في الثامن من ذي الحجة، يوم التروية، ساق رئيس منظمة الحج والزيارة الايرانية سعيد أوحدي، الخطى نحو مشعر «منى» ليلتقي الأمير خالد الفيصل، رئيس لجنة الحج المركزية، حيث قدّم من هناك الشكر للسعودية «إزاء ما تقدمه من خدمات لضيوف الرحمن، والرعاية التي يحظى بها الحجاج الإيرانيون»، مثمنا «الجهود التي بذلتها القطاعات ذات العلاقة لعلاج المصابين جراء سقوط الرافعة في الحرم المكي».
لكنّ بعد ذلك بيومين، صار هناك حديث متصاعد يشكك في إدارة الحكومة السعودية للحج، ويدعو لـ«تدويل» الإشراف على الأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة.. حدث ذلك بعد تصاعد الجدل وتحوله سريعًا إلى سجال سياسي بعد كارثة التدافع في منى.
الدعوة لتدويل الحج ليست جديدة؛ فهي تعود وتتجدد كلما اشتعل الخلاف السياسي؛ قديمًا وحديثًا، حتى خلال فترة الصراع العثماني - الصفوي، كان هناك من يدعو لجعل مكة المكرمة والمدينة المنورة خارج الإدارة العثمانية. لكن فكرة جعل الحرمين الشريفين تحت سيادة أو إشراف جماعي فكرة بائسة وغير واقعية، ليس لأنها تنتقص من السيادة السعودية على أراضيها فقط، وهو ما يعلم الجميع استحالة الإقرار به، ولكن لأن الفكرة في جوهرها تفتقد المنطق والحكمة والتبصر في عواقب الأمور. ومع انزلاق هذه الفكرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومع الفرز الطائفي المشحون بالتعبئة والكراهية، تصبح الأفكار المجنونة مطرزة بالمبررات والحجج.
نعم هي فكرة مجنونة، طرحها معمر القذافي ذات يوم، وطرحتها طهران عدة مرات، وعاد الأتراك وأنصارهم للتلويح بها، وكلهم يعلمون أنها مجرد وسيلة للابتزاز السياسي.. والسبب أن العالمين العربي والإسلامي لم يقدما طيلة تاريخ العمل المشترك منظومة واحدة أو مؤسسة ناجحة.. كل المنظمات الإقليمية ومؤسسات العمل المشترك مؤسسات فاشلة ومحطمة وتفتقد أدنى مقومات النجاح، بل إن كل الدول التي ترتبط عبر منظمة التعاون الإسلامي أو الجامعة العربية، تبحث لنفسها عن تحالفات قوية خارج منظومة العمل المشترك، حتى الدورات الرياضية العربية والإقليمية هي دورات ضعيفة ومهلهلة. لقد شاهد العالمُ العربَ يحولون قممهم ومؤتمراتهم إلى مناسبة للصراعات والخلافات، وحتى البطولات الكروية صارت مناسبات للعصبيات والضغائن والعنصريات، فكيف يمكن لهؤلاء أن يعملوا جنبًا إلى جنب في عمل موحد ومتناسق ومنظم وسلمي وحضاري في أقدس بقاع الأرض؟!
شيء آخر؛ لنتصور، ولو لحظة، أن هذه الدول العربية والإسلامية كان لها نفوذ مشترك في الحج.. عندها لن تكون الحوادث المؤسفة وحتى الكوارث مجرد حالات عفوية أو نتيجة خطأ بشري، بل فجائع منظمة. لو سمح لكل سلطة عربية أن تمارس سطوتها في الحج، لتحولت هذه المناسبة إلى فرصة لاقتناص المعارضين وملاحقتهم والتنكيل بهم.. ثم مَن يمكنه أن يحاسب عشرين نظامًا عربيًا أو خمسين حكومة إسلامية إذا حدث أي خلل أو نقص أو تقصير؟
لم نتحدث عن المسؤوليات المالية التي تتنصل منها كل الدول قبل أن يجف حبر الإقرار بها والتعهد بتحملها، هل نسيتم احتجاز طائرة الأمين العام لجامعة الدول العربية (السابق) عمرو موسى في مطار القاهرة «لحين التأكد من سداد 152 دولارًا قيمة تموينها بالوقود قبل مغادرتها إلى مدينة سرت الليبية»، وأن «الموظفين رفضوا سحب سيارة الوقود من أمام الطائرة إلا بعد التعهد بسداد القيمة بالدولار».
في ظل الحوادث والكوارث نحتاج إلى بصيرة العقل، وسلاح المنطق، وصرامة العدل، وقوة الإيمان، أكثر مما نحتاج للأفكار المجنونة.
8:32 دقيقه
«تدويل» الحج.. فكرة بائسة!
https://aawsat.com/home/article/463936/%C2%AB%D8%AA%D8%AF%D9%88%D9%8A%D9%84%C2%BB-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC-%D9%81%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D8%A6%D8%B3%D8%A9
«تدويل» الحج.. فكرة بائسة!
«تدويل» الحج.. فكرة بائسة!
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

