أوجدت بينهم لغة خاصة، وتستطيع أن تطلب منهم زيادة كثافة الحركة، أو تسريع الإيقاع، فيفهمون مباشرة ما تقصده، لافتة إلى أن هذه اللغة تشكلت عبر سنوات من العمل المشترك، وأصبحت جزءاً من آلية تطوير المشاهد؛ لذلك لم تواجه لحظات صعبة في التعامل مع فريق المسرحية بقدر ما اعتمدت العملية على الثقة والتفاهم.

وعن تقديم العرض في مصر، قالت براون إن «إحدى أهم مزايا الرقص هو امتلاكه لغة يمكن أن تصل إلى جمهور ينتمي إلى ثقافات مختلفة؛ لأن القضايا التي يناقشها العرض ليست محصورة في أوروبا، وردود الفعل في مصر كانت إيجابية للغاية، خصوصاً تجاه الأكروبات ومستوى الرقص والطاقة العاطفية التي يحملها العرض، إلى جانب رسالته المناهضة للحرب».

وأضافت أن تفاعل الجمهور لم يدفعها إلى تغيير بنية العمل أو تعديل مشاهده، بل كان له تأثير مختلف؛ إذ منح الفريق، على حد تعبيرها، مزيداً من القوة على خشبة المسرح، وهو ما جعل العرض يستمر في مساره الفني بدلاً من إعادة صياغته استجابة للتلقي.

وكشفت براون أنها بدأت بالفعل في تطوير تجربة جديدة تتمثل في تحويل العرض إلى فيلم، إلى جانب تجربة تقديمه في أماكن مفتوحة وخارج فضاء المسرح التقليدي. معتبرة أن هذه الخطوة لا تعني التخلي عن النسخة المسرحية، وإنما توسيع إمكانات العمل، واختبار كيف يمكن للحركة والصورة، اللتين تشكلان جوهر العرض، أن تنتقلا إلى وسيط آخر ومساحات مختلفة.


هل يمكن لمتحف جديد إقناع النمسا بأن تحب أخيراً فيلم «صوت الموسيقى»؟

يلتقط زوارٌ صوراً لفندق «شلوس ليوبولدسكرون» (Schloss Leopoldskron) في سالزبورغ بالنمسا والذي استُخدم مقراً لإقامة عائلة «فون تراب» بفيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)
يلتقط زوارٌ صوراً لفندق «شلوس ليوبولدسكرون» (Schloss Leopoldskron) في سالزبورغ بالنمسا والذي استُخدم مقراً لإقامة عائلة «فون تراب» بفيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)
TT

هل يمكن لمتحف جديد إقناع النمسا بأن تحب أخيراً فيلم «صوت الموسيقى»؟

يلتقط زوارٌ صوراً لفندق «شلوس ليوبولدسكرون» (Schloss Leopoldskron) في سالزبورغ بالنمسا والذي استُخدم مقراً لإقامة عائلة «فون تراب» بفيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)
يلتقط زوارٌ صوراً لفندق «شلوس ليوبولدسكرون» (Schloss Leopoldskron) في سالزبورغ بالنمسا والذي استُخدم مقراً لإقامة عائلة «فون تراب» بفيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)

على الرغم من أن فيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) يجذب آلاف السياح سنوياً إلى مدينة سالزبورغ، فإن هذا العمل السينمائي لم يكن يوماً من الأمور المحببة لدى سكان المدينة. فعلى مدى عقود، لم يكن كثيرٌ من السكان على دراية حتى بوجود هذا الفيلم الموسيقي الشهير الذي وضع مدينتهم على الخريطة العالمية، أما من عرفوا به فغالباً ما كانوا ينظرون إليه باستخفاف بصفته عملاً فنياً مبتذلاً أو رخيص القيمة. ويهدف متحف جديد، أسسته حكومة المدينة، إلى ردم الفجوة بين الفيلم الموسيقي والقصة الحقيقية لعائلة «فون تراب»؛ وهي عائلة من سالزبورغ شكلت فرقة غنائية ناجحة وفرّت من النمسا بعد ضمها إلى ألمانيا النازية عام 1938.

شاهد الزوار معرضاً لملصقات أفلام بلغات عدة بمتحف «صوت الموسيقى» (Sound of Music) الجديد في سالزبورغ بالنمسا (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)

يقول ماتياس بيرغسمان، أمين متحف «صوت الموسيقى»: «نريد استقطاب الجمهور المحلي والسياح على حد سواء. قد يجد السكان المحليون القصة الحقيقية أكثر إثارة للاهتمام، في حين أن كثيراً من معجبي الفيلم الموسيقي لا يدركون حتى وجود عائلة حقيقية؛ لذا علينا مخاطبة كلتا المجموعتين».

يشاهد الزوار مشهداً من فيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) بالمتحف الجديد المخصص للفيلم في مدينة سالزبورغ بالنمسا المخصص له إلى التوفيق بين الأسطورة السينمائية والتاريخ المحلي للمدينة (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)

يقع المتحف -الذي افتُتح هذا الشهر- في المبنى الذي كان يُستخدم سابقاً إسطبلاً للعربات ونُزلاً للصيد، والتابع لقصر مصمم على طراز الباروك في ضواحي سالزبورغ. وقد خُصص الطابق الأرضي لعرض بدايات فيلم «صوت الموسيقى» وردود الفعل تجاهه. تبدأ القصة بالسيرة الذاتية التي كتبتها ماريا فون تراب عام 1949، والتي ألهمت فيلماً ناطقاً بالألمانية؛ ثم جاء عام 1959 ليشهد العرض الموسيقي الناجح في برودواي من تأليف ريتشارد رودجرز وأوسكار هامرستين، وهو العمل الذي حوّله المخرج روبرت وايز تحفةً خالدة في تاريخ السينما.

يعرض أحد أركان الاستماع مقابلة إذاعية أجرتها جولي أندروز -التي لعبت دور «ماريا» في الفيلم- أثناء التصوير؛ حيث اشتكت فيها من طقس سالزبورغ «السيئ للغاية»، لكنها أشادت بالممثلين الذين أدوا أدوار أطفال عائلة «فون تراب»، واصفةً إياهم بأنهم «ساحرون». (يُذكر أن أندروز، البالغة من العمر 90 عاماً، اعتذرت عن تلبية دعوة حضور حفل الافتتاح، لكن بيرغسمان ذكرت أنها أرسلت رسالة تحية ليتم تلاوتها خلال الحفل).

يجري الاحتفاء بالظاهرة العالمية «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) في غرفة وردية اللون تحمل اسم «أشيائي المفضلة» (My Favorite Things)؛ وتضم الغرفة ملصقات وأسطوانات وصوراً وبعض الهدايا التذكارية ذات الطابع التجاري البسيط التي حصل عليها المتحف من روجر بلويم، وهو جامع مقتنيات هولندي شغوف. كما يضم المكان نسخة طبق الأصل من «الكشك» (gazebo) الذي غنت فيه شخصية «ليزل فون تراب» -التي أدتها الممثلة شارميان كار- أغنية «Sixteen Going on Seventeen» ضمن أحداث الفيلم. وفي الطابق العلوي من المتحف، يتحول التركيز إلى عائلة «فون تراب» الحقيقية.

سياح يلتقطون صوراً بجوار حافلة مخصصة لجولات فيلم «صوت الموسيقى» (Sound of Music) في مدينة سالزبورغ بالنمسا (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)

كان جورج فون تراب -وهو قائد غواصة في البحرية النمساوية المجرية- أباً لسبعة أطفال من زوجته الأولى، أغاث وايتهيد. وفي عام 1927، وبعد وفاة زوجته، تزوج من مربية الأطفال، ماريا كوتشرا. وبمساعدة قس العائلة، شكلت عائلة «فون تراب» جوقة غنائية.

عارض «جورج» النازية ورفض رفع علم الصليب المعقوف بعد ضم النمسا. وقد هاجر مع عائلته بعد ذلك بوقت قصير، وإن لم يفرّوا سيراً على الأقدام عبر الجبال إلى سويسرا كما صُوِّر في الفيلم (إذ كانت تلك الرحلة ستتطلب قطع مسافة 150 ميلاً). وبدلاً من ذلك، استقلوا القطار إلى إيطاليا واستقروا لاحقاً في الولايات المتحدة، حيث واصلوا أداء الأغاني الشعبية النمساوية حتى عام 1957. تدير العائلة اليوم نُزُلاً ومنتجعاً على طراز جبال الألب في ولاية فيرمونت.

ولا تزال إحدى حفيدات «جورج»، وتُدعى «إليزابيث فون تراب»، تنظم جولات مشي صيفية في مدينة سالزبورغ. وفقاً لتقديرات المدينة، يتوافد ما بين 300 ألف و350 ألف زائر إلى سالزبورغ سنوياً، مدفوعين في المقام الأول بشهرة فيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music). ويأتي هؤلاء الزوار من أميركا الشمالية والجنوبية وبريطانيا وأستراليا، بالإضافة إلى أعداد متزايدة من الصين وكوريا الجنوبية والهند. وتنقلهم حافلات سياحية عدة يومياً إلى مواقع التصوير في أنحاء المدينة، وإلى كنيسة في بلدة «موندسي» المجاورة، حيث صُوِّر مشهد زفاف «ماريا» و«جورج» (إذ لم تسمح كنائس سالزبورغ لطاقم العمل بتركيب منصات التصوير). وبالعودة إلى المدينة، تشمل كثير من الجولات السياحية «حدائق ميرابيل»، التي كانت «ماريا» والأطفال يركضون فيها بحيوية أثناء غناء أغنية «دو-ري-مي» (Do-Re-Mi).

ماتياس بيرغسمان القيّم على متحف «صوت الموسيقى» (Sound of Music) الجديد في سالزبورغ بالنمسا (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)

وأعرب بيرغسمان عن أمله في أن تشمل الجولات زيارة المتحف، مشيراً إلى أنه يجري مناقشات بهذا الشأن مع الجهات المشغلة للرحلات، لكنه قد يحتاج إلى بذل جهد أكبر لجذب السكان المحليين.

وكان فيلم وثائقي تلفزيوني قد عُرض في النمسا العام الماضي -تزامناً مع الذكرى الستين لإطلاق الفيلم- قد استعرض تاريخ تصوير «صوت الموسيقى» (The Sound of Music)، بما في ذلك مقاومة سلطات المدينة لطلبات طاقم العمل بإعادة تجسيد واقعي لحدث «الضم» (الأنشلوس) عام 1938، وما كان يرافقه من شعارات نازية ومسيرات للقوات العسكرية. كما تناول الفيلم الوثائقي أصداء طرح العمل سينمائياً في ذلك الوقت، حيث مُني الفيلم بفشل ذريع في شباك التذاكر في كل من النمسا وألمانيا. وقال بيرغسمان: «لقد كان الاستقبال في المناطق الناطقة بالألمانية مختلفاً تماماً عما كان عليه في الولايات المتحدة. لكن ذلك كان بعد مرور 20 عاماً فقط على نهاية الحرب العالمية الثانية، وربما لم يكن الكثير من النمساويين مستعدين لرؤية تلك الأحداث مجسدة بصرياً؛ فقد كانت الجراح لا تزال غائرة، وكانت عملية استيعاب ومعالجة كل ما حدث قد بدأت للتو».

ويرصد المتحف تزايد تقبّل مدينة سالزبورغ لعمل «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) من خلال لقطات لعرضين مسرحيين أُقيما في المدينة؛ إذ كان مسرح الدمى في سالزبورغ سبّاقاً في هذا المجال بتقديم عرضٍ مستوحى من المسرحية الموسيقية، وهو عرضٌ ظلّ مدرجاً ضمن برنامجه الفني منذ عام 2008. وتلاه مسرح ولاية سالزبورغ عام 2011، حيث واصل تقديم هذا العمل المسرحي ضمن برنامجه منذ ذلك الحين.

* خدمة «نيويورك تايمز»


بيوت الكويت القديمة تفتح نوافذها في القاهرة

عبد الرسول سلمان يستعيد في لوحاته ملامح من ذاكرة الكويت (الشرق الأوسط)
عبد الرسول سلمان يستعيد في لوحاته ملامح من ذاكرة الكويت (الشرق الأوسط)
TT

بيوت الكويت القديمة تفتح نوافذها في القاهرة

عبد الرسول سلمان يستعيد في لوحاته ملامح من ذاكرة الكويت (الشرق الأوسط)
عبد الرسول سلمان يستعيد في لوحاته ملامح من ذاكرة الكويت (الشرق الأوسط)

في القاهرة، يواصل الفنان الكويتي عبد الرسول سلمان حواره مع الذاكرة الخليجية، لكن هذه المرة أمام المتلقّي المصري الذي يشاركه تأمّل تفاصيلها وما تختزنه من ملامح إنسانية وحنين لا يخفت.

ومن خلال معرضه «جذور معاصرة»، المُقام في قاعة «حامد ندا» بغاليري ضي في الزمالك (وسط القاهرة)، تبدو التجربة أقرب إلى حوار بين موروث تشكّل على امتداد سنوات طويلة، ورؤية فنّية تستحضر التراث وتُعيد صياغته من دون أن تحاصره في صورة الماضي.

وتستعيد الأزقّة القديمة دفأها، وتطلّ البيوت بملامحها الحميمة في أعماله، فيما تحضر وجوه الناس وحكاياتهم جزءاً أصيلاً من ذاكرة المكان. فمن أحياء جبلة وشرق والمرقاب، يستدعي الفنان عالماً تتداخل فيه تفاصيل الحياة اليومية مع ملامح التراث الكويتي، لتتحوّل لوحاته إلى نوافذ على زمن لا يزال حاضراً في الوجدان، رغم ما تبدّل من ملامح المدينة وإيقاع الحياة فيها.

ولا يكتفي سلمان باستعادة المَشاهد القديمة، وإنما يمنحها حياة جديدة، مستعيناً بحسّ مرهف في التقاط التفاصيل الإنسانية التي تمنح المكان روحه وخصوصيته.

الفنان الكويتي عبد الرسول سلمان في معرضه «جذور معاصرة» بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وبين وجوه ألفتها الحارات وبيوت احتضنت حكايات أجيال متعاقبة، تتشكّل عوالمه التشكيلية مُحمَّلة بالحنين إلى الجذور والاحتفاء بجماليات الحياة البسيطة، وما تختزنه الذاكرة الشعبية من مشاعر وعادات وتقاليد.

ويمنح تجربته خصوصيتها ارتباطه الوثيق بموروث بلاده، من دون أن يتحوَّل إلى قيد يُحاصر خياله. ويقول سلمان لـ«الشرق الأوسط»: «أكتشف مفردات تراث بلادي برؤية فنية تنفتح على التجريب، وتمنح اللون قدرة على التعبير تتجاوز حدود المشهد المرسوم».

ويستمر المعرض حتى الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، مقدّماً مجموعة من أعمال سلمان التي تكشف عن تجربة ممتدّة بدأت ملامحها الأولى في ستينات القرن الماضي، حين كان منخرطاً في الحركة الفنية الكويتية الناشئة، وشارك في معارض الربيع بصالة المدرسة المباركية، ثم في فعاليات الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية منذ تأسيسها عام 1967، داخل الكويت وخارجها.

كما شارك في معارض المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب منذ انطلاقه في سبعينات القرن الماضي، وأقام معارض شخصية عدّة في قاعات كويتية وعربية، إلى جانب مشاركاته الفنّية خارج المنطقة.

بين الواقع والتجريد تتشكّل عوالم عبد الرسول سلمان البصرية (الشرق الأوسط)

ولا تنفصل تجربة سلمان عن مسيرته في المشهد التشكيلي الكويتي والخليجي؛ فقد تولّى رئاسة الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية منذ عام 2004، ورئاسة اتحاد جمعيات الفنون التشكيلية الخليجية منذ عام 2008، كما شغل منصب نائب رئيس الرابطة الدولية للفنون منذ عام 2006.

ويقول الفنان: «هي مسؤوليات جاءت متزامنة مع تجربة فنية بقيت فيها مشغولاً بالسؤال عن كيفية انتقال الهوية من جيل إلى آخر، وكيف يمكن التراث أن يظلَّ حاضراً من دون أن يتحول إلى صورة جامدة من زمن مضى».

البحر ومراكب الصيد والخيل والبيوت القديمة والأحياء التي تحمل ذاكرة أهلها، إلى جانب تفاصيل العمارة والحرف التقليدية، كلّها مفردات تتكرَّر في ذاكرة الفنان البصرية. لكنه لا يتعامل معها بوصفها عناصر للزينة أو إشارات إلى زمن مضى، وإنما يجعلها نقطة انطلاق نحو صياغة أكثر رحابة، يلتقي فيها المألوف بالمتخيَّل، وما تعرفه العين بما تبحث عنه خلف الشكل.

ولا تمنح اللوحة عند سلمان أسرارها كلّها للمتلقي من النظرة الأولى. ويقول: «هناك دائماً مساحة أتركها للمُشاهد، ليتوقّف قليلاً أمام العلاقات التي أصنعها بين الخطوط والألوان والكتل والفراغات».

ويتنقل الفنان بين الواقعية والتجريد، داعياً المشاهد إلى الانتقال معه من الصورة التي يعرفها إلى المعنى الذي يمكن أن يكتشفه.

البحر والصيد والعمارة مفردات راسخة في ذاكرة عبد الرسول سلمان البصرية (الشرق الأوسط)

وهذه المسافة بين الواقع والتجريد إحدى السمات اللافتة في تجربته؛ إذ لا يتخلّى عن ملامح البيئة التي جاءت منها أعماله، وفي الوقت نفسه لا يسمح لها بأن تقيّده. ويقول: «أعمل على أن تتحوَّل العناصر التراثية إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل، وتصبح الذاكرة نفسها مجالاً للتجريب، لا مجرّد سجل بصري لما كان».

وتزخر لوحاته بطاقة إنسانية دافئة، تتماهى مع رؤيته التي ترى أنّ الفن يبدأ من الإحساس قبل أي شيء آخر، وأنّ مهمّة الفنان لا تتوقف عند التعبير عما يراه، وإنما تمتدّ إلى نقل أثره إلى الآخرين، بصورة مباشرة أو عبر إيحاءات أكثر هدوءاً.

ومن هنا، تتمتّع أعماله بنبرة إنسانية تتجاوز حدود المكان؛ فحتى عندما يستعيد مشهداً من البيئة الكويتية القديمة، يترك فيه منفذاً لمشاعر يمكن للمتلقّي أن يتعرَّف إليها من تجربته الخاصة.

ويتوقف الفنان عند التحوّل الذي طرأ على مفهوم الجمال وأساليب التعبير الفنّي: «الجيل الأول من التشكيليين في الحركة الفنّية الكويتية كان أكثر التصاقاً بما عاشه من تفاصيل البيئة الخليجية، من الألعاب والرقصات الشعبية إلى العمارة القديمة، فيما أصبح من الضروري اليوم أن يُعاد النظر في طريقة تناول تلك المفردات من خلال أدوات الفنّ المعاصر».

وهنا تكمن المسألة التي تشغل سلمان: كيف نحافظ على جذورنا من دون أن نكرّرها؟ وكيف نستفيد من التراث من دون أن نحوّله إلى قالب جاهز؟

من أحياء الكويت القديمة يستمدّ عبد الرسول سلمان مفرداته البصرية (الشرق الأوسط)

وبالنسبة إليه، «لا تكمن المعاصرة في إدارة الظهر للماضي، وإنما في القدرة على إعادة اكتشافه، ثم منحه لغة جديدة يستطيع بها أن يخاطب إنسان اليوم».

ويستحضر الفنان في هذا السياق أثر الحضارات المختلفة في تطوّر الفن، مشيراً إلى أن الحضارة الإسلامية تركت حضوراً واضحاً في الزخرفة واللون والتكوين، وأنّ تفاعل الفنون بين الشرق والغرب ظلَّ عبر التاريخ طريقاً متبادلاً للتأثير والتأثر.

وينهي عبد الرسول سلمان كلامه قائلاً: «الفنان العربي يمتلك إرثاً بصرياً ثرياً يعبّر عن إبداع معاصر أصلي وأصيل».