على عكس الأعمال المنقولة من اللغات الأجنبية إلى العربية

الأدب العربي بعد ترجمته.. جهد ضائع في سوق القراءة الأجنبية

د. جمال الجزيري و د.خالد عبداللطيف رمضان و د. رشا الغانم و غلاف «موسم الهجرة  إلى الشمال» للطيب صالح بالإنجليزية غلاف «في حضرة الغياب».. مختارات من شعر درويش بالإنجليزية
د. جمال الجزيري و د.خالد عبداللطيف رمضان و د. رشا الغانم و غلاف «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح بالإنجليزية غلاف «في حضرة الغياب».. مختارات من شعر درويش بالإنجليزية
TT

على عكس الأعمال المنقولة من اللغات الأجنبية إلى العربية

د. جمال الجزيري و د.خالد عبداللطيف رمضان و د. رشا الغانم و غلاف «موسم الهجرة  إلى الشمال» للطيب صالح بالإنجليزية غلاف «في حضرة الغياب».. مختارات من شعر درويش بالإنجليزية
د. جمال الجزيري و د.خالد عبداللطيف رمضان و د. رشا الغانم و غلاف «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح بالإنجليزية غلاف «في حضرة الغياب».. مختارات من شعر درويش بالإنجليزية

طموح مشروع أن يرى الأديب أعماله وقد ترجمت إلى اللغات الأجنبية، بل إن قصور الترجمة في الوطن العربي إلى اللغات الأخرى، يدفع بكثير من الأدباء لأن يترجموا أعمالهم على حسابهم أملاً في أن تصل أفكارهم إلى العالم. ولكن الذي يحدث على أرض الواقع، أن هذه الجهود الفردية المكلفة والمضنية غالبًا ما تذهب عبثًا، فلا نجد صدى جماهيريًا للأعمال العربية المترجمة، بعكس الأعمال الأجنبية التي تترجم إلى العربية ونجد لها رواجًا كبيرًا في سوق الكتب. وأيضًا فإن الأدباء العرب الذين كتبوا أعمالهم بلغات أجنبية حققوا حظوة جيدة لدى الغرب وبعضهم حصل على جوائز عالمية.
هذه التساؤلات حملتها إلى عدد من الأكاديميين والنقاد والمتخصصين في الترجمة، لنقف على حقيقة الأسباب المؤدية إلى هذا الفشل.. إن صحت قسوة التعبير.
الدكتور مصطفى الضبع، ناقد وأكاديمي من مصر، يرى أن هذا السؤال يكتسب أهميته من وقوفه على واحدة من أهم القضايا التي لم تطرح من قبل: «تلك القضايا الكاشفة عن كثير من الأسئلة غير المطروحة التي من شأنها أن تفيد من الوعي النقدي». ويضيف: «تتسع مساحة الإجابة عن السؤال لتشمل عددا من الدوائر ذات التأثير، تلك التي لا يمكن حصرها في دائرة واحدة، ويكون من الصعوبة بمكان أن نقصرها على عامل واحد»، ويفصل الدكتور مصطفى الضبع الأمر بقوله: يمكن بلورة هذه الدوائر فيما يلي:
1- النقد، حيث تفتقد الساحة العربية لحركة نقدية منظمة تقوم عليها مؤسسة علمية (غابت الجامعات والأكاديميات المتخصصة)، وهي حركة من شأنها تفعيل الدائرة الثلاثية: إبداع (ينتج)، نقد (يصطفي من المنتج)، ترجمة (تختار من المصطفى).
2- الجوائز: الجوائز العربية والمسابقات الإبداعية في جانب كبير منها تفتقد مصداقيتها حين تختار أعمالا على أسس سياسية أحيانا وتقوم آلياتها على اختيار أعمال ضعيفة المستوى (يمكن التدليل على ذلك بأعمال متعددة فازت بجوائز لا تستحقها) لذا أرى أنه من الأنسب توسيع لجان التحكيم لتضم نموذجا للقارئ العادي الذي يغيب دون مبرر، فلجان التحكيم حتى الآن تقتصر على نوع واحد فقط (النقاد) دون غيرهم.
3- الإعلام (عامة) والصحافة الأدبية (خاصة): تتعدد دور النشر في كل بلد عربي وتصدر المطابع أعمالا يوميا تقريبا وفي المقابل يغيب دور الصحافة الأدبية في كثير من بلدان الوطن العربي، ولم تستطع الصحافة الأدبية (في الغالب) أن تقدم أو تسهم في تقديم مشروع نقدي يعمل على تقديم الخارطة الإبداعية ويقول: «شخصيا تقدمت بأربعة مشروعات نقدية لأربع دوريات، فقط - مشكورة - تبنت مجلة البيان الصادرة عن رابطة أدباء الكويت المشروع المقدم لها وتقاعست الدوريات الأخرى».
4- الترجمة: المترجم المستقل يعتمد على الترجمة للعربية وليس منها، إذن هو لا يوظف معرفته بثقافته في انتقاء أعمال يدرك قيمتها في بيئته، والترجمة في الغالب يغلب عليها طابع العلاقات الشخصية، لقد تركنا المترجم الغربي يترجم النص العربي وفق معاييره هو، وفق معايير شعبية النص وجودته في بيئته العربية، والمؤسسات المعنية بالترجمة تعمل في الغالب من ناحية واحدة.. نقل المترجم للعربية وليس منها.
5- المؤسسة الثقافية: وأعني بها اتحادات الكتاب أولا ثم اتحاد كتاب العرب ثانيا الذي لا يعمل على تقديم مشروع يستهدف خدمة الإبداع العربي، ثم الناشر ثالثا الذي ينحصر دوره في النشر دون العناية بما يسمى خدمة ما بعد النشر والتوزيع كما أن بعض دور النشر تسهم في تفشي ظاهرة مزيفة أعني ظاهرة البيست سيلر (best seller).
6- المؤسسة السياسية / الثقافية العربية خارج الحدود: السؤال الذي يطرح نفسه عن دور الملحقيات الثقافية ومراكز الثقافة العربية في الخارج والتي لم تتضافر جهودها أو تجتمع أفكارها في مشروع يعمل على تقديم الثقافة العربية بوصفها كيانًا واحدًا لا كيانات منفصلة.
7- المبدع: (أحيانا) يعمد بعض الكتاب إلى الكتابة وفق شروط الترجمة وهو ما يجعل أعمالهم مقيدة بشروط لا تخص الفن بقدر ما تخص الموضوع الذي يتماشى مع آيديولوجية المترجم.
ويختتم الدكتور مصطفى الضبع تحليله بالقول: «هذه العوامل جميعها تفضي إلى ظاهرة ضعف مستوى الأعمال المترجمة ومن ثم عدم رواجها جماهيريا في الغرب».

أعمال باهتة وسماسرة أجانب

أما الدكتور عبد السلام المساوي الأكاديمي والناقد من المغرب، فيعتقد بأن الأسباب التي تجعل الأعمال الأدبية العربية المترجمة هامشية لدى القارئ الأجنبي هي أن الموضوعات المطروقة في هذه الأعمال، وخصوصا الروائية منها، لا تثير فضول هذا القارئ الباحث دائما عن الطرافة والغرابة والشذوذ. وكثير من هذه الموضوعات لن تمررها الرقابة العربية ولن تسمح بذلك آلياتها الدينية والاجتماعية والسياسية. ومن ذلك أيضا، يتابع الدكتور عبد السلام المساوي، أن معظم الأعمال التي تحظى بالترجمة هي أعمال باهتة، وُجِدَ أصحابها في مؤسسات أو مواقع سلط ثقافية، أو لهم سماسرة في هذا البلد الأجنبي أو ذاك.ويرى بأن هذا سلوك مفضوح أصبحنا نعيشه في أقطارنا العربية، وله انعكاسات سلبية جدا على مكانة الأدب العربي المعاصر لدى القارئ الأجنبي التواق إلى الاطلاع على النماذج المشرقة منه، علاوة على تفويت الفرص وإقصاء أعمال كان حريًا أن تنقل إلى اللغات الأجنبية لقيمتها الفكرية والجمالية الرفيعة. وأستطيع أن أذكر لك أسماء كثيرة لنساء ورجال ما إن أصدروا عملهم الأول أو الثاني حتى طوَّقوه بالمترجمين من اليمين ومن اليسار ومن فوق ومن تحت!!
ويضيف الدكتور المساوي: «بالأمس القريب كنا نفرح ونحن نقرأ عن بعض الأعمال التي حققت مكانتها الأدبية عربيا وبعدها انتقلت إلى اللغات الأخرى دون أن يسعى أصحابها إلى ذلك، والأمثلة كثيرة: الطيب صالح، وطه حسين، ونجيب محفوظ، ومحمد شكري، وأمل دنقل، ومحمود درويش، وأدونيس... واللائحة طويلة. إذن، فالأدب العربي المعاصر لا يفتقد إلى النماذج الباهرة التي تستحق أن تترجم وتنتقل إلى القارئ الأجنبي بعيدا عن مشوشات الفساد الثقافي.. واليوم صرنا نتوجس من وجود ميلشيات للترجمة ومحتكريها.

ترجمة المحسوبيات لا الكفاءات

الأكاديمي الناقد الدكتور خالد عبد اللطيف رمضان من الكويت يحلل الظاهرة بقوله:
لعل هناك عدة عوامل مجتمعة تسهم في عدم رواج الإبداعات العربية المترجمة إلى لغات أخرى، أولها خصوصية اللغة العربية وجمالها، فإذا ترجمت فقدت الكثير من رونقها وجمالها، فالنص الذي يعجبنا باللغة العربية قد لا يعجبنا إذا نقل إلى لغة أخرى، يضاف إلى ذلك حداثة عهدنا قياسا إلى الأمم الأخرى في الفنون السردية، ويضيف الدكتور خالد عبد اللطيف رمضان: «نحن نتلقف الإبداعات العالمية المتميزة ونترجمها إلى لغتنا وإعجابنا بها نابع من تميزها بتكنيك السرد لا بجمال لغتها، وكثير من الإبداعات العربية التي ترجمت إلى لغات أخرى لم تترجم لتفردها وتفوقها وإنما المجاملات والمحسوبية لهما تأثيرهما في مجتمعاتنا العربية مما يدفع بأعمال دون المستوى للترجمة إلى لغات أجنبية أخرى وإعطاء صورة سلبية للإبداعات العربية. أما إذا كتب مبدع عربي بلغة أخرى فإنه من المؤكد متمكن من هذه اللغة، ولم يكتب إلا لكونه متميزا في مجاله لذلك تلقى كتبه الرواج والاهتمام. أما الشعر العربي فسحره في تراكيبه اللغوية وإذا ما ترجم فقد معظم ما يميزه وانتفت عبقريته.

التمييز بين ثلاثة أنواع

الدكتور جمال الجزيري متخصص في الترجمة وله كثير من الأعمال الصادرة بهذا الشأن يميز بين ثلاثة أنواع من الأعمال الأدبية العربية التي تتم ترجمتها إلى اللغات الأجنبية: الأعمال التي تترجم بسبب موضوعاتها، والأعمال التي تترجم بسبب جودتها الفنية، والأعمال التي تترجم بسبب المجاملة أو الشللية.
ويقول: بالنسبة للأعمال التي تترجم بسبب موضوعاتها، فهي تلقى رواجا لدى فئة معينة من القراء الغربيين، مثل أعمال علاء الأسواني وأعمال نوال السعداوي. وأظن أن سبب رواجها هو كسرها للتابوهات العربية وتمثُّلها لرؤية العالَم لدى الجمهور الغربي. وهذا هو الاتجاه السائد في الترجمة إلى اللغات الأجنبية، فتتم ترجمة الأعمال التي تتمثّل النموذجَ الغربي في النظر للحياة، وهذا يندرج من وجهة نظري تحت العولمة الثقافية بمنظورها الغربي.
أما الأعمال التي تترجم بسبب جودتها، حسبما يقول الدكتور جمال الجزيري، فلها جمهورها، ولكنه جمهور قليل بالمقارنة بالفئة الأولى. ويحتاج انتشارها لدى القارئ الغربي إلى وقت طويل. أما الأعمال التي تترجم بسبب الشللية أو المجاملة، فانتشارها محدود بالطبع في نطاق المكتبات المشتركة في إصدارات دار النشر.
ويعود الدكتور الجزيري إلى الأسئلة الرئيسية، فيقول: تروج لدينا الأعمال الغربية المترجمة للعربية لسبب رئيسي، وهو أنها تقدم شيئا ليس موجودا بكثرة في أدبنا العربي: وهذا الغياب النسبي يرجع لسببين: أولا، بعض الأعمال الغربية بها عمق إنساني كبير مفتقد لدينا، فليست مجرد شعر أو حكي، وإنما تقدم تجربة إنسانية عميقة لكتّاب يعيشون في عمق الحياة ويستطيعون أن يجسدوا عمق الصراعات والتطلعات الإنسانية. وثانيا، عنصر التشويق غالب على كثير من الأعمال الغربية المترجمة حتى لو لم يكن بها عمق إنساني.
ويعتقد أن عدم انتشار الأدب العربي في العالم الغربي، فالأمر يرجع في الأساس إلى عدم وجود مؤسسات ترجمة عربية أو أجنبية تهتم بتقديم الأدب العربي بصورة شاملة للقارئ الغربي. فمعظم جهود الترجمة جهود فردية يقوم بها مترجمون أجانب أو عرب لهم علاقة بدور نشر أجنبية ويستطيعون أن يقنعوها بنشر ترجمة هذا العمل أو ذاك، أو مؤسسات قليلة مثل الجامعة الأميركية في القاهرة، وترجماتها تكون انتقائية في الغالب ووفقًا لمعايير خاصة لا تبتغي تقديم صورة حقيقة للأدب العربي، وإنما تنتقي بعض الأعمال التي تخدم أهدافها. «وأنا شخصيا أنظر إلى مثل هذه المؤسسات - على الرغم من الخدمات العلمية الجيدة التي تقدمها - على أنها ذراع للاستعمار بشكل غير مباشر». ويرى أن هناك سببا أساسيا آخر يتعلق بالأدب العربي ذاته، وهو عدم وجود مشروع أدبي عربي إنساني، بمعنى أن الكثيرين من الكتاب العرب - مثلهم مثل المواطنين العرب - لا يعرفون معنى الحياة، ويعيشون على حافتها أو سطحها ويتهيبون الولوج أو الغوص فيها، وبالتالي تأتي كتاباتهم عبارة عن قشور لا تهم أحدا إنسانيا في كثير من الأحيان.

نقد وتقييم وجوائز

الدكتور فيصل الحولي أكاديمي وناقد من الأردن يقول:
إن جلّ ما حركته أسئلتك يدخل ضمن ما يطلق عليه (عالمية الأدب) وهو مصطلح ينص على ارتقاء نص أدبي ما إلى مستوى الاعتراف العالمي لعظمته وفائدته خارج حدود لغته ومنطقته والإقبال على ترجمته ودراسته. ويقول الدكتور فيصل الحولي: «إن العمل الأدبي لا يدخل دائرة العالمية بمجرد توافر مواصفات إبداعية فيه وإنما لا بد له من توافر مجموعة من العوامل منها وسائل الاتصال الثقافي من ترجمة ونقد وتقييم وجوائز وطنية وعالمية. وعليه فإنه من الضروري أن تتوافر شروط في العمل الأدبي ليصل إلى مستوى العالمية منها: عامل فني يتمثل في جودة العمل الأدبي من الناحية الفنية والمضمونية ويترتب على ذلك أن يكون النص إبداعيًا وراقيًا» ومنها، كما يقول الدكتور الحولي، «عامل توسيطي ويتمثل في كيفية توصيل تلك الأعمال إلى العالم عبر قنوات التواصل ترجمة ونشر»، وهنا يتساءل الدكتور الحولي: هل الترجمة التي نقل بها الأدب العربي إلى اللغات الأجنبية هي ترجمة ذات نوعية متطورة، وهل حظي الأدب العربي باهتمام دور النشر الكبيرة في العالم؟ أما العامل الثالث باعتقاد الدكتور الحولي فهو التلقي النقدي المتمثل في النشاطات النقدية والتفسيرية التي تدور حول العمل الأدبي في الثقافة الأجنبية.

تجربة حقيقية

الدكتورة رشا غانم مُدرسة النقد الأدبي بالجامعة الأميركية في مصر، فتخبرني بأحداث واقعية جرت معها فتقول: «أتحدث إليك عن تجربة حقيقة لي أثناء تدريسي لكورس النقد لمجموعة من الباحثين الأجانب في الجامعة الأميركية بالقاهرة 2009م لاحظت أن أغلبهم قد حصل على الماستر في التراث العربي فقال لي أحدهم وهو الآن بروفسور في جامعة أوكلاهوما بالولايات المتحدة الأميركية واسمه توماس هافتر إنه حصل على الماستر في الجاحظ، وهو من الأدباء العرب القدامى المشهورين من أشهر كتبه (البخلاء) و(البيان والتبيين) ت:255هـ 868م وأخذ يسرد لي كيف التعامل مع كتب التراث في البداية كان يمثل له صعوبة كبيرة فقلت له لماذا اختارت التعامل مع كتب التراث في فترة مبكرة من حياتك قال لي: (لأن الكتب التي تم تأليفها قديما أطمئن إليها ففيها ثقافة عربية خالصة ونحن عندما ندرس هنا نذهب إلى جامعتنا لنلتحق بكرسي الشرق الأوسط، وهو المكان المخصص لكل الدراسات الشرق أوسطية)، وهذا يدل على أن أغلب التراجم الحديثة المترجمة من العربية للأجنبية لا تحقق حضورا لديهم على عكس الترجمات الأجنبية التي تحدثت عن العرب وحضارتهم تلقى قبولا في القراءة عندهم، أما بالنسبة للقارئ العربي فإن المترجم من الأجنبية للعربية يلقى حضورا لديه من وجهة نظري لأننا قانعون أن مستوى ما يقدم لدينا من بلاد الغرب هو الأكثر وعيا وفكرًا».



حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران
TT

حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة وما بعد الحداثة راح يصفق بكلتا يديه لثورة الخميني الظلامية المندلعة عام 1978. كان فوكو في ذلك الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلك لأن سارتر كان على وشك الرحيل بعد أن عمي تماماً، ولم تبقَ له سنتان أو أقل لكي يموت. علاوة على ذلك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. وهكذا ركب فيلسوفنا الكبير الطائرة وذهب إلى طهران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المذكورة، بالإضافة إلى الجريدة الإيطالية الشهيرة «كوريير ديلا سيرا». وقد سافر مرتين إلى طهران من 16 إلى 24 سبتمبر (أيلول) 1978، ومن 9 إلى 15 نوفمبر (تشرين الثاني): أي أقام ثمانية أيام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الرحلتين ضباط الشاه الكبار، وقادة المعارضة العلمانيين. ثم قابل بشكل خاص كبار رجال الدين، ومن بينهم آية الله شريعة مداري. هذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي:

كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. وكان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين. وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية المدمرة. ولذلك رأى في هذه الثورة المتفجرة بالملايين نوعاً من الإنعاش الروحي في عالم دنيوي إلحادي فقد كلياً معنى القداسة الدينية، والتعالي الرباني. المقصود بذلك عالم الغرب الذي ينتمي إليه، لأنه هو شخصياً كان ملحداً عدمياً نيتشوياً.

لاحظوا المفارقة الكبرى هنا: هذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ الله أعلم. وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: ماذا فعل فوكو في إيران؟ لقد انتصر للقدامة ضد الحداثة، وللثيوقراطية ضد الديمقراطية، وللنزعة اللاهوتية الكهنوتية ضد الفلسفة العلمانية التنويرية. لقد أبدى إعجابه الشديد بكيفية سيطرة رجل واحد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يسحرهم سحراً. فالخميني بشريط تسجيل واحد كان قادراً على تهييج إيران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فوكو، وأعجبه كل الإعجاب، وأخرجه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والنقلية. ثم أبدى إعجابه الشديد باستعداد هؤلاء المتظاهرين المليونيين للتضحية بأرواحهم ودمائهم من أجله. واعتقد فوكو أن ذلك أفضل من كل برلمانات العالم، وكل ديمقراطيات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة.

لقد نشر فوكو مقالة بعنوان: «الشاه متأخر عن عصره مائة عام». لا حظوا المفارقة: الشاه الذي حدث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب العلمانية الديمقراطية هي المشكلة، وهي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الذي يعيش كلياً في غياهب العصور الوسطى، وظلماتها. الشاه الذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الرجعي، والخميني الذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي.

لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانة الفساد الذي كان ينخر في نظام الشاه البائد، ومعلوم أن جماعته -بل وعائلته- كانت تسيطر على الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ في الصرف على الأمجاد الساسانية الغابرة السابقة على الإسلام. وكل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصوليين الإيرانيين كانوا يكرهون الغرب، ويكرهون الحداثة الرأسمالية أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لقد نالوا إعجابه إلى درجة أنه راح يقيم التضاد بين ملك طاغية مستبد من جهة وإنسان «قديس» ومنفي فقير من جهة أخرى. لاحظوا الأمر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الصالحين في نظر فوكو الملحد! وراح أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس يمجد الخميني ويقول: ما أروع هذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعباً بأسره، ويتصدى بيدٍ عارية للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غالياً لاحقاً. هكذا نلاحظ أنه في نظر هذا الفيلسوف العتيد فإن الشر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخرى. ثم بلغ العمى الفكري بميشيل فوكو مبلغه عندما راح يقول: هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي ينادي به الخميني لا يعني أن رجال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كتب فوكو هذا الكلام كان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويمرح في طهران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور في النظام اللاهوتي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء...

يقول أحد العارفين أيضاً معلقاً:

الشيء الذي كان يسحر ميشيل فوكو في الثورة الإيرانية هو تشكيل مجتمع مستلهم من قبل التعالي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كان يسحره هو الروحانية السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمات الكبرى للمسيحية. ثم يردف فوكو قائلاً: أكاد أسمع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هذا الكلام. ولكنهم مخطئون. وراح يتوهم أن الحكومة الإسلامية سوف تجسد في السياسة شيئاً جديداً نسيه الغرب كلياً: ألا وهو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. ما هذا الهراء؟ فوكو يريد العودة إلى ما قبل عصر النهضة، بل إلى ما قبل عصر التنوير. إنه يريد العودة إلى عصر الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. باختصار شديد، إنه يريد العودة إلى القرون الوسطى الثيوقراطية الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة في الكوليج دو فرانس... أين نحن؟

ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلاً:

الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي الأول من فبراير (شباط) 1979 عاد الخميني إلى طهران، وشكل نظاماً ثيوقراطياً يتحكم رجال الدين بكل مفاصله. وراحوا يقطعون الرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع.

هكذا نلاحظ أن فوكو أخطأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آية الله الخلخالي، وسواه، فقد لزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بصق على كل ما كتب، وفعل. ويقال إنه لزم بيته بضعة أسابيع قبل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خجلاً من نفسه، ومن الناس... كيف يمكن أن تخطئ إلى مثل هذا الحد يا رجل وأنت الفيلسوف الشهير؟ لقد عض على أصابعه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا درس لكل المثقفين الذين يناصرون قضية أخرى غير قضيتهم، بل ومضادة لقضيتهم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والشيوعيين -بل وحتى الليبراليين الإيرانيين- انضموا كلهم إلى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثم سرعان ما قطع رؤوسهم بعد أن وصل إلى السلطة، واستتب له الأمر. لا يريد مثقفين تقدميين متنورين في إيران الجديدة. يريد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله.

أخيراً ابتدأ الشعب الإيراني يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تحمس لها بالملايين قبل نصف قرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عدا الثورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688 إلى الثورة الأميركية عام 1776 إلى الثورة الفرنسية عام 1789 كانت ضد الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاستثناء. لقد كانت مضادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مفيد، ولم تتقدم إلى الأمام، وإنما أعادتنا قروناً إلى الوراء. إنها ثورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامي محمد أركون يوماً ما. والأنكى من ذلك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يصدرون؟ هل يصدرون فكر العصور الوسطى وظلامياتها؟ هل يصدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية.


فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم
TT

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

تحمل فيروز معاني كثيرة داخل كل منا، فهي جمال الصوت المبهر وروعة الإحساس وذكريات الصبا ونسمة عذبة باردة تصفع وجوهنا برقة في صباحات رائقة ونحن نحتسي القهوة، لكنها ليست كذلك لدى الروائي السوري نبيل الملحم، إنها بالأساس طريقة لفهم الضوء حين يهبط على البحر، وطريقة لسماع الجبل وهو يتكلم، وطريقة لتصديق أن اللغة تستطيع أن تصبح بيتاً.

في كتابه «السيدة – تمرين على النجاة»، الصادر في نسخة إلكترونية حرة بعيداً عن دور النشر، يتساءل الملحم: هل من مغنية في تاريخ الإنسان تحمل كل هذه الأثقال؟ ويجيب بتأكيد قاطع: نعم، إنها السيدة فيروز، ثم يشرح فكرته مستعيناً بأدوات التشريح الفلسفي والرؤى الشاعرية والتحليل اللغوي والتأملات العميقة التي تمزج بين روح الشعر وبصمة النقد الموسيقي.

يشير الملحم إلى أنه ابن سوريا التي كانت تبحث منذ أزلها، عن نافذة تطل على البحر، فكانت فيروز ذلك البحر، حدث ذلك قبل أن تعرف الحدود السياسية طريقها إلى الأغنيات، حيث كان صوتها يعبرها كما يعبر الضوء زجاج النافذة.

في البيوت السورية، كما في البيوت اللبنانية، لم تكن فيروز ضيفة، كانت من أثاث الصباح، ومن رائحة القهوة، ومن برودة الماء في الجرار، ومن ذلك الحنين الذي يسبق الإنسان حتى قبل أن يعرف كيف يترجم مفردة «حنين» في طوايا نفسه.

يقول: «... كلما سمعت صوتها، شعرت أن المتوسط يغني نفسه، ليس البحر بوصفه ماءً، بل بوصفه ذاكرة، ذلك البحر الذي مر عليه الفينيقيون، والإغريق، والرومان، والعرب، والصليبيون، والعثمانيون، وكل من ظن أنه امتلكه، بينما كان البحر يحتفظ بسره كله في أغنية».

من هنا، يضيف: لم يصنع الرحابنة مدرسة موسيقية فحسب، بل أعادوا اختراع المكان، قبلهم كانت القرية مكاناً جغرافياً، وبعدهم أصبحت حالة روحية. لم تعد «بكفيا» أو «أنطلياس» أو «بشري» أو «زحلة» أو «بحيرية»، مجرد أسماء على الخرائط، صارت استعارات للإنسان نفسه، حتى الذين لم يزوروا لبنان قط، كانوا يعرفونه من خلال موسيقى الأخوين رحباني، كما يعرف المؤمن مدينته المقدسة من كتاب لم يزر أرضه.

ويذكر المؤلف أنه «حين يقول الرحابنة، لا يتحدث عن ملحنين فقط، بل عن فلاسفة أخفوا فلسفتهم داخل الأغنية، كانوا يعرفون أن الأفكار الثقيلة تموت سريعاً، بينما تعيش الفكرة إذا مشت حافية داخل لحن، ثم جاءت اللغة، ذاك الاكتشاف اللبناني العظيم، حين خرجت من المحكية كونها لغة البيوت إلى كونها لغة الشعر، فمن ميشال طراد مروراً بجوزيف حرب، وصولاً إلى طلال حيدر، لم تعد العامية لهجة، بل أصبحت وطناً آخر للقصيدة».

لقد كان هؤلاء، كما يضيف، يكتبون كما لو أنهم ينقذون الكلمات من عزلتها، ويعيدونها إلى فم الأم، وإلى رائحة التراب بعد المطر، وإلى الحجر الذي جلس عليه عاشقان على «صخرة الروشة»، وقد استبدلا بالانتحار العناق بعد أن استبدت بهما الأغنية. كانت فيروز الجسد الموسيقي لتلك اللغة، وبالتالي فإن الكتابة عنها ليست كتابة عن السيدة المطربة، بل عن الحضارة حين تنجو من الخراب.

إنه لهذا بالضبط تتجاوز فيروز التاريخ الرسمي، ذلك الذي يروي أسماء المنتصرين، أما الأغاني، فتروي أسماء الناجين، التاريخ الرسمي يشبه الجنرالات، يمشي وينظر إلى الأمام فقط، أما الثقافة، فإنها تمشي وهي تنظر في كل الاتجاهات، ولعل هذا ما جعل نبيل الملحم يشعر دائماً بأن الرحابنة لم يكونوا يكتبون للبنان وحده، كانوا يكتبون للمشرق الذي لم تستطع السياسة أن تصنعه، وأن هناك فرقاً هائلاً بين أن تؤسس دولة، وأن تؤسس خيالاً... الدولة تحتاج إلى حدود، أما الخيال، فيحتاج إلى نافذة.

الرحابنة فتحوا نافذة، دخل منها السوري، والفلسطيني، والأردني، والعراقي، والمصري، وربما اليوناني أيضاً، دون أن يسأل أحد عن جواز سفره، فهم لا يعترفون بالحدود إلا بوصفها سوء تفاهم مؤقتاً بين البشر.

المدهش أن الملحم كلما فكر في «فيروز»، اكتشف أنه لا يتذكر صوتها أولاً، بل صمتها. قد يبدو هذا تناقضاً، لكنه ليس كذلك، فهناك أصوات تملأ الفراغ، وهناك أصوات تكشفه. الأصوات الأولى تخيف الصمت وتضاده، أما الثانية فتتصالح معه، والفرق الحقيقي بين مغنٍّ عظيم ومغنٍّ خالد، هو أن الأول يملك صوته، أما الثاني فيملكه الصمت الذي يحيط بصوته.

ربما لهذا السبب لم تكن «فيروز» تغني كما يغني الآخرون. كانت تبدو في كثير من الأحيان، كأنها لا تؤدي الأغنية، بل تنصت إليها، بل تتكون في مكان لا تراه العين. لم تكن تفرض صوتها على الكلمات، بل كانت الكلمات هي التي تستدعي ذلك الصوت، كما تستدعي الأرض المطر حين تبلغ عطشها الأخير، ولعل هذه هي أول علامة على أن الفن تجاوز صاحبه، حين يتوقف الفنان عن قيادة العمل، ويصبح العمل هو الذي يقوده.

ويخلص المؤلف في كتابه الشيق قائلاً: «إنه من هذه الزاوية، تبدو (فيروز) أقرب إلى اختراع حضاري منها إلى موهبة فردية، الموهبة تفسر شيئاً واحداً: لماذا استطاعت أن تغني؟ لكنها لا تفسر لماذا أصغى إليها هذا العدد الهائل من البشر، على امتداد أكثر من نصف قرن، من دون أن يملوا؟».

هناك شيء آخر كان يعمل في الخفاء، شيء يتجاوز الصوت، وربما يتجاوز الموسيقى نفسها.

السر لم يكن في الحنجرة، بل في الثقة، ذاك الصوت كان يثق بالعالم، حتى حين كان العالم يفقد ثقته بنفسه، وهذه ليست صفة فنية، إنها صفة أخلاقية، ولهذا بقيت «فيروز» في أكثر اللحظات دموية في المشرق، تبدو وكأنها تتحدث من مكان لم تصله الحرب بعد.

ليس لأنها تجاهلت الحرب، بل لأنها كانت تعرف أن الحروب، مهما طالت، لا تملك المستقبل... الحرب تعيش في الزمن، أما الجمال، فيعيش خارجه، ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا، بعد كل هذه العقود، نتذكر أغنية، وننسى بياناً عسكرياً.


«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ
TT

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

في المجموعة القصصية «على هامش الحياة» للكاتب مصعب البدور الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» بالأردن (2026)، نشهد استحضاراً للذاكرة الجمعية لجيلٍ أردني عاش حياةً بسيطة وقيماً أصيلة تتجسد في التعاون والرضا والقدرة على التكيّف مع قلة الإمكانات.

والقصص الواردة في المجموعة، كما كتب الناشر، «ليست تسجيلاً لأحداثٍ وقعت لأشخاص بعينهم، وإنما هي صور فنية مستوحاة من الواقع الاجتماعي والذاكرة المشترَكة لذلك الجيل، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال لتجسّد تحولات الحياة من الماضي البسيط إلى الحاضر المعقّد، وتحافظ على تفاصيل وتجارب إنسانية تثير الحنين وتعبّر عن هوية المجتمع وقيمه».

يرى البدور الحياة بأكملها هي المتن الأساسي، ويعدّ كل القصص الواردة في مجموعته هوامشَ لهذا المتن الكبير، فتلك حكايات «على هامش الحياة»، حكايات أكثر إبانةً وكشفاً عن المكنون والذاكرة والنَّفس. انتظمت المجموعة في تسع حواشٍ، «تتّفق جميعها في التعبير عن ذاكرة الطفولة لجيل كامل».

يربط بين نصوص المجموعة حضور الطفل الذي يكبر جسده في حين تظلّ طفولته حاضرة في ذاكرته، فالخيال الطفولي يتحوّل وسيلةً لمقاومة الفقر والحرمان، ثم ينقلب مع الزمن تأمّلاً في آثار التربية والعائلة والمجتمع على النفس الإنسانية. وتظهر العلاقات الأسرية بوصفها المحور الأكثر تأثيراً؛ فالأب والأم والإخوة هم القوى التي تصنع الشخصية أو تجرحها أو تنقذها.

كما تشترك القصص في إبراز المفارقة بين براءة الطفولة وعنف الواقع، فألعاب الأطفال تتحوّل حروباً، والمنافسة رغبةً في الانتقام، والبرد رمزاً للقسوة، في حين يصبح الدفء رمزاً للأسرة والأمان. وفي المقابل، تحضر لحظات إنسانية مضيئة، مثل التعاون بين الجيران، والتضامن في مواجهة الأزمات، والصداقة العابرة للاختلافات الدينية والاجتماعية.