شاشة الناقد

تمارا دوبسون في «كليوباترا جونز» (وورنر)
تمارا دوبسون في «كليوباترا جونز» (وورنر)
TT

شاشة الناقد

تمارا دوبسون في «كليوباترا جونز» (وورنر)
تمارا دوبسون في «كليوباترا جونز» (وورنر)

يدفعنا رحيل الممثل ريتشارد راوندتري قبل يومين، لاستعراض ثلاثة أفلام من الفترة التي شهدت ازدهار موجة البطولة السوداء

Shaft

خراج: غوردون باركس

الولايات المتحدة 1971

(جيد)

لم يكن الممثل الراحل سيدني بواتييه أول ممثل أسود يظهر على الشاشة الأميركية، لكنه كان النجم الذي جذب المشاهدين من الأعراق الأميركية المختلفة ووجوده ساعد هوليوود لإتاحة المزيد من الفرص للممثلين الأفرو - أميركيين.لكن بواتييه لم يكن فارس أفلام أكشن، بل كان ممثلاً درامياً لعب أدواراً متعددة في إنتاجات من النوع العاطفي والاجتماعي غالباً. أما ريتشارد راوندتري، الذي توفي في الـ25 من الشهر الحالي، فإليه يعود الفضل في جعل الممثل الأسود مطلباً جماهيرياً وتجارياً كبيرين. هو من فتح الباب أمام ممثلين آخرين كثيرين من الجنسين، لينطلقوا في البطولات. هو وسواه اختاروا شخصيات بعيدة عن الواقع لكنها كانت مفرطة في منوال الترفيه. هل تعاملت والعنصرية؟ بالتأكيد لكن ليس من باب الوعظ والإرشاد أو تقديم مشاهد المعاناة، بل من باب القوّة التي لا تنتظر إصابتها بموقف عنصري لترد عليه.

ريتشارد راوندتري في «شافت» (مترو غولدوين ماير)

هذا هو فحوى فيلم «شافت».

إلى حد بعيد، ما كان يقوم به التحري الأبيض (لنقل رالف ميكر في فيلم روبرت ألدريتش «Kiss Me Deadly») أو دِيك باول في فيلم إدوارد دمتريك «Murder‪، ‬My Sweet» هو ما يقوم به التحري الأسود جون شافت (ريتشارد راوندتري) من مهام مواجهة الأشرار لصالح الأخيار. لكن عند هذه النقطة تنطلق الاختلافات: التحري الأبيض ليس ابن شوارع هارلم حيث يعيش شافت الذي توفر له ثقافته نوعاً مختلفاً من السلوك والتصرف.

شافت «سكسي» بالقصد وهذا هو اختلاف آخر، لكن الأهم هو أنه يواجه عنصرية البيض حيال السود، والسود أيضاً، إذا ما حاولوا النيل منه، ولو أن الفيلم لا يتدخل في طرح الجانبين الاجتماعي أو السياسي للعنصرية. هذا أفضل لناحية أنه منح المخرج حرية التعامل مع عناصر الفيلم البوليسي القائم على الحركة وليس على صلب التحريات وحل الألغاز. الفيلم سلسلة متواصلة من الترفيه الناتج عن أن كل عنصر من عناصر أفلام الحركة ينتمي إلى المفهوم الجديد (والمفاجئ) للبطولة السوداء.تنصب حكايته على موضوع قيام إمبراطور الشر في هارلم (موسس غن) باختيار شافت ليستعيد ابنته من خاطفيها. لا يتغاضى الفيلم عن توفير أشرار سود، لكن هناك البيض منهم الذين لا يتمنون الخير لشافت أو لأبناء جلدته.

Cleopatra Jones‬

إخراج: ‪جاك ستارت‬

(جيد)

الولايات المتحدة | 1973جاك ستارت من بين أولئك المخرجين الذين مروا عبر تاريخ السينما من دون توقف أحد عندهم باستثناء بعض الناقدين المتابعين لجميع التيارات. ليس أنه كان يستحق تمثالاً في ولاية تكساس حيث وُلد، أو حتى طبع اسمه على رصيف شارع هوليوود كالأسماء الكبيرة، لكنه كان ذا موهبة وتخصص في صنع أفلام تجارية بعضها أفضل من بعض، و«كليوباترا جونز» من الجيد منها.

«القطن جاء لهارلم» (يونايتد أرتستس)

التحري هنا هو امرأة اسمها كليوباترا جونز (تمارا دوبسون)، نتعرّف عليها تشرف على حرق الشرطة التركية لحقل من براعم المخدرات البيضاء. حين تعود إلى الولايات المتحدة، كونها تعمل لجانب الحكومة، لترعى مصالح أبناء هارلم، تجد نفسها وسط صراع عصابتين، واحدة بيضاء تقودها شيرلي ونترز التي تريد الانفراد بتجارة المخدرات، وغريمها الأسود أنطونيو فارغاس (أطرف شخصيات الفيلم). من ناحية أخرى تواجه كليوباترا شرطة المدينة العنصرية (باستثناء رئيسها).

بِيل ماكيني، الذي لم يلعب دوراً في صف الأخيار في حياته، هو رجل شرطة عنصري وفاسد، وهو من زرع المخدرات ليتّهم أسود بريئاً بها. على كليوباترا وضع حد له ويتم ذلك في منازلة بديعة، لكن رئيسة العصابة البيضاء هي مقصدها الأهم ومعركتها معها.

في مثل هذه الأفلام ليس المطلوب من المشاهد أن يبحث عن المعقول والجاد والقابل للتصديق، إلا إذا كان الفيلم رديئاً لدرجة فقدانه كل المقوّمات الترفيهية التي هدف إليها. وهذا الفيلم لا يفقد شيئاً منها. غير قابل للتصديق. لا يكترث لطرح مواضيع تدعو للتفكير، لكنه يحمل تنفيذاً سهلاً وحكاية مثيرة بالتواءاتها وممثليها.

يختلف عمل جاك ستارت عن آخرين أموا هذا الاستعراض الكبير من الأفلام (أمثال آرثر ماركس، وآل أدامسون، وجاك هِيل) فهو بالفعل كان مهتماً عاطفياً بشخصياته. يلهو معها. للتذكير هو نفسه الذي مثّل دور مساعد الشريف السادي الذي يسقط من الطائرة المروحية في فيلم «دم أول» (First Blood). أفضل عبارة في الفيلم وردت على لسانه عندما كان مساعده يرش الماء بخرطوم اندفاعه قوي، على سيلفستر ستالون فيضحك ستارت ويقول لمساعده: «لا تنس خلف الأذنين».مثل أفلام النوع الأخرى، سمح الفيلم لعدد كبير من الممثلين السود فرص شهرة وعمل.

‬Cotton Comes to Harlem

خراج: أوسي ديفيز

الولايات المتحدة 1970

(ممتاز)

يعتمد المؤرخون على اعتبار أن «شافت» هو أول فيلم استهلاكي أسود (ما عُرف بموجة الـBlack Exploitation) لكن الواقع هو أن «القطن يذهب إلى هارلم» لأوسي ديفيز سبقه بسنة. ديفيز يشترك مع مخرج «شافت»، غوردون باركس، في أنه أفرو - أميركي أيضاً، لكن موضوع الفيلم يذهب أعمق اجتماعياً وبدلالاته. بالتالي هو ليس فيلم ترفيه فقط بل كوميديا إلى حد ودراما إلى حد وبوليسي إلى حد أيضاً.

تحريان من شرطة نيويورك واحد اسمه كوفي إد جونسن (رايموند سانت جورج) والثاني غرافديغر جونز (غودفري كامبريدج). أول ما نلاحظه هو اسم كل منهما: Coffin ومعناها تابوت، وGravedigger ومعناها حفار قبول. هما أسودا البشرة انتُدبا للتحقيق في جريمتي سرقة وقتل. يجدان نفسيهما وسط مشاكل متعددة وتيارات فوضوية وانتفاضات شعبية غاضبة. هناك أيضاً تجار مخدرات وتجار أجساد وتجار قضايا ومبشر أسود (كالفن لوكهارت) لا يمانع سرقة المال من متبرعين للكنيسة يوهمهم بأنه سيسهل عليهم العودة إلى أفريقيا. هذا ما يدفع كوفين لتحذيره في عبارة لا تُنسى: «إذا سرقت من البيض فهذا شأنك، أما أن تسرق من السود فهذا شأني». عصابة من البيض تسرق منه الغنيمة، لكن الاعتقاد الذي سيسود هو أنه دبّر سرقة المال لحسابه. فوق هذا كله شحنة كبيرة من القطن لا يعلم أحدها لماذا وصلت إلى هارلم ولماذا باتت محط اهتمام آخرين.

خرج الفيلم في الوقت المناسب بالنسبة لأحداثه. الكاتب تشيستر هايمز (أفرو - أميركي بدوره) وصف الحياة في هارلم التي كانت آنذاك تعجّ بكل أنواع الجريمة. والمخرج دفيز نقل ذلك بواقعية الأجواء مع إضافة ما يلزم من مشاهد أكشن وتحريات من بينها واحدة من أفضل مشاهد المطاردة.

يحمل الفيلم بعض الفوضى التي يعرضها. ليس سلساً ومستقيماً في سرده كما قد يتمنى البعض، لكن الفوضى التي يرصدها الفيلم في الشارع تلتقي مع الفوضى التي تسكن الفيلم نفسه، سواء كان ذلك مقصوداً أم لا. القصة مستوحاة من رواية بوليسية جيدة كتبها تشيستر هايمز وتنص على شخصيّتين وُلدتا وفي دمهما الرغبة في خدمة القانون، ولو بطريقتهما الخاصّة. لكن المخرج، وعن حسن قرار، لا يحوّلهما إلى ثنائي كوميدي ولا يساند أحدهما الآخر، بل كانا متساويين ولو أن خصال كل منهما مختلفة كذلك الطريقة التي يؤديان فيها دوريهما.



5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)
«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)
TT

5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)
«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)

في غضون 3 أيام هذا الأسبوع، بلغت الإيرادات الإجمالية لـ5 أفلام معروضة تجارياً على نطاق واسع أكثر من 158 مليون دولار في السوقين الأميركية والكندية فقط.

هذه الأفلام، وفق ترتيبها على سلم الإيرادات خلال الأيام المذكورة، هي: «الشيطان يرتدي برادا 2» (The Devil Wears Prada 2)، «مايكل» (Michael)، «مجرة سوبر ماريو» (The Super Mario Galaxy)، «مشروع هايل ماري» (Project Hail Mary)، و«هُراء» (Hokum).

ترتيبها حسب إجمالي الإيرادات حتى الآن يختلف عن ترتيبها الأولي، ويأتي كما يلي:

1. «ذا سوبر ماريو غالاكسي» - 403 ملايين دولار.

2. «مشروع هايل ماري» - 319 مليون دولار.

3. «مايكل» - 189 مليون دولار.

4. «الشيطان يرتدي برادا 2» - 82 مليون دولار.

5. «هُراء» - 7 ملايين دولار.

«هامنت» (فوكاس فيتشرز)

فجوة كبيرة

4 من هذه الأفلام مستمرة في عروضها العالمية بإيرادات مرتفعة، وهي: «ذا سوبر ماريو غالاكسي» (888 مليون دولار)، «مشروع هايل ماري» (639 مليون دولار)، «مايكل» (433 مليون دولار)، و«الشيطان يرتدي برادا 2» (239 مليون دولار).

مثل هذه الإيرادات تكاد تكون مستحيلة على الأفلام الفنية والمستقلة، التي تستقبلها المهرجانات بكل استحقاق وترحاب. أنجحها تجارياً في الوقت الحالي هو فيلم «هامنت»، الذي حظي بإعجاب غالبية النقاد خلال الأشهر القليلة الماضية، ويحتل المركز الـ19 بإيراد كلي لا يتجاوز 108 ملايين دولار.

في المقابل، جمع فيلم «صِراط» للمخرج الإسباني أوليڤر لاكس، وهو فيلم نال استحساناً نقدياً منذ عرضه في مهرجان «كان» في مثل هذا الشهر من العام الماضي وحتى فبراير (شباط) من العام الحالي، 13 مليون دولار عالمياً، علماً بأن كلفته جاورت 32 مليون دولار.

هذا لا يجب أن يكون مفاجئاً؛ فالأرقام المذكورة تبرز الفجوة الكبيرة بين الأفلام التي تجذب الجمهور السائد حول العالم وتلك التي تمثل الفن النقي وتُعرض في المهرجانات ويثمنها النقاد.

«مشروع هايل ماري» (أمازون-ج.م.ج)

التحولات النقدية

النظرة النقدية للأفلام من حيث التقييم ومعايير الجودة تغيَّرت على نحو شبه جذري خلال العقود الثلاثين الأخيرة. لقد ازداد عدد النقاد المعجبين بالأفلام الجماهيرية في الغرب عموماً، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص.

فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2»، الذي يضم مجموعة من الممثلين الذين ظهروا في الجزء الأول عام 2006 ومنهم ميريل ستريب، آن هاثاواي، إميلي بلنت وستانلي توشي، حظي بقبول جيد بين النقاد الأميركيين 62 في المائة إيجابي، و35 في المائة تقييم مختلط وفق موقع (Metacritic).

أحد النقاد في «ذا نيويورك بوست» وصف مشاهدته بأنه «ملزم لكل من يعرف الفرق بين البغل والمضخّة»، بينما أُعجب به آخر في «بوسطن غلوب» بوصفه «ترفيهي للغاية»، وكتب آخر: «متعة بلا إجهاد».

صورة معكوسة

ما يتبدَّى، وليس بالنسبة لهذا الفيلم فقط، بل بشكل متكرر، هو أن النقد الحديث الممارس على المنصات أو في الصحف الكبرى، أوروبياً وأميركياً، بات يميل إلى تأييد الأفلام التي لا تحتاج إلى تشجيع، على أساس أن نسبة قراء النقد في الغرب أقل بكثير من نسبة المتجهين إلى صالات السينما بلا اكتراث بالكتابات النقدية.

في بعض الحالات، يبدو هذا الميل رغبة في تعزيز مكانة الناقد لدى قرائه وصحيفته، بعيداً عن التعرّض للعناصر التي يقوم عليها النقد الجيد، ما يجعل عمله أحياناً وظيفياً أكثر مما هو نقدياً.

في العالم العربي، الصورة معكوسة لكنها ليست بالضرورة أفضل. معظم الكتابات النقدية تركز على البحث في معاني وطروحات الأفلام وليس على تقييمها فنياً. نادراً ما يُذكر اختيار المخرج أو أسلوبه، أو الحديث عن التصوير والموسيقى والمونتاج، أو دراسة الشخصيات وأداء الممثلين.

الغالب هو التركيز على الموضوعات الاجتماعية والسياسية المطروحة، وليس على كيفية تحقيق تلك الطروحات فنياً. وساعد الإنترنت وسهولة الوصول إليه قيام عدد كبير من «النقاد» (إن صح التعبير) باقتباس النصوص الأجنبية أو استلهامها، خصوصاً بالنسبة للأفلام الأميركية.

نلاحظ أن القلة فقط يكتبون عن أفلام وسترن أو رعب أو كوميديا إذا لم تجذب اهتمام النقاد الغربيين، وفي الوقت نفسه، تتبع الآراء النقدية العربية عن كثب تقييمات النقاد الأجانب. فيلم «هامنت» نال إعجاباً في المنشورات العربية، وكذلك «مشروع هايل ماري»، و«مارتي سوبريم»، و«معركة بعد معركة»، و«كان مجرد حادثة»، و«أحلام قطار»، وهي ليست جميعها ذات جودة واحدة، مما يجعل هذه الكتابات أقرب لأن تكون صدى أكثر منها قرارات نقدية مستقلة.

تجاذب النقد والجمهور

أحد الاختلافات الكبيرة بين النقد السينمائي سابقاً واليوم، خصوصاً في الغرب، هو إدماج القارئ عبر مخاطبته مباشرة. كثيراً ما نقرأ عبارات مثل: «ستعجبك ميريل ستريب في هذا الدور»، أو «حين تخرج من هذا الفيلم ستتطلع إلى السماء خوفاً من غزاة فضاء»، أو «ستضحك خلال المشاهدة وبعدها».

على الرغم من أن هذا نوع من التواصل المباشر والساذج الذي يسعى إليه كثير من النقاد، فهو مثال على تحوُّل النقد من تحليل العمل إلى توجيه المشاهد. سابقاً، كان الناقد يتجنَّب الحديث بصفته المتكلم، وكان الهدف تعزيز فهم القارئ للعمل فنياً وموضوعياً، ثم تركه ليختار موقفه بنفسه.


شاشة الناقد: فيلمان جديدان برسم الترفيه... إذا أمكن

«الشيطان يرتدي برادا 2» (أ.ب)
«الشيطان يرتدي برادا 2» (أ.ب)
TT

شاشة الناقد: فيلمان جديدان برسم الترفيه... إذا أمكن

«الشيطان يرتدي برادا 2» (أ.ب)
«الشيطان يرتدي برادا 2» (أ.ب)

THE DEVIL

2 WEARS PRADA ★★

إخراج:‫ ديڤيد فرانكل‬

الولايات المتحدة | كوميديا

عروض تجارية (2026)

ما يبقى عالقاً في الذهن من الجزء الأول من هذا الفيلم هو أنه ترفيه يشبه حديث الصالونات، مع الكثير من الأضواء وتصاميم الشعر والأزياء، وقليل من الصدق. كانت رحلة مع الماكياج المناسب لحياة ناشرة مجلة أزياء ناجحة ونجمة بين أترابها.

يبقى عالقاً في الذهن أيضاً أنه، وبسبب هذه العناصر، أصبح عملاً نموذجياً لجمهور ميريل ستريب ودفعة للأمام بالنسبة للممثلتين الجديدتين آنذاك: إميلي بْلنت آن هاثاواي

بعد 20 سنة، يذكّر هذا الجزء الثاني بمستوى الفيلم الأول مستخدماً اللمعة البراقة نفسها. حين تظهر ستريب في أي لقطة من الفيلم، فإن حسابات المخرج فرانكل الأولى هي تأطيرها على نحو صحيح: حجم اللقطة وإضاءتها وما ترتديه ستريب وكيف تبدو بنظارات وبدونها. لا يتدخل في أداء ستريب، التي لا تخطئ للحظة في تجسيد دور رئيسة التحرير ميراندا، ذات التأثير والسطوة، والتي تحاول في هذا الفيلم إنقاذ مجلتها من الأزمة المالية بسبب غزو وسائل التواصل الاجتماعي والنهاية الوخيمة التي تهدد مستقبل مجلتها «رنأواي». تسعى لذلك بالاشتراك مع آندي (هاثاواي)، التي كانت في نهاية الفيلم السابق قد وجدت طريقها للاستقلال بنفسها عن ميراندا.

تتكلم الشخصيات أكثر مما تنفعل. في الواقع، لا يوجد انفعال قد يؤدي إلى خلل في الشخصية. الفيلم حريص على تفادي أي أزمة فعلية من أي نوع لأي شخصية. صحيح أنه يتحدث عن مستقبل داكن للصحافة ومحاولة تلافيه، غير أن ذلك يمر بلا نتوء، وينتهي الفيلم والجميع سعيد بما حققه. المستقبل قد لا يكون داكناً كما نعتقد.

يرقص السيناريو على وقع ربط الشخصيات بأدوارها السابقة. النصف الأول منه يشبه تأسيس أثاث البيت، وهنا يكون الدخول في الحكاية مختصراً لهذا الجزء. إذا ما كانت هناك أزمة نشر تطال مجلات الأزياء (كما سواها)، فإن ذلك يُشار إليه بالأصبع وليس بالتفصيل. حين تضطر ميراندا للسفر بدرجة سياحية (بكامل بهرجتها طبعاً)، يضطرب الفيلم كما لو تعرّض لانخفاض جوي، في حين أن هذه الدرجة السياحية مريحة تماماً مثل درجة البزنس على الأقل، مع خدمة ممتازة ومتواصلة وعناية كاملة، ومسافة مريحة بين المقاعد.

وفي الوقت الذي تبدو فيه الموسيقى (كتابة ثيودور شابيرو) كما لو سمعناها في أكثر من فيلم آخر، لا يبقى أمام مدير التصوير فلوريان بولهاوس سوى الالتزام بالمطلوب، منجزًا ما يشبه صور البطاقات السياحية.

MICHAEL ★★★

إخراج:‫ أنطوان فوكوا‬

الولايات المتحدة | ميوزيكال (2026)

عروض تجارية (2026)

لا يدَّعي «مايكل» بأنه فيلم سيرة حياة شاملة، لذلك لا يهم إذا تطرّق لحياة مايكل جاكسون الخاصة أو لم يستطع أو لم يرغب. هو في الأساس، ومن بعد التمهيد لنشأة المغني في عام 1966، فيلم موسيقي، كما كان حال «ألڤيس» لباز لورمان (2022)، الذي مزج بين الحياتين الخاصة والعامة. كون «مايكل» لا يقدم على هذا المزج، تجنّباً للوقوع في خانة التشهير أو الاستغلال، شأن خاص لا يمكن انتقاده إلا تجاوزاً.

«مايكل» (ليونزغايت)

في الواقع، لم يكن لدى المخرج أنطوان فوكوا وكاتبه جون لوغان (كاتب «سكايفول» و«غلادياتور») خيار في هذا الأمر. حسب تصريح المخرج، كانت هناك مشاهد مكتوبة عن اتهام مايكل جاكسون بالتحرُّش بالأولاد (برأته المحكمة لاحقاً)، لكن العائلة التي تملك الحقوق القانونية والموسيقية منعت، فأُلغي هذا الجانب من السيناريو.

يبدأ الفيلم بمايكل جاكسون لتأكيد فرادته الفنية (رقص وغناء) منذ كان ولداً صغيراً، ويؤديه هنا جوليان كرو ڤالدي. بعد ذلك يتدرّج الفيلم متابعاً ولادة المغني الفنية ثم ولادة شهرته ونجوميّته، ويسير بمنهج مقبول من التتابع الزمني: حدثًا وأثراً بعد آخر.

يقوم جعفر جاكسون، ابن عم مايكل، بالدور. يرتديه كبذلة ويؤديه كاقتباس جيد في حركاته، وأقل من ذلك في التمثيل. لا يُغنِّي ما نسمعه (الغناء يبقى بصوت مايكل)، لكنه يجسد الرقصات والحركات والتصاميم العامة كما لو كان مايكل جديداً. ما نتابعه هو شبح الراحل وحضور المقلّد.

لا يجب أن يعني هذا أننا لن نجد حكاية حياة بالتحديد. هناك النشأة، وقسوة الأب، وشخصية مايكل، وهوسه بأفلام ديزني الأولى، وشخصية بيتر بان (لها دلالة خاصة)، وهناك بعض النقد لقراراته مثل تغيير لون بشرته لتحاكي الطلاء الأبيض.

هذه تجربة أنطوان فوكوا الأولى في هذا النوع من الدراميات. قبل ذلك، أنجز أفلاماً ذات حبكات تشويقية («Training Day» و«The Magnificent Seven»). الميوزيكال ليس ميدانه، وربما كان سينجز عملاً أفضل، لكن تصوير دايون بيب يمنح الفيلم دفئاً ولغة بصرية دقيقة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
TT

«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩

بعد طول انتظار، يعود فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2» (The Devil Wears Prada 2)، لتعود معه صراعات ميرندا بريستلي وآندي ساكس، ولكن في عالم تغيَّرت قواعده؛ حيث لم تعد المجلات تحتفظ بمكانتها كما قبل عقدين، وأصبح التأثير موزعاً بين المنصات الرقمية وسلطة المُعلنين. يعكس الفيلم هذه التحولات الكبرى مقارنة بزمن صدور الجزء الأول عام 2006.

⁨آن هاثاواي وميريل ستريب في مشهد من الفيلم (imdb)⁩

يبدأ العمل بآندي ساكس (آن هاثاواي) على أعتاب لحظة انتصار مهني بعد فوزها بجائزة صحافية، قبل أن تتلقى في اللحظة نفسها خبر فصلها عبر رسالة قصيرة، بسبب قرار صحيفتها «نيويورك فانغارد» تسريح عدد من محرريها لتقليص الميزانية. وخلال التكريم، تلقي خطاباً حاراً عن تراجع قيمة الصحافة في ظل المتغيرات الراهنة، ومن هنا تأتي الدقائق الأولى للفيلم لتعيد تعريف موقع آندي بعد عقدين قضتهما في العمل الصحافي الجاد.

أما ميرندا بريستلي (ميريل ستريب)، فلا تزال على كرسي رئاسة تحرير «رَنواي» (Runway)، التي لم تعد مجلة تقليدية، بل منصة تسعى وراء الانتباه. غير أن سلطتها لم تعد مطلقة؛ إذ باتت محكومة بتوازنات مع المُعلنين ودور الأزياء. وتظهر منذ البداية وسط أزمة حادة بسبب فضيحة تتعلق بتقرير نشرته «رَنواي» أثار عاصفة من الجدل، مما يضع اسم المجلة تحت ضغط حاد من الإدارة والرعاة.

من غرفة تحرير إلى غرفة أرقام

⁨ميريل ستريب بشخصية ميراندا بريستلي المرأة الحديدية في عالم الأزياء (imdb)⁩

تعود آندي إلى «رَنواي» بصفتها محررة تحقيقات، في موقع متقدم مقارنة بالماضي. ويأتي لقاؤها الأول مع ميرندا مشحوناً بتوتر مكتوم، يعكس صراعاً بين خبرة متراكمة وسلطة قائمة. كما تبدو المجلة بملامح جديدة؛ حيث يدور الحديث في الاجتماعات عن نسب المشاهدة والتفاعل، والعناوين الجاذبة، وتتحوَّل طاولة التحرير التي كانت تنشغل بقصَّات الأقمشة وألوان المواسم إلى لغة رقمية باردة.

في هذا السياق، يظهر نايجل (ستانلي توتشي)، ذاكرة حية للمكان، بنبرة تمزج بين السخرية والمرارة، مستعيداً زمن الرحلات الطويلة للتصوير، مقارنة بإيقاع اليوم المضغوط. ورغم ثباته النسبي، يمنح حضوره الفيلم توازناً بين الحنين إلى الماضي والوعي بالحاضر.

في المقابل، تدخل إيميلي شارلتون (إميلي بلنت)، من موقع نفوذ داخل دار «ديور» للأزياء، حيث تتشكل علاقتها مع «رَنواي» عبر الإعلانات والشراكات، مما يجعل «ديور» داخل الفيلم لاعباً رئيسياً؛ وجهة قادرة على التأثير في قرارات المجلة، إلى جانب علامات أخرى تظهر في خلفية الفيلم، لتؤكد أن الصناعة أصبحت شبكة مصالح متداخلة.

«لم تعد رَنواي مجلة»

⁨آندي ونايجل وحديث من داخل غرفة الأزياء لمجلة «رَنواي» (imdb)⁩

يقدِّم الفيلم الذي يأتي من إخراج ديفيد فرانكل، وسيناريو ألين بروش ماكينا، تحية ضمنية للصحافة المطبوعة. ورغم التركيز التسويقي على عودة الأبطال، تكمن مفاجأة الفيلم في نبرته الرومانسية تجاه الصحافة وصناعة الأزياء بوصفها فناً، بدلاً من «إنتاج المحتوى». في أحد المشاهد، يختصر نايجل الفكرة بقوله: «لم تعد رَنواي مجلة»، في إشارة إلى نسخة مطبوعة بالكاد تُقرأ مقابل محتوى رقمي سريع الزوال.

لا يبدو الفيلم معنياً بجذب جمهور جديد بقدر ما يخاطب متابعيه القدامى، من خلال استدعاء مستمر لأحداث الجزء الأول. كل شخصية تستعرض مسارها وتحولاتها، ما يمنح العمل طابعاً أقرب إلى مرثية ساخرة لواقع ما بعد 2006، وهيمنة الشركات الكبرى، يتجلى ذلك في مشهد جنازة رمزي لما آلت إليه الصناعة.

ميلانو وليدي غاغا في قلب القصة

تبلغ الأحداث ذروتها في مدينة ميلانو خلال عرض أزياء تنظمه «رَنواي»، حيث تتصاعد الضغوط نتيجة تقليص الميزانية. ويظهر ذلك في مشهد ساخر تسافر فيه ميرندا على الدرجة الاقتصادية، في مفارقة تعكس تغيُّر الأولويات.

ويفاجئ الفيلم جمهوره بظهور النجمة ليدي غاغا، في مشهد يجمعها بميرندا، يكشف توتراً قديماً بينهما، ويعكس تحولات موازين القوة داخل هذا العالم.

⁨تعود آندي إلى مجلة «رَنواي» في الجزء الجديد وبتحديات أكبر (imdb)⁩

كما يقدم أحد أكثر مشاهده تأملاً خلال عشاء فاخر تستضيفه قاعة تاريخية مزينة بلوحة «العشاء الأخير» الشهيرة للفنان ليوناردو دا فينشي، إذ يجلس الحضور تحت اللوحة في تكوين بصري متقارب، في حين تتحدث ميرندا عن تفاصيلها إلى آندي، ليضع الفيلم الفن في مواجهة الاستهلاك، وتتحول لوحة تاريخية إلى خلفية لعشاء فاخر.

في الختام، لا يغيِّر الفيلم مواقع شخصياته جذرياً؛ تبقى ميرندا على رأس «رَنواي»، وتعود آندي إلى المجلة، لكن التحول الحقيقي يكمن في طبيعة العمل نفسه: من صناعة الفن إلى ملاحقة التفاعل، وهي الفكرة التي يرسِّخها الفيلم عبر تفاصيله.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended